النهار: الاثنين 01 آب 2011 – السنة 78 – العدد 24465

الكابوس
بقلم يوسف رخّا
منذ خمسة أشهر، يوظف المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية مفردات تحرك يناير- فبراير، إضافة إلى آليات “الثورة المضادة”، بهدف تقويض انتفاضة اختُزلت من دون جهد إلى تحرك عسكري تحالفت معه القوى “الإسلامية” لاستغلال الجهل والفقر في قطع الطريق على الحقوق والحريات. وعلى رغم استمرار الاحتجاج على نطاق أضيق، اختلط الخطاب الثوري بـ”الوطنية” واقتصرت “المطالب” على القصاص.
“على أساس تضرب كوفية مبلولة خل وتحط بصلاية ف جيبك وتمسك قزازة كوكاكولا تليّط بيها خلقتك وتنزل تجري ف الشارع من أول وجديد، ويرجع يقولك الشعب والجيش إيد واحدة، وبعدين ما تبقاش عارف بقى:
دلوقتي ممكن تطلع إنت شخصياً جاسوس إسرائيلي ف أي لحظة” (“تحديث” status الكاتب على موقع Facebook في ليل الخميس 30 يونيو)
تُرافقنا الأشباح منذ ١١ فبراير، قبل أن يبرحنا الشتاء. الأشباح التي اختلفت تجلياتها باختلاف السياقات – من “أذناب” أو “فلول” إلى “بلطجية” فـ”سلفيين” ثم، حتى، “عملاء” (وما “الشبيحة” والجواسيس إلا نحن) – لم تكف عن ترويعنا حيثما حللنا. كنا نظن ما شهدناه في “الميدان” سيعمّ المدينة من تلقاء نفسه، مغادراً الدبابات المعطّلة إلى خارج الحواجز البشرية والأسلاك الشائكة… ظلت الأشباح ترافقنا. أقمنا طقوساً لطردها – أكثر من “زار” – لكنها بقيت؛ والآن يئسنا من أن تغادرنا. يئسنا حد الاقتناع بأنها ليست شريرة أو ليست غريبة عنا، بأننا نحن الأشباح.
¶¶¶
أثناء اعتصام التحرير الأول وفي أعقاب إعلان تنحي مبارك، كنت متعاطفاً مع الإسلاميين. كان هناك شيء اسمه الشعب وكانوا جزءاً من ذلك الشيء بغض النظر عن اختلافهم عني أو خطورتهم عليَّ.
فرحتُ بغياب الشرطة وحضور الضمير حتى صدّقتُ، أو كدتُ، أن أمن الدولة سقط وأن الإسلاميين بعدما ماتوا وسط أقرانهم من غير الإسلاميين، سيكفّون عن خدمة المصالح القمعية كما دأبوا على أن يفعلوا منذ التسعينات سواء بوعي أو بغير وعي، سواء كموالين للسلطة أو كذرائع لممارساتها. وصدّقتُ أن شيئاً اسمه حكومة عصام شرف، مؤمناً بمبادئ شيء اسمه الثورة الشعبية، سيحكم شيئاً اسمه مصر، يمكنني أخيراً أن أنتمي إليه. لا دولة بوليسية بعد اليوم، لا تعذيب وتلفيق وإرهاب منظم، لا إعلام موجه إن لم يكن كاذباً ولا وزارة ثقافة: هذا ما كان يخطر ببالي فتملأني بهجة لم أعرفها في حياتي. اختفت الهجرة كاحتمال دائم وبدأتُ أفكر في الاستقالة من عملي الحكومي. حين أقرأ الفاتحة على ضحايا الاحتجاجات، كنت أشعر بامتنان عميق يشوبه الإحساس بالذنب.
منذ ذلك الحين، طبعاً، تغيّر كل شيء.
¶¶¶
اليوم السبت ٢٣ يوليو. الجيش يضرب المتظاهرين في الشوارع بمعاونة الأمن وأهالي العباسية، وفي وسائل الإعلام يقول إنه نزل ليحمي الشعب المصري العظيم. يتكرر الكلام عن أن التحرك جزء من مخطط أجنبي لتقسيم البلاد العربية وتقويضها على اعتبار أنها لم تكن مقوّضة من قبل، وأن القوى المحركة للتمرد والعصيان إنما تثير الوقيعة بين الشعب وجيشه.
