القاهرة

إسلام حنيش: رائحة الموت

نتسكع في الشوارع والأزقة،

ونطارد السيارات ككلاب مسعورة

نحاول أن نروي عطشنا ونلعق البخار على الفتارين وواجهات المقاهي

نشم رائحة الموت عند كل ناصية،

وتمتلئ رئاتنا بالدم

فنبدأ في أكل أنفسنا قطعة قطعة.

نتقيأ الصبر على قارعة الطريق

ينهرنا عسكري المرور

بتهمة ارتكاب الحزن وتعطيل السير.

نسير كـ”الزومبيز” في مشهد سينمائي

نستحضر الوجع ونجلد أنفسنا،

ونعض على ألسنتنا،

ونكوي مراكز الحس.

ثم نلف ما تبقى منا في سجائر

ندخنها لنقتل الوقت.

.

القاهرة – 14 يونيو 2013

إسلام حنيش

في ذم الثورة: هكذا يصير الفرد أقل من إنسان وأكبر من الإنسانية

wpid-photo-1-2013-06-29-06-58.jpg

.

في ذم الثورة

أو كيف جعل لي الشعار في جسدي وفي نفسي شغلاً

“ولتستقيمن لي أو لأجعلن لكل امرئ منكم في جسده وفي نفسه شغلاً.” – من خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي في ولاية العراق؛ نص كتاب الأوائل، أبو هلال العسكري (توفي سنة ١٠٠٤ م)

عيش

جئتُ إلى هنا، إلى هذه اللحظة، من حيث كان وقت ضائع يكفي لملء الكون. هناك، في المكان الذي جئتُ منه، كنا كأننا في برزخ فضائي وإشارات المركبات تومض عشوائياً ككلاب عملاقة من معدن تعوي في الفراغ. كان الكلام معزولاً عن الواقع مثل الأذان: أنكر الأصوات في المكبرات. وكان الواقع نفسه قبيحاً إلى حد العمى عن تفاصيله.

النظر مؤلم، والانتظار مؤلم. فهل يهم حقاً ما سوى ذلك من “شرط مادي”؟ وماذا يعني القول مثلاً إنك من الطبقة الوسطى؟

Continue reading

حسين بن حمزة: لا عزاء للتماسيح

سعادتي برواية التماسيح قد تفهم خطأ. أعتقد أن الفترة التي كتبت فيها – وخلالها توطدت علاقتي بيوسف رخا – كانت من أغنى الفترات في وقت بدا قاحلا ومربكا … الحوارات الشاقة مكسِرة الرأس على موجة الثورة العالية والهابطة إلى القاع هي التي حولت مشاعر كان من الممكن أن تبقى مجانية تماما إلى كلام. من منا لا يدين لشخص دفعه الى الكلام؟ – مهاب نصر يوم ٢٠١٢/٩/١٩

.

على خلفية إسقاط النظام المصري، تعيد رواية «التماسيح» (الساقي) كتابة محطات أساسية لـجيل التسعينيات الذي انتهت أحلامه بتغيير العالم إلى انهيارات شخصية حاولت أن تجد سلواها في الثورة المغدورة

«أحياناً وأنا أستعيد حواراتنا ومشاجراتنا وكل السُّبل المعقدة التي ربطتنا ثم حلّت الرّباط، يبدو لي أنّ الفشل كان القيمة الوحيدة المحرِّكة في الدائرة»، بهذا الاعتراف الذي سيتكرر في صفحات وسطور أخرى، يُنهي يوسف رَخَا (1976) روايته «التماسيح» (دار الساقي). الفشل لا يُقدم هنا كنتيجة نهائية، بل كاستعارة كبرى تختزل السياقات السردية للرواية التي تتحدث عن تجربة جيل التسعينيات في الشعر والكتابة، والعلاقة مع الجيل السابق ومع المؤسسات الثقافية.

Continue reading

حوار مينا ناجي: الصياغة الأخيرة

٦ نوفمبر ٢٠١٠

هل لابد أن ترتبط هوية الكاتب بمكان جغرافى وتاريخ محدد؟

أرى أنها على العكس لابد أن لا ترتبط، لا يصح أن تكون الكتابة مكبلة بفكرة انتماء لمكان معين أو حتى زمن معين. الانتماء لمكان وزمان يكون حاصلا رغماً عنك. سهل جداً أن تقع فى فخ سياسى أو غير أدبى، غير أدبى بأى معنى، ليس من الضرورى أن يكون سياسياً، لو أنك ربطت بين كونك تنتج أدباً وفكرة أن هذا الأدب له مكان أو له زمن أو له أى نوع من أنواع الانتماء.

Continue reading

المسيح قام في القاهرة

أرجع من السفر مرة أخرى لأجد فأراً ميتاً في صندوق بريدي وبينما أغالب الرائحة وأنظّف لاعناً اليوم الذي سجّلت فيه عنواني مع قتلة الفئران أسمع من يقول إن المسيح بما أنه لم يُصلب فلا يمكن أن يقوم وبما أني لا أعرف أين حدثت القيامة أفكر في بيت لحم فيخطر لي أن وشم الرسغ فور الولادة ليس أقل طائفية من إسرائيل
مشكلة الفأر الميت أنك لا تستطيع أن تفعل به أي شيء ومهما شعرت أنك لا تستحقه إنه فقط فأر ميت لذلك عندما أتخيل بيت لحم احتفالاً بالفصح أو رجوعي لا أرى إلا المستوطنين

.

2013-03-17 20.45.22

ياسر عبد اللطيف: نصان

في المدينة الشهباء

وصلتُ إلى حلب قادماً من بيروت عن طريق البر. كلما تقدمنا نحو سوريا، بدت بوضوح أكثر ملامح “الدولة”على الرغم من تدهور حال الطريق عمّا كان عليه داخل الحدود اللبنانية: لافتات إشارية، وأكشاك لعسكر وشرطة، وألوان موحدة لأطلية المرافق.. في الطريق، كان راديو السيارة يبث على الهواء مباشرةً وقائع مؤتمر دولي للآباء المارونيين من كنيسة الجبل، وأعلن المذيع وصول وفدٍ من حزب الله كضيوف على المؤتمر برئاسة نائب الأمين العام نفسه. أخذ رئيس الوفد الشيعي الميكرفون ليلقي كلمةً. قال بصوت جهوري: ” جئنا لننزع عن المؤتمر صفته المارونية.. ليكون المؤتمر مؤتمرا لبنانيا وطنياً..” أغلق سائق السيارة الراديو بينما كنت أتساءل: كيف يحل ضيوف على مكان لينزعوا عنه صفته الأساسية؟

Continue reading

ناهد نصر: أربعة نصوص عن الموت

بدرجات الأسود

wpid-img_8896-2013-04-7-14-05.jpg

Continue reading

بيت أروى: مهاب نصر عن الصدق والثورة

ليس أخطر ما أنتجته ثورة يوليو (أو انقلاب يوليو) هو ما يسمى بـ”حكم العسكر”، بل في كونها مثلت أو تسببت بوضوح في إحداث شرخ واسع في الضمير المصري. لأنها أولا أول سلطة “مصرية” تحتكر الحكم بلا منازع (فلا ملك ولا إنجليز)، ومن ثم فقد كانت تمهيدا لمواجهة الشعب لذاته وإن استغرقت هذه المواجهة عقودا خصيلتها ما يحدث الآن. ولأن هذه السلطة لم تحتكر الحكم باعتبارها سلطة منتخبة بل استثنائية، وهو ما جعل فكرة “الاستثناء” تتحول إلى قاعدة سياسية بشكل متناقض تماما مع طبيعتها. وهي ثالثا احتكرت تمثيل الضمير العام (المبرر  لهذه الاستثنائية) وبالتالي وضعت نفسها أمام شرط مستحيل وزائف.

Continue reading

دروس الشخص

الألم أعمق، لكن التحليق أعلى – سركون بولص

في ٢٥ يناير ٢٠١٣، لم يبق من الثورة الكبرى سوى عبء التعامل مع ما خلفته من كوارث أملاً في العودة إلى نقطة الصفر، فهل يكون التعامل بثورة كبرى جديدة؟ كيف يمكن تخيل ذلك وإن أمكن، فلماذا علينا أن نتحمس له؟

wpid-photo-2013-01-24-15-15.jpg

Continue reading

ياسر عبد اللطيف عن الطغرى

“لسعان” الجغرافيا والتاريخ.. أو كتاب الطغرى ليوسف رخا

ياسر عبد اللطيف

wpid-277546180517828960_6860517-2012-09-11-20-35.jpeg

بعد أسابيع من اندلاع ثورة 25 يناير في مصر، وأيام قلائل من تنحي حسني مبارك، وبينما لاتزال شوارع القاهرة تغصُ بالمظاهرات، وفي وسط حالة من الانفلات الأمني اجتاحت البلاد بعد سقوط الشرطة المريع في 28 يناير، وفيما احتل الباعة الجائلين بالآلاف فضاء وسط المدينة الإسماعيلي، وإذ تُهاجم مجموعات غامضة من المجرمين المستشفيات الحكومية فتعتدي لأسباب مجهولة على المرضى والأطباء، وفي قلب هذا الكرنفال الدامي صدرت رواية “كتاب الطغرى” ليوسف رخا، لتمر على الواقع الأدبي المنشغل بتحركات الحياة السياسية مرور الكرام.. فالدوي السياسي للثورات وما تلاها يعلو صوته على صوت المعركة ذاتها.

“كتاب الطُغرى” أو غرائب التاريخ في مدينة المريخ، كما يقول العنوان الفرعي، وهو عمل ضخم يتجاوز الخمسمائة صفحة بقليل، يدشن به رخا بدايته الروائية، وهو يحمل طموحاً بشق المسار لمشروع روائي من النوع الصرحي. قبل الطغرى أصدر الكاتب مجموعةً قصصية بعنوان “أزهار الشمس” عام 1999، ثم أصدر في السنين التالية ثلاثة كتب في أدب الرحلة، عن مدن عربية كبيروت وتونس وابو ظبي، ثم ديوان للشعر بعنوان “كل أماكننا”.

