قصة محمد فاروق: القضية الفلسطينية

wpid-img_3206-2013-03-6-05-57.jpg

هناك سبب آخر خاصٌّ جدًّا يمنعني من الزواج، يجعل الرجال يهربون مني. هذا السبب هو اسمي. اسمي يسبب لي مشاكل إضافية. اسمي ليس “نرمين” يا مصطفى، وقبل أن تتهمني بالجنون تفضل بطاقتي، مدون بها اسمي الحقيقي: اقرأ… نعم. لا تفرك عينيك… هذا هو اسمي الذي تقرأه: القضية الفلسطينية عبد الفتاح شكري، رقم قومي: 2109876- سجل مدني بولاق- تاريخ الإصدار 17-10-2005… هل صدقت الآن؟؟

أنا امرأة عادية تحلم كأي فتاة، بذلك الفارس الوسيم القوي الذي يعبر الصعاب ليخطف قلبها، لكنها كأي فتاة أيضًا، ستقبل أن تتزوج من رجل بدين، أصلع، عابس، تستيقظ في الصباح على رائحة فمه، ويقض مضجعها فساؤه الليلي تحت اللحاف- ويتميز أنه دائمًا ما ينسى سوستة بنطلونه مفتوحة في المناسبات الاجتماعية المهمة.

Continue reading

لنسم الأشياء بأسمائها

IMG_1896

.

هنا القاهرة؟ نعم. وهنا شخص بلغ به الضجر حد الشماتة.

اليوم سأسمي الأشياء بأسمائها. قد لا يعترف “التيار المدني” الذي أنتمي إليه للوهلة الأولى بأن هذا ما نحن بصدده، وقد لا تصيغه “الثورة” التي شاركتُ فيها بالألفاظ ذاتها. لكن، ومنذ استتب أمر الإخوان المسلمين في السلطة بمعاونة “ثوار” مازالوا عمياناً عن كل ما سوى المناهضة المستبدة لـ”فلول” نظام يبقى أفضل بأي مقياس من الديكتاتورية الإسلاموية، باتت الحوارات/الشجارات في فضاء الجدل السياسي داخل هذين المعسكرين تتمحور حول سؤالين:

هل من “توافق وطني” محتمل في السياق الراهن؟

وهل قامت “ثورة يناير” من أجل معادل سني لولاية الفقيه (وهو ما يكرس له الدستور الطائفي المزمع تمريره رغم كل شيء ورغم أنف “التخين”)؟

هنا “مصر الثورة”؛ ولأن الإجابة عن السؤالين هي بالضرورة لا، هذا ما أجدني أتحدث فيه مغالباً فجيعتي بعد عامين على بدء التحول.

***

تقول الشعارات الإسلامية: “ماذا رأيتم من الله حتى تكرهوا شريعته؟” ولنفرض أننا لم نكن قد رأينا. أمس، يوم ٥ ديسمبر في مصر الجديدة، رأينا “شريعة الله” على الأسفلت. رأينا الإخوان المسلمين والسلفيين والجهادين – تحت أعين الشرطة – يقتلون المتظاهرين المناهضين للرئيس “الشرعي” محمد مرسي والمحسوبين على الثورة بدم بارد.

رأيناهم يأسرون ويسبون ثم يحتجزون ويعذبون سباياهم وأسراهم ضرباً وخنقاً وطعناً وصعقاً بالكهرباء بل وتعليقاً على أسوار قصر الاتحادية حيث كان المحتجون قد كتبوا تنويعات مختلفة على رسالة القطاع الأوسع من المصريين المدينيين إلى مرسي: “ارحل يا ابن الجزمة”. وإذا أطلقوا سراحهم فليسلموهم إلى الشرطة بتهمة البلطجة، حيث يصبح قرابة مئتي مجني عليه متهماً وماثلاً أمام نيابة باتت – بعد الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس يوم ٢٢ نوفمبر وانطلقت في إثره الاحتجاجات، محصناً قرارته ضد الطعن القضائي – في خدمة الجماعة وتحت أمرها.

ليس هذا وحسب: إن قوادي “الحرية والعدالة” (كما صرت، عن نفسي، أعرّف “قيادات الإخوان”) بلغ بهم التبجح حد التلاعب الإعلامي والطائفي بهوية القتلى لكي ينسبوا الضحايا إلى أنفسهم… هكذا رأينا شعب الريف الكادح يزحف على المدافعين عن أبسط حقوقه باسم الله ليمارس عليهم أقسى أنواع القمع الرسمي بصفة غير رسمية، ورأينا دعاة “شرع الله” من المتنطعين على الثورة، بلا خجل، يسبغون على سياسي حنث اليمين وثبت عليه الكذب على نحو قاطع عصمة الأنبياء إن لم يكن القداسة الإلهية. هذا ما رأيناه أيها “الفصيل السياسي” الشريك…

***

قبل شهور كان واضحاً أن ثنائية الثوار والفلول السائدة إذاك – تحت “حكم العسكر” – ليست سوى إيماءة شعاراتية طارئة سرعان ما سوف تنهار أمام صراع أكثر جذرية بين الإسلام السياسي وما سواه من توجهات، لأن الإسلام السياسي من الشمولية والعنف والرياء بحيث لا يستوي وجوده متجاوراً مع “فصائل” أخرى.

واليوم، بينما يُحشد الرعاع والإرهابيون من الأقاليم المظلمة في “تظاهرات تأييد” قاهرية لا يميّزها عن تظاهرات بلطجية مبارك سوى وساختها الريفية وتبجحها الوقح بإرادة السماء، يتهم قوادو الحرية والعدالة ميدان التحرير المحتشد تلقائياً ضد الأخونة والتخليج، ضد تقويض القضاء والتمهيد للسيطرة على الإعلام، بأنه صار قبلة الفلول (علماً بأن الحكومة الإخوانية، ووزارة الداخلية بالذات، قائمة بالأساس على من كانوا يتقلدون مناصب في “العهد البائد”؛ علماً بأن الإخوان كانوا أول من تفاوض مع نظام مبارك وفي تاريخهم السابق على الثورة أكثر من واقعة تحالف مع الحزب الوطني المنحل). لقد بلغ جهل وغباء الإسلاميين في مصر حد التهديد بالعصيان المدني “تأييداً لقرارات الرئيس”؛ ومتى كان التأييد من وظائف الحراك الاحتجاجي؟ ومتى…

عشية الاعتصام عند الاتحادية، وإثر هروب الرئيس من باب خلفي للقصر المحاصر ثم التناقص التدريجي لأعداد المعتصمين هناك، أرسل الإخوان مسلحيهم المنظمين لفض اعتصام الاتحادية وعقاب “الثوار”… وبعد أن دفعوا لآخرين مقابل التحرش بالنساء وافتعال العنف سواء أفي التحرير دار الثورة أو في ماسبيرو مركز الحراك القبطي.

***

ثم إننا رأينا “مؤيداً” على “يوتيوب” يسب المعتصمين أنفسهم بِغِلٍ غير مفهوم بعد فض اعتصامهم، رأيناه يستدل بعلبة “جبنة نستو” وجدها في إحدى الخيام على أن “بتوع حمدين والبرادعي” اللذين يكرههما (لأسباب هي الأخرى غير مفهومة) ليسوا سوى خونة ممولين من الخارج (ومن ثم، أو إلى ثمة، “ضالين” ممن تذكرهم فاتحة القرآن).

إن ما يثبته مثل هذا المشهد هو أن الإسلامي المتحمس ليس في حاجة إلى حقائق/معلومات مطابقة للواقع التجريبي ولا إلى أي منطق نظري مهما كان بسيطاً ولا حتى إلى الحد الأدنى من أدنى حد لإعمال القوى الذهنية العادية لكي يقيم حجة تبرر له غضباً ينفث من خلاله كراهيته لذاته والتي يعبر عنها من خلال التشبث بالغواغائية الشعبوية وسواها من أشكال التخلف من جهة، وعبر رفض كل ما يمكن أن يذكّره بدونيته من جهة أخرى (وهو العالم الواسع بما فيه احتمالات التقدم).

