في ذكرى ٢٥ يناير: عن الإخوان والسيسي وحروب الجيل الرابع

IMG_9819

ثلاث أساطير صغيرة نجح الإعلام المصري في زرعها لدى قطاعات دماغية عريضة جداً منذ يونيو، وبكفاءة مذهلة في ضوء أن هذا الإعلام مازال يدعي مناصرة ٢٥ يناير (بغض النظر عن رأيك في الواقعة أو رموزها)، لكن الملفت حقيقة أن الرسائل بل والعبارات نفسها تتكرر (“أيدي الببلاوي المرتعشة” مثلاً) على اختلاف القنوات والبرامج والمقدمين، ومما يشعرك بأن العملية ليست بالعفوية المفترض أنها بها أيضاً الظهور المتكرر لنجوم شاشة جدد من الإسلاميين التائبين (الخرباوي ونبيل نعيم مثلاً) والمديح المستمر لحزب النور:

Continue reading

الأنبياء: رسالة نايف إلى مون

كان وقحاً بمنتهى الأدب يا مون؛

بمنتهى الدماثة، كان سافل

اً
وهو يرص بذاءاتي صفاً على الحائط

ليضربها واحدة واحدة بالرصاص.


كان أحقر من كلاب السكك

وهو يحبس الشخرةفي حلقي

قائلاً إن في كلمة أحَّهتبسيطاً مخلاً.

وعبر شبابيك غرف مكمكمة” 
أضيق من أن تستوعب صراخك -


هل تذكرين فرحة الاشتمام الأول؟ 
هل تعرفين معنى الالتحام؟ -

كنت أتحاشى وجوهاً اقترنت قسماتها بالفساء

وأقيء لمشهد الكاتب المصري


متربعاً في خرائه.


؎


يوم بصقتُ في وجه محمود درويش،


حملوني في السيارة - وكنت معصوب العينين -


إلى نقطة بعيدة على طريق الواحات.

لم يذهب السواد حتى تأكدوا

أن لا شيء هناك سوى الحجر الأبيض.

وأجبروني أن أصلّي بهم في العراء

قبل أن يصمني الأذان بأنكر الأصوات


من مكبر صوت مختبئ في مكان ما.

ساعتها فقط 
اكتشفت أنني في حي عشوائي،

وأجمل جميلات هوليودوراء النقاب

يهرولن إلى المسجد من جنبي. 
قال لي الخارج لتوه من السجن الحربي:


العلق كان نفع نفسه“!

؎


أمس عبر ستائر الأخبار والافتتاحيات -

ذلك الساتانالمنقوش برسم كالذباب -


لمحت شاباً مُستَأجراً في سمته كل الدلائل

سوى أنه ملتح والزبيبةفي قورته

يتقصّعبصحبة اثنين عاديين؛

شاهدتهم يستمنون معاً بـفُجرراقصة درجة ثالثة

وهم يتحسسون رأس عجل آخر مهمهمين بروعته.

في اليوم التالي كان علي أن أسافر.


قعدتُ أكتب لك والجدران مشرعة على سطح المكتب -


نقرة واحدة ويهطل البيضان” -

لكنني رجعت تذكرت أن ملاكاً وسط السديم

يحتاج حنيّتي،

وقفزت من أوسع نافذة في البيت

فاتحاً جناحي للتراب الساكن.

؎


لا يا مون، لم أقع؛

حلّقتُ إلى سجادة ومخدتين.


كانوا يتكلمون عن الوسطية والاعتدال

لكن أصواتهم ظلت تبتعد حتى سكتت.


وعرفت أن الشعب الذي يحب الله


لن يخذل الفرحة كما فعل الواقف وراء الزجاج

يتحسس المشهد نفسه براحتيه

ويرتعد ما إن أومئ له أن تعال يا أخي،

يا صديقي؛ تعال نقلع هدومناونجري؛

ربما يتغير ترتيب الشواهد،

أو يصحو ميت ليخبرنا

بشيء جديد. يا أخي، يا صديقي،

كم نحن بحاجة إلى السباب.

؎

جاءت العاصفة وكنا كبرنا على تعلّم نوع جديد من السباحة؛

الطريقة التي عمنا بها طول عمرنا لا تنفع مع هذه المياه.


وهكذا أيها الابن الصايعكان علينا أن نكتم شهادتنا

في اللحظة التي تحولنا فيها إلى مخلوقات ترى المستقبل.



(نايف ومون شخصيتان في رواية التماسيح”)

.

IMG_3067

مانهاتن: كيف كففت عن الحشيش وتركت حبيبتي

«الذين يستحبون الموت على الكفر…» – أسامة بن لادن

«وعمرَّ الله موضع خروجها من آدم بالاشتياق إليها، فحن إليها حنينه إلى نفسه لأنها جزء منه، وحنت إليه لأنه موطنها الذي صدرت عنه» – ابن عربي

«فلم تهوني ما لم تكن في فانيا» – ابن الفارض

ذات يوم، اضطررت للكف عن الحشيش.

كان لي قرابة العام مفجوع في أبي، زاد استهلاكي خلالها بصورة كبيرة. عندي موسوعة مصوّرة عن النبات الذي أحبه، عرفت منها أن أحد أسمائه في الهند «مسكّن الفجيعة». خمس سنين منذ انتظمت على التدخين، وكل يوم أكتشف له مزايا جديدة. عيبه الوحيد أنه يقصيني. لم أعد أنتبه لحديث الآخرين. بعد وفاة أبي، خصوصاً، حدست أني أتعامل مع الناس في مساحة ضيقة وبعيدة. الجنس نفسه خلا من المشاركة، ما كان يزيده إمتاعاً مجرداً من المعنويات.

Continue reading

الشعب نائم: قصيدة مهاب نصر بصياغتين

IMG_3019

.

“الشعب نائم..

لا توقظ الشعب يا حبيبي”

هكذا كانت تقول له

كلما طرقع أصابعه في الشرفة

كلما لمعت عيناه وراء باب

مثل كلمة السر

كلما انسحب بخفيه الى المطبخ

متأملا طاقم السكاكين

كلما اندس تحت مقعد

أو تكور حول نفسه

مثل فتاحة العلب

كلما أراد التعبير  

حاملا أفكاره على طبق

كلما أراد أن يضرط ..

باحثا عن الاتجاه الصحيح،

عن الإيقاع الذي يبقيه متوازنا

دون أن يجرح الشعور

ـ الشعب نائم يا حبيبي

هكذا كانت تقول له..