ورواية كتاب الطغرى كما يقول الكاتب في بدايتها هي “أخبار الصحفي مصطفى نايف الشوربجي يوماً بيوم من 30 مارس إلى 19 أبريل 2007، كما رصدها بنفسه في الأسابيع التالية على هذا التاريخ، موجهاً كلامه، على طريقة الكتب العربية القديمة، إلى صديقه الطبيب النفساني راشد جلال السيوطي، المقيم في العاصمة البريطانية منذ 2001. تبدأ المغامرة الشكلية في الرواية إذن بمحاكاة الكاتب للكتب العربية القديمة في لغة السرد. وتقفز إلى ذهنك على الفور نبرة ابن حزم في “طوق الحمامة” ؛ ولكن اللغة التي نحتها الكاتب نحتاً تستحق وقفةً هنا، فكأنه أقام جدلية بين الفصحى والعامية بملاحقة الأولى داخل الثانية والعكس بالعكس. ولا يستنكف السرد من دمج كلمات أجنبية أو أخرى مفرطة في عاميتها في جديلة تبدو فريدة، بلا تنصيص يكسر التدفق السردي؛ حتى أنك في لحظة تستشعر أن وحدة الحكي هي الكلمة وليست الجملة.

يبدأ خيط الحكاية بانهيار علاقة البطل مصطفي نايف الشوربجي بزوجته، فيغادر شقة الزوجية في حي المعادي عائداً إلى بيت أهله في منطقة الدقي. وكأن بانهيار زواجه ينهار العالم المحيط بالبطل، فيتجلى له من خلال منظور الهذيان. يقول الراوي متقمصاً تأثير عقار الـ(إل إس دي) المهلوس: “إية رأيك تعتبر الدنيا دي عمارة (…) تسيح حيطانها وأسقفها، سلالمها وممراتها وأبوابها وأنت جوة إحدى الشقق والشقة بدأت تسيح(…) في قلبي من هذا العالم مرض يشبه العيش في هذه العمارة”.

ويتبدى العالم المهشم للبطل كأول ما يتبدى في “المدينة”، وهي هنا القاهرة. التي تجمعه بها علاقة عشق وتدله، وكره في نفس الوقت. فهو يتغزل من حيث لا يدري في شوارعها وجسورها وأنفاقها بينما هو يعبرها حانقاً أثناء السرد؛ لكنها تظهر له في حالة من التنافر الحضري والتشرذم لاتنفصل عن حالته الذهنية، فيحاول الراوي بعد عودته إلى بيت أهله أن يعيد تشكيل المدينة في وعيه، برسم خريطة لحركته فيها وذلك من باب “برنامج إصلاح الذات الذي وضعته لنفسي نصف واع” يقول مصطفى. كما تندمج بنية الحكي ببنية المدينة في هذيان آخر يحاول دمج جغرافيا المدينة بطبوغرافيا السرد لتُستكمل المغامرة الشكلية؛ فبخلاف رسم الخرائط هناك محاولات سردية تشكيلية من قبيل أن يكون طريق “محور 26 يوليو عبارة عن علبة صفيح مقفلة. وهو ضوء سارح في قعرها المموج بمطبات الأمان (…) لماذا إذن يتخيل المنظر، في الرسم كأنه صفحة كتاب؟ صفحة ملآنة على آخرها، والطريق قطع مستطيل يقسمها بالعرض”. مع تضمين رسومات بخط اليد لمثل تلك المغامرة التي قد تغني النص أو تثقله بحسب الزاوية التي تراها منها.

ويبدو انهيار الزواج، حال كونه غطاءًا اجتماعيا يحمي الفردية داخل قوقعته، كنوع من موت الأب، فتضطر الذات لمواجهة العالم عارية بدون غطاء، وهوهنا ما يدفعها لرؤيته وقد ضربه الجنون: “يموت الأب فيطلع ميتين الواحد ويختلط طلعان ميتينه بحالة طلعان الميتين العمومية التي في القاهرة”.

وفي أول عطلة أسبوعية بعد انفصاله الزوجي، يخرج مصطفى في نزهة مع زميله في الجريدة “أمجد صلاح” بأحد مراكز التسوق خارج المدينة، فيدفعه شيء قدري لشراء خاتم فضي يحمل نقشاً إسلامياً، سيتبين لاحقاً أنه رمز أو “طغراء” آخر سلاطين العثمانيين. والنقش في رسمه يتطابق مع رحلة مصطفى داخل القاهرة وفقاً للخريطة التي كان قد رسمها. ويفتح أمجد صلاح أمام مصطفى أول أبواب تفسير المؤامرة الكونية التي هو بصددها؛ أمجد صلاح، المختل عقلياً الذي يتخيل مؤامرة كونية تدفعه للإصابة بالجنون، يتشارك فيها زملاء لهم بالجريدة.

وتضم الجريدة التي يعمل بها مصطفى أنماطاً عجيبة من البشر؛ فهذا المكتب :” نموذج مصغر لشيء شامل وجبار، شيء مثل طلعان الميتين من قبورهم يوم القيامة”. وفضلاً عن أمجد صلاح، هناك الفقي وحيد الدين، الشخص المعزول الهامشي الذي لا يكلم أحدا، والذي يأتي للجريدة ليلاُ بهيئته الرثة بعد أن ينصرف الآخرون. وهو من ستتجلى عبره شخصية السلطان العثماني الأخير وحيد الدين لمصطفى ذات ليلة في المكتب، لتفسر له حدود المؤامرة، ومعاني الرموز التي قابلته طوال الأيام السابقة على ذلك. ويخبره، أنه أي مصطفى، واحد من سبعة أشخاص موجودين في أنحاء مختلفة مما كان يعرف بالإمبراطورية العثمانية، مكلفين بالعثور على رقاع سبعة جلدية تحتوي على سورة مريم القرآنية كاملة مخطوطة بالكاليغراف العربي. وهذه الرقاع كانت بصحبة السلطان الأخير، وقد فقدت منه أثناء ترحيله إلى المنفى. إن “العثور على سورة مريم الضائعة ولم شتات رقوقها المبعثرة هو الخطوة الأولى على طريق إحباط المؤامرة الكونية المحاكة ضد المسلمين”. ويؤكد له شبح السلطان أن في حياته الشخصية وأزمته “ترميزاً وافياً لجوانب المؤامرة نفسها، فكأن هذه الأشياء أنموذج مصغر لمسرح التاريخ”.

وهناك أيضاً بين الزملاء “يلدز” صاحبة الاسم التركي التي يتعرف خلالها إلى شقيقتها كلودين، وعبر ما أسماه علاقة توراتية (أي علاقة متقاطعة مع شقيقتين) يُضاف بعدٌ إيروتيكي للمتن في الفصلين السابع والثامن. وتكتمل الرموز حين يعثر في بيت كلودين على أنموذج للرق الجلدي الذي يبحث عنه، وبالتالي الخيط الذي سيقوده للبدء في إنجاز المهمة التاريخية، بالسفر إلى بيروت.

وتبدو الرحلة وكأنها الغاية من وراء الحكاية بأكملها، بدايةً من الانفصال الزوجي أو الطلاق، فالشعور بالخطر المقرون بالفرح، وحتى الإنطلاق ليجلس في النهاية يكتب كل ذلك لصديقه من على مقهي مواجه للبحر في بيروت

ولكن لمَّ الخلافة العثمانية تحديداً يجدها النص خلاصاً من أزمة العالم الإسلامي؟ يجيب الكاتب على هذا السؤال حين يقول على لسان الفقي/السلطان وحيد الدين إنها: “للمرة الأولى منذ علو نجم آل عباس، في دار الإسلام، توحدت السلطة الزمنية مع السلطة الروحية” وبالأحرى أنها كانت المرة الأخيرة. وفي ظنّ مصطفى الشوربجي إن عودة الدولة العلية قد يعيد ما للإسلام من قيم جمالية فقدها عبر قرون الاضمحلال، لصالح كل ما هو متشدد ومتخلف وتحريمي. ففي قلبه من هذا العالم مرضٌ “شفاؤه الرحيل إلى عالم آخر، أو أن لا يكون الواحد ـ في هذا العالم ـ مسلماً عربياً…” وفي موضع آخر يقول: “أن تولد مسلماً في هذا العصر يعني أنك بالضرورة شخص ثان. تكوينك التاريخي ليس نتيجة منطقية للحالة التي أنت عليها”. وكإنها ليست حالة كل من لم ينتم عرقياً للحداثة الأوروبية.

تبدو هذه الرواية وكأنها تقدم أطروحة في سؤال الهوية العربية والإسلامية، وهو هنا طرحها المخادع؛ فإنما يكمن ثقلها في المغامرة الشكلية ببناء غير مسبوق. فقد اعتمد الكاتب “الطغراء” كأعقد تصاميم الخط العربي نواة مركزية لبنيه الرواية محاولاً أن يضاهيها بعالمه المحدود بحركته في المدينة، وبدرجة أوسع بأزمة الحضارة الإسلامية في التاريخ، وهو بذلك يضع الطغرى أيقونةً يحاول أن يضفي من خلالها المعنى على فوضاه الشخصية والمدينية والحضارية؛ وهي ليست بالتأكيد رمية ستصيب هدفها. ومن هنا هي مغامرة شكلية وإن كنا في نفس الوقت لا نستطيع فصلها تماما عن سؤال الهوية المعني. وكأن بالكاتب يعود للسؤال القديم في محاولة تأصيل الشكل الروائي عربياً وإسلامياً..

ويحسب للكاتب القدرة على استنطاق لحظات ميته، وسردها بذلك النوع من الوعي المجروح؛ وهو ما يولد شعرية المناخ العام للرواية. كما نجح في إقامة شبكة علاقات متماسكة ترسم خريطة المؤامرة وراء انهيار زواج مصطفى ووراء تدهور القاهرة واضمحلال الحضارة الإسلاميه، وكذلك ملامح الخطة المضادة.