دعك إذن من أن المتظاهر ضد مرسي هو بالضرورة، بالنسبة إلى ذلك الإسلامي، “بتاع” أحد سواه؛ إن الجبنة النستو التي يأكلها الجميع، إسلامياً أكان أو غير إسلامي، هي الدليل الدامغ على العمالة والخيانة ومناهضة “الشريعة” وكل ما من شأنه أن يهدد “الإسلام” في خطابه الساعي إلى يوتوبيا هو يعلم قبل غيره أنها لا يمكن أن تكون.

***

واليوم؟ اليوم يكبّر غلمان السلف داعين “أمير المؤمنين” الجديد أنْ “اضرب ونحن معك”، رافعين أعلام السعودية والقاعدة، محرضين “خرفانهم” على قتل رموز المعارضة في القضاء والإعلام بوصفهم “فاسدين” و/أو “كفرة فجرة”. واليوم يتطوع هؤلاء الغلمان والمتعاطفون معهم – بأوامر من القوادين – لأداء أدوار جلادي “أمن الدولة” في إعادة هزلية لمسلسل القمع البوليسي المفترض أنه مورس على الإسلاميين من قبل، ولكن أمام عدسات الهواتف في الشوارع، وفي أكشاك الشرطة العسكرية، وفي غرف داخل أسوار القصر.

وبينما يحدث ذلك، يقبع اليسار المدجن في محبسه “الوسطي” وقد أخرسته التطورات وإن استمر في ترديد شعارات الثورة على الفساد والتوافق الوطني كالمنوم مغنطيسياً، ملتمساً أعذار الجهل والكبت وحداثة العهد بالسلطة، محذراً من “حرب أهلية” لا سبيل إلى تجاوز هذه المرحلة المنحطة – وقد مسك الكلب عظمة – إلا بشيء مثلها… حرب قد بدأها الإسلاميون بالفعل رافعين شعار “قتلاهم في النار وقتلانا في الجنة”، وبإيعاز من “القيادات” الميليشياوية الفاسدة والفاشلة التي لا تزال تتغنى بديمقراطية الصناديق واحترام رغبة الشعب.

يحدث هذا، وفي اليوم التالي يلقي الرئيس خطاباً رسمياً يغربل فيه نظرية المؤامرة المخابراتية المعتمدة منذ منتصف القرن فيقول إن بلطجية النظام السابق اعتدوا على متظاهرين سلميين؛ إن البلطجية في خدمة سياسين حان وقت محاكمتهم، وإنهم قد اعترفوا بجرمهم أمام الشرطة. لا يتعرض ولو بكلمة للفرق بين المحتجين و”المؤيدين”. لا يتعرض ولو بكلمة لجرائم الإسلاميين وتواطؤ الشرطة عليها. إن عدد البلطجية الذي يذكره مطابق لعدد المعتصمين الذين أوقفهم الإخوان وعذبوهم ثم سلموهم؛ ومع ذلك، رغم النفوذ الإخواني في النيابة، لا يستطيع أحد أن يثبت عليهم أي جرم حتى يطلق سراحهم بعد مماطلة في اليوم الثالث. ولا يعرف أحد عمن كان يتحدث الرئيس.

***

“حماية الثورة”: قل ما تشاء يا رفيق. أنا فعلاً نادم على مشاركتي في الحماقة الكبرى التي تسمونها الثورة، ولم أشعر مثل اليوم بضآلتي ولا جداوي أنا وكل ما يمكن أن أمثله. كل ما في الأمر أنني تصورت خطأ أنني أعيش في مجتمع يمكن أن يدافع عن مصالحه، أو يعني مجتمع له طليعة تعرف تلك المصالح أو ترى أبعد قليلاً من بشاعة القمع اللحظي وأخلاقية الشعار. قاطعت الانتخابات البرلمانية وقاطعت انتخابات الرئاسة، وحاولت على مدى سنتين أن أستفز المعنيين لأذكرهم إلى أين نحن ذاهبون… الآن أحس أننا قد وصلنا، ولم أعد متأكداً من أن مصر ليست سوريا، ولا أشعر أن عندي أي شيء أقدمه. ليسقط الإسلام السياسي وليسقط التدين الذي أنتجه؛ لتسقط أكذوبة القومية العربية ومزحة التحرر الوطني؛ لتسقط ترهات النهضة ودعارات المقاومة؛ ليسقط الفساد والاستبداد… ولكن ليسقط كل من ساهم ولو بنَفَس شارد في ركوب شعوب وأوطان بأسرها على هذه السفن الورقية ومن ثم وصولنا إلى هنا. نحن يا رفيق لا نستحق الحياة.

- ٢٢ نوفمبر ٢٠١٢ إثر صدور الإعلان الدستوري

***

ومع ذلك، ورغم ذلك: لدى التوافقيين والوسطيين وقطاع كبير من “الثوار” كما لدى الإسلاميين أنفسهم، يظل الإسلام السياسي مضطَهَداً حتى حين يكون في السلطة؛ يظل قومياً حين يعمل لصالح إسرائيل، وتوافقياً حين يستبد بالقرار، وديمقراطياً حين يكرس للشمولية؛ يظل “فصيلاً” ضمن الفصائل حين يحتكر لا القرار السياسي فحسب وإنما الدستور ذاته… كما يظل الممثل “الشرعي” للشعب حين يُقصي ثلاثة أرباع ذلك الشعب نوعاً إن لم يكن كماً ويغامر بالدولة بعد أن غامر بالمجتمع والثقافة الوطنية بكل معانيها المحتملة على مدى عقود.

هكذا يأتي ناشط نجم ممن بادروا إلى انتخاب مرسي، وهي الخطوة التي أدت مباشرة إلى ما نحن فيه؛ وبدلاً من الاعتذار عن قصر النظر والمساهمة في صعود الاستبداد الظلامي وتسهيل مهمة التخلف الممنهج أو إعلان موقف واضح من الديكتاتورية الدينية التي تمثلها الرئاسة، إذا به يشير إلى جذر الخلاف في الجمعية التأسيسية الموالية ورئيسها فيغرد قائلاً: “أنا مش نازل أسقط مرسي، أنا نازل أسقط الغرياني.”

لماذا إذن لا نقول إن الإسلام السياسي يحقق أهداف الثورة بالفعل ونحن نراه يستعملها وإيانا للانقلاب على ما بقي من المؤسساتية واستبدالها بشمولية عشائرية أبشع ألف مرة من “نظام مبارك” الذي ثرنا عليه؟ طالما لا تسعى “الثورة” لحساب نفسها باستبعاد أمثال ذلك الناشط من الأصوات المعبرة عن رواسب الوعي النضالي الأخرق ودعارات البطولية الاستعراضية بكل ما فيها من جهل وغباء ولامسئولية إجرامية، لعل ما يفعله مرسي كمسئول ملف الرئاسة في جماعة الإخوان المسلمين هو “ثورة مصر” بالفعل. ولعلنا جميعاً بمن فينا ذلك الناشط فلول.

***

وعن خ. ع. عن المكفهر ا.ح. عن الشيخ ع. أنه قال: ويومذاك نزل ع. ب. إلى ميدان النهضة فحشر أحدهم في دبره علماً للسعودية ملفوفاً كالبلجدق (قيل وما البلجدق، قال: الخازوق ذو الرأس المدببة) فإذا بـ ع. يجاهد في إخراج العلم من دبره ولا يفلح حتى أعياه الجهد فسقط منهكاً ولما يقم حتى ولد من دبره ضفدعاً كلما نق قال “مرسي اه”، وقيل “وامرساه”؛ قال الشيخ م. هادم الأصنام: وكانت من معجزات عصر الدولة الإسلامية. رواه ص. ح.

