الشعر غير الحر

ملحق النهار – السبت 11 حزيران 2011 – السنة 78 – العدد 24415

الشعر غير الحر في ذكرى دنقل / بقلم يوسف رخّا

هل أجازف بإجحاف حق شاعر عظيم إذ أقول إن أمل دنقل لم يترك شيئاً يذكر لصالح الثورة المصرية؟ أقصد ثورة يناير المستمرة حتى يونيو على الأقل، على الرغم من إمكان استدعاء كعكة دنقل الحجرية كمعادل سبعيني لما جرى أخيراً في ميدان التحرير! إن احتجاجات الطلبة ضد تأجيل الحرب مع إسرائيل عام  1972 – ضد “حالة اللاسلم واللاحرب” التي جسدت أولى مراحل انحراف الرئيس السادات عن المسار الناصري، وكتب دنقل في شأنها قصيدة “سفر الخروج أو أغنية “الكعكة الحجرية” – لم تكن سوى وجه من وجوه مشروع قومي صار واضحاً أن “الربيع العربي” يعني تجاوزه على نحو جذري، بل ان المشروع القومي ذاك، لم يكن سوى تكريس لوعي “عربي- إسلامي” أدى، قبل بداية المشروع نفسه بقرن أو أكثر، إلى الاستعمار.
¶¶¶

سيكون من قبيل الكليشيه المتواتر في خطاب الأدب المعاصر القول إن أشهر أعمال دنقل هي في الضرورة أسوأها: تلك “القصائد السياسية” التي، وإن التزم ظاهرها تعاليم تقضي بأن لا يتناغم الفن الرفيع مع “المباشرة” فتضمنت إشارات خاوية إلى التاريخ القديم والأساطير (حرب البسوس مثلاً)، لا يمكن أن تُقرأ إلا بوصفها دعاية للأحداث المزامنة لكتابتها. ولا غرو أن يشتبك الشعر مع الشأن العام بدرجة أو أخرى، في مساحة منه، إلا أن هذه القصائد تبدو كما لو أنها استبدلت حقائق الأدب المركبة بتصور ذرائعي عن الواقع – استبدلت الوعي الشعري بشيء يشبهه أو حقيقة الشعر بخرافة تجعل من الشعر دعاية سياسية وإن كانت “ثورية” أو هامشية – الأمر الذي يتفق إجمالاً مع نفعية الفكر العربي منذ عصر النهضة، وهي النفعية ذاتها التي ستسمح في ما بعد بالسعي إلى الثيوقراطية عبر صناديق الاقتراع في غياب شروط مبدئية للعملية الديموقراطية أو الدفاع عن النقاب بذريعة أنه ضمن حقوق “الحرية الشخصية” المفترضة ليس في الخلافة الإسلامية ولكن في الأنظمة الليبيرالية ذاتها التي يمثل رفضها دافع الدعوة إلى الخلافة.
لا شك في أن دنقل، مثله مثل محمود درويش، كصوت فريد في طليعة الشعر العربي زمن ذيوعه الأقرب، قادر على إنتاج خطاب مؤثر جمالياً؛ لكنه يمكن الذهاب، وباليقين ذاته، إلى أن جانباً من أعمال دنقل – كأعمال درويش – درج على تعهير الشعر لصالح السياسة. فإن “القصيدة السياسية” بوصفها شقاً أصيلاً من حركة الشعر الحر التي سادت الخطاب الشعري بلا منازع حتى تسعينات القرن الماضي، ساهمت في تكريس الاعتقاد الشائع بأن النشاط السياسي هو ساحة موازية للكتابة أو أن خطاباته البيداغوجية يمكن أن تتطابق مع خطابات الأدب. مع ذلك، فإن ما ينطبق جمالياً على قصيدة “لا تصالح”، ينطبق على أعمال أقل اشتباكاً مع الشأن العام مثل قصائد الحب المبكرة.
¶¶¶

