رسالة صيف، ٢٠١٥

EGYPT. Cairo. January 29, 2013. Protestors during clashes with Egyptian police along the Corniche in central Cairo. By Moises Saman, 2013. Source: magnumphotos.com

EGYPT. Cairo. January 29, 2013. Protestors during clashes with Egyptian police along the Corniche in central Cairo. By Moises Saman, 2013. Source: magnumphotos.com

أن تحل ذكرى ميلادي في الأسبوع نفسه الذي يبلغ فيه ملحق النهار عيده الخمسين ربما أكثر من مصادفة. (أنا أحذرك من الآن يا قارئي، يا صديقي: ستكون رسالتي هذه القصيرة جداً، المدفوعة بقيظ القاهرة شخصية.) ثمة من يذهب إلى أنّ كل صدفة عنوان، إذا ما قصدتَه وصلتَ إلى بيت أو وطن. والحزن الذي يعصرني الآن على عنف ألاقيه متشرداً في الفضاء الافتراضي لا رباط بينه وبين مطبوعة نشأتْ قبل مولدي بأحد عشر عاماً. للأماني خزينة أضيف إليها. صحيح أنه، رغم إحساسي الأعمق بالانتماء إلى الملحق، لا يمكنني ادعاء الصلة بتاريخه أو فهم مكانه من النزاعات. لكن ليس مع الحزن يوم ميلادي إلا الحدس باقترابه من أحزان القائمين على خزينة الأماني. (ألم أقل لك إنها رسالة شخصية؟) ثمة مشكلات تترتب على الولع باللغة والحيد عن قطعان الولاء، النظر إلى الدنيا بعين السؤال. وأنا حيثما استرحت في مدينة أصغر وأوسع من الإسكندرية، وجدت من يشاركني هذه المشكلات. بيروت سحرتني وأفزعتني قبل عشرة أعوام مع أولى بشائر الربيع العربي، واليوم أظنني أكرهها كقطعة حلوة مُرّة مني إثر انفجار الربيع ذاته قنبلةً بدائية الصنع كما تسميها الصحافة المصرية. لا تقتل إلا أبرياء. زهرة في حجم الدنيا والدنيا تحترق. لكن الملحق لدي، وما بقي من ذكريات الأمل والخوف. الأجدى غيابهما. أجلس وسط الرماد أستحضر فرحة الكتابة وخبل الغرام. أتأمل عمري. وأتذكر مقولة روبرتو بولانيو قبل أن يموت في الخمسين: الكتابة بديل عن الانتظار. في أعداد سابقة للملحق ثمة سجل للانتظارات التي هزمناها. وثمة أفراح مؤجلة أيضاً رغم كل شيء. أنا وأنت يا قارئي، على الأقل مازلنا هنا. والأيام التي ألقتنا على قارعة التاريخ نتسول قوتنا ونفرح بالفتات أو نبصق عليه… مازالت تخضّ جسدينا. غداً أو بعد غد – ربما في أمانينا فقط – تتحقق المعجزة ولا نعود نقعي في ظل الحواجز بلا مسدسات. ربما ليس سوى أمانينا فعلاً، إلا أننا ندخر زهداً يا صديقي. وبينما الكذبات تتكالب على الكاذبين وهم عليها – بينما الانفجارات تذكرنا بخيبة أمل الإنسانية سواء أفي القاهرة أو في بيروت، في عرض المتوسط وعلى شواطئ لازوردية سيغرقون بامتدادها وهم بعدُ فقراء – أنا أكتب لك.

logo

أحمد الحادقة: كلهم أحد

Bieke Depoorter. EGYPT. Cairo. 2012. From the series "In Between". Source: magnumphotos.com

Bieke Depoorter. Cairo. 2012. From the series “In Between”. Source: magnumphotos.com

أن تجلس في هذه البقعة، نعم هي ليست خارج المدينة، لكن أن تجلس فيها وترى السيارات عن بُعد، ليس من أعلى مكعب كملايين المكعبات لكن من أُفُق  السيارات نفسها، إحساس جديد في هذه المدينة. أن تشعر أن نسبة من يراقبونك أقل من المعتاد ولو لفترة وجيزة، إحساس طالما افتقدته في المدينة المخصية هذه: مدينة بلا خصوصية على الإطلاق.

استمر في القراءة

عطارد: محمد ربيع | فصل من الرواية الجديدة

Mercury by Polidoro Caldara da Caravaggio (1495–1543). Source: gormagon.org

Mercury by Polidoro Caldara da Caravaggio (1495–1543). Source: gormagon.org

ما زلتُ أذكرُ أوّل يوم، كان هذا منذ ثلاث سنواتٍ وستّة شهورٍ، بالتحديد في الثالث من مارس عام 2023.

كنتُ في إجارة، أمشي في شارع شريف في وسط البلد، باحثًا عن أيّ مقهى. كان الشارع مُزدحمًا كعادته، الساعة تقتربُ من الثانية ظهرًا وهي ساعة الذّروة في منطقة وسط البلد.

دون مُقدِّمات، رأيت مبنى البنك الأهلى ينهار، وكمّية هائلة من الغبار والركام ترتفع في السماء لتحجب الأنظار، وتسدّ الحلوق. بعدها سينسى الجميع تمامًا انهيار مبنى البنك الأهلي، وسنعرفُ أنّه انهار من تلقاء نفسِه، لا بسبب صاروخ أو دانة مدفع.

