١٤ من مآثر الذائقة الأدبية العربية (المصرية) المعاصرة: داخل الدوائر وخارجها وعلى حدودها كمان

  1. إذا كانت الرواية أطول من ٧٠ صفحة يبقى فيها مط وتطويل غير مبرر
  2. إذا اختلطت العامية بالفصحى أو حصل أي شغل على لغة الكتابة غير النحنحة الشاعرية و/أو الاستظراف الصحفي يبقى فيه مشاكل في الأسلوب (بفتح الهمزة طبعاً)
  3. إذا تحدثت عن دوافع الشخصيات أو جعلت الشخصيات تتحدث عن دوافعها يبقى إبداعك التبس بحكم القيمة وإنت بتمارس الإدانة الأخلاقية والتورط الأيديولوجي، وهو الأمر الذي يضعف العمل ويقلل من قيمته بطبيعة الحال
  4. إذا صرّحت برأي (سياسي أو اجتماعي أو جمالي) أو صرحت إحدى شخصياتك برأي فيبقى إيه ده، دي كتابة مباشرة قوي يا أخي
  5. إذا كان في العمل أحداث، وبالذات لو كانت أحداث خيالية، تبقى كتابة تقليدية و/أو إفراط في الصنعة على حساب صدق العاطفة وعفوية العبارة الملهمة (بفتح الهاء)
  6. إذا وضّحت تاريخ الأحداث أو مكان حدوثها أو أي تلاتة ميتين أم أي معلومة مفترض إن القارئ يبقى عارفها عشان يفهم السياق، لأ عيب
  7. إذا كنت بتفهم في الأدب، لازم تكون بتعرف لغة عربية زي الفقي بالظبط؛ أو العكس: إذا كنت بتفهم في الأدب، أكيد ما بتعرفش تكتب جملة على بعضها صح
  8. فاروق جويدة بيكتب شعر تقليدي، وكل مشكلته يعني إنه تقليدي. وأدونيس رغم عمق وعبقرية شعره إلا إنه مش مستساغ عند العامة للأسف – حتى عامة قراء الشعر على فكرة اللي هما مش عامة خالص – بس ده عيب هامشي يعني (بعبارة أخرى: اللي بيكتبه فاروق جويدة ده شعر؛ أدونيس ما هواش عرضحالجي بيستمني في بير السلم)
  9. قصيدة النثر يعني تكتب أي كلام على الإطلاق بس تقسمه سطور وتحطله التشكيل ولما تتكلم عنه صوتك يتحشرج وإنت بتقول “الشعر”
  10. التريقة على الكليشيه/الكيتش المفترض ما هياش في حد ذاتها كليشيه/كيتش أبضن تلاتين مرة من الكليشيه/الكيتش اللي هي بتتريق عليه
  11. بلال فضل كتابته بتضحك (كاتب ساخر)، وعلاء الأسواني بينقل صورة مقنعة للواقع (كاتب واقعي)، ويوسف زيدان أديب (كاتب كبير)
  12. البلاغة يعني الفصاحة وبما إن الفصاحة حرام فيبقى البلاغة تودي النار
  13. الأديب شخص مسيس (في الحياة)، لكن الأديب الحق ما يتكلمش أبداً في السياسة (في كتابته)… إلا إذا ضرب مقالة شبه الأبحاث الأكاديمية بس ما هياش بحث أكاديمي طبعاً: ساعتها بس ممكن ينوّرنا باستيعابه للتاريخ
  14. أنا قلبي مساكن شعبية.

Continue reading

حوار بهيج وردة لمجلة “ارى” الإماراتية

wpid-00tamasih00-2012-01-25-19-15.jpg

ما هي خيوط الرواية الأبرز في التماسيح؟ وكيف بدأت فكرة الرواية تتبلور؟ وما دور الثورة المصرية وتداعياتها الحالية في الحالة الروائية التي تجسدها في “التماسيح“؟ الرواية خرجت، كعادة مشاريع الكتابة الطويلة، من خبرة شخصية مؤلمة جعلتني أعيد التفكير فيما يسمى بالوسط الثقافي بالقاهرة وبالأخص جيل التسعينات من الشعراء المصريين (وهي أشياء قاربتُ بعضها كذلك في مجموعة قصائد ”يظهر ملاك“-٢٠١٠ والتي لم أنشرها بعد إلا إلكترونياً عبر مدونتي، نتيجة الشعور بلا جدوى نشر الشعر في القاهرة خلال شهور من ثورة لم تكتمل. بدا لي أن شيئاً حدث سنة ٢٠٠١ (وهو أمر شخصي أيضاً لأن حياتي تغيرت في ذلك العام بعد موت أبي سنة ٢٠٠٠؛ أصابني ما يشبه الانهيار نتيجة الإفراط في الكيوف على خلفية اكتئاب وإحباط متزايد في الشأن العام وفي مسار الحياة العملية بالصحافة: بدت لحظة انهيار البرجين كأنها – كما يقول الراوية – ”ذروة ما، بداية أو نهاية“) وبعد عقد كامل، إثر قيام الثورة أو الانتفاضة خلال شهور من بدء كتابة التماسيح، خطر لي أن هذه اللحظة كانت مقدمة ما سيحدث بعد عشر سنين بالضبط، أنها كانت فعلاً بداية أو نهاية. في الرواية فكرتان أساسيتان إحداهما استعارة الأسد، وكانت هذه قد طاردتني منذ قرأت قصيدة ألن جينزبرج ”الأسد على حق“ في العام نفسه (٢٠٠١) لكن الفكرة الثانية – أن يكون الشعر شاهداً على انهيار الدولة الوطنية التي خلّفها الاستعمار في منتصف القرن العشرين أو أن تؤدي النزعة الفردية التي ظهرت في التسعينات إلى تحول اجتماعي يُعامل بوصفه حراكاً سياسياً – لم تتبلور هذه الفكرة حتى الشهور الأخيرة من ٢٠١٠. بوصفها تحركاً اجتماعياً، أعتقد أن الثورة كانت موضوع كتابة من قبل حتى أن تندلع: التماسيح بهذا المعنى هي حكاية الثورة، حكاية السنين العشر التي حملت إلينا يوم ٢٨ يناير ٢٠١١

  • أقتبس مقطعاً مما نشرت على موقعك: “موال لحكومة زين العابدين يسأل بنبرة استنكار: “هل أن الحل هو إحراق البلد؟ هل أن الحل هو إحراق البلد؟” الآن بعد سنة أو أكثر من اندلاع الاحتجاجات في مصر، أردد كلماته بشعور مختلف وصوته يرن في أذني بينما تصلني الأخبار: هل أن الحل هو إحراق البلد؟.” كيف يرى يوسف رخا الحراك العربي والثورة المصرية على وجه التحديد بعد مرور بضعة أشهر، أعلم أنها ليست بكافية لكن الحراك شديد الديناميكية ومن يده في النار ليس كمن يده في الماء؟

هذا السؤال شديد التعقيد يا صديقي، ولا أظنني أعرف له إجابة؛ سأقول لك ما أعرفه: إن الأزمة الكبرى لما سُمي بالثورة هي الصياغة السياسية للأحداث من جانب الجميع (حتى مفجريها أنفسهم) ومن أول لحظة، الأمر الذي حولها قسراً إلى صراع على السلطة، بينما أهميتها في اعتقادي هي أنها محاولة – مجهضة، للأسف الشديد – لتجاوز مفاهيم وأشكال السلطة السائدة بنية عبورها إلى كيانات تعكس ما تتطلبه الحياة التي نعيشها على الأرض من أجل أن تكون محتملة أو مجدية ومن أجل أن تيسّر الإبداع والتفاعل في شتى المجالات: أن لا يضطر أحد إلى تحمل بذاءات ومظالم الشرطة، مثلاً، من أجل أن يقوم بمهامه اليومية أو يستمتع بوقته قليلاً؛ وبالمنطق ذاته، أن لا يضطر الشرطي إلى ابتزاز الناس عوضاً عن دخل يضمن له عيشاً كريماً أو إهانتهم تعبيراً عن إحساس دفين بالدونية…

إن ما دفعني شخصياً إلى المشاركة والمخاطرة هو إيماني بضرورة تعميم الحقوق المدنية وتفعيل مفهوم المواطنة، فضلاً عن الأمل في تسريب آليات المساءلة والضمير إلى المؤسسات والعقول من أجل إنتاج محتمل – أنت تعلم أن الدول العربية لا تنتج شيئاً خلاف النفط الخام – وأكثر ما آلمني منذ ذلك الوقت هو أن أرى الحريات المنشودة تُنتهك من ناحية، ومن ناحية أخرى يتوارى سؤال ضرورتها الذي مات من أجله من مات وفقد بصره وأعضاءه من فقد خلف مهاترات عبثية، شأنها شأن كل جدل سياسي، ربما – هل يكون الحكم مدنياً أم إسلامياً، على سبيل المثال – إلى هامش ظل يضيق حتى اختفى أو كاد.

