رسالة صيف، ٢٠١٥

EGYPT. Cairo. January 29, 2013. Protestors during clashes with Egyptian police along the Corniche in central Cairo. By Moises Saman, 2013. Source: magnumphotos.com

EGYPT. Cairo. January 29, 2013. Protestors during clashes with Egyptian police along the Corniche in central Cairo. By Moises Saman, 2013. Source: magnumphotos.com

أن تحل ذكرى ميلادي في الأسبوع نفسه الذي يبلغ فيه ملحق النهار عيده الخمسين ربما أكثر من مصادفة. (أنا أحذرك من الآن يا قارئي، يا صديقي: ستكون رسالتي هذه القصيرة جداً، المدفوعة بقيظ القاهرة شخصية.) ثمة من يذهب إلى أنّ كل صدفة عنوان، إذا ما قصدتَه وصلتَ إلى بيت أو وطن. والحزن الذي يعصرني الآن على عنف ألاقيه متشرداً في الفضاء الافتراضي لا رباط بينه وبين مطبوعة نشأتْ قبل مولدي بأحد عشر عاماً. للأماني خزينة أضيف إليها. صحيح أنه، رغم إحساسي الأعمق بالانتماء إلى الملحق، لا يمكنني ادعاء الصلة بتاريخه أو فهم مكانه من النزاعات. لكن ليس مع الحزن يوم ميلادي إلا الحدس باقترابه من أحزان القائمين على خزينة الأماني. (ألم أقل لك إنها رسالة شخصية؟) ثمة مشكلات تترتب على الولع باللغة والحيد عن قطعان الولاء، النظر إلى الدنيا بعين السؤال. وأنا حيثما استرحت في مدينة أصغر وأوسع من الإسكندرية، وجدت من يشاركني هذه المشكلات. بيروت سحرتني وأفزعتني قبل عشرة أعوام مع أولى بشائر الربيع العربي، واليوم أظنني أكرهها كقطعة حلوة مُرّة مني إثر انفجار الربيع ذاته قنبلةً بدائية الصنع كما تسميها الصحافة المصرية. لا تقتل إلا أبرياء. زهرة في حجم الدنيا والدنيا تحترق. لكن الملحق لدي، وما بقي من ذكريات الأمل والخوف. الأجدى غيابهما. أجلس وسط الرماد أستحضر فرحة الكتابة وخبل الغرام. أتأمل عمري. وأتذكر مقولة روبرتو بولانيو قبل أن يموت في الخمسين: الكتابة بديل عن الانتظار. في أعداد سابقة للملحق ثمة سجل للانتظارات التي هزمناها. وثمة أفراح مؤجلة أيضاً رغم كل شيء. أنا وأنت يا قارئي، على الأقل مازلنا هنا. والأيام التي ألقتنا على قارعة التاريخ نتسول قوتنا ونفرح بالفتات أو نبصق عليه… مازالت تخضّ جسدينا. غداً أو بعد غد – ربما في أمانينا فقط – تتحقق المعجزة ولا نعود نقعي في ظل الحواجز بلا مسدسات. ربما ليس سوى أمانينا فعلاً، إلا أننا ندخر زهداً يا صديقي. وبينما الكذبات تتكالب على الكاذبين وهم عليها – بينما الانفجارات تذكرنا بخيبة أمل الإنسانية سواء أفي القاهرة أو في بيروت، في عرض المتوسط وعلى شواطئ لازوردية سيغرقون بامتدادها وهم بعدُ فقراء – أنا أكتب لك.

logo

أحمد الحادقة: كلهم أحد

Bieke Depoorter. EGYPT. Cairo. 2012. From the series

Bieke Depoorter. Cairo. 2012. From the series “In Between”. Source: magnumphotos.com

أن تجلس في هذه البقعة، نعم هي ليست خارج المدينة، لكن أن تجلس فيها وترى السيارات عن بُعد، ليس من أعلى مكعب كملايين المكعبات لكن من أُفُق  السيارات نفسها، إحساس جديد في هذه المدينة. أن تشعر أن نسبة من يراقبونك أقل من المعتاد ولو لفترة وجيزة، إحساس طالما افتقدته في المدينة المخصية هذه: مدينة بلا خصوصية على الإطلاق.

استمر في القراءة

عطارد: محمد ربيع | فصل من الرواية الجديدة

Mercury by Polidoro Caldara da Caravaggio (1495–1543). Source: gormagon.org

Mercury by Polidoro Caldara da Caravaggio (1495–1543). Source: gormagon.org

ما زلتُ أذكرُ أوّل يوم، كان هذا منذ ثلاث سنواتٍ وستّة شهورٍ، بالتحديد في الثالث من مارس عام 2023.
كنتُ في إجارة، أمشي في شارع شريف في وسط البلد، باحثًا عن أيّ مقهى. كان الشارع مُزدحمًا كعادته، الساعة تقتربُ من الثانية ظهرًا وهي ساعة الذّروة في منطقة وسط البلد.
دون مُقدِّمات، رأيت مبنى البنك الأهلى ينهار، وكمّية هائلة من الغبار والركام ترتفع في السماء لتحجب الأنظار، وتسدّ الحلوق. بعدها سينسى الجميع تمامًا انهيار مبنى البنك الأهلي، وسنعرفُ أنّه انهار من تلقاء نفسِه، لا بسبب صاروخ أو دانة مدفع.
خلال الساعات الثلاث التالية، ستمرُّ في السماء طائرات حربيّة عديدة، ستقصف أهدافًا بعينها؛ البنك المركزي، ووزارة التعليم، ووزارة الصحّة، ومبنى نقابة الأطباء، ومبنى تابع للتلفزيون في حيّ المقطم، ومبنى القمر الصناعي في المعادي، ومباني الأوبرا في الزمالك، ومباني ومصانع ومخازن عسكرية عديدة في كلّ أنحاء الجمهورية. سنعرف كلَّ هذا لاحقًا.