الفنجري الذي ضرب سلاماً للشهداء كان “يشخط فينا” منذ أسبوع، والرويني الذي لم نسمع به من قبل يعترف بأن المجلس العسكري يروّج الشائعات. مبارك تمام التمام طالما طنطاوي يحكم. لكن بخلاف أيام “الثورة”، الحياة تسير على طبيعتها، بما في ذلك “عجلة الإنتاج” المزعومة والكلام عن المؤامرات الخارجية، عن لقمة العيش والاقتصاد؛ خوفاً على لقمة العيش ربما، سلطة القمع العسكرية تصبح مدعومة من “الأغلبية الصامتة”. والناس تصدّق أن “بتوع التحرير” جواسيس وعملاء. جواسيس على ماذا وعملاء لمن؟ لا أحد يريد أن يعرف. وحتى لو كان التغيير في اتجاه الحقوق والحريات الأساسية من تدبير أميركي، مثلاً، فهل معنى التحرر من السطوة الأميركية – “المقاومة” – أن نرفض الحقوق والحريات؟ وهل كان نظام مبارك الذي لم يزل قائماً في شكل المجلس العسكري، ليحرمنا تلك الحقوق والحريات أساساً أو يغرقنا في الجهل والفقر والعماء الإيديولوجي إلا بغطاء أميركي؟
الحياة تسير على طبيعتها، ولا يبدو أن هناك مخرجاً بعد من الديكتاتورية العسكرية القائمة منذ 1952 بدعوى مقاومة الاستعمار الأجنبي.
¶¶¶
لم أشارك في التظاهرات ولا الاعتصام منذ أيام. تمر الحياة كئيبة ولا شيء. فقط غضب متضارب ورغبة غير مسبوقة في الهجرة. حتى القوى “الثورية” تثير غثياني. هل كان نظام مبارك بكل وساخاته يعكس الشعب الذي يحكمه بنخبه ومعارضيه؟ ربما كان الشعب أوسخ حتى من نظام مبارك. أوسخ لأنه أغبى، لأنه أكسل من أن يعرف الحقيقة وأجبن من أن يكون عنده ضمير. لا استعداد لشيء مختلف أو جديد. “اللي نعرفه أحسن م اللي ما نعرفوش”، لكن بما أننا جهلة فالذي نعرفه هذا محدود فعلاً، ولا بد، في اصطدامه بأي شيء سواه، أن يكون عنيفاً وعبثياً. للمرة الأولى منذ شهرين على الأقل أبكي مجدداً على الشهداء. أبكي بالدموع، بكاء حقيقياً.
¶¶¶
تأخر كثيراً الاعتصام الثاني في التحرير على رغم انتشار الاحتجاجات – أصبح الشعب يريد أشياء في عينها من قبل أن يسقط النظام: مساكن مجانية أو أجوراً أعلى، الإفراج عن عمر عبد الرحمن وعودته إلى أرض الوطن، طرد السفير الإسرائيلي (لم يكن لضباط الجيش أي صبر على ذلك المطلب الأخير فضربوا المحتجين أمام السفارة بالرصاص الحي وألقوا القبض عليهم وأذلّوهم في الشوارع قبل أن يعرّضوهم مع غيرهم لمحاكمات عسكرية) – كما عاد الإسلاميون ليس فقط إلى اختلافهم وخطورتهم وإنما، وهو الأسوأ، إلى خدمة المصالح القمعية.
لم يتكرر قط مشهد خروج الناس إلى الشوارع يوم 28 يناير، وبدأ الخطاب الثوري نفسه يفقد تأثيره مع ملل التكرار: شعارات ومطالب ومواطنون شرفاء من ناحية، والتفاف وثورة مضادة وبلطجية من ناحية أخرى… لم أفهم كيف يمكن محاكمة رموز النظام السابق حتى لو حدثت، أن تكون عادلة. لم أفهم ممن يتوقع الثوار تنفيذ مطالبهم سلمياً بينما السلطة في يد الجناح العسكري للنظام السابق، والوجوه نفسها كما هي، والقيم، وكل مؤسسات الدولة على ما كانت عليه.