الصدق أن شيئاً مما يحدث في مصر الآن لا يعنيني كثيراً، ومثل هذه العزلة هي قدر الكاتب طالما أنه في مجتمع لا يقرأ، كما أنه قدر ”الناشط“ في مجتمع – وهو ما قد يجد الكثيرون صعوبة في الاعتراف به – لا يثور، أو ليس بوسعه الاستفادة من تضحيات أفراد قادرين على التضحية. أصبحت على يقين من أن الثورة حتى وإن قامت من جديد وتسلمت قرابين أخرى دامية، لن تكون كافية بحال. إنه مجتمع – أو ”شعب“، بخلاف ”ثواره“ – قادر على اختزال المشاركة السياسية في موالاة صاحب اللحية على حساب ”العميل الأمريكي“ حتى حين يكون الملتحي عميلاً و”العميل“ سياسياً مؤهلاً للقيام بدور، أو التنكر بتبجح لمن قُتل في وضح النهار لصالح قاتله الجالس على الكرسي، لا لشيء إلا لأنه – أقصد الشعب – غير مستعد لتحمل المسئولية الأخلاقية أو السياسية… لكنني أعود فأقول إن الذي يعنيني من الثورة هو محتواها الاجتماعي واعترافها الضمني بشروط العالم المعاصر ”الليبرالية“ من وسائل اتصال وحقوق إنسان وتعدد عقائد أو طوائف أو رؤى؛ أجنح إلى رؤية ما حدث باعتباره ليس نهاية الاستبداد ولكن بداية السقوط المدوي للوعي الخرافي الذي حكم حياتنا منذ الخمسينات – ليس بداية شيء حلو، أقصد، ولكن نهاية شيء قبيح – ويحزنني أن ذلك السقوط لم يكتمل ”بإحراق البلد“ على نحو أكثر جذرية. أحياناً – أصدقك القول – تبلغ بي خيبة الأمل حد تمني سقوط قنبلة نووية تأتي على البلد بما ومن فيها، لكنني أعود أتذكر أن ما يحدث هو خطوة على طريق أطول من أعمارنا، وأفرح بأن الكذب لم يعد ممكناً.

wpid-apossiblebarbaryliononcelivinginleipzigzoo_thumb3-2012-01-25-19-15.jpg

  • إلى أي حد يكون للثقافة مكان في زمن الثورة؟ وهل ترى أن الثورة المصرية تقدم كتابها الموالين، وتقصي معارضيها كما تفعل الأنظمة التي ثارت عليها؟

في ذلك استكمال لإجابة السؤال السابق: كان من شأن الثورة أن تكشف الخواء المفزع ”لدور المثقف“ بل وتَطابُق كثير من ”معارضي“ الوسط الثقافي مع رموز النظم المفترض أنهم يقاومونها؛ بالنسبة إلي كان بقاء وزارة الثقافة في حد ذاته إشارة واضحة إلى قصور الوعي وضعف الأخلاق عند الغالبية العظمى من المثقفين أو من يعرّفون أنفسهم بهذه الصفة: لم يكن باستطاعة أحد الاستغناء عن وصاية الدولة. كتبت في ذلك خلال الشهور السابقة أكثر من مقال ممتعض إجمالاً (هناك، على سبيل المثال، “مازالوا يدفعوننا على سلالم العمارات“). وتبقى الدولة مستلبة من جانب نظام فاسد… ”الثورة“ في مصر وتونس لم تستبتدل المؤسسات ولا حتى الأشخاص إلا على نحو إعلامي رمزي؛ لم يكن هناك مجال لتقديم كتاب بهذا المعنى.

في مصر كان أكثر ما اقترن بأحداث الثورة من أدب هو الشعاراتي الشعبوي والسطحي الجعجاع المنتشر من قبل اندلاعها؛ تعلق الكثيرون بالأحداث دون النظر إلى نتائجها حتى أن بعضهم ذهب إلى أن الأدب قد مات ولم يعد هناك مجال للكتابة عن شيء سوى ”المسار الثوري“ والتظاهرة التالية. تأسست جرائد وقنوات تلفيزيونية من أجل مشاهير ”المعارضين“ من متكلفي الإبداع على حس ”السياسة“، وهم لم يسكتوا لحظة منذ اندلاعها رغم أن كلامهم لم يؤثر في أحد أو شيء. من هذه الزاوية يمكنك أن ترى كيف فشلت الثورة فشلاً ذريعاً على الأرض بينما فتحت أو وسّعت مجالاً ”ثقافياً“ للاحتفال – الخرافي – بها. انتهى أو كاد الاهتمام بالكتب، وبدأ الكلام الرسمي يتضمن إشارات إلى ”الضغوط السلفية“ واستعداداً مجانياً للرضوخ لها وقد اكتسب ”الإسلاميون“ من أعلام الميديا مصداقية عبثية تماماً في ضوء أنهم لم يشاركوا في الثورة وكانوا أول من والى المجلس العسكري وبرر جرائم ”الطرف الثالث“ وتنازل عن حق الشهداء (لستُ من أنصار الإعدام ولا القصاص على أي نحو، لكن للشهداء حق معلّق).

هكذا لم يكن تعاطي ”الثقافة“ مع الثورة في نظري سوى امتداد بالغ الجلاء لحال ”النخب“ في العالم العربي منذ أواخر الستينيات وبمعنى آخر منذ ”الاستقلال الأول“: إنها خطابات لا تعكس الواقع أو تشتبك معه – ولا تؤثر فيه – بقدر ما تستغل جوانب منه للتربح ”الجماهيري“ الآمن، مادياً أكان أو معنوياً. ومع كل ذلك، كانت فورة ”الغرافيتي“ وفنون الشوارع وإيماءات التحرر في صورة ”علياء المهدي“ وغيرها أيضاً من توابع الثورة أو التعبيرات الإيجابية – المبشرة – عن محتواها الاجتماعي. أعتقد أن الثورة قد تساعد على المدى الطويل في فرز الأفراد وتحديد مواقع الثقافة الحقيقية حاصلة أكانت أو كامنة، وأن هذه المواقع باتت خارج الدولة والإعلام (حتى الإعلام غير الرسمي) وخارج الوسط الثقافي ”اليساري“ المتقاطع بطبيعته مع الدولة من ناحية ومن ناحية أخرى مع أعراف أو تقاليد لم يعد هناك شك في أنها – حتى بما أفرزته من تدين ”متشدد“ أو معاد لمنظومة العولمة – ضد التغيير.

  • هل ترى تسييس الثورات وإلحاقها بركب الغرب وتصوير هذه الحراكات كأنها من صناعة آخر، جزءاً من مصادرة الثورة وفرض التنميط الذي تحاولون كسره كشباب ومثقفين في المرحلة الحالية؟

من شأن هذا السؤال أن يجرجرنا إلى حديث سياسي أفضّل تحاشيه لأنني لا أجد له أي جدوى، إلا أن الاتهام بالعمالة هو تكتيك ريفي قديم وهو أقذر ما تفتقت عنه قريحة السلطة الاجتماعية قبل السياسية في الستراتيجية القومية أو الوطنية – الفاشستية – منذ قيام دولة عبد الناصر. ركب الغرب هو ركب الحضارة المعاصرة بكل ما فيه من عيوب، لا أظن هناك شكاً في أن ”الغرب“ في هذا السياق يعني الحضارة بغض النظر عن التفاصيل. ولا أظن عاقلاً يريد لشعبه أن يلتحق بركب الثيوقراطية الإسلامية، إذا كان هذا هو البديل المطروح. المشكل أن الحركات، بينما لم تكن من صناعة آخر، كانت من صناعة أقلية مجتمعية – كما اتضح – لا تعبر عن وعي الغالبية العظمى، بدليل أن الغالبية العظمى صوّتت للإسلام السياسي وضاقت بالاحتجاجات منذ الوهلة الأولى، ثم سعت إلى الحفاظ على الوضع القائم. لذلك لا أظن ”الثورة“ كافية، ولأنني لستُ مؤمناً بالقمع حتى وإن كان قمعاً ثورياً… لكن أؤكد لك أننا جميعاً – في خطابات الوضع القائم – عملاء ومدسوسون بل وخونة وصهاينة فضلاً عن كوننا كفرة ومنحلين وكل ما يخطر لك من شتائم. ولا يزال هذا المنطق واضحاً في تبرير إبادة المحتجين بقول إنهم بلطجية أو توريطهم في العنف ثم التذرع بأفعالهم التخريبية…

wpid-8062904-2012-01-25-19-15.jpg wpid-dsc0029-2012-01-25-19-15.jpg wpid-bourguibacover-2012-01-25-19-15.jpg