ولنا أن نأخذ عليه إثقال السرد بكثير من النصوص الموازية وقصائد النثر والتكرارات التي من دونها كان يمكن أن يهبط حجم الرواية إلى ثلاثة أرباعها؛ وخضوع مفاصل السرد أحيانا لقانون الصدفة (كالعثور على الرق الجلدي في شقة كلودين)، وهوما يضعفها دراميا؛ ولكن في بنية تحايثها البارانويا ونوع من الهوس الديني (الهوياتي هنا) يمكن أن تعبُر تلك المصادفات من باب الأسباب التي يجعلها كيان أعلى مفترض خلف “المؤامرة” والخطة المضادة لها.

ياسر عبد اللطيف

wpid-2012-09-1108-37-33pm-2012-09-11-20-35.png

الكتاب: كتاب الطغرى أو غرائب التاريخ في مدينة المريخ

الكاتب: يوسف رخا

الناشر: دار الشروق- القاهرة 2011

حوار عبد المنعم الشنتوف

يعتبر يوسف رخا واحدا من العلامات المتميزة في المشهد الإبداعي العربي المعاصر، ويتسم بتنوع منجزه النصي بين أدب الرحلة والقصة والرواية علاوة على التحقيق الصحافي. درس يوسف رخا بجامعة هال في بريطانيا قبل أن يعود إلى مصر ويحترف العمل الصحفي. يشتغل حاليا مسؤولا عن الملحق الأسبوعي لجريدة ‘الأهرام’ الصادر باللغة الإنجليزية. أصدر الكاتب عددا من الأعمال نذكر من بينها: ‘أزهار شمس’، ‘بيروت شي محل’، ‘غرب القاهرة شرق الفيليبين’،’ بورقيبة على مضض’ علاوة على ‘الطغرى’ و’التماسيح’.
تتميز التجربة الإبداعية للرجل باستثمارها الدال للتهجين على مستوى الأشكال التعبيرية علاوة على التوظيف الذكي لتنويع من السجلات اللغوية تتوزع بين العامية المصرية ولغة المصنفات التاريخية القديمة واللغات الأجنبية من قبيل الإنجليزية وهو ما نتمثله في رواية ‘الطغرى’ تحديدا. يمكن النظر إلى هذه الرواية ولاحقتها ‘التماسيح باعتبارهما تمثيلين قويين للأدب المعبر عن ثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك. في هذا السياق، إذن، يشكل الحوار مناسبة للاقتراب من العوالم الإبداعية لهذا الكاتب الذي يتميز بمفارقة تجربته الإبداعية للمألوف والسائد…

wpid-cairo-metro4-2012-05-15-04-59.jpg

Continue reading

The Colours of Places – ألوان الأماكن

This slideshow requires JavaScript.

مسيل للدموع: فيديو

كان يسقط ماء من عيونهم

من نظراتهم المصممة وحناجرهم

قبل أن يرتموا على ظهورهم

متشنجين فوق سلالم العمارات

مفزوعين باحتقان وجوههم

بالفراغ الذي لم يعد ينتج أكسوجين

حيث لكل واحد منهم ألف نسخة مطابقة

تفتح عيونها بالخارج

كانوا يغيّرون وجهتهم ويركضون

وبينما يحتمون بأبواب العمارات

كان يسقط من عيونهم ماء

يبرق بين أقدام اللاحقين

ليلة الجمعة، 28 يناير

***

(صوت: هبة النحاس)

لتحميل يظهر ملاك

كتاب الطغرى في ١٤ دقيقة وثانية واحدة

الريفييرا والدبابات

مارس

هؤلاء ناس يستطيعون أن يقولوا لك بكل صفاقة هناك شمسان في السماء أو لا يوجد سمك في البحر… اسمع: الوطنية هي المواطنية… الوطن مرسوم على جلد كل مواطن – “منصف المرزوقي” لـ”فيصل القاسم” في ديسمبر 2009

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150510629010473.660013.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150474434730473.657482.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150469070440473.655775.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150464841930473.654285.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150463256240473.653652.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150453434945473.650395.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150448478250473.648825.805615472

السموات الخلابة. المثقلة بآفاقها. كأنها الخلفية الجاهزة للوحة تصور حقول “الميموزا”. والمقننة بالـ”فوتوشوب”. الزاحفة على زجاجة سدادتها جليد. بلا عمود فقري. سموات لـ”وليام ووردزورث” إثر رجوعه من “الباستيل”. وسموات “الحنجرة” القديمة. التاريخ تحت إبطها ورصيدها الائتماني لا يكفي فنجان قهوة على الشاطئ. سموات هي الأسقف الخلابة للشاطئ. والتي تغمض على درجات الرمادي تحت زوايا مثلثاتها المتفصدة بالبخار. والتي ليست زوايا. سموات تضع أفيونة تغيير العالم تحت لسانها ثم تنحني لليخوت. أقرب إلى البنفسجي من الأصفر. ورغم أنف زهرة الميموزا. السموات التي هي سلالم موسيقية للنظر. جعلت من الله عصفوراً (كما يقول “وديع سعادة”) ولم تدعه يزقزق للشعوب. السموات المنتهَكة. المؤثرة رغم ابتذالها. المبتهجة بالغيم. “ليه يا بنفسج بتبهج”. وتهدُّج “عبد الحليم حافظ” على الوطن والعيون السود. سموات الشِعر الرومانتيكي. رموشهم ليل. ولا مكان لـ”عبد الناصر”. الحالمة بتغيير العالم. التي تثقلها آفاقها. الأفيونة لا تفارق لسانها فيما الشعوب تنتظر الزقزقة. سموات الحرية. سموات المساواة. سموات الإخاء. التي حين تأتي الشمس تشيح بقسم من وجهها عن القمم الغائصة في الزبد فيفوح الصنوبر أخضر وقريباً من الأمواج. الدين للثورة المضادة والوطن للمصطافين. وسموات الأمواج أيضاً. المبحرة بلا شوارع. الباقية بعيداً. والزرقاء رغم أنفها. الزرقاء بلا دماء. الزرقاء بحق الاحتجاج السلمي. والزرقاء بالأبيض وأسود كذلك. الزرقاء بالليل.

*

في هذا الوقت من العام يمتلئ الهواء بالتراب. يومان من التراب ثم يهبط، ثم يعود يملأ الجو مرة ثانية. منذ الجمعة 28 يناير، في القاهرة، أي شيء يحترق يستدعي الغاز المسيل للدموع. عندما يهبط التراب، يأتي دخان الحرائق الصغيرة.

لا ترى هذه الحرائق، فقط يأتيك دخانها؛ لوهلة، تحس كأنك استنشقت الغاز. تبدأ الأعراض في التداعي إلى أن تدرك أنه مجرد حريق.

في الأيام التالية على إعلان “تخلي” مبارك عن منصبه (11 فبراير)، زاد عدد النساء في مقاهي شارع شمبليون بطريقة تُفرِح (وأين، منذ 25 يناير، كان السلفيون؟) الشباب يعزفون ويغنّون على الرصيف لأطول وقت ممكن قبل حظر التجول الذي يبدأ مع موعد رجوع سندريلا والذي فرضه المجلس العسكري بعد أن أنشأ صفحة على “الفيسبوك” وبدأ “يهيب” بنا في رسائل نصية قصيرة. يهيب بـ”المواطنين الشرفاء” أن، وأن. لكي تتعطل أو تتوقف الاعتصامات. ويطمئن الناس على الفيسبوك. حتى أن إحدى الرسائل كان نصها: من الجلس الأعلى للقوات المسلحة، انتظرنا ثلاثين عاماً فلا مانع من الانتظار قليلاً فالقادم أفضل.

ماذا والنبي يمكن أن تعني هذه الرسالة؟

*

ليلة ذهبتُ أقابل “شعير” (17 فبراير)، كان شيء رائق في محيط وسط البلد لا يزال. لكن الناس قليلة، تتحرك بخفّة وتحمل أكياساً. أوقفني واحد ليشعل سيجارته من سيجارتي. لا أحد حولنا؛ معه صديق، ولوهلة خطر لي أنه “سيثبّتني” بالسلاح ليأخذ ما معي ويذهب. كيف لو ثبتني تثبيتاً؟ فجأة أفقت على ابتسامته وكانت ابتسامته ساحرة. أنا أيضاً تأثرت بأجواء انتشار الجريمة في غياب الشرطة؟

الحقيقة أن كل شيء أأمن في غياب الشرطة – وخطة أن تولّد السلطات فتناً وجرائم وتنشر شائعات لكي يخاف الناس من الفوضى والأذى والأجانب فيعادوا الثورة ويحتموا بالأمن، كيف “تَخِيل”؟ – حتى التنفس في التراب يا أخي أسهل بلا شرطة.

ثلاث مرات قبل 25 يناير تعرّضتُ للجريمة شخصياً لكنني لم أفكر أبداً في اللجوء إلى الشرطة. ولا أذكر حادثة واحدة رأيتها أو سمعت بها تصدى فيها البوليس لجناية ضد مواطن أو قام لنجدته. الواحد يتجنّب البوليس تماماً كما يفعل مع المجرمين: على الأقل المجرم سيتركك ليهرب؛ الشرطي قد لا يتركك.

قال شعير: الثورة المضادة الآن من خلال الإخوان المسلمين وهذا في حد ذاته يسعدني (لا يقصد الثورة المضادة ولكنْ خوف الناس من حكم الإخوان). قلت له إن التحرش بالبوليس ضرورة وعلينا أن نُسقط مباحث أمن الدولة كما أسقطنا الأمن المركزي. كأنني أسمع أحد الأصدقاء يقاطعني (الآن في رأسي دائماً أصوات الأصدقاء): ششش، اسكت! ألا تعرف أن الثورة المضادة الآن من خلال التحرش بالبوليس؟

*

اليوم (28 فبراير)، شاهدتُ على الفيسبوك فيديو لرجل قصير يؤدّب بضعة شباب في فناء مسكن نائب حزب وطني، كما سيتضح، يُدعى “مختار رشاد”. القصير من خُدّام ذلك النائب، وفي النهاية يظهر مختار باشا شخصياً بهيكله الجسيم ويقول شيئاً لم أفسّره للمذنبين. الخادم يكرر على أسماعهم: لازم تبوسوا رجله عشان تروّحوا. واضح أن المسكن يقع وسط منطقة نائية، ربما زراعية؛ هناك أناس في جلابيب يسدون أحد المنافذ. المذنبون في وجوههم جروح منمنة، تظهر عليهم علامات الفزع والخنوع؛ لأحدهم لحية طويلة على الطريقة السلفية، في ظَهْر قميصِه بقع دم مشعشة بالماء.