- ٤ ديسمبر ٢٠١٢

***

أمس في مصر الجديدة تأكد ما كنا نعرفه، أو انهار ما كانوا يكذبون به علينا – ومازالوا – من أن هناك مساحة تقاطع حقيقية بين الإسلام السياسي والديمقراطية أو الوطنية أو الحرية أو العدالة الاجتماعية أو أي قيمة أخرى نادت بها “ثورة يناير”؛ أو أن ما يتهددنا في هذا المنعطف التاريخي هو الشمولية العسكرية أو استمرارها. ولا أهمية الآن لتوجيه السؤال إلى الرفاق ممن صوّتوا لمرسي: ماذا كنتم تتوقعون؟

إنها أدوار ورثها أصحابها – وإن طوروها – من قوميي الانقلابات ودعاة مناهضة الاستعمار واليسار الذي بادر من ثم إلى موالاة “الشيوخ”… هنا القاهرة وهذا ما وصلنا إليه: ملتحون يقمعون الاحتجاج في حماية “الرئيس الثوري”، قاصمين ظهر أي منظومة مدنية محتملة، متاجرين ليس فقط بالعقيدة وإنما أيضاً بدماء مواطنيهم؛ مدن تعلن استقلالها عن حكم الإخوان؛ و”ثوار” لازالوا يدافعون عن انتخاب مرسي بوصفه “النار” التي فضلوها على “عار” شفيق حرصاً على “المصلحة الوطنية”! فهل كان شفيق ليجرؤ على إصدار إعلان دستوري مثل الذي أصدره مرسي ثم إرسال ميليشياته لقمع الاحتجاج عليه؟ أتمنى عليك أن تجيبني، أخي في الثورة.

ولو كان في البلاد مؤسسة عسكرية “وطنية” متماسكة، هل كانت لتسمح بتسليم الدولة لجماعة سرية إرهابية تمارس القمع المجتمعي والعنف السياسي ونشر التخلف بانتظام منذ عشرينيات القرن الفائت؟ ولو كان للإسلام السياسي أي صلة بالديمقراطية، هل كان ليخرج في “تظاهرات تأييد”؟ ثم ماذا نحن فاعلون؟ لا أهمية للإجابة عن هذه الأسئلة، أقول. الأهمية للاعتراف بأن الإسلاميين هم رعاع الأمة، ومنظريهم نخاسوها، وقادتهم أثرياء حربها من زعماء عصابات الملتحين… لنسم الأشياء بأسمائها معترفين بفشلنا الذريع مرة وإلى الأبد. ولنقل مثلما قال الرئيس مرسي في نهاية خطابه: والله من وراء القصد.

.

محمود عاطف: نصر أبو زيد وقصيدة النثر، ظلال بعيدة متشابكة

wpid-236921306581833747_6860517-2012-07-17-21-06.png

.

من بين أكثر الأفكار تطورا في قناعاتي إثر التحول عن الإسلام السياسي إلى علمانية واضحة المعالم وشخصية جدا – وعبر مراحل وسيطة متعددة – كان التعامل مع مفردة “الله” بكل تنويعاتها المختلفة في النصوص الأدبية، والشعري منها على وجه الخصوص.

الفكرة ببساطة كانت المجاز، واعتبار أن كل شاعر لا يقصد بكتابته تجرّؤا على الذات الإلهية أو ممارسة عنترية زائفة، قدر ما ينبغي حمل أفكاره على معنى آخر. كان تصورا تلفيقيا مني اقتضته فترة خلخلة فكرية ما بين الخروج من دوامات الطرح الإخواني بكل سذاجته الأخلاقية والبحث عن طرق بديلة. لكنها، الطرق البديلة ذاتها، كانت تنضوي أيضا – هذا ما لا فكاك منه في فترة التحول – تحت التصورات الإسلامية الواسعة والبعيدة عن معنى التحزّب.

هذا كان قبل قراءة نصر حامد أبو زيد.

في الفترة التي تلت قراءة أطروحاته المهمة حول النص واللغة والتأويل، انزاحت قناعاتي قليلا إلى جانب أكثر راديكالية من التعامل مع مفردات الذات الإلهية.

بات التأويل يشبه مجازًا كبيرًا تصنعه اللغة، اللغة بوصفها مجازاً أصلا تفعل هذا، أو نفعله نحن بها في الاستخدام اليومي ودون وعي حتى: “رِجل” الترابيزه، مثلا.

وإذا كان “ربنا عرفوه بالعقل” ويزيد البعض “بالقلب”، فإنه يمكنني القول إن “ربنا عرفوه باللغة” أيضًا.

صحيح أنّ الله مفارق ومطلق – كما يقول المسيري – لكنه عرّف نفسه لنا، وعرفناه نحن بدورنا، من خلال اللغة: النصّ القرآني. وهذا الكتاب، كونه لغة، تسري على مفرداته وتكويناته القواعد ذاتها التي تمارس على اللغة في عمومها، فلو كانت لغة القرآن مفارقة كذات الإله لما أمكننا فهمها أو تأويلها.

هكذا أمكنني أن أفهم (هل أقول أشعر بـ”لذاذة”) ما كتبه “أمل دنقل” ذات يوم: “خصومة قلبي مع الله ليس سواه”. وتوارت للأبد مقولات بدائية – كنت بدأت فترة تحوّلي الفكري بنقضها – من قبيل: إنه ينبغي أن نلتمس العذر للشاعر؛ ففضلاً عن منطوق الجملة الإسلاموي الأخلاقي، والذي يفترض وجود ذنب ينبغي الاستتابة بشأنه، إلاّ أنها أيضًا تلفيقية وبعيدة عن الشعر قدر قربها إلى الفقه والأحكام الشرعية.

يبدو لي – هذا ما أكتشفه للتو – أنّ قصيدة النثر في التسعينات ليست بعيدة الصلة عن طرح “أبو زيد”. القصيدة التي ارتفعت بلغة الشارع في بعدها الفردي إلى الشعر أظنّها جوهر ما طرحه “أبو زيد” حين تعامل مع اللغة بوصفها شيئاً غير مقدّس، حتى لو كانت لغة النص القرآني.

في هذا السياق، يخطر لي أيضا أن “عبد المعطي حجازي” وثيق الصلة بالشيخ “ياسر برهامي”، فرغم ما يدّعيه الأول في كتاباته من قيم علمانية وحداثية، وما يطرحه الثاني من أفكار وهّابية وطائفية، إلاّ أنهما – وفي لحظة مفارقة في سخريتها ومأساويتها – يصلان إلى نفس النقطة في التعامل مع اللغة بوصفها كائنًا مقدّسًا. القداسة أوصلت “حجازي” إلى رفض قصيدة النثر، الأمر الذي حداه إلى إصدار كتاب يحوي مجموعة من قصائد النثر كملحق لمجلة إبداع لا لشيء إلا ليسخّر أحد كتبته للنيل منها والتنديد بكتّابها.

كما أنها وصلت بـ “برهامي” إلى هذا الطرح الموغل في تطرّفه، كأنّه خلال ألفية ونصف من تاريخ الإسلام لم نتمكّن إلاّ من الانزلاق نحو أحطّ منحدراته. و” كل الحاجات الحلوة التي طلّعها الإسلام – الشِعر، المعمار، الخط، المنمنمات، التجويد، الذكر، التصوف، الفلسفة والعلوم، آل البيت وأولياء الله، القصص، العشق، آداب النكاح، الواجب الاجتماعي، مكارم الأخلاق – كل هذه الحاجات، الناس تتجاهلها تماماً. وإذا ذكرها أحد يذكرها بس ليذمها أو يحرمها ” *

هذا في ظنّي أقسى ما يمكن أن نعيشه.