  • عرفت بأدب الرحلة الذي تمزج فيه الشعر بالنثر مع التقرير الصحفي، هل كان هذا النمط نوعاً من التدريب على كتابة الرواية؟ وهل كتابة الرواية بالنسبة إليك نوع من النظر بمجهر إلى المجتمع وإمكانية توثيق للحراك الحقيقي في الطبقات السفلية وشوارعه الخلفية؟

لم يكن المقصود بأدب الرحلة أو كتابة المكان تدريباً على شيء؛ كان هرباً من القاهرة إليها وكان – كما اتضح أيضاً – هرباً من الأشكال السردية على سبيل الرجوع إلى تلك الأشكال. عندما استسلمت أخيراً للرغبة في الكتابة عن القاهرة، وجدتني في حاجة إلى الاختلاق والاستعارة بمعناها الأوسع. هذا هو ما يعرّف الرواية بالنسبة إلي: أن هناك جانباً مختلقاً بالكامل في مقاربة مكان أو زمن ما، الأمر الذي يفتح الخيال على ما هو غير ”واقعي“ فضلاً عن الواقعي ويضعك في مواجهة مع هويتك الاجتماعية فلا تعود مجرد صوت أو وعي جمالي طاف ولكنك تتحول كذلك إلى طرف في المنظومة التاريخية التي تتحدث عنها. الرواية هي ”باستيش“ خطابات، وهي بهذا المعنى تشبه كتابات الرحلة وإن كانت الأخيرة أقرب إلى ”الكولاج“ من الباستيش. الرواية توثق للحراك المجتمعي في مختلف طبقاته بالطبع، لكن ما يميزها أساساً هو أنها صياغة مكتملة لحالة إنسانية لها أول وآخر في الفضاء؛ أي أنها – بالتحديد – ليست أو ليست فقط كتابة ”انطباعية“. هذا وحده ما يجذبني إلى الشكل الروائي فيما أظن: إمكانية أن يكون الشيء مكتملاً أو صحيحاً رغم أنف تعدد خطاباته، وأن يتضمن فانتازياه أيضاً بلا مبالغة وقد انفتح على مصادر متباينة في الحياة.

في كتابة المكان هناك قيد مادي إن أردت، ورغم أنه باستطاعتك أن تنوع الخطابات وتقارب الموضوع الواحد من عدة زوايا، عليك أيضاً أن لا تكون طرفاً في المعادلة الفضائية التي ينتج عنها النص. عليك أن تحافظ على منهجك الصحفي بشكل ما؛ أما في الرواية فلا ضرورة لذلك.

  • ما الانطباع عن هذا النوع من الكتابة (الرحلة الانطباعية) لدى القراء – في العادة انت متشائم من هذه الناحية؟

أعتقد أن كتابة المكان وجدت رواجاً نسبياً عند قراء الأدب لكن لا يعني هذا أنها وجدت رواجاً. حدثتك من قبل عن قرائي السبعة. ربما زاد العدد الآن – بعد رواية ”كتاب الطغرى“ – إلى خمسة عشر. قلت إننا في مجتمعات لا تقرأ، والأصوب ربما أننا في مجتمعات تهمّش قراءها. لكنني لا أبالغ إذا قلت إن ما يعنيني هو أن يكون لي عدد مهما كان صغيراً من القراء العرب؛ أن يكون ذلك الصديق الافتراضي الذي يعرف اللغة نفسها (وبالمعنى الأصلي للصديق) موجوداً في الحياة مهما كان بعيداً أو تائهاً وسط جموع لا تفهم أو لا تتعاطف أو لا توجد. لا يمكن أن تكتب بلا قارئ، لكنه ليس ضرورياً وربما ليس مستحباً أن يكون القارئ جمهوراً كما هو حال الفيلم التجاري أو المحطة التلفزيونية؛ وتحت الظروف الحالية، نتيجة خبرتي المتواضعة، هو بالتأكيد ليس مستحباً أن يتطابق القارئ مع سلطة أدبية كناقد أو مطبوعة أو لجنة تحكيم. لا أريد جمهوراً، لا أريد تكريساً. أريد قارئاً لوجه الله وأظن أن الله قد منحني ذلك القارئ… في السنين الأخيرة، بالمناسبة، باتت مدونتي هي المجس الرئيسي لشيوع ما أكتبه بالعربية والإنجليزية في الأدب والصحافة، والحقيقة أن عدد الزيارات في ازدياد مطمئن منذ ٢٠٠٩.

  • خلطك للتصنيفات الأدبية في كتب رحلاتك هل يعود إلى علاقة مفتقدة في الأدب العربي لهذا النوع، أم أن الأمر يعود لرغبة في دمج أنواع أدبية لم يعتد تناولها بهذه الطريقة قبلاً؟

يعود أولاً إلى قناعة عميقة بأن الكتابة كتابة بغض النظر عن الشكل الأدبي، وإلى سؤال صادق عما إذا كان منجز دوستويفسكي ليختلف لو أنه كتب شعراً أو منجز رامبو ليختلف لو أنه كتب روايات، وإلى أي حد. تتقاطع هذه القناعة مع بعض صفات تراث الكتابة العربي، حيث نادراً ما تجد نصاً لا يمزج الشعر بالنثر أو لا يقدم المعرفة باعتبارها وجوهاً غير متجانسة. في نص كطوق الحمامة مثلاً تجد الشعر والنثر والشخصي والعام والرسمي وغير الرسمي رغم وحدة الموضوع. وتجد تعدداً وتبايناً ييسره السياق ”الأدبي“ عن طريق التقسيم التقليدي إلى أبواب وفصول. إنها مساحات جمالية ومعرفية مفقودة في الأدب الأوروبي إجمالاً، وهي تطرح أسئلة تعنيني عن معنى الكتابة كسبيل إلى المعرفة…

wpid-img_1319-2012-01-25-19-15.jpg

  • كيف يمكن أن تتحدث عن علاقتك بمن أثر بك من شعراء وكتاب؟ هل من الممكن أن تعتبرهم آباء، وما سر العلاقة الخاصة مع سركون بولس؟

كلهم أبنائي، ليسوا آباء ولا إخوة! القائمة تطول ولكن – باستثناء التراث القديم – ستكون الأسماء العربية فيها قليلة جداً، للأسف. أخص بالذكر ابن الفارض والجبرتي، وسعد مكاوي الروائي المصري العظيم. سركون يعيد اختراع اللغة ليجعلها تعيش، وهو متنبي القرن العشرين بلا مجد أو وطن. سركون هو ”جيل التسعينات“ وهو أبو العلاء وهو كل ما أحببته في الشعر الإنجليزي ولكن باللغة العربية. مهاجر فقير يعبد الحياة ويحاول أن يتقرب إليها بالكلمات، لا يقع لحظة في فخ السكون ولا فخ الأفكار المسبقة.