هو أيضا

كان حريصا ألا يوقظ الشعب

أن يحتمل احلامه

مثل رفسات طفل

أن يقلد لثغته كأبله

أن يحبو أمامه على أربع

ليحكي له قصة الخلق

نعم.. كان يحب الشعب

حتى انه كان يقسم لأصدقائه:

لقد غير حياتي

وطبعا كانوا يؤيدونه تماما

***

ـ لا توقظ الشعب يا حبيبي

هكذا كانت تقول له

كلما طرقع أصابعه في الشرفة

كلما أراد أن يقبلها

باحثا لشفتيه عن دور

كلما أدار رأسه

باتجاه السعادة

كعزلة بلا باب

كحنان مفاجئ

على آلة الماضي

حيث كانت الأناشيد

التي تركت حنجرته مكشوفة

وصلاته بلا اله

ـ لا توقظ الشعب يا حبيبي

هكذا كانت تقول له

كلما تسحّب بخفيه الى المطبخ

متأملا وحشة السكاكين

كلما اندس تحت مقعد

أو تكور حول نفسه

مثل فتاحة العلب

كلما أراد أن يشرح مخاوفه

دون أن يمتلك أفواها كافية

ـ الشعب نائم يا حبيبي

هكذا كانت تقول له

هو أيضا كان حريصا ألا يوقظ الشعب

وبرأسه المزدوجة

أراد أن يجعل لحياته عمقا

ولصمته

شفة مقابلة تتتفهم الصمت

الشعب رأسه الأخرى

الشعب أسنان وقواطع

الشعب ينبت من جذر حنجرته

ثم يضرب البيت بشخيره

ـ لا توقظ الشعب يا حبيبي

هو أيضا كان يحب الشعب

أراد أن يحتمل أحلامه

مثل رفسات طفل

ان يقلد لثغته كأبله

أن يحبو أمامه على أربع

ليشرح له تاريخ الخلق

نعم.. كان يحب الشعب

حتى انه كان يقسم لأصدقائه:

لقد غير حياتي

وطبعا كانوا يؤيدونه تماما

.

مهاب نصر

هكذا تكلم ابن الرقاصة

هكذا تكلم ابن الرقاصة (أو أموات منطقة الجزاء): ٢ فبراير ٢٠١٢

“نهاية العام: عام النهايات…” – سركون بولص

أن لا تكون من مشجعي كرة القدم في مصر كأن تكون ولد سفاح تقريباً. لقد حان وقت الاعتراف بأنني، كشخص لا يرى في كرة القدم سوى حجة باهظة للسَفَه الممنهج، ابن غير شرعي في هذا العالم. لكنني كما اتضح ابن غير شرعي ليس فقط لمجتمع واسع يستلزم الولاء الفطري لملاحم “المستطيل الأخضر” ومآثر “الساحرة المستديرة” دون أن يقبل الإنجاب بلا زواج، وإنما أيضاً لمجتمع ضيق تقيمه مسيرات واعتصامات واشتباكات لم أعد أشارك فيها وإن لم أفقد حماسي لها إجمالاً (فقدت حماسي بدرجات تتفاوت حدتها للاحتفالي منها بالذات، لـ”الملوينية” والعَلَم والمنصة ولـ”الميدان” المخترق بلا دماء، وهو ما قد يساء فهمه في السياق الثوري)؛ أي أنني – فيما يخص “الثورة” – بت أُجلّ تضحيات لست على استعداد شخصي لتقديمها، ليس لأن لها جدوى ولكن لأنها تضحيات.

وكما علّمتني جماعات “الألتراس” من أبناء “المجتمع الكروي” الشرعيين حد الحراك المنظم أن لذلك السفه الممنهج فائدة رغم كل شيء – أن تشجيع كرة القدم في بلد مسكون بالدونية والرعب إلى هذا الحد ربما كان المساحة الوحيدة الممكنة لاسترداد الفضاء العام بثورية براجماتية في مقابل الثورية المثالية التي تنتهي بصاحبها إلى ما يشبه الانتحار – علمني انطوائي وعزوفي عن الجموع والعنف غير المتكافئ أن مواصلة النشاط الاحتجاجي، داخل حدود “المجتمع الثوري” – الوحيد الذي يمكنني احترامه وسط مصر “كالايدوسكوبية” متعددة المجتمعات – أصبحتْ مثل تشجيع كرة القدم تماماً: شرطاً أصيلاً لشرعية وجودك أو حقك في الكلام؛ وحبذا لو استُشهدتَ أو فقدتَ بصرك لتؤطر بموتك أو عماك بشاعة الفريق المنافس، أو تبرر “الثورة” بلا حاجة إلى كلام.

.

تستثيرني في هذا السياق أسئلة صعبة ليس أولها احتقار الذات ولا آخرها احترام الحياة. الثورية نفسها تستثيرني، الثورية التي لا تنظر إلى نفسها بما يتيح رؤية عبثيتها، أو تُبطِن – مثل أدب “ألبير كامو” – كفراً بمعنى الحياة بل وجدوى تغييرها، التي لا تملك من الخيال أو الشجاعة ما يجعلها تتحول عن مسار أحادي ضيق مكرسة لنقيضها في الوقت ذاته. يستثيرني، مثلاً:

  • •أن القضية المطروحة حيال احتجاجات وزارة الداخلية التي اندلعت في أعقاب مجزرة تعرض لها “ألتراس أهلاوي” في ستاد بورسعيد هو ما إذا كان الألتراس أم غيرهم من يصرون على كسر “سلمية” الاحتجاجات بالاعتداء على المنشآت العامة (وكأن مباني “الدولة” أهم من أرواح المواطنين أو في صراع أونطولوجي معها، وكأننا لا نعرف أن فصائل من الداخلية والقوات المسلحة دبرت الاعتداء على المنشآت العامة من قبل لتوريط المتظاهرين)، أن دعاة “الاستقرار” من “مجتمع الكنبة” مازالوا يناصرون جهات كوزارة الداخلية لم يبق سوى أن تعلن عن أنها تعمل على إثارة “الفوضى”؛
  • •أن نساء يُعرَّض بهن بشكل ممنهج في “المجتمع الإسلامي” الذي بات مطابقاً لـ”المجتمع الديمقراطي” عملياً مازالن يحتضنّ الرصاص بحماس صادق بينما لا يخطر لهن خلع حجاب يلبسنه مكرهات منذ “العصر البائد”، وأن من صوتوا لمَوالي المجلس العسكري من الإخوان المسلمين وحزب النور على جثث ضحايا لم يرفع الموالي سبابة لنجدتهم هم أنفسهم من يهتفون بسقوط العسكر؛
  • •أن فترات مرت كان الألتراس وحدهم من يضطلعون خلالها بمواجهة الأمن المركزي والشرطة العسكرية إثر الاستفتاء الأول على تعديل الدستور، والذي أدى مبكراً جداً إلى احتكار عسكري للقرار مقابل صعود برلمان إسلامي لا أراهن على اختلافه عن برلمان الحزب الوطني؛ وكان ناشطون نجوم أمثال علاء عبد الفتاح قد صوتوا بنعم لصالح المجلس العسكري والإخوان في ذلك الاستفتاء…