رحم الله ** نصر حامد أبو زيد.

محمود عاطف

.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*من “كتاب الطغرى”- رواية- يوسف رخا- دار الشروق- 2011.

** لمهووسي القداسة والبلاغة المحنّطة: “الله”، لفظ الجلالة منزّه عن الإعراب، فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.

قصيدة جديدة: السقائون

wpid-orient002-aab-0196-3-2012-06-23-01-17.jpg

كنتم تعيشون عِبارة
مجرد عبارة صيغت لغَرَض تجهلونه
بدا أنها قادرة على ضخ المياه
في القرب المتدلية على أكتافكم
كخصيتي عنين
كنتم تعيشون عبارة لا تسأمون تكرارها
وأنتم تنادون على بضاعتكم
وبأصوات بذيئة
تصرون على بيع المياه
لمن يرى جلودكم مشققة من جفافها
وفي الأزقة التي ترتادونها
كانت الأبواب تُغلق على صوت خطوات بعيدة
وأعمدة النور المنتصبة كالشواهد
ترسل أشعة برتقالية وخافتة
فتلمع برك صغيرة من الدماء
***
ولكن بحق الله أو – يعني – حق صحبتنا
أي عبارة هذه التي تتقطّع على وقعها الأعضاء
وحيث ترتجف الثكالى وسط أشلائهم
يدمدم أوغاد جدد في الميادين
باحثين عن خرم إبرة إلى الهيلمان
تاركين القرب للقحط
فيما الخصيتان تنتفشان
وللمرة الألف
فاردين ظهورهم بانتظار الرشاش
يستعد السقائون للنشوة

*

CAFE-مختارات من ديوان “علية عبد السلام”: موت من أحبوني

مختارات من قصائد علية عبد السلام

(download if you like)

صديقي

كان كهؤلاء المطعونين

هادئاً كالطاولات بعد أن غادرها العشاق

وحشياً كسكين فرغت تواً من مهمتها

يفض الرسائل

يجرح عشبها النامي في البلاد التي طردته

طوى الصور القديمة وغنى:

“نورما” كنت قاسية في الفراغ كهياجي وحيداً

لافظة كتأشيرة تمنح للمهاجرين نهائياً

تفضلين أن تنمو الحشائش فوق الجسور الخاصة بالسيارات

تتشابك آراء الصيادين حول الانتظار

“نورما ” لماذا أخرج للمقهى

وأصاحب النساء المختلفات عنك تماماً

“نورما” لن تقول أبداً إنها حامل منه

وإن الجنين قد يكون أنثى

وإنها تأكل الخبز الجاف فقط

وتشرب القهوة المرة

وكعادة الصغيرات تخشى بلل الأمطار

لكنها ستؤلم الجسد قليلاً

لتطبع وشمه المفضل

فى المكان المفضل

وتخرج لجمع الزهور

وشراء الآيس كريم.

بل كأني أعنفها فقط

أثير في النفوس الضعيفة

خيبة أمل في إصلاحي

كأني تلك الوردات التي تخرج من الفساتين وتمضي كسرب نمل تحت أقدامي

فأدهسها – غير نادمة -

بل كأني أعنفها فقط

الرجل الوحيد على عتبة بيته

جالس يكشط عوداً من الحطب

الغريب فى الأمر:

كان يبحث عن (طراوة) !

لا يجوز

عنوة ألعب؟

لا

لن ألعب معك أيها العالم

لتحترق القدس

ليفنى الفلسطينيون

ليكذب الزعماء العرب

لتنام مصر في العسل

ليخدعني حبيبي

ليبتزني العسكر

يرهبني رجال المخابرات

يراودني أنصاف الرجال عن نفسي

عنوة أؤمن بما تؤمنون

يا علماء الأرض

لا يجوز للجمال أن يدخل دورة المياه

كل صباح

لا يجوز حرق الشرق للتدفئة

لا يجوز

الغردقة

10/11/2002

موت من أحبوني في قصائد

من القبح أن أكون تحت أقدام أمي

القسوة والأقنعة البريئة يتبادلان قيادتي

أجد راحة ما حين أبتكر حكايات عن موت أبى.

كبرت من الكراهية النقية حيث لم أتعلمها

ولدت منها فحرصت على مص الدماء

إنها قوة إنسانية عظيمة تمنحنى السعادة

بسبب ذلك كل سعادتى موت من أحبوني ميتة شنعاء.

لسبب غامض حين أغرز في الباب مفتاحى أتعلم الوحدة

أتخيل صديقاً

يطعم أسماكي

يغير ماء الورد

ينتبه لغلق الباب في الشتاء

حيث الريح الشديدة

توهن النبات

بالطبع لا أحد في الداخل

فأبغض حماقتي وأصرخ :

بالتأكيد كنت قاسية للغاية.

أغلق الباب

أبتسم للأسماك المشرفة على الموت

والنبات البائس

للملصقات على الحائط

أتشمم رائحة جسمي

قد يأتى أحد كالهواء

أكثر زرقة من الليل

يشبه هذا العفريت الذي أحببت.

وجدت طريقي

حيث لن يتشبه بي أحد

سأكون طائراً يحلق بالقرب من بيت مهجور

وفى خيبتي

سأقلد فتاة صغيرة تتوهم أنها صخرة

وأحراش وحيوانات مفترسة

وأنها خوف لن يبلغ منتهاه

وأنها ظلمة خالصة من أي توجس

وأن السخونة التى تعتلي ركبتيها

دم

وأنها فتاة صغيرة تحب أن تلعب.

هذا كنزي الذي أخفيته

بحكمة إنسانية معقولة

وحده يدير شئوناً أجهلها عن روحى

يصنع لى الفطائر بالعسل

ألتهمها متسلية بمراقبة جموع الذباب

التي تحلق بالقرب من ركبتي

لديّ ما يغري

فم واسع

شفتان غليظتان

مخضبتان بالعسل

سيدنو الذباب متردداَ

في خبث مفضوح

لكني يا صديقي

سينشق فمي فجأة.

قراصنة العصر (2)

يسقط المطر ولا تكبر أشجاري

أحزن وأنام

في الليل

أرى قدراً فيه ماء يغلي

بسهولة ويسر أقطع أصابعي

ألقي بها في القدر

لا أجزع

أتابع تقلصها نشوانة

أقرب وجهي من فوهة القدر

( لينظف البخار وجهي وليظل جميلاً )

لا أكترث أن نبحت الكلاب

أو اشتعلت النار في دولابي

فماذا أصنع للعبيد المقيدين

أسأل الشمس التي تسكن أرضي لماذا أنت هنا

أقول وداعاً لمن يهمني أمره

أما الناس

فأعد لهم إناء كبيراً من دمي

بعد أن أقطع يدي أجمع الزهور ثم أجففها وأخلطها بالدم

سأرسلها بالبريد أو في زجاجات خمر فارغة عندما أكون في أعالي البحار

قرصاناً من القراصنة.

توائم (3)

هذه الأرض مسكني

بيتي قريب من قسم الشرطة أطلس العالم تحت يدي

طوابع بريد

ورق أبيض

مقص صغير

ماذا ينقصني للاتصال بأصحاب روحي المنتشرين في الأرض

أخترع توائم لي قادمين إلي بحنو الأنبياء أو الآباء الطاعنين في السن

لا أود أن أضل أحدكم فليس لدي هلع من المتطرفين ولست من دعاة تخفيف الأعباء عن كاهل المواطن

بل لا أرى الفقر عيباً

أضجر من الشباب

لا أصدق إذاعة لندن

أتابع باريس عبر مونت كارلو

كل يوم موتى جدد

ماذا ينقصني للاتصال بأصحاب روحي المنتشرين في الأرض

الأكيد أن موتي غداً حيث لا أسمع أعدائي الفرحين

وهم يمجدون سيرتي

سأختفي أيها الأغبياء ولن تقدرون غيابي.