  • كيف ينظر يوسف رخا الما بعد حداثوي بامتياز إلى “ألف ليلة وليلة”؟

لا أعرف معنى ”ما بعد الحداثة“ بدقة. أظنها طريقة في النظر إلى الأمور أو الاستفادة من أشياء متباينة وسابقة لصالح شيء متجانس وآني. المحزن في الثقافة العربية أن أهم نصوص التراث باستثناء القرآن الكريم وملحقاته الشرعية المدشنة – أقصد بأهم النصوص، على سبيل المثال، ابن عربي وابن خلدون وابن رشد، فضلاً عن ألف ليلة – رُدت إلينا من جانب المستعمر بعدما كنا فقدناها. وإذا كان ما بعد الحداثة يعتمد على التقاطع مع نصوص قديمة من عصور مختلفة، فإن ذلك يعني أن علاقتنا بهذه النصوص لا يمكن أن تكون فعالة إلا عبر الأدب الغربي بشكل أو آخر: إننا نقرأها بنظارات المستشرقين الذين نكره تطفلهم وتعاليهم أو تفوقهم علينا، ولذلك ربما لا نقرأها على الإطلاق (كان اكتشاف التراث بالنسبة إلي ”شغلانة“ صعبة فعلاً، لكنني أظن أنني تمكنت من البدء فيها بدرجة ما)؛ لذا أريد أن أتحدث عن ألف ليلة بشكل فردي كمتأدب أحياناً ما يصطحب بعض كشاكيلها إلى سريره ليقرأها قبل أن يخلد للنوم:

في ألف ليلة لغة وسطية (بين العامية والفصحى) دائماً ما تروق لي سلاستها، وفيها لبس خلاب بين المكان الحقيقي (القاهرة) والمكان المفترض (بغداد). في ألف ليلة كذلك مساحات للقراءة الفلسفية والنقدية العميقة والكلام الكبير بطبيعة الحال – الحكي بوصفه منجاة من موت محقق، مثلاً – لكن الأهم بالنسبة إلي أنها نموذج مبكر للأدب المستساغ: إنها نص ”مهضوم“ بكل المعاني المحتملة؛ وهي توظف الفانتازيا بسذاجة ”بيرختية“ إن أردت، الأمر الذي قد يجعلها مملة ولكنه يجعلها أيضاً مثل بيت متعدد الغرف ومليء بأشياء متوقعة ولكن مرتبة بأشكال مختلفة، تدخل من باب وتخرج من آخر كيفما اتفق لترى تنويعات على ما تعرف أنه هناك وربما تتعرف على جوانب من حقيقتك في الأثناء.

في ألف ليلة وليلة حشيش لا يشبه الحشيش وجنس لا يشبه الجنس وفيها ورع لا يشبه الورع أيضاً، وهي من هذه الزاوية مثل الكلام مع جدك الفلاح العجوز: إنها مخزون معرفي لم يمر بالمصفاة العقلانية ولا يختبر بمنطق المشاهدة والتدقيق، وهذا وإن كان من شأنه أن يحررك فهو أيضاً يفرض عليك نسقاً أفقر في التعاطي مع العالم. الجاحظ أصعب كثيراً لكنه أمتع في الكثير من الأحيان. وأنا لا أريد أن أطلق أحكاماً قطعية أو معقدة على نص يجب أن يكون – وهو فعلاً، بشكل أو آخر – كحليب الأمهات.

من أروع الجمل التي قرأتها في عمري بأي لغة جملة من ألف ليلة: ”وقد خطر ببالي السفر إلى بلاد الناس.“

wpid-387339_10151058911260473_805615472_22072982_949466011_n-2012-01-25-19-15.jpg

  • كيف ترى المشهد الروائي الزاخر في مصر​ ومن يلفتك من الروائيين حالياً؟

أي مشهد روائي زاخر؟ المشهد مشهد علاقات عامة وصفقات مصالح مادية أو معنوية لا علاقة لها بالكتابة والقراءة، والرواية بمعناها الذي أفهمه آخر ما ينتجه هذا المشهد؛ وقد خمد المشهد إلى حد بعيد منذ وصول ”الحاجّة ثورة“ قبل عام على كل حال. أقول لك بمنتهى الصدق إنني نادراً جداً ما أجد رواية عربية جديدة تستحق وقت قراءتها، دعك من تقييمها أدبياً، وعادة ما تكون تلك الرواية من خارج مصر. لذلك لن أذكر أسماء، وسأقول لك في الوقت نفسه، وبكل تواضع، إنني أحب أعمال يوسف رخا. خلاف ذلك الروائي، وباستثناءات تعد على أصابع اليد الواحدة، يبقى الأفق خالياً فيما أرى؛ ومع ذلك عندنا ”بيست سيليرز“ وعندنا روايات حائزة على جوائز ”عالمية“ وروايات مترجمة إلى ثلاثين لغة؛ أليس هذا مثيراً للفضول؟ هناك ”شعراء التسعينات“ – بعضهم يكتب روايات – وهناك جيل أو اثنان من الشباب، بينهم عدد صغير موهوب جداً ولكنهم بالكاد ينشرون أعمالهم وحين ينشرونها نادراً ما يلتفت إليها أحد. ليس هذا كلام الكاتب ذي القراء السبعة ولكنه كلام القارئ المحبط والمتابع الساخر للأحداث الثقافية. حقيقة المشهد فقيرة يا صديقي، ولا تصدق من يقول لك إن هناك شيئاً يحدث على صعيد الرواية.

  • هل من طقوس محددة تتبعها للكتابة؟ وهل تختلف بين كتابة الرواية والرحلة والشعر؟

لا تختلف الطقوس، ولا توجد طقوس. أكتب حين أكون وحدي أو بصحبة امرأتي وهي مشغولة عني في شيء. أحياناً أكتب في وجود زملائي في العمل. الحياة كلها طقس الكتابة.

  • إلى أي حد أثر عملك في الصحافة باللغة الانكليزية في طريقة كتابتك المختلفة؟

الصحافة بأي لغة تكسبك نوعاً من القابلية على الإنتاج والسرعة في الأداء وبالنسبة للأديب فإنها تعطيك آليات فعالة للبحث عن المعلومات واستقائها. علاقتي بالإنجليزية وتأثيرها على عربيتي قصة أخرى، لكن أعتقد أن اقتصار العمل الصحفي لسنين طويلة على لغة غير العربية حافظ عندي على طزاجة ما. أصبح ممكناً أن تستخدم مفردات شعرية في صياغة صحفية مثلاً، أو أن تترجم تعبيراً صحفياً إنجليزياً على نحو يجعل مدلوله واضحاً بالعربية فيتضح أنه أيضاً شعري

مجلة أرى

مهاب نصر ليلة سقوط القذافي

القصيدة الزراعية

***

حزب الكنبة الفاسد

***

السؤال عن الإخوان، وعن سيناريو وصولهم للسلطة شائك للغاية. لعدة أسباب

أولا أن الغالبية العظمى من الناس لاتزال غير متفهمة للطبيعة القانونية للحكومات المعاصرة حتى وهي تطالبها بالتزامتها، ففكرة الحكومة لدى الكثيرين مازالت مستمدة من فكرة شخصية عن الحكم تجسده في زعماء، قادة، أهل ثقة إلخ، ومن ثم تفترض أن الحكومة الصالحة هي تلك التي تضم أشخاصا صالحين، أو موثوقا بهم بالنسبة للمواطن. وصحيح أن هذا شرط طبيعي في أي حكومة. لكن الحكومة بمعناها القانوني لا شخصية وإنما تمثل أمرين: أولهما التفويض المؤقت من قبل أغلبية تؤيد تلك الحكومة، وثانيهما تعبير هذه الحكومة عن برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي واضح المعالم وغالبا ما يتجسد ذلك في الأحزاب، وهي تختار إذن بناء على هذا الشرط لا الشرط الشخصي: البرنامج.. لا الشخص.

لكن في ظل الفساد العام في مصر والدول العربية جميعها، صارت الفكرة المقابلة هي التخلص من الفساد باختيار عناصر مأمونة النزاهة، ليسوا على الأقل لصوصا أو متورطين في قضايا فساد. ولأن معظم المواطنين المصريين لم تتكون لهم خلال المائتي عام السابقة منظومة أخلاقية ذات مرجعية اجتماعية واضحة، فما زالت فكرة الأخلاق مبعثرة بين الدين ومرجعيته والتقاليد المكتسبة والموروثة، والتي يتضارب بعضها معه بعض في مزيج فريد من أخلاق غير قادرة على احداث التوافق. والأمران مختلطان أشد الاختلاط لدرجة أن كثيرا من الأفكار الأخلاقية تسند إلى الدين عنوة رغم أن مرجعيتها تاريخية واجتماعية أصلا. – اقرأ المزيد

لم يكن أحد منا يعرف مهاب جيداً، لا بوصفه شاعراً تسعينياً من الفيلق السكندري الذي بدأ في الظهور منذ الثمانينيات – علاء خالد وأسامة الدناصوري بالتحديد كان لهما تأثير قوي على جيل التسعيناتوإن تنصلوا لذلك – ولا بوصفه زوج مناضلة سبعينية تكبره بعشر سنين أو أكثر.