أو أن أحداً، في المهاترات “السياسية” الدائرة، لا يأتي على ذكر “الدولة العميقة” التي لا أظن “إسقاطها” ممكناً قبل إسقاط الرأسمالية العالمية برمتها؛ وفيما تقتصر “المطالب” على استبدال أو إعدام أشخاص بعينهم – عن نفسي، لن أكون من أنصار عقوبة الإعدام أبداً؛ وأظنني سأفضّل حتى نظام مبارك سواء أعلى “المحاكم الثورية” التي يطالب بها بعض “الثوار” أو على “شرع الله” كما يستبصره السلفيون – تتحول التضحيات إلى وقود “دوري” يتنافس على سلطة هي ربما أكثر سفاهة بالنسبة إلي من مباريات الدوري الممتاز الذي تقرر إلغاؤه.

.

قال لي سائق التاكسي إنه يتمنى أن تصبح البلد “إسلامية” مستشهداً بتركيا كنموذج يجب احتذاءه، وأضاف: “عشان ولاد الرقاصة دول يتلمّوا!” كان يشير بذقنه الحليقة إلى امرأة شابة تعبر الطريق وفي عينيه شهوة يكرهها. لم تكن المرأة التي أشار إليها محتشمة فحسب ولكنها كانت أيضاً محجبة. نظر إلي ينتظر أن أثني على ما قاله، وحين وجدني أنفخ بتذمر مشيحاً بوجهي عنه إلى الشباك، تنهد ليس بخيبة أمل ولكن بخليط أعرفه جيداً من التحدي والتلون. “ولا إنت إيه رأيك على كده؟”

نظرتُ إلى سائق التاكسي في عينيه تماماً: “أصل أنا ابن رقاصة زيهم، فمش عارف بصراحة أقول لك إيه!” وتذكرتُ رجال منطقة بيوغلو في اسطنبول حين يطلعون على العالم في هيئة وثياب النساء؛ تذكرت قبلات الأحبة هناك في الحدائق المتاخمة للبوسفور، وروعة التحرر من عيون مثل عينيه. “بس عارف” – أضفت فجأة – “ما فيش أي مانع نبقى زي تركيا…”

.

أول ما خطر ببالي إثر وصول أخبار استاد بورسعيد في ذكرى “موقعة الجمل”: صبرا وشاتيلا. بدا لي أن علاقة الأمن بالبلطجية الذين اندسوا وسط مشجعي نادي المصري لعبور الملعب إلى ألتراس أهلاوي والإجهاز عليهم هي ذاتها علاقة إسرائيل بالقوات اللبنانية: التحكم في الإضاءة وفتح وإغلاق المعابر. كنت أفكر أن وجود إسرائيل لا يغفر للقوات إجرامهم وأن شيئاً عندنا لن يتقدم طالما توجد هذه الميليشيات الخفية متعددة الولاء.

والآن والجدل دائر حول “اقتحام وزارة الداخلية”، والأخبار تتوالى عن معارك على بوابات الأقسام بامتداد البلاد – بصراحة شديدة – أحس بالملل. أحس الكلام ممجوجاً والمواقف متوقعة بحذافيرها والنوازع، حتى النوازع معدومة الخيال. أشياء لا يملك الواحد حيالها إلا الغضب للمرة الألف، أو ربما زحزحة “الأحداث” إلى منطقة غائمة: إغلاق “الدُرج” عليها في مكتب العقل.

هل حقاً علينا أن نسأل من جديد إذا ما كانت الداخلية المصرية في حاجة إلى “إعادة هيكلة”؟ هل على المتظاهرين مرة أخرى أن ينفوا شبهة شيء قد يكون سبباً للافتخار؟

.

ومع ذلك، للمواجهات التي باتت روتينية في محيط وزارة الداخلية نتائج إيجابية رغم كل شيء، نتائج لا أظنها أغلى من حياة من ماتوا ولكنها تصب في الاتجاه الإصلاحي الذي انبثقت عنه الثورة – وهو إصلاح، فيما ثبت لغاية الآن أن المعارضات على تنوعها ليست أقدر عليه من نظام لازال يحارب من أجل البقاء، لا يمكن أن نتوقعه من ثورة يناقضها بتعريفه، ثورة استخدمتها الدولة العميقة لاستبدال ديكتاتورية مبارك بديكتاتورية عسكرية مباشرة مع تهديد مضمر بثيوقراطية إسلامية تتحقق من خلال صناديق الاقتراع، إضافة إلى التلويح العلني باحتمال سواد نظام تسيير ميليشياوي:

  • •تحول الشعار الرئيس من “الشعب يريد إسقاط النظام” إلى “يسقط يسقط حكم العسكر”، وهو اعتراف “شعبي” تأخر أكثر مما ينبغي بوجوب سقوط منظومة يوليو كاملة لحظة “تخلي” مبارك عن سلطته للمجلس العسكري؛
  • •كشف الإسلاميون ليس فقط عن نيتهم في استغلال الثورة حسب الحاجة وإنما أيضاً عن استعدادهم لقمعها بالوسائل ذاتها التي استخدمتها “الجهات السيادية”، وقد تولوا مسئولية تعذيب “البلطجية” في ميدان التحرير ثم الاعتداء “الميليشياوي” على مسيرة إلى مجلس الشعب كما اتهموا مفجري الثورة وضحاياها بالعمالة لجهات أجنبية بعد أن كانوا أول من بادر بتسوية أوضاعه في واشنطن؛
  • •أثبتت السنة الماضية أن الثورة الأولى كانت بمثابة نزع السدادة عن القمقم وأن المارد بحلوه ومره قد خرج إلى العالم الواسع ولا سبيل إلى حبسه من جديد أو، بعبارة أخرى، ثبت أن الدولة العميقة مهما استحال إسقاطها أضحت مجبرة على التكيف مع الحقوق المكتسبة وأن أسلوبها المتبع إلى الآن في التعامل مع العصيان من شأنه أن يعرضها للمزيد منه.

