لا نابول، مارس 2011

 

بين حجر الشاتو والبيت الصقيل

مراكشي يقرأ أكثر مما يكتب

وامرأة-طفلة أنفها يحظر التدخين

حيث الزبد يتفجر بالهتاف

فلول المتظاهرين في مدينة كالكف

طافية بحذاء أذني

لماذا علي وسط ساحل اللازورد

أن أقتعد السلالم في المطر

خلف الجدار البمبي غابة صغيرة

في الغابة طيور آتية من البحر

وخلف الغابة طريق

الثورة والطغرى

تصاوير

لم يمر أسبوع على تنحي مبارك حتى صدر – أخيراً، عن دار الشروق – “كتاب الطغرى”، كأنه هو اﻵخر كان معتصماً في ميدان التحرير ينتظر الفرج: أجندة مندسة ضمن أجندات عمر سليمان التي أشبعناها سخرية بينما المروحيات تحوّم في اﻷسبوع اﻷخير.”الطغرى” هي أولى رواياتي التي ترقبت صدورها طوال عام دونما أعلم بأن ثورة ستحدث أو أتنبأ بتغير جذري في الحياة. وحيث أنني – حتى أنا – لا أعرف بماذا يجب أن أشعر وأنا أقلّب صفحات الكتاب اﻵن، ينتابني شيء من الحرج حيال إعلامكم بصدوره.

لا أخفيكم أن الثورة جعلت نشر “الطغرى”، كما جعلت كل شيء سواها، أقل أهمية بما لا يقاس. واﻵن ليس من عزاء، ولا مبرر لبجاحتي في إرسال هذا البريد، سوى أن الرواية نفسها هي صورة للمدينة التي أنتجت الثورة قبل ثلاثة أعوام من حدوثها (أنا أتممت الكتابة في بداية 2010، وحصرت اﻷحداث في ثلاثة أسابيع من ربيع 2007). هذا، وتلتقي الطغرى مع الشعب – بكل التواضع الواجب – في إرادة تغيير النظام: السخط على الوضع القائم واستبصار مؤامرة ضد الحرية في طياته، والبحث عن هوية تناقضه وتدفع الثمن.

أهنئكم وأهنئ نفسي بالثورة، أتمنى أن يكون لـ”كتاب الطغرى” من بعدها وقت أو مكان. وبرغم المجهود الذي بذلته في إتمامه وأي فائدة قد ينطوي عليها، سيظل الشهداء دائماً أجدى منه باهتمامكم.

دموع الفرح من ميدان التحرير منذ مساء 11 فبراير

This message is to inform you of the publication by Dar El Shorouk of my first novel, Kitab at-Tugra (or Book of the Sultan’s Seal, a portrait of Cairo set in 2007 and completed in 2010) within days of the triumph of the 2011 Revolution. I submitted the book for publication at the start of 2010, and I waited a year to see it in print, but it is hard to be very excited about its appearance with Dar El Shorouk now that something so much more important has happened. My consolation – and where I got the nerve to send this message nonetheless – is that Kitab at-Tugra was a sincere attempt at picturing a city unwittingly poised for revolution, and that – like the people who worked the present miracle, of whom, very humbly, I claim to be one – it too sought to bring down the order. The fate of the martyrs of Tahrir will always be worthier of your attention than my novel.

Enhanced by Zemanta

الجمعة 28 يناير

مشهد من مصر القديمة

لا أحد يصدق اﻹعلام الحكومي حين “يهيب بالمواطنين” أن يتوخوا الحذر في مواجهة “البلطجية” والعصابات. كلنا نعرف أن هؤلاء عملاء الداخلية، وأنهم أقل عدداً وأضعف بكثير مما يشاع منذ غادرت قوات الشرطة مواقعها تمهيداً لفتح السجون وتهريب المجرمين قبل المعتقلين سياسياً، ثم انطلاق صغار موظفيها بالرشاشات في سيارات مسروقة إلى المناطق السكنية. من دمّر واجهات المحلات وأشعل في صالاتها الحرائق؟ ومن أفرغها من بضائعها؟ لا المتظاهرون ولا “قلة مندسة” بينهم. ما كان شيء من هذا ليحدث لولا هزيمة الشرطة المزرية، في الحقيقة. قبل وبعد معركة الجمعة، الشرطة وابل من الطغاة الصغار والمرتشين. وبرغم أننا داخل المنظومة لسنا سوى مرتزقة ومنتفعين، لا أحد يصدّق اﻹعلام الحكومي حين يصف أول ثورة حقيقية في مصر منذ 1919 بـ”اﻷحداث المؤسفة”؛ إن فرحتنا هي التي ستميتنا وليس رصاص الكاذبين.