خمس قصائد ( للنيو يير )

1999

(1)

تشتاق روحي لعالم لا أدركه

بعض الألوان المبهجة أزين بها وجهي

يصبح لي قناعا أواجه العامة

أرضي الشعب

البشرية أستهلكت/ الحياة موت يعاند

تشتاق روحي لعالم لا أدركه

أنت طيب أيها الشيطان

بجانبك

مومياء بجوار جسد نابض يجري فيه الدم

كلاكما وجود ينقصه الخلو من كل عيب

انتهى عصر الجماهير

لا تصفيق بعد اليوم

دعونى أولاً أبول كأي كلب أو قطة

هل تصدقون

يحارب الشيطان الإنسان

ويغفر الله الذنوب.

(2)

سأحط من قدر المسيطر

وأقف على وهن المعذب

لفافة من التعاسة

تطالعني كل صباح

سأحط من قدر المسيطر

أواجه الله بحريتي

أعبر عن براءتي

العالم غابة وسط الصحراء

الإنسان حيوان يكذب على التاريخ

يمارس الشر

الطبيعة عار حقيقي علق بالزمن

براءتى ليست كاملة

تنقصني زهرة مجففة بين طيات كتاب مقدس

وصلاة القلب بوجدان طاهر

ينقصني قبر

لتكتمل حريتي.

(3)

ها أنت تشرق في جسمي

كمنتظر للنبؤة أو صاحب رسالة

ها أنت تتوقف عن الطيران

إلا أن خطواتك كطائر جريح

لا تخفى خفتك

ها أنت عنيد كشيطان

ساخن كالجحيم

بارد كالفضاء

لك الموت أو البقاء

لتبقى كإله صغير

أو ملاك لنبي

أو حتى تلميذ

لتبقى تلميذ لأنك لن تطير مرة أخرى

تلك الجبال الرهيبة التي اعتلت جناح روحك لن تزول بدوني

لأنى لإلهة الغد طائعة

ولشريعة الروح خاضعة

دعني أزيح عنك الوهن برحمتي

أخاف الله فيك

فيك الله.

(4)

يا الله

ها أنا أقدم روحي على جسدي

ولا أكترث بالمال

ها أنا من أجلك أنت وحدك

أخسر كل شيء

إذن لماذا تلقى بالشيطان فى طريقي

ولماذا ينتحر ملاكي

يتملكني الخوف

لا أخافك يا الله

لأنك مارست شرورك جميعاً

وأصبحت عجوزاً

أخاف الشيطان الذى اختار جسمي

لى إله بعيد يحميني:

يبارك الشحاذين

يركع للأطفال المشردين في الشوارع

يسجد لمن قالوا لا

يقف إلى جوار الثائرين

يرفع السلاح ضد من داسوا على حرية العبادة ضد الأفكار الخبيثة

إلهي لا يقبل التزييف

ليس لديه ميزان

لكنه عادل

لأنه لم يخلق شيطاناً ليسكنني

يا الله

خذ شيطانك

واعطني روحي التى تحبك

وتخافك.

(5)

لا دهشة في الصباح

خسارة مسائك

لن تعوض

هزيل أنت في الصحراء

وحيد في الزحام

انفضني عنك لأنك ستقتلني كما فعل السابقون

اخلص لوهم ينتابك في عزلتك

افعل كما يفعل العارفون

وطن روحك في الفراغ

اشهد أنك قادر على الخروج

اليوم تثار حروب

بين السماء والسماء

نفس واحدة ستموت

ولن يولد إلا هو

هذا الذي سلم نفسه

وقال:

لتكن المشيئة للمجهول.

**********

علية عبد السلام

تخريج جديد من بصيرة المجتهد: جديد الشيخ أبي النصر السكندري

الحق المكنون.. في من هم “المنافقون”

wpid-sheikhmohab-2012-01-3-16-03.jpg

قال رب العزة في سورة “المنافقون”

“وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم، كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون”.

اعلم هداك الله الى الطريق الأقوم، وأعانك على شيطان نفسك، وما خفي كان أعظم، أن النفاق هو القسمة الأرذل بين صفوف الخلائق، وقد أنزل الله المنافق منزلة “الدرك الأسفل من النار”، وفي ذلك حكمة لا تخفى على كل ذي فطنة، فالمنافق هو امرؤ نفى وجوده الذي هو منحة الله له وروحه الناطقة في جسده، بينما الكافر أو من نسميه كذلك انما يجاهر برأيه فيُعرَف، وبمعرفته انما يلزم الآخرين بالتعريف، وعليه فهو يعيد انتساب وجوده الى الوجود الأشمل، وهو وان كان مخالف لغيره، الا أنه يوجده باختلافه عنه فيبقي على كينونة الخلق المعلنة عن ذاتها، والتي هي آية الله البينة. ثم إن الكافر لا ينافق ربه، وكأنه لا يعلم بالنوايا والسرائر، ولا يطلع على قلوب العباد.

واعلم أن سجية المنافق من أخفى السجايا وأشدها تعقيدا، وهي ليست على الوجه الذي يقولون “مخالفة الظاهر للباطن” فحسب، فهذا من سذاجتهم في التعريف، وضعف ملكتهم العلمية في التوصيف. اذ ليس شرطا أن يعلم المنافق أنه كذلك.

ولجلاء الأمر على الوجه الذي نرى نقول: مما هو معلوم بالضرورة أن الله خلق الانسان حرا، ذلك أنه أراده مسؤولا ولا مسؤولية بلا حرية في الأخذ والرد، واودع فيه ملكة التصور والفكر، ليتبين الأمور كيف كانت وكيف يمكن أن تكون، وعلي هذا يتدبر أمره في الماضي الحال والمستقبل، وينظر في أمر حياته وحياة من حوله وتلك هي الأمانة التي قال عنها السميع العليم “انا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان”.

وعليه فمن قبل الأمانة ظاهرا لخوف، أو بعامل الوراثة (أي ليس بالاصالة عن نفسه) أو تبع فيها غيره، فانما ينفي عين صفة الانسان المسؤول عن ذاته متذرعا باتباع غيره فيها، وما هكذا تصان الأمانات. بل كأنه رد الأمانة من حيث قبلها ظاهرا كذيا وزروا.

ولأن أمانة الله ليست كنزا مودعا يتناقله الناس جيلا بعد آخر، بل هي المسؤولية التي لا تنهض الا بالاصالة، ويقول عنها الكتاب “ولا تزر وازرة وزر أخرى”، وكذا يقول “وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه”.

نقول: لأن ذلك كذلك فمن تبع غيره في تصوره عن معنى “الأمانة” انما كمن حمل كتاب غيره ليواجه به ربه. وهو كالعامل الجبان الذي يتملق من استعمله بالاتباع الأعمى، لا بمعرفة مقاصده ومراميه البعيدة. فكأنما يهينه من حيث يريد أن يبجله، ويتصوره ظالما غشوما مستبدا، لا عارفا بالنوايا يميز بين خبيثها وطيبها. ويهين العقل الذي وهبه الله اياه ليسلك به طريقه الخاص الى معنى الوجود وغايته ويجعله مطية لغيره، فيطمس نعمة الله، ويسمي من يتبعهم بالقاب يبجلها رياءا وكفرا، ليتخفى في أثوابهم وما أدراه إن كانت بطانتها الحق أو الضلال، والأنكى أنه يفرض على الآخرين مسلكه حتى لا يرى حوله من يخالفه فيطمئن الى عقيدته الهشة، ولذا يزايد على غيره ويصرخ في الناس كالبهيمة، فزع دائما من كل تأويل مخالف، متربص بكل فكرة لم تخطر له ببال، عاجز عن رؤية الحق، فما بالك بتبين بعض خيوطه اذا مزجت بغيرها، ذلك أن الأمور ليست صوابا كلها ولا خطأ كلها.