استمر في القراءة

إسلام حنيش: رائحة الموت

نتسكع في الشوارع والأزقة،
ونطارد السيارات ككلاب مسعورة
نحاول أن نروي عطشنا ونلعق البخار على الفتارين وواجهات المقاهي
نشم رائحة الموت عند كل ناصية،
وتمتلئ رئاتنا بالدم
فنبدأ في أكل أنفسنا قطعة قطعة.
نتقيأ الصبر على قارعة الطريق
ينهرنا عسكري المرور
بتهمة ارتكاب الحزن وتعطيل السير.
نسير كـ”الزومبيز” في مشهد سينمائي
نستحضر الوجع ونجلد أنفسنا،
ونعض على ألسنتنا،
ونكوي مراكز الحس.
ثم نلف ما تبقى منا في سجائر
ندخنها لنقتل الوقت.
.
القاهرة – 14 يونيو 2013
إسلام حنيش

في ذم الثورة: هكذا يصير الفرد أقل من إنسان وأكبر من الإنسانية

wpid-photo-1-2013-06-29-06-58.jpg

.

في ذم الثورة

أو كيف جعل لي الشعار في جسدي وفي نفسي شغلاً

“ولتستقيمن لي أو لأجعلن لكل امرئ منكم في جسده وفي نفسه شغلاً.” – من خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي في ولاية العراق؛ نص كتاب الأوائل، أبو هلال العسكري (توفي سنة ١٠٠٤ م)

عيش

جئتُ إلى هنا، إلى هذه اللحظة، من حيث كان وقت ضائع يكفي لملء الكون. هناك، في المكان الذي جئتُ منه، كنا كأننا في برزخ فضائي وإشارات المركبات تومض عشوائياً ككلاب عملاقة من معدن تعوي في الفراغ. كان الكلام معزولاً عن الواقع مثل الأذان: أنكر الأصوات في المكبرات. وكان الواقع نفسه قبيحاً إلى حد العمى عن تفاصيله.

النظر مؤلم، والانتظار مؤلم. فهل يهم حقاً ما سوى ذلك من “شرط مادي”؟ وماذا يعني القول مثلاً إنك من الطبقة الوسطى؟

استمر في القراءة

حسين بن حمزة: لا عزاء للتماسيح

سعادتي برواية التماسيح قد تفهم خطأ. أعتقد أن الفترة التي كتبت فيها – وخلالها توطدت علاقتي بيوسف رخا – كانت من أغنى الفترات في وقت بدا قاحلا ومربكا … الحوارات الشاقة مكسِرة الرأس على موجة الثورة العالية والهابطة إلى القاع هي التي حولت مشاعر كان من الممكن أن تبقى مجانية تماما إلى كلام. من منا لا يدين لشخص دفعه الى الكلام؟ – مهاب نصر يوم ٢٠١٢/٩/١٩
.
على خلفية إسقاط النظام المصري، تعيد رواية «التماسيح» (الساقي) كتابة محطات أساسية لـجيل التسعينيات الذي انتهت أحلامه بتغيير العالم إلى انهيارات شخصية حاولت أن تجد سلواها في الثورة المغدورة
«أحياناً وأنا أستعيد حواراتنا ومشاجراتنا وكل السُّبل المعقدة التي ربطتنا ثم حلّت الرّباط، يبدو لي أنّ الفشل كان القيمة الوحيدة المحرِّكة في الدائرة»، بهذا الاعتراف الذي سيتكرر في صفحات وسطور أخرى، يُنهي يوسف رَخَا (1976) روايته «التماسيح» (دار الساقي). الفشل لا يُقدم هنا كنتيجة نهائية، بل كاستعارة كبرى تختزل السياقات السردية للرواية التي تتحدث عن تجربة جيل التسعينيات في الشعر والكتابة، والعلاقة مع الجيل السابق ومع المؤسسات الثقافية.