سنة 2024 أفكر في وديع سعادة وأتذكر حقيبة المستقبل، حقيبتنا. حقيبة جماعة التماسيح للشعر المصري السري وحقيبة مهاب نصر وحقيبتنا. بالفعل لم نرد أن نحملها. لم ندرك أن وصولنا متوقف عليها.

- من رواية “التماسيح“، قيد الاكتمال

رسالة سركون بولص إلى وديع سعادة: 1971

wpid-t_7822d99c-0e35-486d-9472-aa9e580d8aa9-2011-08-9-05-182.jpg

أخي وديع

لم أنتظر الليل بل تقدمت نحوه وأنا أعرف عدوي وبلا درع أو شهادة أو تردد. ولكنني حين دخلتُ كثافته العدوّة كانت يداي ترتجفان وكان عناقي حلماً كهربائياً يعبر على المحيط. من حين الى حين، وجهي المعلق في مرآة محاكمة. وأنا دائماً قاضي هذا العالم. أريد أن أتكلّم مع أصدقائي، لا بل اليهم ولكنني أجدهم في صحراء أخرى. أحاول أن أركّز نظري لأرى الملامح ولكنها لا تستطيع أن تقتل قوانين البعد. القانون الوحيد الذي قتلته هو قانون الزمان، ولكن الفضاء ما زال عدواً. إنني الآن في المركز والأيام تدور من حولي ككواكب نارية من الاحتمالات والعبر والمغامرة. وبعد ذلك هذه هي القاعدة: الأيام ليست سوى أيام.

مجرد أن أستلم رسالتك يا وديع، مغامرة، حفلة، عاصفة غجرية. لو عرفت ماذا تعني رسالة ما بالنسبة لي في هذه القارة المطفأة، ومن صديق من وطني! ولكنك هناك أيضاً كالمنفيّ، كما يبدو لي. لا تكن. أقول لك بكل صوتي: لا تكن. أخرج. من هذه الطبقة الكثيفة من الجلد التي بنيت حولك دون أن تعرف: أخرج. لا تكن مثقفاً يجمع أقنعة ويقرأ المشهورين، ويفكر بنماذج كأنسي الحاج أو لست أعرف من، أو كامو أو بودلير أو الله أو بوذا أو الشيطان: ولا تكن حتى أنت! وابصق على المثقف الغبي الذي يحاضرك عن “معرفة النفس” والبحث عن الله وباقي الخرق الثقافية الاخرى. هل فكرت لحظة بأن من المضحك أن “نكون” شيئاً؟ إننا لا نكون شيئاً أو أحداً. لأننا هذا الشيء وهذا الأحد. ولأننا كل شيء وكل أحد، من قبل. أعتقد انك ستفهمني يا وديع لأنني أعرف ان لك عقلية نظيفة وان دماغك لم “يُغسل” بعد بالرايات الثقافية الشائعة هناك الآن. إن ما يجعلني أقول كل هذا هو غضبي الذي لا أستطيع أن أقاومه حتى هنا حين أفكر بجميع الأفكار الخاطئة التي تتسرب في وطننا وبين مثقفينا عن الفكر الاوربي وعن الثقافة الاوربية، وذلك عن طريق مجموعة معدودة من الكتّاب المسيطرين على المجلات والذين ليس لهم حق في ذلك. أما اذا كنت مخطئاً، فقل ذلك في وجهي ومباشرة. ولكن من المضحك أن أبذّر هذه الصفحة كلها في الكلام على “الثقافة”، الحلم الذي يتغذى عليه تلاميذ الجامعة ذوو النظارات الطبية والشعراء الذين يعالجون »مسائل العصر« بجبين مقطب. الشيء الوحيد الذي يستحق المعالجة هو أن تفتح فمك فجأة وأنت في الشارع ومن حولك طنين الخلية الانسانية وتقذف من أحشائك ذلك البركان الذي هو أنت. وبعد ذلك تستطيع ان تقف لمدة نصف ساعة مراقباً بدهشة أناك المحترقة وهي تتسلق أكتاف البشر وتدخل أنوفهم الضائعة. ربما كنت قد خطوت كثيراً في الليل، ولكن ذلك هو بالضبط وبدون لف أو دوران، واجب الكاتب: فإنك لم تولد ولن تولد في نهار العالم بمجرد أن تنتظر واقفاً. بل إن الليل هو الذي يخفي نهارنا الحقيقي. وعلينا أن نخترق هذا الدرع المميت؛ ثقب أو ثقبان ينبثق منهما الضوء ونعرف بيقين أن النهار هناك، إنه هناك! هذا ما حدث لي، ويمكنني القول انني قد رأيت عدة ثقوب في ذلك الدرع وعلى النور المتسرب منها أحيا الآن.

ساعد الشعر على إنقاذي كثيراً. منذ ان وطأت هذه الأرض الأجنبية والشعر يلتهب في باطني ليوازن بين البرد المسموم في الخارج واليقظة العنيفة في الداخل. أحياناً يدخل البرد رغم كل شيء، كما يحدث في قرية ما في شبطين مثلاً حين يحاول فلاح ذو عائلة من الأطفال أن يغلق النوافذ جيداً في وجه عاصفة من الثلج، وقبل أن ينجح يدخل بعض البرَد ولكنه ينجح دائماً. على انني حافظت على تلك العائلة من الأطفال التي تعيش فيّ. وسأفعل دائماً. وطيلة هذه المدة أيضاً لم أتوقف عن الكتابة. أحياناً فعلت، ولكنني لم أتوقف عن “الكتابة” في داخلي لحظة واحدة. وكل ما هناك، انني فعلت ما يجب أن يفعله كل كاتب حقيقي: القدرة على الصمت. قريباً جداً سأبعث الى لبنان بكتاب ليُنشر. لديّ الآن عدة كتب حاضرة للنشر. وأعمل على رواية إسمها “صحراء العالم” وهي كل ما أعيش من أجله الآن لانها ستكون معادلاً كاملاً لحياتي الداخلية. ولا يمكنني أن أقول لك أي شيء عنها. كما انني أعددت كتاباً آخر باسلوب ليس شعراً أو قصة أو أي شيء، بل هو كل هذه العناصر التي تقف في مواجهتنا من الداخل والخارج، أو الوجود في أشعة نظرة واحدة. والكتاب الذي أعده منذ مدة طويلة وأقرأ من أجله كل يوم منذ سنتين، هو دراسة في الرواية الحديثة، وأعني الحديثة! سأعطيك فكرة: عناوين بعض الفصول:

هيرمان هيسه: العين الثالثة.

سيزار بافيس: الجدار الخامس للسجن.

لو كليزيو: هالة حول العالم/ الرواية الكوسمولوجية.

كورتازار: تركيب المتاهة.

بيكيت: جلود العزلة السبعة.

وقد قرأت كل ما يمكن من مواضيع الدراسة، بالاضافة الى التآليف الاصلية. واخيراً، مجموعة جديدة من القصص. والآن لنتحدث عن شيء آخر.

جان دمو هناك، وهو في دير! لا استغرب ذلك من جان. ولكن يا عزيزي حاول بشدّة أن تتصل به وقل له أن يكتب لي واعطه عنواني. أحياناً هنا، أكلّم جان وكأنه معي حين أرى شيئاً او شخصاً معيناً أعرف اننا كنا سنعلّق عليه ونسبره حتى المركز. في كثير من الاحيان وحين أكون يائساً، مجرد محاورة من هذا النوع تعيدني الى حالتي السعيدة واضحك عالياً في الشوارع دون ان أستطيع السيطرة على نفسي. إن ما بيني وبين جان نادر وخالد، ويقف ما وراء جلد العلاقات وجدار البشرية. أعرف بعمق اننا سنلتقي. لذلك، دعه يكتب لي وبعد ذلك ربما أمكن أن ندبر طريقة لسفره الى هنا، وسأفعل كل ما أستطيع.