الثورية تستثيرني إذن على نحو إيجابي كما تستثيرني على نحو سلبي، لكنها تستثيرني أكثر بصفتها الجوهرية لكونها طقس تضحية ضروري، ولأنها – بالتحديد – ثورية بجد؛ بمعنى أنها لا تنظر إلى الممكن ولا تسمح بالتوافق أو تكتفي بالإصلاح. من هذه الزاوية أراني جزء خفياً مما يحدث، من هذه الزاوية فقط.

.

نحن أموات منطقة الجزاء “كنبة” أكنا أو “بتوع تحرير”، ألتراس أو لا، أبناء شرعيين أو أولاد سفاح. إن لم نمت في ليل ٢ فبراير في بورسعيد فسنموت يوم ٣ فبراير في السويس أو مساء ٤ فبراير في شارع منصور وربما بعد شهر أو سنة على سلالم المترو؛ وحتى إن لم نمت على الإطلاق، فستطاردنا أشباح من ماتوا بما هو أبشع من رصاص القتلة مهما انتفى وعينا بذلك؛ لا فرق في هذا الصدد بين من يُقبل منا على النشاط الاحتجاجي ومن لا يفعل لأسباب لعلني أوضحت بعضها.

عن نفسي – وأظنه إيجابياً أن يكون بيننا مثلي كذلك – لست “ثورجياً” حقيقياً أو لم أعد، لكنني لست من “الفلول” ولا من “حزب الكنبة” ولا أنظّر – هنا – إلا لكي أفهم من أكون. ربما ليس عندي شجاعة أن أرى الناس تُقتل بلا هدف، وربما فقط لا أحب الصخب والزحام. لن “تدخل علي” حجة أن الإسلاميين فصيل له رؤية إصلاحية ولن يردعني عن رفضهم – ورفض القيم “الفلاحية” التي يسعون لتعميمها – الاتهام بأنني أمارس تعالياً طبقياً على الإسلاميين. لا أغفر لمن يعطي الإسلاميين مثل هذه المصداقية أكثر مما أغفر لمن يحابي المجلس العسكري وهو يقتل ويشعل الفتنة الطائفية ويحتجز ويعذب ثم ينكر مسئوليته. ولا أظن لموقفي هذا أهمية أكبر من أن أعرفه ويعرفه من أعنيه شخصياً. ومع ذلك في مصر مكان لي أيضاً، إلى الآن على الأقل، أنا ابن الرقاصة الذي يقول هذا الكلام. ربما حتى يكون المكان الذي أستحقه.

مهاب نصر: الثورة .. هل يمكن أن تكون ضد الشعب؟

wpid-tahrirmap2-large-2011-12-6-00-16.jpg

سحابات من كآبة خفيفة يمكن أن تمر بالميدان الآن، يفرك تحتها المعتصمون أو من تبقى منهم ايديهم، برودة الخذلان تقرص العروق، والشتاء ما زال في أوله.

من حق الجالس على الرصيف الآن أن يفكر، ان كان يسعه ذلك، في هذه الساحة الملعونة، مكان ثورته وحصاره في الوقت نفسه، بعيدا عن الحمية التي كانت تطقطق مثل الحطب المتوهج، كلما احتدم الصراع بين الميدان وخارجه مستعيدة ببصيص أقل، ببصيص يائس ربما، اللحظة الجماعية المثالية، لجظة الفرح التي عصفت بالخوف وأسياده، والتي كانت أشبه بسعادة طرد الأب من البيت مصاحبا بالأحذية، والشعور الملتبس بالاثم، لأرواح مازال تحررها مشدودا الى الانتقام، لذلك تصخب الى حد الهذيان الجماعي.

هل كان يعرف ذلك؟ هل كان يتوقعه؟ أعني أن الملايين التي خرجت معه أو وراءه وأحاطت به لم تكن ثائرة حقا، كانت محرومة من بهجة الاحساس الجماعي، كانت تحتفل بأول عيد لها صنعه التنادي من شارع الى آخر ومن بيت الى بيت. كانت مبتهجة جدا، كمن يطوح حقيبة الدراسة في السماء ويجري، دون أن يدري الى أين؟

الآن جاء وقت اقتسام التركة، وكما يحدث في الأفلام الرديئة، يظهر ابن العم الغائب، والابن الانتهازي غير الشقيق، منتظرين “نهاية الليلة” بفارغ الصبر.

ربما يتساءل الثائر، أو من بقي ثائرا، من أين تأتي الخيانة؟ ولكن هل كانت هناك حقا ثورة حتى تكون هناك خيانة؟

من أكبر أخطاء “الثورة”، الثقة المبالغ فيها في الجموع، في أن مليونا أو بضعة ملايين تملأ الشوارع هي التعداد الحقيقي للثائرين، وهي المؤشر الاحصائي للقاعدة الشعبية. لأن لحظة الحشد هي دائما لحظة استثنائية، لحظة تركب أجسادنا فيها روح أعمق من الادراك والوعي، وتصبح هي القائد الأعمى لخطوتنا؟ لحظة مهما تمكنا من السيطرة عليها حتى لا تذهب الأمور الى حد الانتحار الجماعي، وقدمنا فيها مطالب على أوراق حتى تعيد الينا قراءتها احساسنا الموضوعي والطبيعي بالحياة، وفزنا حتى من خلال الضغط المباشر بخطوة الى الأمام هنا أو هناك، تبقى عرضة للانتكاس بقوة. لأن الرهان على الشعور رهان غير آمن، والرهان على أن دما جديدا يراق قد يعيد الناس الى الشارع غير مأمون دائما، واللعب بالميدان كورقة ضغط قد ينقلب ليصبح لعنة.

يتساءل أحدهم كيف نسي الناس موتاهم، كيف يسيرون اليوم الى لجان انتخابهم، فوق أرواح لم تبرد،  دون أن تتعثر اقدامهم من الحياء. ولكن من قال ان المصريين الآن يحترمون موتاهم.

على العكس تماما، المصري يريح نفسه من تانيب الضمير فيقول “هو عمره كدة بقى”، “نشوف مصالحنا.. الحياة لازم تمشي.. الحي ابقى من الميت” مع أن العكس قد يكون صحيحا أيضا أعني أن يكون “الميت أبقى من الحي”. وهي مسألة فقط تتوقف على ما نعنيه بالموت وبالحياة.