استمر في القراءة

حوار مينا ناجي: الصياغة الأخيرة

٦ نوفمبر ٢٠١٠
هل لابد أن ترتبط هوية الكاتب بمكان جغرافى وتاريخ محدد؟
أرى أنها على العكس لابد أن لا ترتبط، لا يصح أن تكون الكتابة مكبلة بفكرة انتماء لمكان معين أو حتى زمن معين. الانتماء لمكان وزمان يكون حاصلا رغماً عنك. سهل جداً أن تقع فى فخ سياسى أو غير أدبى، غير أدبى بأى معنى، ليس من الضرورى أن يكون سياسياً، لو أنك ربطت بين كونك تنتج أدباً وفكرة أن هذا الأدب له مكان أو له زمن أو له أى نوع من أنواع الانتماء.
هل فعلا يمكن للكاتب أن يتجرد من عناصر هويته؟
لا، لا يمكن أن يتجرد. أنا أتكلم عن النيّة. بمعنى أن لا يكون منطلقه تأكيد فكرة مسبقة.
فى كتاباتك عن الأماكن وجهة نظر يبدو أنها مصرية وقد يكون هذا منطلقاً للكلام عنها، لكن هل ترفض فكرة تقسيم وجهات النظر إلى وجهة نظر مصرية وأخرى غربية مثلاً؟
أرفضها تماماً. هناك مليون وجهة نظر غربية ومليون وجهة نظر مصرية. بمعنى أن الغرب ليس شيئاً واحداً ومصر ليست شيئاً واحداً. المكان بالنسبة لى هو اعتبار تقنى بالأساس، لأننى كنت أبحث عن مخرج من النص المجنّس، من فكرة القصة أو الرواية أو أي نوع أدبى معروف ومحدد مسبقاً. والذى حل لي هذه المشكلة هو فكرة المكان. فالإطار بدلاً من أن يحدده جنس أدبي ما يتحول إلى مكان الذى تكتب عنه. وهكذا يصبح المكان بديلاً عن الدور الذى يلعبه الشكل. وبالتالى تصبح هناك إمكانية لأن تقدم أدبا فى سياق غير أدبى. الذى أراه مهماً هو أن هذا يساهم في فتح مساحة لاستقبال الأدب فى غير أشكاله التقليدية.
تقصد خلخلة القوالب الثابتة؟
خلخلة القوالب الثابتة وتقريب الأشياء… يمكن أن يكون هناك شخصاً مهتماً ببيروت، يريد أن يقرأ عن بيروت. أنت تعمل أدباً ولكنك أيضاً تكلم هذا الشخص عن بيروت. بل ويمكن فى حالات معينة أن تخدعه. أن تقدم له الموضوع على اعتبار أنه عن بيروت بينما أنت لم تكتب كثيراً عن بيروت أو ما تقوله عن بيروت لا يعنيه كثيراً. أنت تريد أن تقدم أدباً، لكنك تسوّق للكتاب باعتباره عن بيروت.
هل الجغرافيا تصنع كل هذا الفرق بين البشر؟ ماذا يفرق بشراً عن بشر آخرين؟
هذا سؤال فلسفى عميق ومستحيل إجابته هكذا. أنت ترى الفروق فى الجغرافيا عندما تتحرك على الخريطة. لكن الذي يصنع الفرق ليس الجغرافيا ولكن السياسة والثقافة واللغة: التاريخ، بكل جوانبه. أسهل شيء فى هذه المسألة أن تسطّح وتُعمِّم؛ لكن الأشياء ليست بذلك الوضوح. الصفة التى تقرنها بالمكان “أ” ربما تجدها على أوضح شكل فى فرد من المكان “ب” لكنها تظل مقرونة بالمكان “أ” لأنها تتكرر بشكل ربما أقل وضوحاً مع عدد أكبر من الناس. لكن هل هناك فروق؟ في رأيى طبعاً هناك فروق. فقط لا يوجد فروق مطلقة. المثير بالنسبة لى فى المقارنات هو الأماكن التى تشبه بعضها. حين تقارن كندا بأمريكا هذا مثير أكثر من أن تقارن أمريكا بمصر، لأن الفروق بين أمريكا ومصر أوضح وأسهل ولأن مقارنات الأماكن المتشابهة تدخل فى مناطق أرهف، مقارنة المصريين باللبنانيين مثلاً: هناك تشابه كبير جداً لكن هناك اختلافاً. هذا مثير أكثر بكثير من أن تقارن اللبنانيين بالفرنسيين. كما أن علاقة العالم الثالث بالأول في جانب منها مُحددة مسبقاً، وعادة ما توجد أجندة سابقة على المقارنة نفسها. فأنت إما ستؤكد أن طرفا أفضل من طرف، أو تحاول أن تدحض ذلك. أما فى الأماكن المتشابهة فأنت تهتم بأشياء ليس لها علاقة بأي المكانين أحسن فأنت أصلاً مطمئن لأن الأشياء تشبه بعضها بدرجة كافية. هكذا تصبح مثيرة أكثر، ممتعة أكثر. كل الفكرة فى الكتابة هى المتعة، المتعة بمعناها العميق المتعدد. الكتابة شكل من أشكال السعى للمعرفة من خلال الاستمتاع… يمكن أن تقرأ دراسة فلسفية عميقة جداً ومفيدة جداً وربما تفتح لك آفاقا لم تُفتح قبل ذلك فى تاريخ الإنسانية لكن لا تكون ممتعة. هذه أيضاً معرفة، لكن ما الفرق بينها وبين الأدب؟ الكتابة الأكاديمية غير ممتعة على الاطلاق. فوكو مثلاً أفكاره ممتعة جداً، لكن كتابته سيئة ككتابة، بالفعل لا يُقرأ. لا يهتم بالصياغة ولا الكتابة، فقط عنده أفكار يقولها. ولأنه يتحرك داخل أعراف أكاديمية لا تضع فى اعتبارها أهمية أن تكون الأشياء مقروءة. هذه أزمة حديثة نسبياً، لو عدت إلى القرن التاسع عشر إلى هيوم ولوك وهذه المجموعة مثلاً ستجدهم ممتعين جداً فى القراءة. ليس كلهم بالطبع: “كانت” مثلا مستحيل، عذاب صرف. تقرأ صفحتين كاملتين تعاني فيهما لكي تصل إلى فكرة شديدة البساطة. لكنها فى النهاية طريقة فى الكتابة… أعتقد أن الأدب لكى يصبح أدباً لابد أن يكون سلساً وممتعاً.