والأب يوسف سافر. اعطني عنوانه في رسالتك. وسأكتب اليه. ولكنني لم أفهم، هل سافر وحده أم انه أخذ عائلته معه؟ قريباً جداً سأبعث الى يوسف الخال برسالة ومواد للنشر، بعد هذا الغياب الطويل. هل يمكن أن تبعث إلي بعنوان أدونيس، وكذلك عنوان مجلة الآداب؟ سلّم على أدونيس بحرارة. سأكتب اليه قريباً. وأرجو ان أهيء رسالة طويلة عن السياسة والفكر في أميركا لتنشر في “مواقفه”. وكذلك مواد جديدة من كتاباتي. وربما بعثت اليه بكتاب كامل والمال اللازم لنشره. ولكن أولاِ، بلّغه حبي واعطه عنواني وأرجو أن يبعث الي بنسخة من مواقف حتى يتيسّر لي أن أبعث اليه ببدل اشتراك. وأفكر أيضاً بإعداد مقابلات طويلة مع شعراء هذه المنطقة. وقد قابلت عدداً منهم وتشاجرت معهم، وترجمت بعض قصائدي الى الانكليزية. وبدأت اكتب بالانكليزية منذ مدة. وفي المستقبل أنوي أن أكتب رواية واحدة ووحيدة بالانكليزية اضع فيها كل شيء. ولدي الآن مجموعة من الشعر بهذه اللغة، وكذلك قصة اسمها “الصحراء” وهي عن مهرب على الحدود العراقية، وربما ترجمتها عن الانكليزية إلى العربية.

عزيزي وديع. لقد تكلمت كثيراً، اليوم هو السبت، عطلة. ولديّ موعد مع إمرأة أميركية، ولكنني أعتقد انني متأخر الآن لانني قضيت هذه الساعة الاخيرة أكتب اليك. على انني سأذهب فالمرأة قد انتظرت أكثر من اللازم. وهي ستصاب بهستيريا اذا لم أذهب، لانها ظلت ثلاثة أسابيع تبعث اليّ برسالة مضمونة كل يوم وهدايا حتى وعدتها، وذلك منذ ان تركتها منذ شهر دون سابق إنذار أو سبب، يائساً من العلاقات والجنس عائداً الى الشعر. على كل حال، سأكتب لك قريباً. تحياتي الى والدتك، والى اخيك وزوجته اللطيفة، وقل لها أن تقرأ فألي واخبرني بالنتيجة.

اخوك

سركون بولص

27 / 3 / 1971

ضجر يوسف رخا

اشكال
عناية جابر
كل كاتب يمتلك في داخله نظام كتابته. نظام يبين الكتابة على ما هي عليه، وعلى ما تريد أن يعتقده القارئ عنها. يوسف رخّا في كتابته عموماً (مواليد القاهرة، يعمل في الصحافة باللغة الإنكليزية منذ 1998)، بدءاً بمجموعته القصصية «أزهار الشمس» مروراً بـ«بيروت شي محل» و«بورقيبة على مضض» و«شمال القاهرة غرب الفيليبين» وكلها كتب في الأمكنة وأدب الرحلات، حتى جديده «كل أماكننا» الشعري/ النثري، الصادر حديثاً عن «دار العين» نرى الى كتابته كيف أنها تعمل وكأنها ضمير الأمكنة الطيّب، مُهمتها أن تُطابق خداعاً بين أصل الصورة (المدينة، الشوارع، الناس، المشاعر، ثم عامل الضجر بشكل أساس، الضجر الوجودي المقلق) وتحوّل هذه الكتابة، التحوّل الأكثر إدهاشاً يتمثّل في أن تُعطي الكتابة عن هذه الأشياء، تبريراً لفعل الكتابة نفسه، وتزكية حقيقتها.
أعرف يوسف رخّا وأعرف قلقه، وأتملّى هذا القلق في كتابته على وجه الخصوص.
كتابته هي شكله، جسده وروحه ويقينه (إن كان من يقين) وإرهاصاته.
ثمة كروية لأعماله، عبّرت عن نفسها بسرديات غرائبية إلى حدّ عن هذا المكان وذاك، سرديات هي إسقاطات رخّا نفسه، مصقولة ومُسقطة لعالم مُطيع ومربوط بفكرة الكاتب عنه.
في جديده الشعري/ النثري «كل أماكننا» ثمة الجملة القصيرة، بارقة وغريبة ومكوّنة لحجر الزاوية في القصيدة، فيها يتخفّف رخّا من تعداد الأمكنة لتصير هذه مجتمعة مكاناً واحداً، يتظهّر فيه ضجر الكاتب، فعلاً إبداعياً منفلتاً من جذور التجوال في المدن وشوارعها، ومتوجهاً نحو صلة منطقية تُعنى بالمشاعر فحسب، وبسيرورات داخلية تماماً غير مفتوحة على هواء الترحال الشكلي. قصائد/ لحظات شعورية ملمومة الأطراف وتليق بالشعر كما بالنثر، لأجلها يتحمّل رخّا الضغط الحاذق الصادر عن انفلاته الأقصى في كتابة أدب الرحلات، نحو حرية وانفلات كتابة أدب الدواخل الساخنة: «الزمن كفيل بكسر الجناح/ انس الأيام/ ضع قلبك على أقرب/ ترابيزة فقط/ وانتظر».
عند رخّا، نرى تعدّد ضمير المتكلّم، كأنما هو مئات الكُتّاب، سوى أن العالم هو المعطى الأول للكتابة. ضمائر للمتكلم كثيرة ومتعدّدة. وضمير مُتطلّب، وعنصر أصلي وخام للقصيدة، وللنصّ في علاقتهما الملتبسة بالشهوة (ليس الحب) وبالعجز عن الشعور بلحظة رضى.
يصعب التفريق بين الشعر والنثر عند يوسف رخّا، فهما مثل الرقمين في التماس ولكنهما متغايران نتيجة للفرق بين طول الجملة أو قصرها. النثر عند رخّا هو الحدّ الأطول لقول الشعر، والشعر هو الحدّ الأقصر لقول النثر. خصوصية الكتابة عند رخّا هي لغته أيضاً المعنية بتحطيم السائد والمُزيّن أو طقوس الصورة المعتادة. حركة الكلمات عند الكاتب تُفضي الى روابطها، تلك الروابط الكثيفة المتفجّرة التي تضع قصيدته في عمق تجربته، والبادية في «كل أماكننا» كما لو إعلانات بـ«النيون» الأزرق عن شعر يريد الذهاب إلى نقطة أبعد مما كتبه الشاعر حتى اللحظة

حوار سوسن حماد على مدونة بيروت 39: ترجمة

Dialects in the Arab World
Image via Wikipedia

تعطيل سرد القصة او دقائق من وقت القاص: مقابلة مع الكاتب يوسف رخا

ولد يوسف رخا في مصر في العام 1976. بدوي مرتحل بطبعه, درس الإنجليزية و الفلسفة في بريطانيا, عمل في مصر و عاش في بيروت, و أخيرا إستقر في أبو ظبي ككاتب في اليومية الإنجليزية “ذي ناشونال”. بدوره قام بإجراء مقابلات مع بعض أهم الكتاب و الصحافيين العرب المعاصرين للطبعة الإنجليزية من الأهرام الأسبوعي: منهم رواة و ممثلون و سياسيون لا يقلون حنكة في رواياتهم. قدم الكاتب أعماله بتأن و دقة و منطقية حيث يعطي القارئ فرصة التوصل الى إستنتاجه الخاص بعيدا عن انحيازات الكاتب.

ينهي يوسف حاليا روايته الأولى “كتاب الطغراء”, و التي قال عنها في مدونته بأنها “إستحضار خيالي للقاهرة بعد عام 2001 و تأملات في إنحدار الحضارة الإسلامية”. دعونا إذا نخوض في عقل يوسف رخا فنستكشف عالمه.

كتبت في الشعر و القصة و ادب الرحلات كما كتبت التقارير الإخبارية و المقالات: تعد إذا كاتبا ذا اوجه متعددة. ماذا يحدّ من مقدرتك حسب رأيك؟

أسس الكتابة هي ما يقيد الكاتب, و لكنها رغم ذلك مهمة للتمكن من الكتابة, هي بمثابة الاوتار التي يجب ان تبقى مشدودة للتحكم بتغير نغمات النص. و لكن اكبر التحديات هي بالطبع أن تكون كاتبا جيدا, كما قال ريموند كارفر على ما أظن: ليس ان تحكي ما يهم فحسب, بل عليك ان تتواصل. بالنسبة لي كذلك أن اوازن بين ما أريد قوله و بين ما يريد القارئ قوله من خلالي: شئ مشابه لما أقوله و مختلق في آن. من الضروري حفظ تلك المساحة في النص. الفكرة هي مط ما نكتبه حتى أبعد الحدود الممكنة بما في ذلك الاسلوب الإنشائي للجمل و إختيار الكلمات. و كاننا ببحث دؤوب عن شئ ما, نغمة ما أو إيقاع ما او وجهة نظر ما, شئ ما يخصنا و لكنه هادف في نفس الوقت. جنوني و لكنه معبر و بليغ, و هو ما ياخذنا الى إكتشاف محدودية اللغة و بيت الصيد هو كيفية التعامل مع محدوديتها.