يبدأ الفيديو بخروجهم من المكان الذي كانوا يُضرَبون فيه أو بعد ذلك بقليل، والقصير يسوقهم كخراف متخبطة إلى طلمبة مياه وراء سور واطئ ليغسلوا وجوههم ويعودوا من أمامه. لا يبدو مختلفاً عن أي “شرطي شريف” يؤدي وظيفته، ما يبرر الألفاظ النابية والقسوة المتعمدة في الأداء. واحداً واحداً يدير الشباب المذنبين إثر انتصابهم واقفين بصعوبة ويأمرهم بالثبات. وبمطواة صغيرة في يمناه، بعد أن ينزع البنطولن عن المؤخرة جزئياً، يحفر جرحاً عميقاً في إحدى الإليتين. ثم يدفعهم إلى الوقوف في صف وأيديهم وراء ظهورهم في انتظار مجيء الباشا. يتقدمون بخطى عرجاء ومضحكة بعض الشيء.

*

في هذا الوقت من العام يمتلئ الهواء بالتراب. أمام مكتبة “الشروق” مساحة مفروشة بشعارات الثورة. ورغم أن المكتوب على اللافتات أكثر تعقيداً وأخف دماً من الهتافات، الهتافات هي التي تتردد في رأسي: “حرية” و”آه” و”يا رب”، “ثورة ثورة حتى النصر، ثورة ف كل شوارع مصر”، “باااطل”، “ارررحل”، و”يا جمال قل لأبوك المصريين بيكرهوك”، “يا مبارك يا جبان يا عميل الأمريكان”، فضلاً عن “الشعب يريد إسقاط النظام”.

كان مع اللافتات بعض صور الذين قتلهم الجنود والضباط والمجرمون العاملون لدى الداخلية والحزب الوطني ورجال أو كلاب أو أبالسة أمن الدولة. “إحنا آسفين يا ريس”؟

“آسفين يا ولاد الوسخة”!

وكان مراهق يبيع “ستيكرز” على شكل لوحة سيارة أرقامها 25 وحروفها ي ن ا ي ر. قبل أن أذهب قال لي: مش عايز كارت الشهداء يا باشا؟ لم أنتبه إلا لاحقاً إلى المكتوب أسفل صور الشباب على خلفية ألوان العلم: الشعب والجيش والشرطة إيد واحدة. في شارع قصر النيل أردت أن أمزّق الكارت، أن أنزع عن وجوههم هذه العبارة. لم أستطع أن أخرج الكارتون من غطائه البلاستك.

باتجاه مؤسسة الأهرام الصحفية، في الصباح التالي، كان المرور مستحيلاً. من شباك السيارة سمعت بائع ستيكرز ينادي: خمسة وعشرين يناير بجنيه.

*

الدبابات واقفة في الميادين وأنا أضحك من الذين لم ينزعوا شارات الداخلية عن “الملّاكي”؛ أكثر من مرة فكرت في الصياح: وإنت فاكر النسر ده هينفعك؟ لكن الذين يبروزون طواقي الشرطة في الزجاج الخلفي لسياراتهم، استبدلوها بسترات للجيش على الشبابيك.

ألاحظ أنك اليوم كلما أبديتَ اعتراضاً على سلوك حتى أكثر الناس تورطاً مع الكذب والقتل لحماية الفساد، يقال لك بثقة شديدة ونبرة مجروحة: لا تزايد علي. زايد يزايد مزايدة: الكلمة الأعلى مبيعاً في ربيع هذا العام.

أكثر من زميل في الأهرام يتحدث عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة بوصفه الكيان الحاكم، وحيث كان الرئيس مبارك في الأخبار الرسمية يفعل، ويفعل، المشير طنطاوي هو من يفعل الآن. آلاف لم يتعودوا على الحياة بلا أصنام والذي لم يعد يعرف مَن يعرّس عليه يمكنه أن يعرس على المجلس العسكري – أو “الشهداء”.

في المصعد تذكرتُ أن بائع المخبوزات الجائل هو الآخر كان يزعق: رحمة على الشهداء.

*

أكتب الآن من الريفييرا الفرنسية. حيث يجري الناس بمحاذاة الشاطئ للتريض – ولأن الشوارع نظيفة وبها حارة للدراجات… حركتها منظمة، لأن الهواء صاف والصحة حاضرة – كل الكلام مؤقت. كل ما قلتُه أو سأقوله عن الثورة والشعب (الثورة المضادة والبلطجية)، عن الإسلاميين والمثقفين (المتدينين واللا-دينيين) وعن الأشياء المفرحة (“الأحداث المؤسفة”) التي حصلت من ميدان التحرير وإليه بطول ثلاثة أسابيع كانت فعلاً كالأحلام… كل شيء – في أعقاب الاستفتاء على التعديلات الدستورية (19 مارس) – سيصبح مؤقتاً.

لعل فكرة الكتابة كلها هي أن تتفرج على الحياة دون أن تُفْرط في التركيز على نفسك. لكن هناك واجباً أخلاقياً يحتم عليك أيضاً أن تعيش. أن تعيش وأنت تتفرج يعني أن تركز على نفسك. هذا إذن هو تحدي الكتابة: كيف لا تركز على نفسك دون أن تهمل الواجب الأخلاقي القائل بأن لا تكف عن ممارسة الحياة.

ومع ذلك… حيث يجري الناس بدلاً من أن يدخنوا ويحتسون نبيذاً طيباً في المساء، ليس سوى نصف كلام أو لا-كلام أو كلام إلى حين.

*

اليوم (3 مارس)، أقيلت حكومة أحمد شفيق فريق الجيش “الشيك” ووزير الطيران المدني – الفاسد هو الآخر، طبعاً، وإن بدرجة أقل – والذي عيّنه مبارك رئيساً لوزارة جديدة استبدل فيها “حبيب العادلي” بواحد أوسخ يدعى “محمود وجدي” وأبقى على “أحمد أبو الغيط” و”عائشة عبد الهادي”، تلك المرأة “الدون” التي لفتت الأنظار بتقبيل يد “سوزان مبارك” في إحدى المناسبات. إلى آخر لحظة كانت تأتي الأخبار عن أن شفيق يطمئن على صحة مبارك تليفونياً بشكل يومي وقد زاره مرة في شرم الشيخ.

أمس أطلقوا عليه “علاء الأسواني” ومعارضين آخرين في حلقة من برنامج تلفزيوني على المحطة المملوكة لـ”نجيب ساويرس”، رجل الأعمال الأقرب إلى الثورة. علاء الأسواني كالثور الهائج وشفيق فرخة مسلوخة وسط الصياح؛ لن تمر الليلة حتى تُعلَن استقالته لتأتي حكومة “عصام شرف” الصورية؛ والناس الذين يدافعون عن رجال الشرطة وكانوا يدافعون عن مبارك، سيقولون إن شفيق رجل محترم وعيب على الأسواني أن يهزّئه هكذا.

أمس فكرت أن مختار رشاد نفسه لو ظهر على التلفزيون سيكون مثل شفيق مؤدباً وهادئاً وعلى نفس درجة “الشياكة”؛ وسيقول أولئك بنبرة مجروحة إنه رجل محترم وعيب على الأسواني قلة أدبه معه.

*

من حيث أكتب يخطر لي أن “التخلي” مكان “التنحي” مثل “النكسة” مكان “الهزيمة”، وأن هذا ليس غريباً على أعراف البلاد.

*

اليوم (6 مارس) أفقت من كابوس: الأمن المركزي تبدّل بالجيش وديناصور السنين رجع من شرم الشيخ لا ليُحاكَم بل ليَحكُم إلى أن يسلّم السلطة لابنه “جمال”. صحته جيدة. وقيادات الأهرام يقفون على رؤوسهم ليقولوا إن رجوعه شيء جيد وعظيم وليس أفضل منه تأميناً للاستقرار والسلام.

أشباح برتقاليو اللون يفرّقون “المليونية” القائمة في وجه عودة آل مبارك إلى الحكم بالعصي الكهربائية كما فعل الجيش مع المعتصمين ليلة السبت 26 فبراير؛ العصي في الأيادي الفوسفورية كأنها طائرة في الهواء. و”عمر سليمان” رئيس المخابرات السابق ثم نائب مبارك الوفي إثر اندلاع الثورة، بعد أن يشرف على إغلاق معبر رفح المفتوح منذ التنحي، يعلن حملة إبادة العملاء والإرهابيين المسئولين عن “فتنة 25 يناير”.

لم أكن أعرف أن الكابوس سيتحقق.

*

الدبابات واقفة وكثيراً ما تراودني شهوة الإبادة. الإبادة الجماعية حل رائع لأزمة المكان. الذي يخيفني من الحرب الأهلية أنني أجدني مستعداً للقتال.