هل تعتبر المصريين عرباً؟
ماذا تقصد بـ”عرب”؟ بالمعنى اللغوي والثقافي بديهي أنهم عرب. لكن بالمعنى العرقى والقومي لا يوجد عرب أصلاً. أين هم العرب هؤلاء؟ حتى الجزيرة العربية تعددت واختلطت فيها الأجناس. البُعد العرقى هذا أكذوبة كبيرة. كلمة “العرق” عندما تثار فى علاقة بالهوية، لا تكون سوى استراتيجية سياسية لتحقيق أغراض معينة. في مصر مثلاً أنت تداخلت مع أتراك وبربر وأجناس لا حصر لها فضلاً عن الأقباط وقبائل الجزيرة. وحتى الأقباط أنفسهم، من عرفك أنهم أنقى عرقياً؟ هناك صعايدة مسيحيون يشبهون الفراعنة، لكن هناك مسلمين يشبهون الفراعنة أيضاً! وكذلك العروبة السياسية: أنا لا أوافق على المشروع العروبي السياسي، لكنني أرى الامتداد اللغوى، الامتداد المكانى والزماني للغة العربية، شيئاً جميلاً. وأرى الحدود ما بعد الاستعمارية التي تقسّم مساحة هذا الامتداد غير منطقية وسخيفة وغبية. لماذا يكون هناك حدود بينك وبين غزة أو السودان؟ الأمريكى عندما ينزل مصر لا يحتاج فيزا، لكن المغربى يحتاجها.
لكن أليست هذه هي نفسها القومية التى رفضتَها منذ قليل؟
لو أن معنى القومية هو إلغاء هذه الحدود المصطنعة، فأنا موافق. لكن ما يُقصد بالقومية العربية أو فترة ما بعد الاستعمار شيء آخر أراه امتداداً للمشروع الاستعماري نفسه. الدولة العربية فى الحقيقة هى دولة محمد على التى تحللت مبكراً، والتى أقامها شخص غير عربي. أما القصص التى عملها عبد الناصر، فكرة أن يتولى أمر بلد كامل أي ديكتاتور حيوان فيخربها ويروع سكانها بحجة أنه يمثّل العروبة لا تروق لي. على النقيض هناك توجه ثان في الفكرة التي روج لها لويس عوض بأننا لسنا عرباً على الإطلاق وعلاقتنا بالشرق معدومة بينما يجب أن نتطلع إلى الشمال؛ وهي الفكرة التي أدت إلى الترويج للكتابة بالعامية والقول بأن العامية لغة مستقلة لا علاقة لها بالفصحى. هذا أيضاً مرفوض، لأنه شكل من أشكال التحايل السياسي بتحديد الهوية فى اتجاه معين ليس بالضرورة منطقياً. لا ضرورة لإنكار أشياء حاصلة وبديهية: أننا نتكلم هذه اللغة، حتى لو كانت محرّفة بطريقة أو بأخرى في أفواهنا، وأن هناك تشابهات تاريخية وثقافية قوية جداً بيننا وبين البلاد المسماة بالبلاد العربية. لكن فى نفس الوقت ليس معنى ذلك أنه يجب أن يكون هناك مشروع قومى سياسى لو لم تصر عليه تصبح خائناً.
ما هى الهوية إذن؟
الهوية كارثة. الهوية فخ. دائماً هناك سعى أن تعرف هويتك. لكن ما إن تعرفها حتى تريد أن تتخلص منها. ما إن تحددها أو تُعرّف لك من جانب سلطة ما، تصبح خانقة. تحدك وتسطحك. سؤال الهوية لا يُطرح عملياً إلا فى وضع تحتاج فيه لحسم شيء ما، لكنك ما إن تحسمه حتى يخنقك.
فى صيغة أدق، أنت عندما تكتب تنطلق من ذاتك، فما هي “ذاتك”؟
ذاتي أنني “بنى آدم” فقط. لكن بنى آدم هذه من ضمن شروطها أن يكون لك لغة معينة ترتاح فيها وعندك علاقة بها. بنى آدم هذه ليست بسيطة كما تبدولأنها محكومة بكل شروط اللحظة التى تكتب فيها، أنك ولدت فى مكان وتربيت فى مكان وعندك علاقة بهذا المكان وعندك رأى فيه. أنك غادرت هذا المكان وعدت إليه أو أنك لم تغادره. أن عندك لغة غير اللغة التي تكتب بها، مثلاً…
لكن أليس في اختيار اللغة قرار سياسي بشكل ما؟ لماذا لا تكتب بالعامية مثلاً؟
بالنسبة لى اختيارى للغة العربية يرجع إلى أننى أستريح فيها. أعتقد أن العلاقة بين العامية والفصحى هى الموضوع، ليست هذه وحدها أو تلك. فى الكتابة نفسها، فى النَص الواحد، أستمتع بالحوار بينهما. فى ترتيب الجملة، فى اختيار المفردة. الفكرة بالنسبة لى فى ذلك التداخل، في تلك الدينامية. ثم إنه في الحقيقة لا توجد فصحى! ماذا تعنى كلمة “فصحى” بدقة متناهية؟ أنا لو حاولت أن أكتب فصحى صرفة لن تخرج مني فصحى قرآنية وربما أنتتهي إلى شيء أشبه بكتابة طه حسين على أحسن الفروض. أعتقد أن طه حسين كان آخر من كتب بالفصحى القرشيّة. وبدءا من نجيب محفوظ الفصحى نفسها تغيرت، تغيرت وتنوعت. وأنت عندك لغة كتابة لها هذا التراث الممتد بهذا الشكل، فلماذا تتخلى عنها مادمت على علاقة حية بالعامية ولا قلق من الرجوع إليها بوصفها اللغة الحية أو لغة الكلام؟ في الفصحىى هناك شئ يحملك: تراث 1,500 سنة من الأدب، حتى لو لم تقرأه كله، حتى لو لم تقرأ منه شيئاً. يظل يحملك فى الكتابة. العامية ليس لها تراث كتابة بحجم وزخم وثراء الفصحى. لكن العامية موجودة وحية ولا تخسر أى شيء: كتابتك بالفصحى لا تبعدك عنها. هناك فى العالم توجهان: التوجه الأوروبى، حيث أدت الحركات القومية إلى اندثار لغة الكتابة الجامعة، اللاتينية، والتأسيس لكل لهجة من لهجاتها باعتبارها لغة مستقلة؛ والتوجه العربي، حيث لم تقنن اللهجات المحلية باعتبارها لغات مختلفة. وأنا أرى في التوجه الثاني منحى جيداً لأنه يتيح الامتداد الزمني والجغرافي. لو أن المغاربة كتبوا بالدارجة المغربية لن تفهم شيئا، لكن من الممكن أن تدخل الدارجة المغربية في الفصحى التي يكتبونها بدرجات. الفصحى يمكنها أن تتلبس الدارجة المغربية وساعتها ستفهم الدارجة بل وربما ترغب في تعلّمها بعد ذلك.