بالنسبة لي فالشعر هو أكبر تحد لي و لو انني كنت أشد حزما لكرست نفسي له. كون اللغة العربية هي محيطي تجدني غير مكترث بجنس الكتابة. منذ مدة قريبة إكتشفت كلمات رائعة للشاعر العراقي سركون بولص تعبر عني تماما <بما معناه: أنه بالنسبة له فاللغة العربية تحاكي البحر بطبيعتها و تستطيع الإتحاد مع أي عناصر أخرى في محيطها الواسع, لذا فقد حان الوقت لنعامل اللغة العربية ككونها إحتياطي قومي او مغناطيس يشد بإتجاهه التأثيرات الأجنبية تماما كما فعلت في الماضي.>

منذ متى و أنت تكتب؟

نشرت اول كتبي في العام 1999 تحت عنوان “أزهار الشمس”, أنهيت يومها ما إعتبرته اول أعمالي المتكاملة و هو عنوان لقصة قصيرة كنت قد كتبتها عام 1997 و حمل الكتاب إسمها. كنت في العشرين أو الحادي و العشرين من العمر, و لكنني بدأت أكتب قبل ذلك بكثير. بدأت الكتابة باللغة الإنجليزية بشكل شبه حصري في العام 2000 ثم عدت للغة العربية في العام 2005 في كتابي “بيروت شي محل” و حاليا كتابة بعض القصائد باللغة العربية.

تقول فيرجينيا وولف بأن للرواية المقدرة على قول الحقيقة اكثر من إمكانية سرد الواقع. هل توافقها في الرأي؟

لا أعلم تمام ما المقصود بهذا القول. الخيال يدغدغ الواقع, أحيانا الواقع هو الخيال و الخيال هو الواقع. فوكو أشار الى انه ليس هنالك ما يعتبر الصدق\ الحقيقة المطلق\ة باي حال. هنالك العديد من الحقائق, و الحقيقة التي نجدها في الكتابة أهم من تلك التي نجدها في العلوم على سبيل المثال, او على الاقل أكثر صلة به. و من تجربتي الشخصية في الكتابة أرى بان الواقع يمكن ان يكون شائقا تماما كالخيال.

سأسرد لك بعض الأسامي و لك أن تقول لي من مِن هؤلاء ستفضل أن يرافقك إن كنت لتسكن على جزيرة نائية (سيريلانكا ما قبل الكولونيالية) على فرض بأن سكان الجزيرة الأصليون سيرافقونك.

جان جينيه أم محمود درويش؟

جينيه بطبيعة الحال لانني بالحقيقة اكره درويش, و لهذه قصة طويلة..

فرانتز فانون ام كارل ماركس؟

فانون. حيث سيكون لدينا الكثير لنتحدث حوله.

فيروز أم ليلى خالد؟

هذا خيار صعب. فيروز, إن كانت ستغني لي وحدي بالعتمة.

صنع الله إبراهيم أم إميل حبيبي؟

أتخيل بأن (حبيبي) سيكون ممتعا اكثر, إنني أعرف (صنع الله) شخصيا و لكنني لم أقابل حبيبي مرة في حياتي.

دافيد لينش أم مايكل هينيكي؟

لينش بالطبع.

خديجة أم أروندهاتي روي؟

تعنين بـ (خديجة) زوجة النبي محمد؟ أظن بأنني سأفضل وجود أروندهاتي بين السكان الأصليين.

وودي آلن أم لاوعيك؟

مرة أخرى, سيكون خيارا صعبا. أظنهما متشابهان الى حد كبير و لكن لاوعيي يتحدث العربية, و هو ما أفضل.

ابوك ام أمك؟

يا الهي! هل أستطيع ألّا آخذ أي منهما؟ أبي ميت, سأختاره لهذا السبب فقط.

إن إستطعت تغيير ما شئت في مدينة ما (بشرط إستبعاد و عدم إستنساخ السحر المصطنع لدول الخليج), ماذا كنت ستبني و ماذا كنت ستهدم؟

بإستثناءات بسيطة, سأهدم كل ما بني بعد عام 1800. و لكنني سابني خيما مستحدثة بتكنولوجيا عالية تحميها جمال أصيلة. ستكون الخيام بحجم مدن باكملها. و ستسرح الجمال في كل مكان.

أخيرا, ما هي توقعاتك بخصوص مهرجان بيروت39؟

تعلمين بأن جدلا واسعا وقع هنا في القاهرة عقب إعلان أسماء الرابحين. العديد من غير الرابحين أبرزوا إمتعاظهم و كذلك العديد من الكتاب كبار السن أعلنوا تحفظهم و تأسفهم (و هم ليسوا طرفا في المعادلة أصلا). لم تثبط هذه الأحداث من عزمي و لكنها جعلتني اتسائل عمّا تؤول اليه المنافسة في نهاية المطاف, خصوصا إذا ما فكرت في أسماء بعض الرابحين الذين لا أكن الإحترام لاعمالهم و مع ذلك فهم تواجدوا و يتواجدون في كل حدث او مؤتمر. هذا ما جعلني افكر جديا بمستوى النجاح الأدبي العربي. ماذا يعني النجاح الحقيقي و كم منه يعود بالنتيجة على نوعية الكتابة و كم منه يعود على تواجد شخصية ما؟ بالطبع هنالك على القائمة من الأسماء ما يملؤني فخرا بكوني مصنفا معها. هذا جزء مما أشعرني به تواجدي بالمهرجان, فقد وضعني وجها لوجه مع السؤال الصعب حول قيمة ما أكتب و تساؤلي حول كيفية قياس هذه القيمة.

بيني و بين بيروت رابطة قوية ربطتني بها لمدة أربعة أعوام, لذا فإنني متحمس لذهابي اليوم هناك ككاتب معترف بي. املي هو أن يساعدني المهرجان بأن اتخطى العقبة الدائمة و المهمة بالغة الصعوبة في تفريغ بعض الوقت للسفر و للكتابة من خلال صفقات إقامة أو نشر كتاب أو ما شابه.

Reblog this post [with Zemanta]

سر المكان

معنى أن تغادر…

موضوع قد يستغرق الأبد.

أن تغادر المكان الذي ألفتَ زواياه كأنها في

خبايا فكرك انعطافات الحلم الذي لا يلوي على شيء –

المكان الذي سره أبداً لم يُستكشف، لأنه صار أليفاً وأنت

لن تقبل إلا بما لا تعرفه، قابلاً لما تعرف لكن عارفاً أن هناك

شيئاً خبيئاً وراء بابك، شيئاً لن تطاله الأضواء التي

لن تعرف سرها ولن تراها…

أن تغادر المكان الذي يلتف سره بالأحاجي

لأنه صار أليفاً، والأليف حين يُستكشف يُطرح جانباً في العادة؛

قد يحدث هذا، ذات يوم، عندما تركب قطاراً

إلى الريف أو المنفى:

أن تجد كل طريق، كل حقل، كل بيت

مغتسلاً برونق بهاء ليس سوى بعضاً من ترنّقه

في مرآة الترف: اللون، والشكل، زوايا التظليل، إطار المتعة

الباذخة في العين – حصان يرعى في المخيلة.

جسر يتجسد فوق ضفتين، ما وراء النظر

لكنك ترى في غفلة

ظله العابر.

وإذ تعبر بالبركة (في أية قرية!)

وتحجز في نظرتك الماء الساكن، وباحات البيوت

والقارب المقيّد بالحبل

إلى رصيف المرفأ، وتفكر، ولا تدري أنك فكرت إلا فيما بعد:

«كم ساكن هذا الظل وأسود في الماء»

فإنك تدرك، في الحال، أن المرأة الملفعة بعباءة

سوداء في الحديقة، تبكي لأن أحدهم أجبرها

على أن تقبل بالحقيقة.