ولا تعني كلمة “الحي أبقى من الميت” حرصا حقيقيا على الحياة، هذا اذا كان معنى هذه الكلمة مفهوما، بل تكريسا للواقع. انه كأن تقول: الحياة أفضل من الموت لأنها الأمر الواقع. والموت خارج الواقع.

هل لهذا علاقة بالايمان؟

بالعكس.. له علاقة بعدم الايمان، أو بالأصح بنوع حقير من الالحاد العاجز، يحتقر هؤلاء حياتهم الى أبعد حد، ولايجدون لها مبررا سوى أنها هنا، أنها ليست الموت.

انهم لا يحزنون على الميت بقدر حزنهم على أنفسهم، وبطريقة ما يغيظهم موته فيصرخون بقوة، لأنه يحدث ثغرة هائلة في جسم حياتهم الواقعي بالذات. انهم يعاقبون موتاهم بالنسيان، لأنهم يعتبرونهم مسؤولون عن ذلك، عن هذه الثغرة التي تركوها دون اجابة.

الموتى متروكون عندنا للمقابر القذرة، للتراب الذي يغطي احذيتنا ونحن محيطين بحفرتهم، لل”تربي” الذي سيبيع  الجثامين بالجملة، أو بحسب الطلب، لقارئ القرآن الأمى الذي يتلوى كديدان الأرض ونحن نستقبل العزاء منهكين.

هذه جموع لم تتذكر شهداءها ولا ضحاياها، الا بطريقة تستبعدهم من الحساب، تحولهم الى شعارات، لكي تساوم بهم، لا الى أفكار تصحبها معها الى عزلتها. تكرس من خلال موتهم حياتها الزائفة، لتضفي عليها قداسة تحميها من السؤال، كشارة حداد على صندوق للقمامة..

باختصار هذه جموع لا تحترم الموتى.. ومن الحماقة اعتبار ذلك مجرد خذلان أخلاقي. أما الثورة فلها شأن آخر.

مهاب نصر

مهاب نصر: ربيع أم خريف عربي؟

من ثقافة الاستبداد.. إلى ثقافة {الحرام}

مهاب نصر

wpid-441794483-2011-12-18-23-40.jpg

قبل أن تتمكن الأحزاب ذات المرجعية الدينية من الوصول الى مقاعد الحكم في تونس والمغرب، وربما ليبيا، وتتنافس بقوة محتكرة المشهد الانتخابي في مصر مع الكثير من الجدل والصراع، بل الصراخ، والكثير من التخوفات والاتهامات المتبادلة أيضا، نشرت القبس تحقيقا حول أثر صعود المد الاصولي على الثقافة، وعلى قضايا حرية التعبير، خاصة أن الثورات التي هبت في المنطقة بما صار يعرف بكليشيه «الربيع العربي»، كان أحد أسسها هو الحريات، وتحطيم النظام الأبوي ليس على المستوى السياسي فحسب، بل على مستوى الأفكار والعلاقات الانسانية، وإعادة الاعتبار بالمعنى الواسع لروح ظلت في حال احتضار طويل على فراش الاستبداد، بمحاليل مسكنة من ثقافة مبتورة، ووعي موجّه.

تحذير سابق

كان تحذير أدونيس الذي لقي هجوما واسعا، وتضمن عدم اعتباره لما يدور في العالم العربي على أنه «ثورات»، كان تحذيره من كون هذه «الاحتجاجات» لا تحمل مشروعا فكريا تحرريا بديلا، تخوف من الطائفية، ومن المرجعية الأصولية، وهو أمر يتصل بمجمل مشروعه كله. وبغض النظر عن دوافع أدونيس ومدى جدية طرحه، فان الأيام جاءت بما كان يتخوف منه.

لكن لماذا يتخوف المثقف من الصعود «الأصولي»؟ اليس لكل فريق الحق في أن تكون له أيديولوجيته التي يدافع عنها؟ أم أن التخوف من أن الأيديولوجية الأصولية هي اقصائية بطبيعتها؟

قضية الشحات

حادثة «عبد المنعم الشحات»أحد أبرز الوجوه السلفية في مصر، التي أعلن فيها أن روايات نجيب محفوظ هي تحريض على الدعارة، كانت مثار هجوم عنيف من فئات واسعة، امتلأت صفحات الفيسبوك بمقاطع من أحاديثه والتعليق الساخر عليها، وتواترت الدعوات الى اسقاطه في الانتخابات، حيث اعتبر البعض فوزه، وهو ما لم يحدث، اهانة لكل انجاز حضاري.

سقط الشحات في الانتخابات بفارق كبير، لكن المشكلة لم تحل. والصراع لم يبدأ بعد.

في مؤتمر انتخابي للسلفيين بمدينة الاسكندرية، تمت تغطية أحد التماثيل المنصوبة في الميدان، كأنه وثن.

وفي المشروع الانتخابي لأحد الأحزاب التابعة للجماعة الاسلامية جاء فيما يتعلق بالثقافة أمران أحدهما يناقض الآخر: فهو من جهة يؤكد على الهوية الاسلامية للمجتمع، ولكنه من جهة أخرة وفي فقرة تالية يؤكد على أن إحدى مهامه توجيه وتأهيل المجتمع «اسلاميا».

ولكن أليس معنى هوية المجتمع «اسلامية» أن هذه هي ثقافته التي تشكل العنصر المشترك؟ فما معنى اذن تأهيل المجتمع لتقبلها؟

ثم ألا يعني هذا التأهيل السيطرة على منابع المعرفة والتعليم، بأسلوب توجيهي دعائي لا يختلف عن الأنظمة المستبدة التي قامت الثورات من أجل محوها؟.

كيف نفرح؟

في أحد الأعراس التي كان يقيمها الاخوان المسلمون، كان ثمة منشدون يؤدون أغنية تقول:

قد جاءنا في الآثار

عن النبي المختار

أن المنجي من النار:

لا اله الا الله

اللافت أن لحن الأغنية كان مأخوذا برمته من أغنية لبنانية شهيرة بعيدة كل البعد عن هذه الروح، يعرف مطلعها الكثيرون وهو «آه يا أم حمادة»، ولحن الأغنية اللبنانية كان بدوره منقولا عن أغنية داليدا «دارلا در لادادا»، وصحيح أن الفنون تتجاور وتتلاقح. لكن الحادثة التي رأيتها بنفسي كانت ذات دلالتين.

الأولى التحرج في أغنية للعرس من ذكر مشاعر الفرح بالحب واللقاء وعلاقة الرجل بالمرأة، والثاني هو هذا الفقر الشديد في القدرة على ابداع فن «اسلامي» وهو ما تفتأ الجماعات الأصولية في ترديده بوهم أن لها «رؤية حضارية».