هل تعبر الفصحى عن أشياء لا تستطيع العامية أن تعبر عنها؟
بالتأكيد. طبعاً، بمعنى أن الفصحى لها تاريخ طويل في الكتابة وهناك سوابق براقة في الفلسفة والعلوم على سبيل المثال. فى تركيا اليوم، على الرغم من أنه كان هناك سعى عنيف للتخلص من كل الألفاظ العربية والفارسية، تظل معظم الألفاظ الذهنية عربية: “كتاب” أو “استقلال”، مثلاً. العامية المصرية أخذت من التركية كلمات مثل “أوضة” أو “شنطة”، لكن حتى اليوم لا يوجد كلمة للاستقلال بالتركية غير الكلمة العربية. الفصحى بهذا المعنى لغة ذهنية، الأمر الذي لا يعني أن العامية قاصرة عن نقل الأفكار المعقدة أو المشاعر الدقيقة لكنها لا تملك ما يكفي من مفردات لذلك وليس هناك سوابق لاستعمالها في الكتابة على هذا النحو. وحتى في الكلام أما العامية نادراً ما تؤدي مثل هذه الوظائف بدون الرجوع إلى الفصحى أو سواها من لغات النشاط الذهني غير المتصلة بالحياة اليومية، وهو أمر طبيعي. معظم المفاهيم الذهنية باستثناء الوافد من لغات أخرى تظل فصحى حتى ونحن نتكلم بالعامية، فكلمة “تفاعل” أو كلمة “مركّب” قد تقال في جملة عامية، لكن مثل هذه الكلمات لا تنتمي للعامية كما تنتمي كلمات مثل “شكمان” أو “تليفون” وإن ظلت هناك مفاهيم ذهنية عامية غير موجودة في الفصحى فالمسألة ليست مطلقة.
هل للفصحى علاقة بهويتك؟
للعامية علاقة أقرب بهويتي لأنها لغتي الأم بالمعنى الحرفي. لكن العلاقة باللغة لا تكون مباشرة بهذا الشكل. يمكن للغة أن تعكس جانباً ما من هوية ما فى لحظة ما، لكن لا يحدث ذلك بقرار وفي النهاية قد تأخذ قراراً وترجع فيه. أنا أخذت قرار أن أكتب بالإنجليزية ورجعت فيه أكثر من مرة لأننى وجدت العربية تحقق طموحي الأدبي بشكل أوقع، ولعل القرار الداخلي، غير الواعي كان أن أكتب العربية. وجدت سِكة أكثر إرضاءً في العربية. والسكة هذه قرار نابع من الداخل وليس عن وعى. يمكنك أن تفكر وتقرر في أي أمر من أمور الحياة لكن القرار الداخلي الخفي هذا هو الذي يحكمك مهما قررت.
لماذا درست الفلسفة رغم أنك كنت تنوى التخصص فى الأدب بالأساس؟
بدا لي أن الفلسفة مفيدة أكثر. أنا درست الفلسفة والأدب الإنجليزى-المقارن، لكن اختيار الأدب الإنجليزى كان تحت ضغط من أهلي الذين اعتبروه مؤهلاً أفضل. عن نفسي كنت أفضل أن تكون دراستي كلها فلسفة. الأدب لا يُعلَّم وأظن تَعلُّم تقنيات الكتابة أفيد من دراسة الآثار الأدبية أو التعليق عليها كما يحدث في الأدب المقارن حيث أحس الخطاب الأكاديمي هشاً وهيناً: يمكنك أن تقول أي شيء وسـ”يعدّي” طالما تستخدم نبرة خطابية معينة وتكثر من المرجعيات. في الفلسفة لا يمكن أن تفعل ذلك. كل كلمة محسوبة عليك. كتابة الأوراق الأكاديمية في الفلسفة تدريب رائع على النشاطات الذهنية والقواعد الحرفية التي تدخل في إنتاج الأدب: الدقة والمنطق والاختزال. وفي الحقيقة يمكن لدراسة الأدب أن تضر بالكاتب لأنها تضع الأشياء فى قوالب وتعتمد على خطاب مواز لا علاقة له بالخبرة المباشرة للقراءة ومن ثم تحيّد القدرة على التقييم الفردي، الشخصي الذي يعتمد عليه الكاتب. يصبح سهلاً أن تقول عن أي شيء أنه جيد أو سيء بشكل مقنع تماماً ولكنه ليس مستمداً من أي خبرة. في نظري أكثر الأكادميين “علوقية” هم اساتذة الأدب والأدب المقارن، والنموذج الواضح في رأسي هو إدوارد سعيد – أعرف أن الكثيرين لن يتفقوا معي في ذلك – لأنه يقول الشيء وعكسه ويوظّف خطاباً بالغ التعقيد وكم لا يمكن استيعابه من المعلومات لصالح فكرة مسبقة ومنفصلة عن خبرة القراءة. دائماً هناك مسافة واسعة بين خبرتك بما تقرأ وإمكانية أن تكتب عنه، وفي السياق الأكاديمي تتسع هذه المسافة أكثر فأكثر. في الفلسفة، على النقيض، ليس وارداً مثل هذا الالتباس.
لماذا رأيت الغرب خدعة؟