بالرغم من ظهور واحد للأمن المركزي كشف عن وصول قنابل غاز أعصاب مستوردة من أميركا في مايو، كما أكد أن احتقار الشرطة للناس لم يتأثر بالأحداث، كانت طاقة الاعتراض والمعارضة قد انصبّت على المجلس العسكري أو سلطته المطلقة، غير الدستورية؛ أدهشني أيضاً أن هذا لم يكن قد حدث من قبل، أن المحتجين لم يناوئوا المجلس العسكري حين كانت الشرطة العسكرية تكهرب المعتصمين وتكشف على عذرية المتظاهرات (ستأتي “أحداث العباسية” لتؤكد أننا بتسليم الثورة للجيش بناء على طلب مبارك إنما أصبحنا في صدد انقلاب عسكري: الثاني في تاريخنا الحديث). وأدهشتني قدرة من سُموا إجمالاً بالثوار – بالذات المثقفين منهم – على القبول بالحكم العسكري في أعقاب “المعجزة” التي تمكنوا من تحقيقها بل والسعي الصريح إلى الافادة منه.
على أكثر من مستوى، في ما بعد، سينتابني الشعور بأننا كمصريين إنما كنا “نهوّش” أنفسنا بالتغيير في حين أننا لا نريده حقيقة أو لسنا قادرين عليه. وبدأتُ أشك ليس في أن ثورة قامت، ولكن في فكرة الثورة نفسها وسط الملابسات. حزنتُ مثلاً حين تمكن المجلس العسكري من إمرار التعديلات الدستورية “ديموقراطياً” بمعاونة الإخوان المسلمين. حزنتُ أننا لم نزل مضطرين إلى مناقشة بديهيات من قبيل الحقوق المدنية الأساسية. وحزنتُ حين اتضح أن مجلس التحرير المنتخب في جريدتي لا يعكس أي وعي أخلاقي أو مهني مختلف ولا يسعى إلى تغيير أي شيء.
¶¶¶
كانت غريزة البقاء تعبّر عن نفسها في تكريس الحاصل وفي الشكوى منه بآليات النفاق المقنن ذاتها – في النواح على أن شيئاً لم يتغير، أو لن، بينما النائح لا يساهم في الحد الأدنى في احتمال تغيير – وكان يتضح أيضاً أن الحاصل حاصل لأن الناس غير قادرة على سواه. بدأتُ أرى حماسة بعض الأصدقاء للثورة، فضلاً عن مثاليته المجانية، في ضوء دوافع من قبيل الترفيه عن أنفسهم أو التعبير عن تمايز طبقي أو ثقافي أو حتى التظاهر بأنهم مختلفون عن عامة الناس، وتشكيك آخرين في جدواها في ضوء إدراك غير معلن وربما لا واعٍ لأنهم مستفيدون.
قبل حلول الصيف – بينما الأشباح ترافقنا ولا ينفع معها زار – كانت تفاصيل الحياة اليومية قد أفقدتني مشاعر طيبة تجاه الكثير من الناس. أفقدتني بهجة الانتماء الأولى والأمل في أرضية مجتمعية يمكن الوقوف عليها. وبالتدريج أفقدتني اهتمامي الحديث جداً بالشأن العام.
في ما يخص الشأن العام بالتحديد، أستطيع أن أقول إن ما سيحدث من الآن فصاعداً لا يعنيني ولا أشعر بأنني سأكون طرفاً فيه أكثر مما كنت طرفاً في ما كان يحدث أيام مبارك. وحدها هذه الحقيقة التي تسمح لي بإصدار “كتاب” آخر عن “الثورة”.
الذي يحدث لا يعنيني لكنني سأعبّر عن نفسي بلا اعتبارات “مرحلية” أو حسابات توافقية؛ ولن أسمح لأي ابن (…) بأن يحشرني في علبة مفبركة مسبقاً داخل مصانع وعي ليس وعيي أو أن يحمّلني عبئاً يزيد على عبء وجودي كشخص يشعل الآن سيجارة في غرفة مكيفة الهواء. أعترف عن طيب خاطر بأنني لا أملك حلولاً صحيال ما أراه أمامي من مسائل أكثر مما يملك أي “سلفي” جاهل أو أمين شرطة سادي؛ فقط صرت على يقين أن 23 يوليو هو الكابوس الذي لن تكون حياتي سوى محاولة فاشلة بالضرورة للإفاقة منه.
…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..
جميع الحقوق محفوظة – © جريدة النهار 2011