خلال الساعات الثلاث التالية، ستمرُّ في السماء طائرات حربيّة عديدة، ستقصف أهدافًا بعينها؛ البنك المركزي، ووزارة التعليم، ووزارة الصحّة، ومبنى نقابة الأطباء، ومبنى تابع للتلفزيون في حيّ المقطم، ومبنى القمر الصناعي في المعادي، ومباني الأوبرا في الزمالك، ومباني ومصانع ومخازن عسكرية عديدة في كلّ أنحاء الجمهورية. سنعرف كلَّ هذا لاحقًا.

استمر في القراءة

إسلام حنيش: رائحة الموت

نتسكع في الشوارع والأزقة،

ونطارد السيارات ككلاب مسعورة

نحاول أن نروي عطشنا ونلعق البخار على الفتارين وواجهات المقاهي

نشم رائحة الموت عند كل ناصية،

وتمتلئ رئاتنا بالدم

فنبدأ في أكل أنفسنا قطعة قطعة.

نتقيأ الصبر على قارعة الطريق

ينهرنا عسكري المرور

بتهمة ارتكاب الحزن وتعطيل السير.

نسير كـ”الزومبيز” في مشهد سينمائي

نستحضر الوجع ونجلد أنفسنا،

ونعض على ألسنتنا،

ونكوي مراكز الحس.

ثم نلف ما تبقى منا في سجائر

ندخنها لنقتل الوقت.

.

القاهرة – 14 يونيو 2013

إسلام حنيش

في ذم الثورة: هكذا يصير الفرد أقل من إنسان وأكبر من الإنسانية

wpid-photo-1-2013-06-29-06-58.jpg

.

في ذم الثورة

أو كيف جعل لي الشعار في جسدي وفي نفسي شغلاً

“ولتستقيمن لي أو لأجعلن لكل امرئ منكم في جسده وفي نفسه شغلاً.” – من خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي في ولاية العراق؛ نص كتاب الأوائل، أبو هلال العسكري (توفي سنة ١٠٠٤ م)

عيش

جئتُ إلى هنا، إلى هذه اللحظة، من حيث كان وقت ضائع يكفي لملء الكون. هناك، في المكان الذي جئتُ منه، كنا كأننا في برزخ فضائي وإشارات المركبات تومض عشوائياً ككلاب عملاقة من معدن تعوي في الفراغ. كان الكلام معزولاً عن الواقع مثل الأذان: أنكر الأصوات في المكبرات. وكان الواقع نفسه قبيحاً إلى حد العمى عن تفاصيله.

النظر مؤلم، والانتظار مؤلم. فهل يهم حقاً ما سوى ذلك من “شرط مادي”؟ وماذا يعني القول مثلاً إنك من الطبقة الوسطى؟

استمر في القراءة

حسين بن حمزة: لا عزاء للتماسيح

سعادتي برواية التماسيح قد تفهم خطأ. أعتقد أن الفترة التي كتبت فيها – وخلالها توطدت علاقتي بيوسف رخا – كانت من أغنى الفترات في وقت بدا قاحلا ومربكا … الحوارات الشاقة مكسِرة الرأس على موجة الثورة العالية والهابطة إلى القاع هي التي حولت مشاعر كان من الممكن أن تبقى مجانية تماما إلى كلام. من منا لا يدين لشخص دفعه الى الكلام؟ – مهاب نصر يوم ٢٠١٢/٩/١٩

.

على خلفية إسقاط النظام المصري، تعيد رواية «التماسيح» (الساقي) كتابة محطات أساسية لـجيل التسعينيات الذي انتهت أحلامه بتغيير العالم إلى انهيارات شخصية حاولت أن تجد سلواها في الثورة المغدورة

«أحياناً وأنا أستعيد حواراتنا ومشاجراتنا وكل السُّبل المعقدة التي ربطتنا ثم حلّت الرّباط، يبدو لي أنّ الفشل كان القيمة الوحيدة المحرِّكة في الدائرة»، بهذا الاعتراف الذي سيتكرر في صفحات وسطور أخرى، يُنهي يوسف رَخَا (1976) روايته «التماسيح» (دار الساقي). الفشل لا يُقدم هنا كنتيجة نهائية، بل كاستعارة كبرى تختزل السياقات السردية للرواية التي تتحدث عن تجربة جيل التسعينيات في الشعر والكتابة، والعلاقة مع الجيل السابق ومع المؤسسات الثقافية.

استمر في القراءة

حوار مينا ناجي: الصياغة الأخيرة

٦ نوفمبر ٢٠١٠

هل لابد أن ترتبط هوية الكاتب بمكان جغرافى وتاريخ محدد؟

أرى أنها على العكس لابد أن لا ترتبط، لا يصح أن تكون الكتابة مكبلة بفكرة انتماء لمكان معين أو حتى زمن معين. الانتماء لمكان وزمان يكون حاصلا رغماً عنك. سهل جداً أن تقع فى فخ سياسى أو غير أدبى، غير أدبى بأى معنى، ليس من الضرورى أن يكون سياسياً، لو أنك ربطت بين كونك تنتج أدباً وفكرة أن هذا الأدب له مكان أو له زمن أو له أى نوع من أنواع الانتماء.

استمر في القراءة