كان عندى أوهام عن قدرات وإمكانات الناس. كان عندى أوهام من قبيل أنه لو أن هناك تطوراً فى المجال العام فمعنى هذا أن ينعكس التطور على عقليات الأفراد، بينما ما يميّز الغرب في الواقع نادراً ما يتصل بالعلاقات الإنسانية أو المعرفة على المستوى الشخصي. إنها أشياء من قبيل الاستهلاك أو أعراف الالتزام بقواعد المرور، وهي تتسرب إلى الأفراد غصباً عنهم، بغض النظر عن آرائهم فيها، كما تتسرب إلينا نحن أشياء قد تراها على النقيض كالفوضى والتقشف. يمكن أن يكون للأفراد موقفاً من هذه الأشياء في لحظة معينة سواء هنا أو هناك. لكن بشكل عام هي فقط في الخلفية.
هل يمكن للعرب أو المصريين أن ينطلقوا إلى الأمام دون أن يستوعبوا ما وصلت إليه الحضارة الغربية من حداثة أو أي منظومة قيمية من هذا النوع؟
بالطبع لا يمكن، لكن عليك أن تعرف الانطلاق إلى الأمام بشكل أدق. أنا أرى أن الحضارة – وأقصى ما تبلغه الحضارة من تطور – ملك الناس جميعاً بغض النظر عن الهوية الثقافية.
قال فوكو إن التاريخ لا يعتمد على “المنحنيات الضرورية” المفترضة في دراسته ويمكنه أن يتخذ أشكالاً أخرى؟
نعم، لكنك عملياً تستطيع أن تقول إن خصوصيتك الحضارية – والتى لا يجب أن تُعرّفها مسبقاً وإنما لابد من استشرافها شيئاً فشيئاً بمعرض السعى إلى معرفة الذات على المدى الطويل – تستطيع أن تستفيد من كل المنجزات المعرفية المتاحة لك بغض النظر عن مصدرها. وليس بالضرورة أن يحدث التطور بنفس الترتيب الذي حدث به في مكان آخر كالغرب. التاريخ ليس خطاً مستقيماً. لكن لكي تحدث الانطلاقة التي تتحدث عنها لابد من الاستفادة من أقصى ما حققته الحضارة الإنسانية دون اعتبار لأسئلة الهوية. بشكل شخصي أرى العلمانية ضرورة ليس فقط لتقنين الحقوق المدنية ولكن لقراءة الفلسفة؛ العلمانية حدثت في الغرب لكن لا يعني ذلك أنها ليست ضرورية في الشرق أيضاً.
كيف يمكن أن يستفيد الكاتب الشرقى بصفة خاصة من التراكم المعرفى والحضارى الغربى؟
هناك توجهان سائدان فى هذا الموضوع. التوجه الأول هو تقديس الغرب، والتعامل معه على أنه قادم من المنطقة الأعلى منك وأنه كله جيد وكله عظيم وأنت لابد لك أن تقلده. والتوجه الثانى هو أن “تؤبلسه” إن جاز التعبير، ترفضه كاملاً ليس لأنك ترفضه ولكن لأنه جاء إليك من مكان أضر بك في الماضي وهو بالتالي – وبالضرورة – مؤامرة عليك. أنا أرى أن كون المعرفة قادمة من مكان معين في وقت معين لا يعيبها ولا يميزها على الاطلاق، وعلينا أن نكون أنداداً لأندادنا معرفياً. شروطنا ولابد مختلفة عن شروطهم، لكن لا يمكن لنا أن نعاملهم بوصفهم آلهة أو أبالسة.
لماذا تضع “مصر” فى كل كتابة “رحلاتيّة” لو صح التعبير؟ هل لا يستطيع الإنسان النظر إلى بيته إلا من خلال بيوت الآخرين؟ هل عليه أن يرى نفسه من الخارج لكى يراها جيداً؟
هو لا يستطيع النظر من خلال بيوت الآخرين إلا عندما يكون له بيت. على المستوى السطحي لا توجد مقارنة بدون مرجعية. وأنت المرجعية الموجودة فى حياتك هى هذا البلد، خصوصاً لو أنك ستتكلم عن العرب. أعتقد أنك تقصد أنني عندما كتبتُ عن بيروت، وضعت بيروت مرجعية لمصر. ومع ذلك كانت نيتي أن أجعل مصر مرجعية للكلام عن بيروت. لكن أظن الذي حدث في الواقع هو أنني استعملت بيروت لكى أتحدث عن مصر، دون أن أكون واعياً بذلك. فكرة أن ترى بيتك أو نفسك عندما تبتعد هي فكرة فاعلة فى حياتى لأسباب كثيرة، لأنني أقمت في إنجلترا سنوات الجامعة وكنت صغيراً جداً على سبيل المثال، ومن ثم تمت معرفتي بالمكان من خلال مكان آخر. فى جوانب كثيرة من حياتى هناك أشياء ثابتة، فأنا مثلاً لازلت أعيش فى البيت الذى ولدتُ فيه، وبالتالي عندك دافع على رؤية بيوت أخرى. ومع ذلك، أن تبقى كل هذه السنين في بيت واحد يجعل لك ملامح محددة رغم كل شيء. في رواية “كتاب الطغرى” ستجد أن معادل القاهرة – المرجعية التي تقارن على أساسها – ليس مكاناً ولكنه زمن، وهو زمن متخيل كما أن بيروت في نصي مكان متخيل أيضاً على مستوى ما. أنا زرتها فعلاً وكتبت عن ما رأيته فيها لكنني أنتجت مدينة متخيلة فى الحقيقة، لأننى لم أبق هناك سوى عشرة أيام. أنت لا تتكلم عن بيروت. أنت تتكلم عن انطباعك عن بيروت. وكذلك في الطغرى: أنت لا تتكلم عن الدولة العثمانية بقدر ما تتكلم عن انطباعك عنها. وفي الحالتين توجد وظيفة خفية لهذا الانطباع هي إلقاء الضوء على القاهرة الآن.
“معنى الكتابة في حياة وﺍحد مثلي: كل الأشياء ﺍلتي يمكن ﺃن تُعوّض عنها.” ما معنى هذه الجملة؟