كيف تنبني رؤية حضارية على التحرج، كيف تنبني على الحذر والتخوف من «الحلال والحرام»، اليس هذا اختزالا للتجربة الانسانية برمتها في صورة الصواب والخطأ، ومشاعر التأثم؟ هل يعيش الانسان فقط مترصدا حالة «الذنب»؟

تدريجيا تبدو الرؤى الاصولية كما تجلت في ممارسات أصحابها مبنية على ما يمنع، لا على ما يبدع: تظاهرات ضد نشر كتاب هنا، وتهديدات بالقتل لهذا المؤلف أو ذاك، وبلاغات الى السلطة، التي ينكرون شرعيتها أصلا، من أجل منع فيلم، أو مصادرة مؤلف يختلفون معه في الرأي.

الحياة بالسلب

صارت «الهوية» فزاعة للتخويف، لا مصدر إلهام. الغريب أنها فزاعة تتفق تماما مع النظام الاستبدادي الذي لا يريد للشعوب الا أن تظل أسيرة وعيها المحلي الضيق، وتجربتها الملتبسة، بل حتى اختزال هذه التجربة. فالمعركة التي دارت حول كتاب الف ليلة وليلة، وهو أحد أهم الذخائر العربية الاسلامية، أظهرت الطبيعة الاختزالية لثقافة «الحرام».

الاختبار الحقيقي لأي تيار مهما كانت مشاربه، اذا كان يصدق فعلا أنه يريد التغيير والحرية والكرامة للناس، هي في قدرته على ابتكار منظومة ابداعية، تكون برهانا على أن «الهوية» لا تساوي «الحياة بالحذف» بل بالاضافة.

جريدة القبس

حازم صاغية: أسئلة لا جواب عنها

الحياة، الثلاثاء, 25 أكتوبر 2011

wpid-larg1272114088-2011-10-25-20-49.jpg

حازم صاغيّة

محمّد حسنين هيكل والذين يتأثّرون به يريدون ثورات تقوم بها شعوب. حسناً، هذه ثورات قامت وتقوم بها شعوب. وهو أيضاً، ومعه من معه، يريدون لهذه الشعوب أن تنتصر وأن تنتصر بها الثورات. وهذا مطلب استطاعت بعض الشعوب أن تخدمهم فيه، على ما حصل في تونس ومصر، لكنّ شعوباً أخرى فعلت وتفعل كلّ ما تستطيع وقد لا تنجح في أن تلبّي لهم رغباتهم. ما العمل في بلدان كليبيا وسوريّة واليمن؟

بمعنى آخر، ماذا إذا ثارت الشعوب ولم تستطع بذاتها أن تحقّق الانتصار الصافي صفاء اللبن الأبيض كما يتمنّون؟

الجواب المتوافر لديهم: يجب ألاّ يحدث تدخّل أجنبيّ. حسناً. لكنْ ما الذي يجب أن يحدث في حال العجز عن حسم الصراع مع النظام؟

الجواب الوحيد المضمر الذي يمكن تقديره: التراجع عن الثورة أو الانسحاب منها وترك الفرصة للنظام كي يفتك بالشعب. وهذا، كما نعلم، من شيم الأنظمة المعنيّة.

هذا كلام واقفٌ على رأسه تغيب عن أصحابه (؟) معلومات مدرسيّة بسيطة من نوع أنّ صدّام حسين حكم العراق، نائباً للرئيس ثمّ رئيساً، من 1968 حتّى 2003، وأنّ القذّافي حكم ليبيا من 1969 حتّى 2011، فيما حكم حزب البعث سوريّة منذ 1963، وبعد سبع سنوات بدأ آل الأسد حكمهم المديد.

شعوب هذه البلدان لم تقف مكتوفة الأيدي في هذه الغضون. حاولت ولم يُكتب لها النجاح، ولا تزال تحاول بنجاح متفاوت. الانتفاضات والتمرّدات تلاحقت وسُحقت في معظم البلدان. في ليبيا، جاءت التجربة الأخيرة التي لا تزال طريّة، بليغة الدلالة: القذّافي كاد يطحن الثورة وأهلها ويقضي تماماً عليها وعليهم إلى أن كان تدخّل الناتو. أرقام الضحايا في سوريّة تتزايد نوعيّاً، والشيء نفسه يصحّ في اليمن.

wpid-18-09-10-415132878-2011-10-25-20-49.jpg

مشكلة هذه الطريقة في التفكير التي لا تريد أن ترى هذا كلّه تنقسم ثلاثة أجزاء:

الأوّل، أنّ أصحابها يحبّون الاستراتيجيا والجيوبوليتيك وحساباتهما أكثر ممّا يحبّون الشعوب وحرّيّاتها وخياراتها. مرّة أخرى نحن أمام صياغة أخرى للنظريّة السوريّة الشهيرة في تجميع «الأوراق».

الثاني، أنّهم يكرهون أميركا أكثر ممّا يحبّون الشعوب. نعم، يمكن الخلاف مع أميركا في فلسطين والاتّفاق معها في ليبيا… اللهمّ إلاّ إذا كنّا حيال نزاع مطلق شامل يشبه النظرة الدينيّة إلى العالم ويستوحيها.

الثالث، أنّهم غير معنيّين إطلاقاً بتركيب مجتمعاتهم وقدراتها. هناك، في رأيهم، مجرّد «بيادق» على «رقعة شطرنج»، وهناك مؤامرات تهبّ علينا من كلّ حدب وصوب. لا الثقافة السائدة مهمّة. لا العصبيّات. لا تاريخ العلاقات والنزاعات الدينيّة والطائفيّة والإثنيّة. لا الأحقاد التي فاقمها الكبت والقمع… هذا كلّه اختراع مستشرقين يقف على رأسهم «الجنرال» برنارد لويس!

ينجم عن ذلك تفكير بائس يطرح الكثير من الأسئلة التي لا إجابات عنها… لكنّه لا يطرح أيّ سؤال واحد على النفس يكون موضوعه المسؤوليّة بما فيها شقّها الأخلاقيّ!

لهذا ليس من المبالغة القول إنّ مؤيّدي الثورات بشروط تعجيزيّة (انتصروا وإلاّ…)، هابطة من الفضاء على الأرض، حلفاء للأنظمة التي تشاركهم الانتماء إلى منظومة واحدة في الفكر والسلوك وإلى الحقبة البائدة إيّاها.