ولستَ متأكداً إن كان هذا جزءً من الحلم، أو شهادة

سمعت تفاصيلها ذات مرة

لكنك تدري أن ما جاهدتَ أن تدريه في تلك اللحظة

شيء يمكن لك الآن، في عمرك هذا، أن تعرفه أكثر

لأن الخليقة وضعتك في هذا الموضع بالذات

حيث ترى، وتمتلك الرؤية.

إنك آنذاك، حين يتقمصك الوضوح، وتكون في

حال من فرط انجلائها، أنك لا تفكر حتى بأن تفكر:

آنذاك قد يحدث أن تحدس السر الذي لم تستكشف طواياه

في المكان الذي غادرته، ذلك الشيء الخبيء ما وراء أستار وأبواب

ذلك الشيء الذي لن تطاله الأنوار التي رأيتها في منامك.

تلك التي لم ترها سوى في منامك.

(نص قصيدة سركون بولص من «عظمة أخرى لكلب القبيلة»)

Obituary, The Guardian

Sargon Boulus

Iraqi poet who joined the Beat generation

In 1967 a penniless 23-year-old Iraqi, with no documentation, applied to the American embassy in Beirut for a visa to enter the US. A writer, he claimed an intimate knowledge of American poetry. He was called to meet the ambassador, who asked him about poetry. He started with Walt Whitman and referred to many contemporary Beat poets, of whom the ambassador had not heard. But he was impressed. “Enough!” he said, “you’ve got it.” The young man went to New York, and on to San Francisco, which became his home for the next 40 years.The young man was Sargon Boulus, who has died in Berlin aged 63, after some months of poor health.

Sargon was born in al-Habbaniyah, on the Euphrates in Iraq, to an Assyrian family. The British had provided the Assyrians, an ancient but threatened Christian sect, speaking its own Semitic language, with a safe haven near a military base. His family moved to Kirkuk, where Sargon had his secondary education. He started writing poetry aged 12. His first published poem came a year or two later since when, as he wrote, “I haven’t stopped. It just grabbed me, this magic of words, of music.”

It was an exciting time for Arabic poetry, with a rejection of classical forms that had held sway for a millennium and more. Beirut was the centre of experimental poetry, especially the magazine Shi’r (Poetry), edited by Yusuf al-Khal. When he was 17, Sargon sent some poems to Yusuf al-Khal that were immediately published. He was encouraged to go to Beirut and made the journey from Baghdad with no identification papers, avoiding public transport and official border posts. He was warmly welcomed by the innovative poets based in Beirut and lived a hand-to-mouth existence, gathering at the Horseshoe cafe with other writers, and writing for the newspaper al-Nahar. He was picked up by police as an illegal immigrant and jailed. Friends intervened and he applied, successfully, for entry to the US.

In San Francisco, he became part of the Beat generation. Sargon lived on the edge, running a Middle Eastern restaurant, writing and translating, demonstrating for native American rights and against the Vietnam war. He introduced Arab readers to Allen Ginsberg, Carl Snyder and Lawrence Ferlinghetti. He became intoxicated by the classical English poets and translated Shakespeare’s sonnets, as well as Shelley, Ezra Pound, Ted Hughes and Sylvia Plath. At his death, he left uncompleted a major study and translation of the writings of WH Auden.

He wrote his own poetry, feeling savage about the limitations of Arabic and the upholders of formal classical traditions. He talked about “linguistic fundamentalists”. Arabic, thought Sargon, “is always too full of decoration, unnecessary words and fat – linguistic fat. I’m cutting it like a butcher and I’m trying to show the bones behind the flesh and I think that’s something worth doing.” He wrote poetry in Assyrian, Arabic and English.

He spent time in Athens and Germany, where Iraqi publisher Khalid al-Maaly helped promote his work. He was also a journalist and translated romantic novels into Arabic. From 1998 he was a consultant editor of Banipal, a London-based magazine of Arab literature, and a prolific contributor, translating a range of contemporary Arab poetry into clear and concise English.

Sargon worked hard, played hard and travelled hard. His last years were dogged by ill-health, but he was working and writing to the end. He is survived by his partner of several decades; she shares a name with film star Elke Sommer.

· Sargon Boulus, poet, born 1944; died October 22 2007

Reblog this post [with Zemanta]

رواية علاء خالد

ريشة طائر

alex.jpg

لم يكن ممكناً أن يكتب علاء خالد كتابه الأخير (ألم خفيف كريشة طائر تنتقل بهدوء من مكان لآخر) في أقل من ٣٧٨ صفحة، ولعله لم يكن ممكناً أن يقصّر حتى العنوان. هذه هي قصة العائلة، أو سيرة ذاتية تتعدى موضوعها – الفرد – إلى مَن أحاط بتكوينه من أقارب وأصدقاء: غرابة أطوار الأخوال وتفاوت نجاحات رفاق (ثانوي) في اكتشاف عالم النساء وأحلام الأم التي تخفيها على أبنائها لأنه ثبت بالدليل الدامغ أنها تتحقق. هذه السيرة الانتقائية – وهو التجنيس الأقرب إلى (ألم خفيف) من الرواية – تبدّي مكامن الشعر والحكمة العفوية على موضوعية البناء أو التخييل (الروائي) كما على نوازع الانتقاد. والأبدع أنه في كلمات العنوان التسع فعلاً ما يختزل حنان علاء خالد الأعمق وأصالة ما يرصده في هذا البيت-الوطن، القدرة التي اكتسبها منذ (خطوط الضعف، ١٩٩٥) على تجاوز الوله بالذات وغذائها إلى محبة الآخرين، بينما يعرض لنفس الصورة الفريدة عن وجود الإنسان في الدنيا التي سعى إلى التعبير عنها وصفاً أو غناء في القصيدة والحوار، ثم سرداً وحكياً في المقال الأطول الذي يمكن إدراجه في باب أدب الرحلة أو السيرة الانتقائية. ولن يكون علينا، من أجل أن ندحض هذه الصورة للوجود، إلا الإشارة إلى احتمال أو جدوى آلام أثقل وانتقالات أسرع أو أكثر ارتباكاً في الحياة.

غير أن علاء خالد في أطول أعماله لم يقترف ما يشجع على الدحض أو الإحالة. ليس سوى بضع عثرات تحريرية – في ترتيب بعض الفصول، في تكرار كلمة (كان) كمفتتح لكل جملة بامتداد فقرة كاملة، في إضغام عبارات رؤيوية رائعة كانت لتبرق لو أُحسن تأطيرها – تؤخذ على عمل سائغ بدرجة غير عادية بمقاييس (الكتابة الجادة)، ممتع على أبسط مستويات القراءة وأقربها إلى سطح الوعي: ككلام عادي عن ناس عاديين، ربما، ولكن أيضاً كسلة حواديت (واقعية) تبدأ بعودة الجد المهاجر مهزوماً إلى الإسكندرية من هيام في صحراء شمال أفريقيا وتنتهي بالزواج أو موت الأم أو ربما فقط هذه الكتابة. المتعة حاصلة على الرغم من عمق ما يؤديه علاء خالد من مهام مع طرح شخوص مقنعة ومتعددة الدلالة والتأريخ لمجتمع الإسكندرية في ثمانينيات القرن العشرين بالذات. ولا شك أن حجم (ألم خفيف) الضخم مقارنة بالغالبية العظمى مما أقام أود (الانفجار الروائي) في السنين الأخيرة يفضح مَرَضيّة هاجس التكثيف الموروث وما بات يقترن به من ضحالة واستسهال، كما يجب اتهاماً وجه إلى الروائيين المصريين الجدد بأنهم عداؤون قصيرو النفس. إنه النص المستفيض الماثل أمام (القارئ العادي)، وهو من هذه الزاوية أيضاً الانعكاس الأبهى لصورة علاء خالد عن الوضع الإنساني.

إنها صورة تعكس هشاشة وتناقض وربما نرجسية الطبقة المتوسطة – حرصها البادي على بقاء الحال، وحالها هي بالتحديد، على ما هو عليه – لكنها في الوقت نفسه صورة تتجاوز الشرط التاريخي إلى تعدد إنساني وانفتاح على فضاءات روحية ونفسية من شأنها أن تجعل للحياة، وحياة الطبقة المتوسطة بالذات، معنى يعيننا كتاباً وقراء على أن نعيشها.

002.jpg