معناها أن كل ما لا تستطيع عمله في واقعك، كل ما يحرمك منه الواقع على كل المستويات – وربما أهم ما في ذلك هو احتمال الفهم أو الوضوح – تعوضك عنه الكتابة. لكل منا استراتيجية في مواجهة الدنيا وأنت منذ سن مبكر جداً واستراتيدجيتك هي أن تكتب. وليس المقصود بالتعويض هو تحقيق متخيل لرغبات مستحيلة. يحدث التعويض على مستويات عديدة. الكتابة شيء مرن يمكنك أن تحقق من خلاله أشياء عديدة بحسب اللحظة والإنسان. لكن الذي لا يتغير أنها وسيلة للتعامل مع حياتك وأنها تخلق توازناً ما. ربما التوازن أدق من التعويض. لأنها كمل تعوض تحرم في مكان آخر – وأظن أهم ما تحرمك منه هو الولاء الكامل لشخص تحبه، لأنك وفي خضم ذلك الحب قد يكون ولاؤك لشيء آخر – لكن الكتابة بهذا المعنى تحدث خللاً أيضاً. وهذا التضاد بين سد الفجوات وإحداثها هو الذي يجعل منها طريقة حياة فضلاً عن أي شيء آخر. ولا أعرف إن كان هذا إيجابياً أو سلبياً. هو فقط في صالح الكتابة. أنت تقبل بذلك لأنه يصبح حياتك. أن تكون خائناً. أن لا تكون علاقتك بالناس في جوهرها علاقة أخلاقية لأن هناك دوماً أولوية أخرى لها علاقة بما تريد أن تقوم به على الورق. هل ستكتب عن ذلك؟ وكيف ستكتب عنه لو كتبت؟ كل ما يحدث لك تكون على مسافة منه بدرجة ما، لأن ما يحدث يحدث على الورق بشكل أوقع مما يحدث على أي مستوى آخر.
ما فوﺍئد خبرة ﺍلعمل كصحفي؟
العمل في الصحافة يمنحك منهجية صالحة لإجراء الأحاديث مع الناس وجمع المعلومات، فضلاً عن أنه يروضك على درجة معينة من الإنتاجية. على المستوى الشخصى، عرضنى العمل فى الصحافة للتعامل المنتظم مع الناس داخل وخارج جريدتي والمؤسسة التي تنتمي إليها، وكنت شخص انطوائياً أواجه صعوبة فى التفاعل الاجتماعي، فطوَّرتُ ميكانيزمات للتعامل بسبب الصحافة.
من هم الشعراء العرب الذين تراهم لهم قيمة حقيقية فى الخمسين سنة الأخيرة؟
سركون بولص. لأن لديه شفافية شبه مطلقة مع اللغة. وقدرة على أن لا يكون هناك شىء فى الدنيا سوى ما يكتبه. الحياة تخدم الكتابة بشكل مباشر وليس عن طريق تركيبات معقدة وسواء عن قصد أو لا، لا تخدم الكتابة الحياة لحظة واحدة. هذا الرجل خرج من بلده وهو في عمر التاسعة عشر ولم يكن متعلماً ولا عنده شىء يخسره، لكنه عاش ليكتب ثم مات دون أن يتخطى ذلك الحاجز الذي يجعل الكاتب – بعد درجة معينة من التحقق – يكتب ليعيش. كان يتعلم ويتطور حتى مات. ولم يكن عدم اهتمامه بالنشر وغيره من أشكال التحقق مفتعلاً أو جزءً من خطاب احتفاء بالذات. ولم يخلط بين الكتابة وفلسطين أو الكتابة وديوان العرب أو الكتابة والتاريخ.
ما الذى يفرّق كاتباً أو شاعراً عن آخر؟
بالنسبة لي، هناك مسألة أساسية وهي مسألة لها جانبان. الجانب الأول هو أن يكون إخلاصى الحقيقى للكتابة، بمعنى أن لا توظّف الكتابة لصالح شيء سواها؛ يعنى الكتابة لـ”وجه الله”، وهو شيء نادر فعلاً فى الثقافة العربية. بالفعل مربك وصادم أن تكتشف مدى ندرته بعد كل ما قرأت. لكنه موجود عند سركون بولص، هذا الشيء. أما الجانب الثانى فمن الصعب التعبير عنه بوضوح ومن السهل أن يساء فهمه على مستويات عديدة، ومن السهل أن تخطئ في تأويله أيضاً إذا ما حاولت أن تطبقه على شخص بعينه. إنه ببساطة أن تكتب عن نفسك، بمعنى أن تكون مستعداً للمغامرة بحياتك من أجل ما تكتبه – أنا أفكر في المستوى النفسي، لكنه يحدث على مستويات أخرى أيضاً – وهو ليس شيئاً دونكيشوتياً على الإطلاق. إنه في عمق فكرة أن تكون الكتابة استراتيجية لمواجهة الحياة، وبالتالي هو شيء شخصي جداً وأظن له علاقة وثيقة بالحرية، الحرية بمعناها الحقيقي الذي يختلف عن الاستهتار والتخلي والاستعداد لإيذاء الآخرين. أن تكون مستعداً لمواجهة نفسك. أن تعرض نفسك لأشياء لو لم تكن ستكتب عنها لا سبب في الدنيا لأن تعرض نفسك لها. وهذا من وجهة نظرى ما يفرّق بين كاتب وآخر. هناك كاتب متمكن من أدواته وطموح لكنك لا تجد عنده شيئاً من ذلك: تظل الحياة شيئاً والكتابة شيئاً آخر. فكرة أن تكون معرضاً، مستعداً للتماهي مع ما قد يُخرج من جوفك كتابة لأنه غيرك بالفعل. أن تكون مستعداً لأن تمر بذلك التغير، لأن تخرب حياتك – عملياً – من أجل أن تحصل على خبرة، من أجل أن تكتب. أنا مثلاً عندما تزوجت وطلقت بعد عام. يجوز، محتمل، أنني في مكان ما من وعيي كنت أعرف أن هذه الزيجة ستنتهى بهذه السرعة وأريد هذه الخبرة لكى تفيدنى فى رؤية العالم. بالطبع لم أكن أرى الأمور وقتها بهذا الشكل وإلا أكون مجنوناً وهذا غير مفيد للكتابة. أظن بولص نفسه قال شيئاً بهذا المعنى: أنك تكون على الحافة، لو تخطيتها فهذا أشبه بأن لا تكون قد وصلت إليها أساساً، لأنك في فضاء خارج فضاء الاحتكاك. الفكرة كلها أن تبقى على الحافة.