قال عز من قال “أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ”

أساس النفاق على هذا الذي أوضحنا انما هو الاتباع، وهو احد خصال الجاهلية التي ذمها وحقرها الذكر الحكيم، حين نعى على المشركين اتباعهم للآباء والأجداد. وهذا أصل من أصول الدين تقاس به فروعه لا العكس وعليه يقاس الأمر باتباع الرسول اذ يكون الاتباع بجوهر الرسالة لا الشخص، أما هو فبشر كسائر الناس يخطئ ويصيب. والا ما عارضه صحابته على أمور هي من الدين نفسه فجاء الكتاب مؤيدا لهم.

ويكون اتباع المنافق بعدم مفارقة الجماعة اما لخوف على مصلحة عاجلة، وهو من باع دينه بدنياه، أو لاستجلاب هذه المصلحة بتخويف الخلق من عقولهم، وتقبيحها وتحقيرها، والخلط بينها وبين الهوى (وله شأن وموضوع آخر)، لاستكمال السيطرة عليهم، والحكم فيهم، ويكون هذا من أعظم المفاسد، أي تجهيل العاقل ليحكم فيه الجاهل.

ثم ان المنافق عابد الأشكال والشخوص فهو مشرك من حيث يدري أو لا يدري، وهو أمر أتينا على ذكره من قبل.

واعلم ان تكسير الاوثان كان رمزا لعبادة صورة واحدة من صور الحق، فالكتاب يشهد أن عبادها لم يعبدوها لذاتها انما عبدوا من خلالها أشخاصا “ليقربونا الى الله زلفى” فلا تزلف في عقيدة صحيحة واسطة.

ومن أصول النفاق الخفية تصور البعض أن الدين انما جاء مضادا لغرائز الانسان التي ارتقت بفعل الثقافة لتصير معنى آخر هو الجمال، وأن الحكمة في تحقيرهما، وأن سعادة الدنيا هي تعاسة الآخرة، وكأن الله جعلها عقابا لذنب لم يرتكب. وهذا من فساد تصورهم عن الله نفسه، فكانه اله حبس ومنع، وأمر ونهي. فينافقون الله بكبت الغرائز ظاهرا، وبتقليص أفعالهم فيها الى حدود الامتثال الأعمى لصور توهموها، فتقفز هذه الغرائز لا في صورتها الصحيحة كما أودعها الباري، وترك لخلقه التصرف فيها لما فيه سعادتهم على الاجتماع، بل صورة شهوة الطمس والعمى، مصحوبا بغضب جائع، ورغبة معذبة، يضعون لها قانونا هو تعبير عن الخوف منها، والعجز عن السعادة بها. فهم على ازدواج النية والقصد مهووسون أبد الدهر.

وقد أطلنا عليك لحاجة كان يجب الابانة عنها، فلا تصلح النتائج بلا مقدمات. كما لا تجوز تهمة بغير بينة.

وخلاصة الأمر نقول أن ما يسمى بعلم “الفقه” هو اسم لنقيض مسماه، ولا يحوي الا ضلالات، ذلك أنه يقلب آية الحكمة. ذلك أنه تبرير لظواهر الأحوال التي كان عليها النبي وصحبه، وهو تبرير متأخر في الزمان بأثر رجعي، ومن ثم فهو لا يتنكر فحسب لتبدل الأحوال ومعاني الصفات وغاياتها، طامسا تنوع خصال الحق التي بسطها الله في عباده بحسب زمانهم ومكانهم.

واعلم أن كل علم تبريري ليس بعلم، اذ أنه تحصيل حاصل، بل هو كذب ونفاق، ولو طالت متونه وشروحه.

واذا كان مراد الفقه أن يضع للناس قانونا فالأصل في القانون أن ينبع من سؤال الحاضر ومن حاجة ملتبسة فيه تضاربت فيها المصالح والدعاوى فاحتاج الناس الى صيغة توحدهم على طريق متفق عليه بينهم، بينما لا يجيب الفقه على أسئلة الحال، ولا يوصف مشكلة بل ينهج منهجين كلاهما ضلال:

الأول أن معظمه لا ينبع من إشكال حاضر بل من تناقص الحكم الذي قطعوه سلفا مع اواقع الناس، فيجري التكييف والتخريج لصالح ثبات الجكم. ثم يعودون فيسندونه الى الله والرسول وهما منه براء.

ووراء هذا الإشكال إشكال آخر: هو الحلال والحرام.

فبدلا من أن يكون مبدأ القانون هو النافع والضار عمد واضعوا ما سمي بعلم أصول الفقه الى تصانيف تحدد مرادات الأقوال، وصنفوها على الحلال والحرام والواجب وفرض العين والكفاية، والمستحسن والمندوب..الخ وجلها ألفاظ ابتدعوها كأنهم قرأوا بهام مراد الله من كلماته.

هكذا صار أساس القانون الذي أوكل وضعه الى فئة من الناس لا سند لها الا الاتباع الأعمى، ليس قائما على الاتفاق والاصطلاح، ومن ثم عمت الفتاوى المتضاربة يبطل بعضها بعضا ويتخبط جميعها في عته التبرير وضلالاته، لا في نور الحياة الحاضرة ومحجتها الظاهرة.

وصارت فتاواهم هزأة ومعرضا للتندر على عقول طمس الله عليها. وتركت الجانب الواسع من الدنيا بما جد فيها من علاقات وعلوم ومعارف مدوخة وصراعات ظاهرة وباطنة لا يعرف المرء موقعه منها. فوقع التخلف في الأمة، اذ مبدأ العلم التوصيف على الحال، لا رد الاشكال الى أشكال.

وصار فقهاء الزمان هم الأكثر جهلا بزمانهم وعلومه وآدابه لأنك حين ترد الحاضر الى الغائب تطمس كليهما معا فلا تستبين لك طريقا، ولا يكون رد الحاضر الى الغائب الا من باب الاستئناس والمقاربة. والأصل في العلم أن يرد الخاص الى العام، أي الى المراد الأول من حياة الناس وهو سلامهم وأمنهم وسعادتهم.

وخلاصة الأمر أن علم الفقه وأصوله هما وثنان استبقتهما الجاهلية التفافا على الدين، ونفاقا لظاهره. وللحديث بقية، والله أعلم

أحدث فتاوى فضيلة الشيخ أبو نصر السكندري

wpid-sheikhmohab-2011-12-22-01-37.jpg

اقرأ هذه الفتوى نفعك الله بها: أنا الشيخ أبو نصر السكندري، أفتي بأن الإخوان والسفليين ومن سار على شاكلتهم واستن بسنتهم وانتهج نهجهم هم كفار هذا الزمان وملاحدته.