يبدو السؤال الجذري، على عكس سؤال “أغراض” الكتابة، وثيق الصلة باختلال قواعد النهضة إثر حركات التحرر الوطني، في تصريفاتها “القومية” و”اليسارية”.
كان من شأن الرؤية التوفيقية السائدة منذ القرن التاسع عشر أن تقصر ما هو “شعر” على ما يتضمن امتداداً لعروض الخليل أو تنويعاً عليه، مكتفية بالمعيار التقني المتأكل ذاتياً أمام النموذج “الحديث” الذي كان طرحه المستعمر حتى قبل أن يتم استثمار ذلك النموذج على أي نطاق؛ وارتكنت تلك الرؤية فيما سوى التقني من اعتبارات – أسئلة المعنى والأسئلة الجمالية وأسئلة تراثية عن دور الشعر في مجتمع متجانس قسراً – إلى تصورات غير واقعية عن جذور الشعر الحر في تراث اللغة من ناحية وعن أهلية الشاعر لتغيير المجتمع من ناحية أخرى. هكذا انتهى الشعر – في معرض السعي النفعي، ومن ثم السطحي، إلى مزاوجة بين أفضل ما في الموروث “المحلي” وأفضل ما في الحداثة “المستوردة” – إلى خطاب، باطنه منزوع الصلة بالاثنين، وهو النموذج النهضوي السائد في شتى المجالات والسبب الأوقع لامتناع العرب عن المساهمة في إنتاج الحداثة عوض استهلاكها فحسب.
كان من تبعات تلك المزاوجة المؤلمة، أن تعتمد شرعية الشاعر كشاعر على التزامه الخطاب الشعري المشروع بوصفه خاضعاً لوصاية هامش أو متن استبدادي. فحتى في الشعر الحر غير المعني بالشأن العام (في أعمال صلاح عبد الصبور أو بدر شاكر السياب، مثلاً)، لا تدل الحركة في مجملها إلا على “أنصاف ثائرين” (بحسب عبارة يوسف إدريس) أقاموا نصباً أدبياً لمشروع وطني لم يتضح فشله بكامل جلائه حتى الشهور الأخيرة من 2010.
¶¶¶

بغض النظر عن كونه أثبت قدرة نسبية على حشد الجماهير، شأنه في ذلك شأن الخطاب الشعبوي ومن بعده الخطاب الإسلاموي، كان الشعر الحر جزءاً عضوياً من وعي خرافي هدفه ليس نهضة المواطن العربي ولا الوحدة العربية ولا دحض الرأسمالية العالمية ولا تحرير فلسطين، وإنما تعهير ذلك كله لصالح حكومات قادرة على إبادة شعوبها في الشوارع من أجل البقاء في الحكم.
¶¶¶

كان الشعر الحر جزءاً من وعي أنتجته نظم ومجتمعات تعسفية ستتعطل أدواتها بالكامل في مواجهة النظام العالمي الجديد، بما في ذلك الإسلام السياسي. على عكس ذلك الوعي الخرافي، فإن قصيدة النثر في مصر التسعينات، بوصفها رد فعل متطرفاً لتطورات حركة الشعر الحر ما بعد السادات، سواء حدث التطور من خلال النشاط السياسي أو استبدال “القصيدة السياسية” بقصيدة أدونيس المغرقة في استغلاقها وتعاليها على المجتمع، ساهمت في خلق وعي فردي وواقعي وحر في نفوره من الإيديولوجيا ومن ثم نجحت في ما أخفق فيه نجوم الستينات من أمثال دنقل ودرويش على طريق طرح نهضة محتملة ستكون أولى خطواتها التخلص من القمع وتبدية المواطن الفرد على مشروع مركزي لم يكن في مجمله سوى تكريس للواقع الاستعماري. لا مناص هنا من الإشارة إلى أن من أججوا الاحتجاجات التي أدت إلى تغيير لا يزال في مجمله رمزياً في تونس وفي مصر لم يكونوا من المثقفين التقليديين ولا المضطلعين بالنشاط السياسي.
لقد تجاوز الشعر العربي منذ السبعينات عثرات التفعيلة فعلاً ومجازاً، فأدرك أن المجتمع بتعريفه المبدئي كيان غير متجانس، وقبل بحتمية التاريخ في مقابل الحتمية التاريخية، كما كشف ضحالة الخطابات البيداغوجية بالمقارنة مع خطابات الأدب؛ وفي ذلك أثبت – بغض النظر عن ضعف الإقبال الجماهيري عليه – أن الحداثة الشعرية البديلة لمهاجرين من أمثال سركون بولص ووديع سعادة كانت، على رغم تفريطها في عروض الخليل، هي الأقرب إلى مشروع عربي نهضوي.
¶¶¶