مِن المحتجين مَن أجبرهم ضباط جيش على الهتاف بحياة مبارك بعد سقوطه بشهر تحت تهديد الضرب وهم على بطونهم في مجلس الوزراء. وبعد شهر ونصف، قوانين ضد البلطجة ستطال المتظاهرين سلمياً (بل وقوانين ضد الاحتجاج والتظاهر سيتم تمريرها أيضاً، فيما يبدو)، والبلطجية المنوطون بتفريق اعتصامات التحرير ما بعد إعلان الحكومة الجديدة – على كلام “فادي” الذي كان هناك – نقلتهم سيارات قوات مسلحة. الشباب يُعتقلون ويُعذّبون ويتعرضون لمحاكمات عسكرية (بل ويُكشف على بكارة المتظاهرات الشابات في معسكر الهايكستب بعد صعقهن بالكهرباء واعتقالهن، هكذا سأعرف بعد أن أغادر. لماذا يكشف على بكارة المتظاهرات؟ ماذا يُفعل بمن يتضح أنها فقدت بكارتها قبل أن تتظاهر؟)

وبدلاً من لحن الوفاء الذي يتفنن “المناضلون” في عزفه تأكيداً لكذبة أن المجلس العسكري هو الثورة أو أن سطوته هي الواقع الوحيد الممكن، أجدني أتساءل لماذا لم يقصفنا الجيش من أول يوم؟ لماذا سمحت قياداته باستمرار العصيان؟

*

ذات ليلة أثناء العودة من ميدان التحرير – هذا أيضاً أريد أن آخذ نفساً عميقاً لأذكره – مررت من جنب كهل “غلبان” يخاطب أحد المارين في خروجه:

ما فيش جواسيس ولا فلوس ولا حاجة م اللي بيقولوا عليها دي خالص. بس ناس طيبين يعني بيوزعوا أكل من عندهم عشان الولاد اللي قاعدين في الميدان بيبقوا جعانين وكده. ما إدونيش غير كباية شاي ولقمة جبنة، وفيه جماعة تانية إدوني حتة حلاوة أهي (وأخرج اللفافة من جيبه ليشهد من يخاطبه)، ده أنا حتى قلت أشيلها للعيال.

وكما أن “المصريين البسطاء”، ملح الأرض (يعني ولاد البلد، يعني الجدعان قوي، يعني الأصالة الريفية) كانوا يسبون معتصمي التحرير ويبصقون في وجوههم لأن الاعتصام عطّل أشغالهم بعض الشيء (سمعتُ بأذني أكثر من سائق وأكثر من عامل بوفيه وأكثر من بائع جائل يقول إن “شباب التحرير” أولاد قحبة وإن مبارك لم يخطئ في غير بخله على الناس: بس هو يدينا فلوس بس ويبقى يكمع بعد كده زي ما هو عايز)، انضم إلى الاعتصام “بلطجية” العشوائيات ممن لم يسعدهم الحظ بنائب حزب وطني مثل مختار رشاد أو مأمور قسم يغدق عليهم مقابل ترويع الأحياء السكنية أو قتل الثوار.

خالتي “فايزة” المستاءة من اضطراب المرور وتعطّل ماكينات الصرف قالت: كنا عايشين في أمان، إيه يعني بيسرق! وأضافت بصوت باك: مش زي أبوهم ده اللي عمالين يشتموه ده؛ عيال قلالات الأدب! والنبي يا أختي صعبان عليَّ قوي. لكن أمي حملت إلى قلالات الأدب هؤلاء أكياس الشاي والسكر وبكت وهي تشاركهم الصراخ.

*

هنا حان وقت الاعتراف بأن حب مصر لا يعنيني. لا القومية من قناعاتي ولا “الوطنية” قيمة في ذاتها. لكنني كما أكره كل ما جاءت به “ثورة يوليو”، لا أحب علم الجمهورية ولا النسر الذي يتوسطه. من 25 يناير إلى 11 فبراير كان العلم رمز نظام مبارك بقدر ما كان راية وطن الثوار. لم أنس لحظة أنه لم يكن موجوداً قبل انقلاب الضباط الأحرار، قبل الزحف العلماني ما بعد الاستعماري، وقبل الاستقلال ذاته الذي جاء بنا إلى هنا. ويوم بدأ العلم في الظهور بكثافة وسط لافتات ميدان التحرير، انتابتني أول شكوك الثورة المضادة.

الدبابات في الميادين – أظنها لا تزال – وأنا، في الريفييرا، بصدد أمور حلمية. لا أقصد كون الحياة هنا بعيدة عن اليقظة المألوفة (وإن كانت فعلاً كذلك): الخضرة والخلاء والمعمار البمبي في ظل شاتو هو بحسب مخيلتي مسكن أحد نبلاء العصور الوسطى؛ لا ينقص سوى سرج مرصع ثم، على رخام الممر، صهلة عاتية. الفيلا التي أسكنها محروماً من التدخين محاطة بالشجر، وهناك طعام بديع ونبيذ طيب؛ خلاف ملعب جولف قيل لي إنه الأقدم على ساحل اللازورد ثم بضع كافيهات، لا أحد أو شيء.

يوم غاص حذائي وأنا أصوّر الأمواج من خلف أقواس الحجر وإلى يميني تلة سوداء كأنها السنم الناتئ لجمل عملاق لم يسعه البحر يوم غرق – كان النبات قد استوطن محجراً ضحلاً في الجانب الأقرب إلي – أو يوم نقّت الشمس لون المياه (“ياسين عدنان” رفيقي الوحيد هنا كتب: كأنه أحمر)، أو حين بدت تدرجات الأخضر في حديقتنا الصغيرة من العمق وهي على أكثر من ارتفاع بحيث شعرتُ، ذات ظهيرة غائمة، بأنني تائه وسط غابة يعلوها طريق – “وحدي في غابة،” هكذا كتب سركون بولص، “والغابة أنا؟” – أو صعوبة التدخين في البرد وحين يتواصل المطر، أو على البحر – “كأنه أخضر” – أو المطر…

*

أكتب الآن من باريس. نهاية هدنتي الفرنسية مع الواقع. وبينما أستكشف امتداد وإيقاع المدينة التي لم تكف عن إلهام الناس، يخطر لي أن السبب في استمرار الواقع – استمراره، أقصد، وليس قبولنا به – هو أنه يمنحنا ما ينافيه دورياً، عن طريق منام أو حدث يشبه المنام، بالوهم أو بطاقة اللحظة، بسوء الفهم، بحب أو خداع الذات؛ ولا يعدو اعترافنا بأنه واقع أو خضوعنا لذلك أن يكون انتظاراً للمنحة الـ(غير) محتملة، باليأس أو بالأمل: انتظاراً لما لا يشبه ما عرفناه.

أكتب ويخطر لي أنه عن طريق صدفة كالمعجزة، دورياً، يتفتت واقعنا من داخله ومعه معرفتنا، يعيد تكوين نفسه أو ينهار تكوينه كما يحدث في فيلم “ذا ميتريكس” فينزاح عن ما يبدو كأنه واقع آخر أو مواز أقرب إلى رغبتنا لكنه على الأرجح لا شيء.

هل لهذا السبب، حتى في أسعد لحظاتنا، تكون التعاسة قريبة إلى هذا الحد؟

المهم أن الواقع يتبدل، هذا ما يخطر لي وأنا أكتب. ينزاح عن شيء رائع ويظهر ملاك (هكذا يفتتح سركون بولص أحد نصوصه وهو ما سرقته عنواناً لمجموعة نصوصي الأخيرة: يظهر ملاك). يظهر ملاك بـ(احتمال) الغرام أو يظهر الله بـ(احتمال) الثورة. وكالحلم أو السموات، نرحب به ونعتنقه. نعتنقه بمعنى أننا لا نتكئ عليه، لأنه لا يمكننا أن نتكئ على شيء مناف للواقع؛ ووقت نسعى إلى ذلك نصير شخصيات تراجيدية تبعث على ضحك البراجماتيين.

*

الآن ومن قلب الثورة المضادة لم يعد هناك مجال للتشكيك في اعتمادنا على متكآت من الواقع غير قادرة على توفير السند الضروري، على عكس الملائكة التي ننتظرها دون أن ندري أو الله. متكآت كالعائلة والعمل والدواء: قرية ظالمة نحملها معنا ونسميها الواقع لكي نعرف من نحن، وربما لو ما حملناها لكُنا فعلاً آخرين.

لكن ليس سواها في غياب المنحة التي تبدينا حقيقيين وخلابين مثل سموات الريفييرا وتلوّح لنا بحدود أوسع وأعمق لما تعلمنا أن نسميه الإمكان.

 أخبار الأدب

Enhanced by Zemanta

نصوص جديدة: ملحق النهار

عـــــــــــــــــــــــزاء

كيف يمكن لكل منهم أن يتعرف الى وجه الآخر، هؤلاء الثابتين على قواعدهم باختلاف درجات الململة؟ الأسوأ أن عليهم أن يتذكروا الأسماء. بين وصلات النحيب ستفتّش الثكالى عن زوجات لأبنائهن. سيسترق الصغار نظرات إلى بدلاتهم المنعكسة في الزجاج. سيتردد المدخنون لحظة إشعال السيجارة. ربما ينسى واحد ويسأل عن الفقيد: ما الذي أخّره عن أداء الواجب معنا هنا؟ وقبل أن ينفضّ الجمع تقرقع القبلات على الخدود، ولا أثر للموت على وجوه العائلة.

•••

القوة

كمن يعبّئ الهواء في قناني، حكت لي عن غياب المرجعيات. كيف كانت تتحرك من دماغها. لا شيء يقاس ولا أحد يستحق. فتاة طموحة في القاهرة. وعوضاً من القرية، نُقود تجيء بطلوع الروح وأسرة بديلة من الأصدقاء. ليس فيهم من يعيلها، لكن الألفة تنز بالوصاية. وبالتدريج تصير القاهرة هي الأخرى قرية، الفرق أنها بلا مرجعيات… كنت دائماً أسألها لماذا تتمسك بالحياة في الغربة. وذات ليلة كمن يعبئ الهواء، حكت لي كيف ألقت دعائمها في سلة القمامة. حيث الأماكن فخاخ والكتب أغلى من الأغاني، ستنجز مشروعها منفردة. وقبل أن تغمز لها الهجرة باحتمال أن تتغير، لن يخطر ببالها أن امتزاج الدماء قد يكون مؤشّراً للتوازن… كانت تحدّق مذهولة كل بضع عبارات. وبدا لي أنني أراوح الذكريات في درجة اقترابي من مكانها على الكنبة، وقد صارت مصر كلها زيارة مربكة. نقطة البداية مفتوحة الآفاق. لكن أحداً من الجناة لن يختفي، ربما لأنهم ليسوا الجناة. أو أن رعباً أصبح يجاور رعب أن يصير الناس جسوراً، من أن يصيروا عراقيل. لهذا تبدّل رفاق الدرب من دون أن يتضح اتجاه الرحلة. وعبر المحطات ظل الطريق أضيق من أن يتسع لإثنين.