كانت الناس على قلب فمزقوهم شيعا “كل حزب بما لديهم فرحون”، نهض الناس على اقصاء الفساد، وهبوا هم الى نجدته، وعدوا الناس بجنة ما أعطاهم الله مفاتيحها فكذبوا عليه وعليهم، ومن أضل ممن كذب على الله، ونافقوا أهل القوة، والمؤمن ناصر الضعيف، واحتالوا لكسب عرض زائل فباعوا دينهم بدنياهم، وخاضوا في أعراض الناس بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وادعوا علم ما لاعلم لهم به فضلوا وأضلوا، وصدروا أنفسهم لأمانة الحكم، والمؤمن الحق لا يعطاها الا كارها لها، وما كيد الكافرين الا في ضلال، تمسحوا بكل سلطان، وداهنوا كل ظالم والساكت عن الحق شيطان أخرس، فما الحال اذا روّج للبهتان واستغل ايمان الناس، ومن تواقح على الله أنّى له أن يقيم لخلقه حسابا. أفسدوا في الأرض وما جزاء المفدسين في الأرض الا أن يحرقوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض. وصيانة من الفتنة نقول بعون الله: ان على الناس استتابتهم، فان تابوا وأصلحوا “فهم اخوانكم في الدين” وإن كابروا واستكبروا، فتلك حدود الله، وعلى الباغي تدور الدوائر.. والله أعلم

تعويذتان ضد التأسلم

wpid-egypt-sex-2011-12-14-10-09.jpg

(١)

أيها المتجهمون فوق حيطان المزابل

المستعيضون عن الأخلاق بلحية

الخائفون من وجوه البنات

تعبئّون الله في أجولة

وتهيلونه على الأحياء

أنا العلماني الكافر

أنا المرتد العميل

سأبقى إلى آخر جسد تدفنونه

أقض مضاجعكم بالخيال

(٢)

نحن أبناء أباليسكم

يا من تكتفون بأسماء الأسماء

سنظل نذكّركم

بأن المئذنة قضيب والقبة نهد

والماء الصافي خمر في أفواه العاشقين

يا من تكتفون بطقوس الطقوس

نحن ملائكة متخفون

وقد حلفنا أن نلفظكم

عند أول إشارة مرور

في الطريق إلى الجنة

جاعلين آخرتكم مثل دنياكم تماماً

الأسد على حق

ألن جينسبرج 1926-1997


كن صامتاً من أجلي، أيها الإله المتأمل

***

عدتُ إلى بيتي لأجد في الصالة أسداً

وهرعتُ إلى بئر السلم أصرخ: أسد! أسد!

السكرتيرتان الجارتان، عقصت كل منهما شعرها الأدكن. وبصفقة ارتدت نافذتهما مقفلة

أسرعتُ إلى بيت أهلي في باتيرسون، ومكثت نهارين

.

هاتفت طبيبي النفسي، تلميذ “رايخ”

كان قد حرمني من الجلسات عقاباً على التحشيش

“حصل،” هكذا لهثتُ في أذنه: “في صالة بيتي أسد.”

“للأسف، لا مجال للمناقشة،” وضع السماعة

.

ذهبتُ إلى حبيب قديم وسكرنا بصحبة حبيبته

قبّلتُه. وبومضة مخبولة في عيني أعلنت أن عندي أسداً

انتهى بنا الأمر نتقاتل على الأرضية. جرحتُ حاجبه بأسناني فطردني

في سيارته “الجيب” المصفوفة أمام البيت كنت أستمني متأوهاً: “أسد.”

.

عثرتُ على “جوي” صديقي الروائي وزأرتُ في وجهه: “أسد!”

نظر إلي مهتماً وقرأ علي أشعاره العفوية الراقية المكتوبة كما يكتب “الإيجنو” (والإيجنو شخص يعيش مرة وإلى الأبد. وينام في أسرة الآخرين)

أنصت في انتظار أن أسمع اسم الأسد. لم أسمع سوى الفيل، التيغلون – ابن النمر واللبؤة – والهبغريف، الحصان أحادي القرن، النمل

لكنني عرفتُ أنه فهمني حين تناكحنا في حمام “إيجناز ويزدوم”

.

في اليوم التالي مع ذلك أرسل إلي قصاصة من عزلته في “سموكي ماونتين”

“إني أحبك يا نونو وأحب سباعك الذهبية الرقيقة

بيد أنه لا روح ولا حجاب، إذن فإن حديقة حيوان أبيك الغالي ليس فيها أسد

قلتَ لي إن أمك جنت قبل أن تموت، فلا تنتظر مني وحشاً خرافياً يكون عريساً لك.”

.

حائراً ودائخاً، مرتقياً هذه الحياة كلها تذكرتُ الأسد الحقيقي يتضور جوعاً وسط نتنه في هارلم

وفتحت باب الغرفة لأجابه انفجار قنبلة غضبته

يزأر جائعاً في وجه جص الجدران، لكن أحداً عبر الشباك لا يسمعه. التقطتْ عيني الطرف الأحمر للعمارة السكنية المجاورة واقفة في سكون يصم

وأطلنا النظر بعضنا إلى بعض. عينه الصفراء العنيدة وسط هالة الفرو الأحمر

أنا من أصابني رمد العينين لكنه توقف عن الزئير وأشهر ناباً يحيي

واستدرت أطهو البروكالي للعشاء على موقد الغاز الحديدي

غليتُ ماء وتحممتُ بماء ساخن في الوعاء المعدني أسفل الحوض

.

لم يأكلني، ورغم أنني حزنت لتضوره في وجودي

في الأسبوع التالي كان الهزال قد جعل منه بساطاً سقيماً تملأه العظام. تتساقط سنابل شعره

عينه المحمرة حانقة وهو مقع يتألم برأسه المشعر في كفي أسد

وقرب المكتبة المصنوعة من صندوق بيض. المملوءة بمجلدات نحيفة لأفلاطون وبوذا

.

كنت أسهر جواره كل ليلة أشيح بعيني عن وجهه الجائع المعثوث

وكففت أنا الآخر عن الأكل. يضعف ويزأر بالليل بينما تجيئني الكوابيس

مأكولاً من جانب أسد في مكتبة الحرم الفضائي لجامعة كولومبيا، أسداً محروماً من الطعام من جانب البروفيسور كانديسكي، أحتضر في نُزُل حقير داخل سيرك الأسد

وكنت أصحو في الصباحات والأسد لا يزال مضافاً إلى وجودي يحتضر على الأرضية. “أيها الحضور الرهيب!” صحت. “كلني أو مت!”

في ذلك العصر نهض وسار إلى الباب وكفه على الحائط الجنوبي يحافظ على توازن جسده المرتجف

أطلق صريراً كليماً خلع قلبي من سقف حلقه الذي لا قعر له

وهدر كالرعد مغادراً أرضيتي إلى السماء أثقل من بركان في المكسيك

دفع الباب ليفتحه وبصوت حصبائي قال: “ليس هذه المرة يا صغيري، لكنني سأعود مرة ثانية.”

.

يا أيها الأسد الذي يأكل عقلي الآن منذ عقد ولا يعرف سوى الجوع

ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني

لقد استمعت إلى وعدك في الحياة الدنيا وصرت جاهزاً للموت

خدمت حضرتك الأبدية الميتة جوعاً أيها الرب. أنا الآن في غرفتي أنتظر رحمتك.

 باريس، مارس 1958

ترجمة يوسف رخا، 2011

النهار 28 نوفمبر

اعتذار

سألتَني ماذا أريد أن أكون في عينيك

قلتُ الله

لبعض الوقت أنعمتُ عليك وعاقبتُك

فهل كنتَ تهرب من حسرتي حين لم تخبرني

بأن لك رباً ديوثاً يمنّ عليك هذا الوقت

كيف لم تقبل باسمي على قورتك

إذا ما كنتَ مصمماً على العبادة

وهل ظننتَ خلقك هيناً إلى هذا الحد

يا ابن الغانية

لماذا تركتني أحرث وأنت ستحرق الغيطان

السيرك

شخص ما سيعلّمني كيف أجعل كرهك محبة، ويذكّرني بأن ما دفعنا على التقليب في براميل الحياة فرحتنا أو أنني مخطئ بنفس القدر. وحتى مضارب اللوعة والمَسبّات التي أنستني لحظة التلاقي، ستحفر سكّة إلى غفران ربما لا يناسبكَ لكنه كلُ شيء. يا من تحوّطك البهلوانات في سيرك نصبتَه بيديك: أنا صفوتُ حين كففتُ عن سماع صوتك؛ صرت أرجو لك الخير. ولعله يصلك وأنت تتنصل للأذى أو تناضل، رجائي. وحين تعوي وحدتُك وسط جلبة القرود والكلاب ذات الفرو المنمق، تَرَى كيف صرتُ أسكن إليك: بلا أي رغبة أو إرادة، بلا إشارة إلى أنك هناك أو أننا كنا معاً والتأمنا أو حلمنا بإفراغ البراميل في المحيط وأنت باختيارك انتهيت. يا من تجلس وحيداً ومقتنعاً بعد جولة أخرى أمام “بلياتشو” يقودك بأنك انتصرت، تعتصم ضد كل أكروبات فضائي وتحرّض النمور على العصيان، وأنت تدس منشورات ثورتك الخرافية في خرطوم فيل بارك في الممر، وباسم الممكن الذي لا يمكن تُضرِب عن الطعام، أنت: شخص ما سيعلّمني كيف أرجو لك الخير

.