لا يمكن وصف ما يجري في العالم العربي الآن بغير معركة الاستقلال الثاني التي ستناطح الهيمنة الأميركية بالضرورة، ليس من خلال الخطابات الحماسية للمقاومة، قومجية أكانت أم إسلاموية، إنما من خلال تعارض فعلي بين مصالح “الغرب” ما بعد الاستعماري ومصالح المواطن العربي وقد تخلص من وعيه الخرافي. ولا ضرورة في السياق الحالي لاستشراف احتمالات التصادم الناتج من ذلك، وآثاره، أو تحاشيه. يكفي القول إن الشعر لن يكون له أي دور.
في نص أشبه بالقصيدة السياسية تحت عنوان “أي ربيع عربي” للشاعر العراقي سعدي يوسف، أحد معلّمي الشعر الحر الباقين على قيد الحياة، ذهب الثوري العتيد إلى أن ما يحدث في العالم العربي الآن ليس سوى تمثيلية من تدبير واشنطن اعتمدت على آليات العصر الإلكتروني لخدمة أغراض استعمارية مناوئة للمقاومة. “قلب بطني” نص سعدي يوسف، لكنه بدا الأقرب إلى موقف الشعر الحر من الأحداث الحالية. ولم أستطع أن أمتنع عن التساؤل عما إذا كان دنقل سيوافقه الرأي.
المؤكد أنه لم يعد ممكناً غض النظر عن أن “الكعكة الحجرية” عائق على طريق الاستقلال الثاني أكثر منها تجلياً للثورة. ويوم نستقل، في ظني، لن نعود في حاجة لا للقضية ولا للزعيم حتى تراق دماؤنا وتكهرب أعضاؤنا التناسلية وبينما نمارس دعارات شتى من أجل نجاح منتهاه أن يمنحنا حق الوصاية، نصبح ممثلين خائبين في أفلام من نوع “رد قلبي”. يوم نستقل، لن يعود أحد يضطر إلى تمجيد لا صدام حسين ولا أسامة بن لادن… ولا حتى حسن نصر الله.

…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..
جميع الحقوق محفوظة – © جريدة النهار 2011

 

أنت والتنين

بينما تزقزقين في “رُبع غير معلوم الحال” (هكذا تُعَنوَن الأماكن المجهولة على الخرائط القديمة)، صارت كلمة “التنين” تُستخدم بغرض المبالغة، كأن يُقالَ – بدلَ “حزن شديد”، مثلاً – “حزن التنين”. وخطر لي لأول مرة إثر سماعها أنه لابد من طريقة أخرى لخرق المتاريس. كنتُ على بوابة مرقص غادرتُه جرياً منذ خمسة عشر عاماً. وبعد خمسة عشر عاماً، والموسيقى نفسها تسحبني – مع أنني لست راقصاً ولا أحب الرقص – كانت عيني تنسل إلى الأضواء اللفّافة بالداخل. هذه المرة أيضاً لن يذهب اللقاء أبعد من عتبةٍ “كعبلتني” وأنا أخطو إلى الوراء مذعوراً بينما الراقص الوحيد الباقي ينفث في وجهي النار. وفكّرتُ أنه على الأرجح من طول احتمائي ضد عوامل التعرية والتعرض أنْ صار يسحرني الجلد الأخضر لزواحف الشوارع، تلك المخلوقات المفرّغة: أخالني في الدنيا لأملأها. عليك أن تدركي أنني لم أنس زقزقتك لحظة وإن قبلت بلغة تجعل من المخلوق الخرافي أداة توكيد. والآن أيضاً سأجري بعيداً عن بوابة المرقص، وستغفرين لي شرودي إلى هناك بأن تبصقي حزناً لا يركب على بهجة شفتيك. هل تعرفين كم كنتُ أبكي ابتسامتك وأنا أصارع التنين؟

سر المكان

معنى أن تغادر…

موضوع قد يستغرق الأبد.

أن تغادر المكان الذي ألفتَ زواياه كأنها في

خبايا فكرك انعطافات الحلم الذي لا يلوي على شيء –

المكان الذي سره أبداً لم يُستكشف، لأنه صار أليفاً وأنت

لن تقبل إلا بما لا تعرفه، قابلاً لما تعرف لكن عارفاً أن هناك

شيئاً خبيئاً وراء بابك، شيئاً لن تطاله الأضواء التي

لن تعرف سرها ولن تراها…

أن تغادر المكان الذي يلتف سره بالأحاجي

لأنه صار أليفاً، والأليف حين يُستكشف يُطرح جانباً في العادة؛

قد يحدث هذا، ذات يوم، عندما تركب قطاراً

إلى الريف أو المنفى:

أن تجد كل طريق، كل حقل، كل بيت

مغتسلاً برونق بهاء ليس سوى بعضاً من ترنّقه

في مرآة الترف: اللون، والشكل، زوايا التظليل، إطار المتعة

الباذخة في العين – حصان يرعى في المخيلة.

جسر يتجسد فوق ضفتين، ما وراء النظر

لكنك ترى في غفلة

ظله العابر.

وإذ تعبر بالبركة (في أية قرية!)