•••

غانا

لم يخبرني الرفاق أنهم مسافرون إلى غانا حتى تناولوا التطعيمات اللازمة في مركز المصل واللقاح، الأمر الذي أكّد لي أنني بالفعل لا يمكن أن أذهب معهم. وعلى رغم توقي إلى منظر الأشجار على ساحل الذهب، لم يحزنّي أنني لن أسافر بقدر ما أحزنني قرارهم – بغض النظر عن نفيهم لأنه قرار – بالذات وأن رفقتهم هي الشيء الذي يعرّفني من أنا. هؤلاء الذين يشبهونني ولا يشبهونني، يوجع غيابهم لأنهم هم محتاجون اليَّ. حين لمحت دماءهم عالقة بجلدي كنت أفكر بأنهم أولاد قحاب يجب ألاّ يكونوا رفاقي، وتذكرت أنني أسكنهم وأنهم شبابيك. شبابيك ولا جدار، ولا بيت. لا بيت داخل البيت. الآن عليَّ أن أعاقبهم أو أخونهم. لا فائدة من الغفران لأنني لن أكون الله. وقد أكون شخصاً آخر عندما يعودون. تلقيت الخبر كأنه خبر فحسب، وجلست أتخيل الأشجار وأفكر: أنا الآخر سأسافر إلى غانا ذات يوم، ولا ضير في الذهاب منفرداً إلى مركز المصل واللقاح.

•••

زواج

ولكنك لم تتكبد كل هذا إلا لتسمع التكة المفزعة لباب يُغلَق فتعرف كم تتوق لاختفاء الشيء الذي أمامك، الشيء الكريه الذي لا تريد أن تراه. هنا يصبح ما يجعل للعالم معنى مجرد جزء من العالم. تنتحر الروعة. والقصة نفسها تنتهي أو تبدأ.

•••

الاكتئاب

حيث يبطئ المرور فجأة على أعتاب المدينة، يقف عجوز ممتلئ بعمامة على رأسه. يونيفورم أزرق ببادج نحاسي: دليل أن رخصة منادي سيارات كانت بحوزته ذات يوم، يبدو أنها تمزقت من سنين. لا ينتظر أن يعطيه أحد نقوداً. لا يأبه بإشارات السائقين أن لا تلمّع الزجاج. ولا ينطق مهما ناداه الآخرون. هو ثابت طالما السيارات واقفة. يهرول وراءها لحظة انطلاقها، فقط لحظة الانطلاق، ليمسح ما تطوله فوطته القديمة.

•••

نصف الليل في دار النشر

كأنك كنت هنا في الأمس… سوى أن الناشر –
رفيق سلاحك في معارك الود المجاني –
خيال منتَهَك لذكرى آخِر لقاء.
ترحابه هواء ملوّث وأنت تستنشق بحذر،
تسترجع الجبهات… ولماذا، وقت القتال،
كنتَ أول الهاربين؟ الكلام كما عهدته
لن يأتي على ذكر الأدب، ما يجب أن يدهشك
في دار نشر. لكنك لا تنتبه لغير علامات الدائرة
التي أصبحتَ داخل حدودها تلقائياً،
كأنك جُبلتَ على التحول إلى شخص ليس أنت.
يوماً ما كان لا بد أن تكون واحداً من هؤلاء
لكي تجلس الآن على كنبة ضيقة،
وفي وجهك على الحائط صورة حضرتَ التقاطها

وأنت عاشق يركض ببراءة بين العدسات –
لكاتب ستكفّ عن حبّه قبل أن يموت.
يا منافق! عشتَ لتقول لك امرأة موهوبة
عن نظرتها المتبادلة مع هؤلاء:
“كياني!” وربما لا لشيء إلا لترجع إلى هنا،
بقيتَ على الأرض عدداً كافياً من السنين.

يوسف رخا

(ولمن يضايقه – مثلي – “الديسك” اللبناني)

عزاء

كيف سيمكن لكل منهم أن يتعرف على وجه الآخر، هؤلاء الثابتين على قواعدهم باختلاف درجات الململة؟ الأدهى أنّ عليهم أن يتذكروا الأسماء. بين وصلات النحيب ستفتّش الثكالى عن زوجات لأبنائهن. سيسترق الصغار نظرات إلى بدلاتهم المنعكسة في الزجاج. سيتردد المدخنون لحظة إشعال السيجارة. ربما ينسى واحد ويسأل عن الفقيد: ما الذي أخّره عن أداء الواجب معنا هنا؟ وقبل أن ينفضّ الجمع تقرقع القبلات على الخدود، ولا أثر للموت على وجوه العائلة.

القوة

كمن يعبّئ الهواء في قناني، حكت لي عن غياب المرجعيات. كيف كانت تتحرك من دماغها. لا شيء يقاس ولا أحد يستحق. فتاة طموحة في القاهرة. وعوضاً عن القرية، نُقود تجيء بطلوع الروح وأسرة بديلة من الأصدقاء. ليس فيهم من يعولها، لكن الألفة تنز بالوصاية. وبالتدريج تصير القاهرة هي الأخرى قرية، الفرق أنها بلا مرجعيات. كنت دائماً أسألها لماذا تتمسك بالحياة في الغربة. وذات ليلة كمن يعبئ الهواء، حكت لي كيف ألقت دعائمها في سلة القمامة. حيث الأماكن فخاخ والكتب أغلى من الأغاني، ستنجز مشروعها منفردة. وقبل أن تغمز لها الهجرة باحتمال أن تتغير، لن يخطر ببالها أن امتزاج الدماء قد يكون مؤشّراً للتوازن. كانت تحدّق مذهولة كل بضع عبارات. وبدا لي أنني أراوح الذكريات في درجة اقترابي من مكانها على الكنبة، وقد صارت مصر كلها زيارة مربكة. نقطة البداية مفتوحة الآفاق. لكن أحداً من الجناة لن يختفي، ربما لأنهم ليسوا الجناة. أو أن رعباً أصبح يجاور رعب أن يصير الناس جسوراً، من أن يصيروا عراقيل. لهذا تبدّل رفاق الدرب دون أن يتضح اتجاه الرحلة. وعبر المحطات ظل الطريق أضيق من أن يتسع لاثنين.

غانا

لم يخبرني الرفاق أنهم مسافرون إلى غانا حتى تناولوا التطعيمات اللازمة في مركز المصل واللقاح، الأمر الذي أكّد لي أنني بالفعل لا يمكن أن أذهب معهم. ورغم توقي إلى منظر الأشجار على ساحل الذهب، لم يحزني أنني لن أسافر بقدر ما أحزنني قرارهم – مع أنهم ينفون أنه قرار – بالذات لكون رفقتهم هي الشيء الذي يعرّفني مَن أنا. هؤلاء الذين يشبهونني ولا يشبهونني، يوجع غيابهم لأنهم هم محتاجون لي. حين لمحت دماءهم عالقة بجلدي كنت أفكر بأنهم أولاد قحاب لا يجب أن يكونوا رفاقي، وتذكرت أنني أسكنهم وأنهم شبابيك. شبابيك ولا جدار، ولا بيت. لا بيت داخل البيت. الآن علي أن أعاقبهم أو أخونهم. لا فائدة من الغفران لأنني لن أكون الله. وقد أكون شخصاً آخر عندما يعودون. تلقّيت الخبر على أنه خبر فحسب، وجلست أتخيل الأشجار وأفكر: أنا الآخر سأسافر إلى غانا ذات يوم، ولا ضير في الذهاب منفرداً إلى مركز المصل واللقاح.


زواج

ولكنك لم تتكبد كل هذا إلا لتسمع التكة المفزعة لباب يُغلَق فتعرف كم تتوق لاختفاء الشيء الذي أمامك، الشيء الكريه الذي لا تريد أن تراه. هنا يصبح ما يجعل للعالم معنى مجرد جزء من العالم. تنتحر الروعة. والقصة نفسها تنتهي أو تبدأ

الاكتئاب

حيث يبطئ المرور فجأة على أعتاب المدينة، يقف عجوز ممتلئ بعمامة على رأسه. يونيفورم أزرق ببادج نحاسي: دليل أن رخصة منادي سيارات كانت بحوزته ذات يوم، يبدو أنها تمزقت من سنين. لا ينتظر أن يعطيه أحد نقوداً. لا يأبه بإشارات السائقين أن لا تلمّع الزجاج. ولا ينطق مهما ناداه الآخرون. هو ثابت طالما السيارات واقفة. يهرول وراءها لحظة انطلاقها، فقط لحظة الانطلاق، ليمسح ما تطوله فوطته القديمة.


نصف الليل في دار النشر

كأنك كنت هنا بالأمس… سوى أن الناشر –

رفيق سلاحك في معارك الود المجاني –

خيال منتَهَك لذكرى آخِر لقاء.

ترحابه هواء ملوّث وأنت تستنشق بحذر،

تسترجع الجبهات… ولماذا، وقت القتال،

كنتَ أول الهاربين؟ الكلام كما عهدته

لن يأتي على ذكر الأدب، ما يجب أن يدهشك

في دار نشر. لكنك لا تنتبه لغير علامات الدائرة

التي أصبحتَ داخل حدودها تلقائياً،

كأنك جُبلتَ على التحول إلى شخص ليس أنت.

يوماً ما كان لابد أن تكون واحداً من هؤلاء

لكي تجلس الآن على كنبة ضيقة،

وأمام وجهك على الحائط صورة حضرتَ التقاطها –

وأنت عاشق يركض ببراءة بين العدسات –

لكاتب ستكف عن حبه قبل أن يموت…

يا منافق! عشتَ لتقول لك امرأة موهوبة

عن نظرة تتبادلها مع هؤلاء: «كياني!»

وربما لا لشيء إلا لترجع إلى هنا،

بقيتَ على الأرض عدداً كافياً من السنين.