أنتِ والتنين

بينما تزقزقين في “رُبع غير معلوم الحال” (هكذا تُعَنوَن الأماكن المجهولة على الخرائط القديمة)، صارت كلمة “التنين” تُستخدم بغرض المبالغة، كأن يُقالَ – بدلَ “حزن شديد”، مثلاً – “حزن التنين”. وخطر لي لأول مرة إثر سماعها أنه لابد من طريقة أخرى لخرق المتاريس. كنتُ على بوابة مرقص غادرتُه جرياً منذ خمسة عشر عاماً. وبعد خمسة عشر عاماً، والموسيقى نفسها تسحبني – مع أنني لست راقصاً ولا أحب الرقص – كانت عيني تنسل إلى الأضواء اللفّافة بالداخل. هذه المرة أيضاً لن يذهب اللقاء أبعد من عتبةٍ “كعبلتني” وأنا أخطو إلى الوراء مذعوراً بينما الراقص الوحيد الباقي ينفث في وجهي النار. وفكّرتُ أنه على الأرجح من طول احتمائي ضد عوامل التعرية والتعرض أنْ صار يسحرني الجلد الأخضر لزواحف الشوارع، تلك المخلوقات المفرّغة: أخالني في الدنيا لأملأها. عليك أن تدركي أنني لم أنس زقزقتك لحظة وإن قبلت بلغة تجعل من المخلوق الخرافي أداة توكيد. والآن أيضاً سأجري بعيداً عن بوابة المرقص، وستغفرين لي شرودي إلى هناك بأن تبصقي حزناً لا يركب على بهجة شفتيك. هل تعرفين كم كنتُ أبكي ابتسامتك وأنا أصارع التنين؟

البكاء على كوبري أكتوبر ∞

لا تظنني غافلاً عن ما ينهش رأسك

وأنت ساهم هكذا وسط العجلات

لا تظنني ناسيك لحظة

أنا الذي نحيّتُ عنك حزام الأمان

ودرّبتك على “الفرملة” المتكررة

زارعاً في صدرك بذرة الوهم

بأن آخِرة الأسفلت عتبة كالسرير

الصوت الذي يبقبق في أذنك الآن

بأنغام طفولة حفظتْ طزاجتها

وسط ألف أقنوم آخر يشبهون نقطة انطلاقك

حين تعلّمتَ أن تتحاشى المطبات

الصوت الآسر بموازاة احتياجك

الخارج على إطار ترى الدنيا خلاله

أنا الذي أغويتك بانفجاراته المسكرة

وبينما تتبوّل على حز الطريق في الظلام

دسستُ في “الدبرياج” أسطورتين

أن لكل نصف نصفه

وأن على الأرض تفاحة صحيحة

تكفيها قضمة واحدة منك

أنا الذي كنت أعلم

أنك ستمل تكسير الأقانيم

ولا تسأل بالاهتمام الكافي عن جراج

إلى أن تصبح الأسطورتان إثر مخابرة هاتفية

مجرد سبب للبكاء

بينما أنت هائم على واجهة سيارتك

فوق كوبري يشبه حياتك.

∞ بوحي قصيدة “ملاحظات إلى السندباد من شيخ البحر” لسركون بولص

الثورة

لولا أعراف الكتابة التي تحكمني لبدأتُ بقول إن لبشرتينا لونين يعكسان تفضيلنا لليل والنهار. أنا وجه الغّمر وأنت رفة المياه في الخراب. ومستبدلاً “نحن وهم” كذلك بـ”أنا وأنت”، ربما تماديتُ على طريقة “محمد الماغوط” وأغنية “الشيخ إمام” الشهيرة، لا لأمجّد الفقر ولكن لأتذكر أن الشبه أكذوبة والتوحد ليس ذروة شاردة في بيت المرايا حيث انعكاسات مشوّهة لأشياء تحكمني. أنت الورق وأنا الحبر أنت الشمس وأنا الزرع أنت الهواء وأنا الغبار أنت الفراشة وأنا دودة القز أتغوط حريراً لا يشبه الشَعر النابت بين إليتيك. لولا الأعراف لكتبتُ أن موالاة تجسدينها أقرب إلى اليوتوبيا من معارضة ناضلتُ في صفوفها سنين، أن الثورة سمكة والفجر غصن والحب قط ضائع في متاهة التماثيل

.

جامع الفنا بدونكِ

حين هجم شابان على فضلة عشائنا

فوق طاولة مستطيلة من صفيح

وقبل أن يصرفهما الطهاة

إلى برتقالات مشتعلة وطائرة

وخوف خطوات رفيقتي عبر الساحة

لا يدرأ وجهك عن الظهور دامعاً

في هذه اللحظة بالذات

كانت تنهاني عن تدوير المشهد

لأنها نوت أن تكتب قصيدة

حول الشابين وشيء آخر نسيتُه

وقد تتأخر قصيدتها أعواماً

لكنها ستكون الكلمة الحاسمة

وكان الشابان بعزم ميكانيكي

يغيّبان ما تركناه في بطنيهما

ووجهاهما خاليان من الشعور

كأنهما إنسان آلي مبرمج

على إفراغ الدنيا من الطعام

اعتذار

سألتَني ماذا أريد أن أكون في عينيك

قلتُ الله

لبعض الوقت أنعمت عليك وعاقبتك

فهل كنت تهرب من حسرتي حين لم تخبرني

بأن لك رباً ديوثاً يمنّ عليك هذا الوقت

كيف لم تقبل باسمي حول عنقك

إذا ما كنتَ مصمماً على العبادة

وهل ظننت خلقك هيناً إلى هذا الحد

يا ابن الغانية

لماذا تركتني أحرث وأنت ستحرق الغيط

Enhanced by Zemanta

The Letter Arrived سركون بولص

قُلتَ

أنك تكتب والقنابل تتساقط، تُزيلُ تاريخَ السقوف

تَمحقُ وجهَ البيوت.

قلت

أكتبُ إليك بينما اللّه

يسمحُ لهؤلاء أن يكتبوا مصيري. هذا ما يجعلني أشكُّ في أنه الله.

كتبتَ تقول:

كلماتي، هذه المخلوقات المهدَّدة بالنار.

لولاها، لما كنتُ أحيا.

بعد أن يذهبوا، سأستعيدها

بكلّ بَهائها كأنها سريري الأبيض في ليل البرابرة.

أسهرُ في قصيدتي حتى الفجر، كلَّ ليلة.

قلتَ: أحتاجُ إلى جبَلٍ، إلى محطّة. أحتاجُ إلى بشَرٍ آخرين.

وبعثتَ بالرسالة.



You said
that you write while the bombs
rain down, erase the history of the roofs,
eradicate the faces of the houses.

You said:
I write to you while God
allows them to write my destiny;
this is what makes me doubt He is God.

You wrote to say:
My words, these creatures threatened
with fire. Without them, I wouldn’t be able to live.

After “they” are gone, I will regain them
with all their purity like my white bed
in the barbarians’ dark night.

I keep vigil in my poem until dawn, every night.

Then you said:
I need a mountain, a sanctuary. I need other humans.

And you sent the letter.