وتحجز في نظرتك الماء الساكن، وباحات البيوت

والقارب المقيّد بالحبل

إلى رصيف المرفأ، وتفكر، ولا تدري أنك فكرت إلا فيما بعد:

«كم ساكن هذا الظل وأسود في الماء»

فإنك تدرك، في الحال، أن المرأة الملفعة بعباءة

سوداء في الحديقة، تبكي لأن أحدهم أجبرها

على أن تقبل بالحقيقة.

ولستَ متأكداً إن كان هذا جزءً من الحلم، أو شهادة

سمعت تفاصيلها ذات مرة

لكنك تدري أن ما جاهدتَ أن تدريه في تلك اللحظة

شيء يمكن لك الآن، في عمرك هذا، أن تعرفه أكثر

لأن الخليقة وضعتك في هذا الموضع بالذات

حيث ترى، وتمتلك الرؤية.

إنك آنذاك، حين يتقمصك الوضوح، وتكون في

حال من فرط انجلائها، أنك لا تفكر حتى بأن تفكر:

آنذاك قد يحدث أن تحدس السر الذي لم تستكشف طواياه

في المكان الذي غادرته، ذلك الشيء الخبيء ما وراء أستار وأبواب

ذلك الشيء الذي لن تطاله الأنوار التي رأيتها في منامك.

تلك التي لم ترها سوى في منامك.

(نص قصيدة سركون بولص من «عظمة أخرى لكلب القبيلة»)

Obituary, The Guardian

Sargon Boulus

Iraqi poet who joined the Beat generation

In 1967 a penniless 23-year-old Iraqi, with no documentation, applied to the American embassy in Beirut for a visa to enter the US. A writer, he claimed an intimate knowledge of American poetry. He was called to meet the ambassador, who asked him about poetry. He started with Walt Whitman and referred to many contemporary Beat poets, of whom the ambassador had not heard. But he was impressed. “Enough!” he said, “you’ve got it.” The young man went to New York, and on to San Francisco, which became his home for the next 40 years.The young man was Sargon Boulus, who has died in Berlin aged 63, after some months of poor health.

Sargon was born in al-Habbaniyah, on the Euphrates in Iraq, to an Assyrian family. The British had provided the Assyrians, an ancient but threatened Christian sect, speaking its own Semitic language, with a safe haven near a military base. His family moved to Kirkuk, where Sargon had his secondary education. He started writing poetry aged 12. His first published poem came a year or two later since when, as he wrote, “I haven’t stopped. It just grabbed me, this magic of words, of music.”

It was an exciting time for Arabic poetry, with a rejection of classical forms that had held sway for a millennium and more. Beirut was the centre of experimental poetry, especially the magazine Shi’r (Poetry), edited by Yusuf al-Khal. When he was 17, Sargon sent some poems to Yusuf al-Khal that were immediately published. He was encouraged to go to Beirut and made the journey from Baghdad with no identification papers, avoiding public transport and official border posts. He was warmly welcomed by the innovative poets based in Beirut and lived a hand-to-mouth existence, gathering at the Horseshoe cafe with other writers, and writing for the newspaper al-Nahar. He was picked up by police as an illegal immigrant and jailed. Friends intervened and he applied, successfully, for entry to the US.

In San Francisco, he became part of the Beat generation. Sargon lived on the edge, running a Middle Eastern restaurant, writing and translating, demonstrating for native American rights and against the Vietnam war. He introduced Arab readers to Allen Ginsberg, Carl Snyder and Lawrence Ferlinghetti. He became intoxicated by the classical English poets and translated Shakespeare’s sonnets, as well as Shelley, Ezra Pound, Ted Hughes and Sylvia Plath. At his death, he left uncompleted a major study and translation of the writings of WH Auden.

He wrote his own poetry, feeling savage about the limitations of Arabic and the upholders of formal classical traditions. He talked about “linguistic fundamentalists”. Arabic, thought Sargon, “is always too full of decoration, unnecessary words and fat – linguistic fat. I’m cutting it like a butcher and I’m trying to show the bones behind the flesh and I think that’s something worth doing.” He wrote poetry in Assyrian, Arabic and English.

He spent time in Athens and Germany, where Iraqi publisher Khalid al-Maaly helped promote his work. He was also a journalist and translated romantic novels into Arabic. From 1998 he was a consultant editor of Banipal, a London-based magazine of Arab literature, and a prolific contributor, translating a range of contemporary Arab poetry into clear and concise English.

Sargon worked hard, played hard and travelled hard. His last years were dogged by ill-health, but he was working and writing to the end. He is survived by his partner of several decades; she shares a name with film star Elke Sommer.

· Sargon Boulus, poet, born 1944; died October 22 2007

Reblog this post [with Zemanta]