لماذا قلت إن ليس لك أسلوب محدد فى الكتابة؟
الأسلوب شىء خطير. أنت لا تقرره وإذا قررته لا تثبت عليه. أنت تخترع لغتك وطريقتك ولو فعلت ذلك على مدى سلسلة من النصوص وصلت في آخرها إلى طريقة ثابتة فى الكتابة فهذه مصيبة لأنه لن يمكنك فيما بعد إلا أن تعيد إنتاج ما حققته من قبل. لكنها فكرة مقيدة ومضرة فى الحكم على الأشياء. ماذا يعنى أن يكون هذا الكاتب أسلوبه جيد وذاك أسلوبه رديء؟ إنها فقط على باللغة باللغة، وعلى قدر تطور هذه العلاقة يتطور الأسلوب. لكن يبقى في لغتك شيء خاص بك مهما تجنبت ذلك…
أين تكمن أهمية التراث، وما معناه، خصوصاً من منظور ما بعد حداثى؟
التراث مثل أى شىء. وليس أهم من أى شىء تستعمله فى الكتابة، مثل خبرتك فى الشارع ومشاجراتك مع زوجتك. كما قلت لك: هناك فى اللغة العربية ذلك الامتداد الزمنى العجيب؛ تستطيع أن تقرأ نصاً مكتوباً منذ ألف سنة وتفهمه بلا أي مشاكل. هذه ميزة لا تتوفر لأي لغة أخرى. الفرنسية منذ ثلاثمئة عام لا تُفهم. الإنجليزية القديمة لغة أخرى تماماً. حتى شكسبير صعب. التراث بمعناه ما بعد الحداثى هو أن يكون هناك أكثر من وجهة نظر: القدرة على أن ترى شيئاً معيناً منزاوية معينة لغرض له علاقة بالنص وليس لأنك مؤمن بهذه الرؤية بالضرورة. مثلما ترى أن الدولة العثمانية شىء عظيم في “الطغرى”: أن ترى ذلك بعيني شخص من مصلحته أن يراه هكذا، ومن ثم تخدم النص. ليست “الطغرى” تصالحاً مع التراث وليست الدولة العثمانية هدفاً في حد ذاته. كنت أبحث عن آخر خلافة مُعترف بها على نطاق واسع وآخر خليفة فى منطقتنا هو السلطان العثمانى، وذلك كله لأسباب متعلقة بالنص.
هل على الكاتب أن يطمئن لمعرفة القارىء بتفاصيل واقعية أو تاريخية ليتأكد من أن نصه سيُفهَم جيداً؟ أنت كتبتَ ما يشبه تمهيدات تعريفية وتوضيحية فى بداية نص “الطُغْرى”؟
ليس من المفترض أن تُجهد القارىء ولا تدفعه للبحث في المعاجم والموسوعات حتى يعرف عما تتكلم. لو في النص معلومات من المرجح أن لا يفهمها الكثير من القرّاء يجب أن تكون موجودة. لا علاقة لذلك بما بعد الحداثي. لا أرى أن النص المعاصر يجب أن يخجل من أى شىء. النص يتحمل أي شيء.
يعمل “مصطفى”، بطل الرواية، فى جريدة محرراً صحفياً. هل “مصطفى” هو أنت؟ وعلى أى مستوى؟
على مستوى ما من الوعى، هو أنا. لكن فى الوقت نفسه أنا أقدِّم مصطفى كشخص افتراضى، كصورة افتراضية لي. بينما فى كتاب بيروت مثلاً المتكلم هو أنا بالفعل وليست هناك أي ادعاءات تخييلية. ومع ذلك فإن الشخصية التي تظهر في كتاب بيروت هي الأخرى ليست أنا تماماً. الشخصية ليست بنى آدم. هناك فرق جوهرى، هناك تحول يحدث من البنى آدم إلى الشخصية أثناء الكتابة حتى لو لم يتغير فيها شىء. لكن المهم هو النية: في الطريقة التي تعرض بها الشخصية أو تقدمها. في “الطغرى” أنا أعرض لشخص افتراضي قد يشبهنى فى أشياء لكنه يختلف عني في أشياء تناسب المجال الذي أخلقه من حوله والذي هو مختلف عن مجالي بالضرورة. أنت تخلق واقعا وتخلق بنى آدم كاملا داخل ذلك الواقع. هذا فرق كبير. وهو أدعى بأن لا يكون “مصطفى” أنا.
هل الكتابة هروب من الشخصية – الذات – أم التقاء بها؟
داخل حدود ما، هى توسيع وتعميق وإثراء للشخصية، وهذا يستدعى الهروب فى لحظات كثيرة. لكن الكتابة نفسها تجبرك على التقنين ا إلى حد ما. حتى لو كنت تكتب عن طرف ثان، عملية الكتابة تستدعي اختزالات متباينة هدفها أن تبيّن ذلك الشخص. الواقعية ليست هى الواقع: لو كتبت الواقع كما هو، لن تنتج كتابة واقعية على الاطلاق؛ ستنتج “جنان رسمى”. في الواقعية درجة من الكذب حتى تخرج بشيء يشبه ما يراه الناس للواقع على أنه واقع أو كيف يعيشونه. الواقع فى الكتابة غير الواقع فى الحقيقة.
لاحظت أنك تُضمن نصوصك المفردة داخل كتبك، ألا يخل هذا بوحدة العمل أو روحه؟
هناك افتراض واهٍ جداً لكنه لطيف، بأن كل شىء تكتبه له علاقة بكل شيء آخر. وفى لحظة ما يحلو لي اختباؤ هذا الافتراض. أن تضع نفسك فى ذلك التحدى، كما أنه يمكن أن ترى علاقة لم تكن قد رأيتها قبل ذلك بمجرد أن تضع شيئين جنباً إلى جنب، وقد يفتح لك ذلك سكة جديدة.
هل قاموس المصطلحات العامية الملحق برواية “الطغرى” لتسهيل عملية الترجمة، أم لكسب قطاع أوسع من القراء، أم إمعانا فى جعل الرواية تأخذ شكل الكتب التراثية المُحققة؟
كل هذا وارد. لكن السبب الرئيسى هو أننى لا أريد أن أتهم بالركاكة أو أنني أخاطب المصريين وحدهم. وفى نفس الوقت هو يتماشى مع الجو العام لاستدعاء التراث. لا تحسه غريبًا.
No more posts.