<!–[if !mso]>

Normal 0 false false false MicrosoftInternetExplorer4

عـــــــــــــــــــــــزاء

كيف يمكن لكل منهم أن يتعرف الى وجه الآخر، هؤلاء الثابتين على قواعدهم باختلاف درجات الململة؟ الأسوأ أن عليهم أن يتذكروا الأسماء. بين وصلات النحيب ستفتّش الثكالى عن زوجات لأبنائهن. سيسترق الصغار نظرات إلى بدلاتهم المنعكسة في الزجاج. سيتردد المدخنون لحظة إشعال السيجارة. ربما ينسى واحد ويسأل عن الفقيد: ما الذي أخّره عن أداء الواجب معنا هنا؟ وقبل أن ينفضّ الجمع تقرقع القبلات على الخدود، ولا أثر للموت على وجوه العائلة.

•••

القوة

كمن يعبّئ الهواء في قناني، حكت لي عن غياب المرجعيات. كيف كانت تتحرك من دماغها. لا شيء يقاس ولا أحد يستحق. فتاة طموحة في القاهرة. وعوضاً من القرية، نُقود تجيء بطلوع الروح وأسرة بديلة من الأصدقاء. ليس فيهم من يعيلها، لكن الألفة تنز بالوصاية. وبالتدريج تصير القاهرة هي الأخرى قرية، الفرق أنها بلا مرجعيات… كنت دائماً أسألها لماذا تتمسك بالحياة في الغربة. وذات ليلة كمن يعبئ الهواء، حكت لي كيف ألقت دعائمها في سلة القمامة. حيث الأماكن فخاخ والكتب أغلى من الأغاني، ستنجز مشروعها منفردة. وقبل أن تغمز لها الهجرة باحتمال أن تتغير، لن يخطر ببالها أن امتزاج الدماء قد يكون مؤشّراً للتوازن… كانت تحدّق مذهولة كل بضع عبارات. وبدا لي أنني أراوح الذكريات في درجة اقترابي من مكانها على الكنبة، وقد صارت مصر كلها زيارة مربكة. نقطة البداية مفتوحة الآفاق. لكن أحداً من الجناة لن يختفي، ربما لأنهم ليسوا الجناة. أو أن رعباً أصبح يجاور رعب أن يصير الناس جسوراً، من أن يصيروا عراقيل. لهذا تبدّل رفاق الدرب من دون أن يتضح اتجاه الرحلة. وعبر المحطات ظل الطريق أضيق من أن يتسع لإثنين.

•••

غانا

لم يخبرني الرفاق أنهم مسافرون إلى غانا حتى تناولوا التطعيمات اللازمة في مركز المصل واللقاح، الأمر الذي أكّد لي أنني بالفعل لا يمكن أن أذهب معهم. وعلى رغم توقي إلى منظر الأشجار على ساحل الذهب، لم يحزنّي أنني لن أسافر بقدر ما أحزنني قرارهم – بغض النظر عن نفيهم لأنه قرار – بالذات وأن رفقتهم هي الشيء الذي يعرّفني من أنا. هؤلاء الذين يشبهونني ولا يشبهونني، يوجع غيابهم لأنهم هم محتاجون اليَّ. حين لمحت دماءهم عالقة بجلدي كنت أفكر بأنهم أولاد قحاب يجب ألاّ يكونوا رفاقي، وتذكرت أنني أسكنهم وأنهم شبابيك. شبابيك ولا جدار، ولا بيت. لا بيت داخل البيت. الآن عليَّ أن أعاقبهم أو أخونهم. لا فائدة من الغفران لأنني لن أكون الله. وقد أكون شخصاً آخر عندما يعودون. تلقيت الخبر كأنه خبر فحسب، وجلست أتخيل الأشجار وأفكر: أنا الآخر سأسافر إلى غانا ذات يوم، ولا ضير في الذهاب منفرداً إلى مركز المصل واللقاح.

•••

زواج

ولكنك لم تتكبد كل هذا إلا لتسمع التكة المفزعة لباب يُغلَق فتعرف كم تتوق لاختفاء الشيء الذي أمامك، الشيء الكريه الذي لا تريد أن تراه. هنا يصبح ما يجعل للعالم معنى مجرد جزء من العالم. تنتحر الروعة. والقصة نفسها تنتهي أو تبدأ.

•••

الاكتئاب

حيث يبطئ المرور فجأة على أعتاب المدينة، يقف عجوز ممتلئ بعمامة على رأسه. يونيفورم أزرق ببادج نحاسي: دليل أن رخصة منادي سيارات كانت بحوزته ذات يوم، يبدو أنها تمزقت من سنين. لا ينتظر أن يعطيه أحد نقوداً. لا يأبه بإشارات السائقين أن لا تلمّع الزجاج. ولا ينطق مهما ناداه الآخرون. هو ثابت طالما السيارات واقفة. يهرول وراءها لحظة انطلاقها، فقط لحظة الانطلاق، ليمسح ما تطوله فوطته القديمة.

•••

نصف الليل في دار النشر

كأنك كنت هنا في الأمس… سوى أن الناشر
رفيق سلاحك في معارك الود المجاني
خيال منتَهَك لذكرى آخِر لقاء.
ترحابه هواء ملوّث وأنت تستنشق بحذر،
تسترجع الجبهات… ولماذا، وقت القتال،
كنتَ أول الهاربين؟ الكلام كما عهدته
لن يأتي على ذكر الأدب، ما يجب أن يدهشك
في دار نشر. لكنك لا تنتبه لغير علامات الدائرة
التي أصبحتَ داخل حدودها تلقائياً،
كأنك جُبلتَ على التحول إلى شخص ليس أنت.
يوماً ما كان لا بد أن تكون واحداً من هؤلاء
لكي تجلس الآن على كنبة ضيقة،
وفي وجهك على الحائط صورة حضرتَ التقاطها –

وأنت عاشق يركض ببراءة بين العدسات
لكاتب ستكفّ عن حبّه قبل أن يموت.
يا منافق! عشتَ لتقول لك امرأة موهوبة
عن نظرتها المتبادلة مع هؤلاء:
كياني!” وربما لا لشيء إلا لترجع إلى هنا،
بقيتَ على الأرض عدداً كافياً من السنين.

يوسف رخا

Enhanced by Zemanta

ما رآه رخا‬

المكان باعتباره أزمة ‮ ‬يعانيها الكاتب

ياسر عبد الحافظ في أخبار الأدب

هذا كتاب لن يمنح لك نفسه من المرة الأولي‮. ‬في الحقيقة هو ليس مهتماً‮ ‬بهذا جداً،‮ ‬ربما لن يحترم قناعاتك بأنه من المفترض أن يكون كذلك،‮ ‬أليس هذا ما اعتدناه في كتب الرحلات،‮ ‬البساطة التي تناسب عقليات تحب أن تشاهد العالم بعيون الآخرين لا أن تغامر هي،‮ ‬شخص يسافر إلي مكان ليدهشك طوال الوقت بما رآه،‮ ‬يصف المعالم التاريخية الرائعة والحضارات الإنسانية،‮ ‬أو يتحدث عن المآسي والفقر والمجاعات،‮ ‬أخلاق الرجال وأحوال النساء،‮ ‬العادات والتقاليد الغريبة‮… ‬فقط لأنك لا تمارسها‮. ‬وهكذا فما عليك إلا أن تسترخي فيما السطور تتهادي إليك‮.‬ غير أن يوسف رخا،‮ ‬يبدو وكأنه‮ ‬غاضب من هذه الفكرة‮ (‬في الحقيقة هو‮ ‬غاضب من أشياء كثيرة‮) ‬وقد قرر منذ زمن،‮ ‬منذ‮ “‬بيروت شي محل‮”‬،‮ ‬و”بورقيبة علي مضض‮” ‬أن يهدم تلك النظرية علي رؤوس كتب الرحلات الأخري،‮ ‬حتي إنك بعد أن تنتهي من القراءة سيصبح عليك التفكير جدياً‮ ‬إما في تصنيف الكتب الأخري أو تصنيف هذا‮. ‬هو يعرف أن المفهوم لابد له أن يتغير،‮ ‬قبلاً‮ ‬كان الارتحال صعباً،‮ ‬الآن لم يعد كذلك،‮ ‬ساعات عدة وسط وسائل راحة تتنافس الشركات علي ابتكارها وتصبح في مكان آخر،‮ ‬وهناك لن تجد ما كنت تتصوره في خيالك،‮ ‬مغامرات المكتشفين باتت من التاريخ،‮ ‬لم يعد هناك ما يمكن اكتشافه،‮ ‬ولم يعد هناك ما يدهش،‮ ‬طعم القهوة بات واحداً‮ ‬في كل البلاد،‮ ‬وكل جوانب الأرض تم تصويرها من مختلف الزوايا‮. ‬ما الهدف من السفر إذاً،‮ ‬وما الذي يمكن تقديمه في كتاب رحلات،‮ ‬في نوع أدبي كاد أن يفقد أسباب وجوده‮.‬ ‮