***

wpid-ace734fa31864c232044b907c210b547-2011-10-25-20-49.jpg

علم الوحدة العربية

الكابوس

النهار: الاثنين 01 آب 2011 – السنة 78 – العدد 24465

wpid-img_2165-2011-08-1-07-54.jpg

الكابوس

بقلم يوسف رخّا

منذ خمسة أشهر، يوظف المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية مفردات تحرك يناير- فبراير، إضافة إلى آليات “الثورة المضادة”، بهدف تقويض انتفاضة اختُزلت من دون جهد إلى تحرك عسكري تحالفت معه القوى “الإسلامية” لاستغلال الجهل والفقر في قطع الطريق على الحقوق والحريات. وعلى رغم استمرار الاحتجاج على نطاق أضيق، اختلط الخطاب الثوري بـ”الوطنية” واقتصرت “المطالب” على القصاص.

“على أساس تضرب كوفية مبلولة خل وتحط بصلاية ف جيبك وتمسك قزازة كوكاكولا تليّط بيها خلقتك وتنزل تجري ف الشارع من أول وجديد، ويرجع يقولك الشعب والجيش إيد واحدة، وبعدين ما تبقاش عارف بقى:

دلوقتي ممكن تطلع إنت شخصياً جاسوس إسرائيلي ف أي لحظة” (“تحديث” status الكاتب على موقع Facebook في ليل الخميس 30 يونيو)

تُرافقنا الأشباح منذ ١١ فبراير، قبل أن يبرحنا الشتاء. الأشباح التي اختلفت تجلياتها باختلاف السياقات – من “أذناب” أو “فلول” إلى “بلطجية” فـ”سلفيين” ثم، حتى، “عملاء” (وما “الشبيحة” والجواسيس إلا نحن) – لم تكف عن ترويعنا حيثما حللنا. كنا نظن ما شهدناه في “الميدان” سيعمّ المدينة من تلقاء نفسه، مغادراً الدبابات المعطّلة إلى خارج الحواجز البشرية والأسلاك الشائكة… ظلت الأشباح ترافقنا. أقمنا طقوساً لطردها – أكثر من “زار” – لكنها بقيت؛ والآن يئسنا من أن تغادرنا. يئسنا حد الاقتناع بأنها ليست شريرة أو ليست غريبة عنا، بأننا نحن الأشباح.

¶¶¶

أثناء اعتصام التحرير الأول وفي أعقاب إعلان تنحي مبارك، كنت متعاطفاً مع الإسلاميين. كان هناك شيء اسمه الشعب وكانوا جزءاً من ذلك الشيء بغض النظر عن اختلافهم عني أو خطورتهم عليَّ.

فرحتُ بغياب الشرطة وحضور الضمير حتى صدّقتُ، أو كدتُ، أن أمن الدولة سقط وأن الإسلاميين بعدما ماتوا وسط أقرانهم من غير الإسلاميين، سيكفّون عن خدمة المصالح القمعية كما دأبوا على أن يفعلوا منذ التسعينات سواء بوعي أو بغير وعي، سواء كموالين للسلطة أو كذرائع لممارساتها. وصدّقتُ أن شيئاً اسمه حكومة عصام شرف، مؤمناً بمبادئ شيء اسمه الثورة الشعبية، سيحكم شيئاً اسمه مصر، يمكنني أخيراً أن أنتمي إليه. لا دولة بوليسية بعد اليوم، لا تعذيب وتلفيق وإرهاب منظم، لا إعلام موجه إن لم يكن كاذباً ولا وزارة ثقافة: هذا ما كان يخطر ببالي فتملأني بهجة لم أعرفها في حياتي. اختفت الهجرة كاحتمال دائم وبدأتُ أفكر في الاستقالة من عملي الحكومي. حين أقرأ الفاتحة على ضحايا الاحتجاجات، كنت أشعر بامتنان عميق يشوبه الإحساس بالذنب.

منذ ذلك الحين، طبعاً، تغيّر كل شيء.

¶¶¶

اليوم السبت ٢٣ يوليو. الجيش يضرب المتظاهرين في الشوارع بمعاونة الأمن وأهالي العباسية، وفي وسائل الإعلام يقول إنه نزل ليحمي الشعب المصري العظيم. يتكرر الكلام عن أن التحرك جزء من مخطط أجنبي لتقسيم البلاد العربية وتقويضها على اعتبار أنها لم تكن مقوّضة من قبل، وأن القوى المحركة للتمرد والعصيان إنما تثير الوقيعة بين الشعب وجيشه.

الفنجري الذي ضرب سلاماً للشهداء كان “يشخط فينا” منذ أسبوع، والرويني الذي لم نسمع به من قبل يعترف بأن المجلس العسكري يروّج الشائعات. مبارك تمام التمام طالما طنطاوي يحكم. لكن بخلاف أيام “الثورة”، الحياة تسير على طبيعتها، بما في ذلك “عجلة الإنتاج” المزعومة والكلام عن المؤامرات الخارجية، عن لقمة العيش والاقتصاد؛ خوفاً على لقمة العيش ربما، سلطة القمع العسكرية تصبح مدعومة من “الأغلبية الصامتة”. والناس تصدّق أن “بتوع التحرير” جواسيس وعملاء. جواسيس على ماذا وعملاء لمن؟ لا أحد يريد أن يعرف. وحتى لو كان التغيير في اتجاه الحقوق والحريات الأساسية من تدبير أميركي، مثلاً، فهل معنى التحرر من السطوة الأميركية – “المقاومة” – أن نرفض الحقوق والحريات؟ وهل كان نظام مبارك الذي لم يزل قائماً في شكل المجلس العسكري، ليحرمنا تلك الحقوق والحريات أساساً أو يغرقنا في الجهل والفقر والعماء الإيديولوجي إلا بغطاء أميركي؟

الحياة تسير على طبيعتها، ولا يبدو أن هناك مخرجاً بعد من الديكتاتورية العسكرية القائمة منذ 1952 بدعوى مقاومة الاستعمار الأجنبي.

¶¶¶

لم أشارك في التظاهرات ولا الاعتصام منذ أيام. تمر الحياة كئيبة ولا شيء. فقط غضب متضارب ورغبة غير مسبوقة في الهجرة. حتى القوى “الثورية” تثير غثياني. هل كان نظام مبارك بكل وساخاته يعكس الشعب الذي يحكمه بنخبه ومعارضيه؟ ربما كان الشعب أوسخ حتى من نظام مبارك. أوسخ لأنه أغبى، لأنه أكسل من أن يعرف الحقيقة وأجبن من أن يكون عنده ضمير. لا استعداد لشيء مختلف أو جديد. “اللي نعرفه أحسن م اللي ما نعرفوش”، لكن بما أننا جهلة فالذي نعرفه هذا محدود فعلاً، ولا بد، في اصطدامه بأي شيء سواه، أن يكون عنيفاً وعبثياً. للمرة الأولى منذ شهرين على الأقل أبكي مجدداً على الشهداء. أبكي بالدموع، بكاء حقيقياً.

¶¶¶

تأخر كثيراً الاعتصام الثاني في التحرير على رغم انتشار الاحتجاجات – أصبح الشعب يريد أشياء في عينها من قبل أن يسقط النظام: مساكن مجانية أو أجوراً أعلى، الإفراج عن عمر عبد الرحمن وعودته إلى أرض الوطن، طرد السفير الإسرائيلي (لم يكن لضباط الجيش أي صبر على ذلك المطلب الأخير فضربوا المحتجين أمام السفارة بالرصاص الحي وألقوا القبض عليهم وأذلّوهم في الشوارع قبل أن يعرّضوهم مع غيرهم لمحاكمات عسكرية) – كما عاد الإسلاميون ليس فقط إلى اختلافهم وخطورتهم وإنما، وهو الأسوأ، إلى خدمة المصالح القمعية.

لم يتكرر قط مشهد خروج الناس إلى الشوارع يوم 28 يناير، وبدأ الخطاب الثوري نفسه يفقد تأثيره مع ملل التكرار: شعارات ومطالب ومواطنون شرفاء من ناحية، والتفاف وثورة مضادة وبلطجية من ناحية أخرى… لم أفهم كيف يمكن محاكمة رموز النظام السابق حتى لو حدثت، أن تكون عادلة. لم أفهم ممن يتوقع الثوار تنفيذ مطالبهم سلمياً بينما السلطة في يد الجناح العسكري للنظام السابق، والوجوه نفسها كما هي، والقيم، وكل مؤسسات الدولة على ما كانت عليه.

بالرغم من ظهور واحد للأمن المركزي كشف عن وصول قنابل غاز أعصاب مستوردة من أميركا في مايو، كما أكد أن احتقار الشرطة للناس لم يتأثر بالأحداث، كانت طاقة الاعتراض والمعارضة قد انصبّت على المجلس العسكري أو سلطته المطلقة، غير الدستورية؛ أدهشني أيضاً أن هذا لم يكن قد حدث من قبل، أن المحتجين لم يناوئوا المجلس العسكري حين كانت الشرطة العسكرية تكهرب المعتصمين وتكشف على عذرية المتظاهرات (ستأتي “أحداث العباسية” لتؤكد أننا بتسليم الثورة للجيش بناء على طلب مبارك إنما أصبحنا في صدد انقلاب عسكري: الثاني في تاريخنا الحديث). وأدهشتني قدرة من سُموا إجمالاً بالثوار – بالذات المثقفين منهم – على القبول بالحكم العسكري في أعقاب “المعجزة” التي تمكنوا من تحقيقها بل والسعي الصريح إلى الافادة منه.

على أكثر من مستوى، في ما بعد، سينتابني الشعور بأننا كمصريين إنما كنا “نهوّش” أنفسنا بالتغيير في حين أننا لا نريده حقيقة أو لسنا قادرين عليه. وبدأتُ أشك ليس في أن ثورة قامت، ولكن في فكرة الثورة نفسها وسط الملابسات. حزنتُ مثلاً حين تمكن المجلس العسكري من إمرار التعديلات الدستورية “ديموقراطياً” بمعاونة الإخوان المسلمين. حزنتُ أننا لم نزل مضطرين إلى مناقشة بديهيات من قبيل الحقوق المدنية الأساسية. وحزنتُ حين اتضح أن مجلس التحرير المنتخب في جريدتي لا يعكس أي وعي أخلاقي أو مهني مختلف ولا يسعى إلى تغيير أي شيء.

¶¶¶

كانت غريزة البقاء تعبّر عن نفسها في تكريس الحاصل وفي الشكوى منه بآليات النفاق المقنن ذاتها – في النواح على أن شيئاً لم يتغير، أو لن، بينما النائح لا يساهم في الحد الأدنى في احتمال تغيير – وكان يتضح أيضاً أن الحاصل حاصل لأن الناس غير قادرة على سواه. بدأتُ أرى حماسة بعض الأصدقاء للثورة، فضلاً عن مثاليته المجانية، في ضوء دوافع من قبيل الترفيه عن أنفسهم أو التعبير عن تمايز طبقي أو ثقافي أو حتى التظاهر بأنهم مختلفون عن عامة الناس، وتشكيك آخرين في جدواها في ضوء إدراك غير معلن وربما لا واعٍ لأنهم مستفيدون.

قبل حلول الصيف – بينما الأشباح ترافقنا ولا ينفع معها زار – كانت تفاصيل الحياة اليومية قد أفقدتني مشاعر طيبة تجاه الكثير من الناس. أفقدتني بهجة الانتماء الأولى والأمل في أرضية مجتمعية يمكن الوقوف عليها. وبالتدريج أفقدتني اهتمامي الحديث جداً بالشأن العام.

في ما يخص الشأن العام بالتحديد، أستطيع أن أقول إن ما سيحدث من الآن فصاعداً لا يعنيني ولا أشعر بأنني سأكون طرفاً فيه أكثر مما كنت طرفاً في ما كان يحدث أيام مبارك. وحدها هذه الحقيقة التي تسمح لي بإصدار “كتاب” آخر عن “الثورة”.

الذي يحدث لا يعنيني لكنني سأعبّر عن نفسي بلا اعتبارات “مرحلية” أو حسابات توافقية؛ ولن أسمح لأي ابن (…) بأن يحشرني في علبة مفبركة مسبقاً داخل مصانع وعي ليس وعيي أو أن يحمّلني عبئاً يزيد على عبء وجودي كشخص يشعل الآن سيجارة في غرفة مكيفة الهواء. أعترف عن طيب خاطر بأنني لا أملك حلولاً صحيال ما أراه أمامي من مسائل أكثر مما يملك أي “سلفي” جاهل أو أمين شرطة سادي؛ فقط صرت على يقين أن 23 يوليو هو الكابوس الذي لن تكون حياتي سوى محاولة فاشلة بالضرورة للإفاقة منه.

…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

جميع الحقوق محفوظة – © جريدة النهار 2011