العنوان‮ “‬شمال القاهرة‮… ‬غرب الفلبين ــ أسفار في العالم العربي‮” ‬وللتأكيد فإن هناك علي حقيبة المسافر رموز عدة‮: ‬شجرة الأرز وطربوش وجمل‮. ‬البداية في المغرب والنهاية في الإمارات وبينهما لبنان‮. ‬والكتاب يبدأ هكذا‮: “‬مرضت عروسي حال وصولنا‮. ‬يسمون الغرفة بيتاً‮. ‬لم نكد ندخل بيتنا حتي راحت في النوم‮. ‬ظلت ثابتة مع أن المكان وسخ وكئيب،‮ ‬بالكاد يسع جسدينا‮.” ‬متروك لك أن تتخيل ما تريد حول هذه القصة،‮ ‬هي واحدة من الألغاز التي عليك أن تضعها بجوار بعضها البعض لترسم الصورة التي ترغبها،‮ ‬بالطبع هذا يقتضي بداية أن تفك شيفرة اللغة،‮ ‬وهي لغة خاصة جداً،‮ ‬لغة روائية محملة بالكثير من الرموز والإشارات والإيحاءات،‮ ‬تتناول المكان ليس باعتباره مقصداً‮ ‬سياحياً‮ ‬وإنما باعتباره أزمة يعانيها الراوي مثله مثل أهل البلد،‮ ‬ومتي هكذا أصبح كأنه واحد منهم؟ هو نفسه لا يعرف،‮ ‬غير أن الشك الذي يداهمك في هذا كقارئ يساوره هو أيضاً‮ “‬وأنا جالس كنت أحس،‮ ‬بشكل لا يحتمل شكاً‮ ‬كبيراً،‮ ‬أنني جئت لهذا المكان من قبل‮”. ‬شك يعود لتبعثره كلمة من ابن البلد‮ “‬مصر والمغرب حال بحال‮”‬،‮ ‬إشارات كتلك تجعلك تعاود القراءة من البداية بروح مغايرة حتي تتلبسك الحالة التي يضعها رخا‮ “‬في الطريق لهنا يختلط الخيال بالذاكرة‮”‬،‮ ‬وهو ما يعني أن تتقاطع وتختلط المشاهد ويندمج الناس وكأنهم واحد،‮ ‬الزوجة فتاة مغربية،‮ ‬التاريخ بالحاضر،‮ ‬والأب الراحل عجوز يعزف وحده وسط حلقة متفرجين،‮ ‬غير أن ذلك لن يبدو‮ ‬غريباً‮ ‬فهناك اتفاق سابق عقده معك الكاتب‮ “‬أنت تعرف كيف تتبدل الأماكن والأشخاص‮”‬،‮ (‬هل تعرف؟‮). ‬وتصبح الرحلة بحثاً‮ ‬عن الذات في مرآة الآخر ذلك الذي يبدو في أحيان كثيرة وكأن لا وجود له‮ “‬كلما حاولت أن أكلمهم أو ألمسهم،‮ ‬لم يجبني أحد منهم أو يحس بوخز أصابعي من أصله‮. ‬كأنني هواء‮”. ‬غير أن هذا ليس بالسبب الذي يدعو للتوقف في رحلة البحث خصوصاً‮ ‬إن كان ما يبدو ليس بالضرورة هو الحقيقة،‮ ‬هناك لابد من الانتباه للمفاجآت والحيل،‮ ‬من المهم مثلاً‮ ‬أن تعرف متي سيظهر الحائط‮ ‬غير المرئي لتمر من خلاله،‮ ‬ولابد أن يكون لديك من قوة الملاحظة لتعرف إن كانت تلك هي الشوارع بالفعل أم أنك تري انعكاسها،‮ ‬والأهم أن تكون متيقظاً‮ ‬حتي لا تفوت لقاء محمد شكري أو بول بولز،‮ ‬أو وليام بروز،‮ ‬إذا مر أحدهم بجوارك‮. ‬رحلة تلفها موسيقي تسمعها عبر النص،‮ ‬يدور علي إيقاعها الناس،‮ ‬وتكون فيها بصحبة موتي يجوبون البيت بلا استئذان،‮ ‬والأسرار متاحة‮… ‬فقط إن أدركت أن الوعي بالذات سخف إنجليزي‮.‬ لكن علي قدر ما تبدو المغرب هكذا منفجرة بالحياة والموت أيضاً،‮ ‬تبدو بيروت بجانبها وكأنها‮ ‬غير مرئية،‮ ‬عصية علي الإمساك بها،‮ ‬ولأنها كذلك فيبدو وكأن رخا يبادلها انغلاقها،‮ ‬إن سرنا وراء الأكليشيه أن‮ “‬المدن كالنساء‮” ‬ستكون بيروت هكذا امرأة باردة لكنها تهوي مطاردة الرجال لها،‮ ‬وفي النهاية لن تمنح واحداً‮ ‬منهم شيئاً،‮ ‬الحياة بالنسبة لها هي تلك المطاردة دون الالتفات إلي عبثية الفعل الذي لا يؤدي إلي نتيجة‮. ‬غير أن تلك الرحلة من وجه آخر تبدو وكأنها ترانزيت بين البلدين،‮ ‬بين المغرب والإمارات،‮ ‬استراحة يمهد بها المؤلف ليفصل بين ذلك العنف الرومانتيكي والعنف الذي يفرضه واقع فج شيد منظومته علي قواعد لا تعترف بالخيال‮.‬ ‮

مثير للدهشة كم يمكن للغة والأسلوب وطريقة التفكير أن تتحول هكذا،‮ ‬كيف يمكن للبلاد أن تفرض منطقها وإيقاعها علي زائرها‮. ‬كان علي أن أعاود القراءة منذ البداية،‮ ‬من رحلة المغرب،‮ ‬فقط لمعاينة هذا التحول،‮ ‬كان يبدو وكأني أمام كاتبين،‮ ‬حالة مذهلة من الفصام‮. ‬هل الخليج قبيح إلي هذا الحد؟ إلي الدرجة التي لا يعود في مواجهته سوي التخلي عن لغة مليئة بالخيال إلي أخري صريحة وواضحة‮. ‬يبدو أن الإجابة‮: ‬نعم‮. ‬المسألة دوماً‮ ‬تتوقف علي قدرة الرؤية ومواجهة الواقع الخفي خلف المباني المبهرة،‮ ‬أن هناك‮ “‬حزن أرجواني في المنتجعات‮”. ‬ذلك الحزن الذي يلحظه المؤلف علي وجوه النادلات الفليبنيات عندما يختلين بأنفسهن للحظات والذي يتبدل إلي ابتسامات مرحة عند استقبال زبون‮. ‬وسائل الخلاص ونسيان الواقع بالنسبة للآخرين تتحول معه إلي عنصر آخر للتصادم مع الواقع‮ ” ‬تصبح‮ “‬المزة‮” ‬التي في السيارة عبئاً‮ ‬بعد أن بدت وكأنها الخلاص‮. ‬وتعود تفكر في حقوق الإنسان‮”. ‬لا أحد يعرف أحدا،‮ ‬التواصل عملية محكومة بالمنطق الاستهلاكي والنفعي الذي يحكم كل شيء آخر،‮ ‬و”المواطنون زبائن المنتجع الغائبون إجمالاً‮ ‬عن الحياة اليومية،‮ ‬أما بقيتنا من الوافدين فلا‮ ‬غاية من وجودنا سوي خدمتهم‮”. ‬هذا رغم انتباهه إلي أنه خلف الزي الخليجي الموحد هناك أفراد لهم أذواق متنوعة وقرائح ثائرة ليس فقط علي تقاليد يتعاطونها مثل‮ ‬غريق يتعلق بقشة،‮ ‬ولكن بالأحري ـ علي حداثة لم يصطدموا بها حتي جعلتهم فرقاء منفيين‮”. ‬محاولة للبحث عن الناس والتاريخ والثقافة،‮ ‬لكن السياق الاجتماعي الصارم سيمنع بالتأكيد‮ ‬غير أنه يواصل رغبته في التفهم،‮ ‬لكنها رغبة نظرية لا يدعمها تواصل،‮ ‬وكأن كل يتحرك في كون مواز،‮ ‬ربما هذا ما يجعله مع مضي الوقت‮ “‬أشعر بانتماء معقد للإماراتيين‮. ‬كأنهم أقرباء لي أجيال متتالية وأنا مقطوع عنهم‮. ‬أقرباء من البعد ـ في المكان والزمان ـ بحيث يبدون‮ ‬غرباء تماماً‮”. ‬تلك الغربة التي يسود منطقها لتصبح القانون الأول ومعها‮ “‬يصبح الحنين ملموساً‮ ‬كأصابع الحلوي‮”.‬ ‮ ‬لابد لكل هذا أن يصنع الحاجز بين الراوي وبين البلد،‮ ‬يجعله ولأول مرة لا يشعر برغبة في تعلم اللغة الجديدة التي يدور بها التعامل‮. ‬والأمر يتطور إلي أسئلة حادة تليق بهذا الواقع‮: ‬ما الفرق بين التحرر الجنسي والدعارة،‮ ‬هل يمكن أن تكون متمدناً‮ ‬دون أن تكون‮ ‬غربياً،‮ ‬أي من ثلاثة مفاهيم ـ الشعب،‮ ‬الدولة،‮ ‬الشركة الهادفة للربح ـ تطابق الوطن علي مساحة جغرافية،‮ ‬وكيف لصائد لؤلؤ اغتني فجأة أن يمارس عالميته المكتسبة؟ ‮

سابقاً‮ ‬كان الوعي بالذات في المغرب سخفاً‮ ‬انجليزياً،‮ ‬وسط الحياة التي لا يمكن إلا مجاراتها،‮ ‬إلا أنه في أبو ظبي يصبح الوسيلة الوحيدة لمقاومة السقوط في النمط الذي يسود بفعل الحال‮ “‬المصريون أنفسهم يتعلمون السكوت والعزلة وثقل الدم،‮ ‬في الغربة‮.”‬،‮ ‬في مواجهة مدينة قادرة‮ “‬علي نفي حتي المسجد إلي فضاء مول سبع نجوم‮.” ‬لا يمكن سوي التمسك بالتفكير فيما وراء كل هذا،‮ ‬في‮ “‬الإعمار‮” ‬الذي يشوش علي صوت الله الذي محله الفضاء،‮ ‬في ما يحدث لنا ونحن نعتنق أفكار البيض المثالية والساذجة عن القيم الإنسانية،‮ ‬في أن‮ “‬من يذهب إلي الخليج يسمن جراء كثرة الأكل وقلة الحراك،‮ ‬الأمر الذي يضمر اتهاماً‮ ‬ضمنياً‮ ‬بالتواطؤ مع الاستهلاكية البترولية و”بيع القضية‮”. ‬ثم في‮ “‬جدوي حياتي‮”‬،‮ ‬وفي معني الكتابة‮.‬ ‮”‬خيبة أمل أعمق من المحيط الهندي‮”: ‬سيتسرب إليك إحساسه وأسئلته‮. ‬ربما لهذا عليك الحذر منذ البداية‮… ‬يملك يوسف رخا تلك المهارة الخفية التي يستطيع بها أن يورطك معه‮.‬

الكتاب‮: ‬شمال القاهرة‮ .. ‬غرب الفلبين المؤالف‮ : ‬يوسف رخا الناشر‮: ‬رياض الريس