أظن أكثر مَن شاركوا في التحرك منذ يوم الثلاثاء كانوا مثلي غير مسيسين، أو غير ناشطين سياسياً حيث لا فائدة من النشاط السياسي سوى التعرض للاعتقال والإهانة إن لم يكن العزل والتعذيب. قبل 25 يناير، كان كل شيء يحدث على حس المعارضة اﻹسلامية، وأنت لست إسلامياً. أما التحرك فقد غير كل شيء. التحرك، أقول. يوم 24 يناير كنت لازلت أمزح ساخراً من كلمة “ثورة”: هل توجد ثورة بميعاد؟ مجرد “إيفينت” على “الفيسبوك”، إذن. لكنني في مساء 25 يناير عدت إلى الفيسبوك وحمّلتُ على حائطي ما تمكنت من تصويره بتليفوني.

رأيته رؤى العين، وعدت إليه صباح الجمعة بعد انقطاع خطوط الاتصال كلها، اﻹنترنت والمحمول. اﻷربعاء كنت “تمترستُ” في الجريدة أسمع الانفجارات وأرى الجموع تجري في الشوارع، أتشمم رائحة الدخان المسيل للدموع وقد تصاعدت – من كثافتها – إلى نوافذ الطابق التاسع. كنت أنوي أن أمضي ليلة الخميس “أناضل” عبر اﻷثير؛ لا فائدة.

قرب جامع عمرو في مصر القديمة، قلتُ للرفيق نائل الطوخي: ينصحنا اﻹخوة التوانسة بدفس خشبة في شكمان المضرعة لشلها عن الحركة ولكن المهم أن نجد الخشبة؛ رد الرفيق نائل الطوخي: بل اﻷهم أن نجد الشكمان.

صليت ﻷول مرة من سنين، بعد أن استمعت إلى الخطيب يحث العباد على اجتناب الفتنة؛ قال إن من لا يحصل على حقه في الدنيا سيعوضه الله عنه في اﻵخرة، ودعا بالبصيرة والتوفيق لرئيس الجمهورية، القائد اﻷعلى للقوات المسلحة والحاكم العسكري: ولي أمرنا وإمرتنا الذي أنزل به الله ولم تنزل به التداعيات البذيئة لانقلاب عسكري حاز على تأييد الجماهير سنة 1952. لم يسلّم المصلون على بعضهم في النهاية بحسب أعراف صلاة الجمعة، وخلال ثلاثين ثانية كان الهتاف يدوي من أعمق نقطة في المسجد: الشعب يريد إسقاط النظام.

لقد اختلطت في رأسي منذئذ تعبيرات وجوه المحتجين الداخلين إلى المسجد – قبل الخطبة – وهم يتعرفون على بعضهم بلا كلمة أو إشارة، بالعيون فقط، وخطاهم المستميتة لاحقاً وهم ينضمون إلى بعضهم في المنحنيات المؤدية إلى الشوارع العمومية بعد أن ساروا على أقدامهم إلى وسط البلد من المعادي والجيزة وغيرها من اﻷحياء البعيدة فضلاً عن مصر القديمة. ثمة اتفاق غير معلن على كل شيء، اتفاق ملزِم لدرجة التضحية بالروح، يكشف هشاشة القلقلات الطائفية اﻷخيرة ويتجاوز حتى الخلافات القيمية وتضارب التوجهات. اﻹسلامي مع الليبرالي مع الماركسي…

كنا غدراناً أو قطرات تنبثق من الجوامع والبيوت وتصب في أنهار تواجه سدوداً أمنية. وكنا نتبخر، إثر الاصطدام بتلك السدود، دخاناً أبيض تلوذ منه أنوفنا بالدخان اﻷسود للإطارات التي أشعلناها، لو راوغتنا مداخل العمارات.

في مصر القديمة وفي شارع قصر العيني، إلى حيث انتقلتُ وصديقي الكاتب والمترجم نائل الطوخي عبر عين الصيرة ومجرى العيون مشياً على اﻷقدام، كان اﻷمن المركزي يبدأ في قصفنا من قبل حتى أن نتكتل. وبرغم توفر الخشبات وغيرها من اﻷسلحة المرتجلة كقنابل المولوتوف التي سيتلقى اﻷمن المركزي منها دفعات متتالية مستميتة في معركة غير ضرورية انتهت بهزيمة أفراده وفرارهم من أمام المتظاهرين، لم يتسنَ الوصول إلى مضرعة واحدة، دعك من شكمانها.

بعد وصول الجيش إلى الميدان، كانوا يعودون لقنصنا انتقاماً، أو لدهسنا تحت عجلات سيارات موالية. وخلال مشاهد تذكّر بالانتفاضات الفلسطينية ضد إسرائيل – اﻷمر الذي جسد لي فكرة أن نظامنا هو بالفعل امتداد المشروع الاستعماري في المنطقة، وقد طالبتْ الحكومة اﻹسرائيلية أوروبا وأمريكا بتأييد مبارك قفزاً على إرادة الشعب وليس جزء من الشعب أو طائفة من الشعب أو جيلاً من الشعب، تلك الكلمة المنتهكة التي مكنتنا الأحداث من استردادها نقية وواضحة: الشعب – كانت اﻷكثرية تمنع اﻷقلية اﻷصغر سناً والأقل وعياً عن قذف معذبيهم بالحجارة.

أبلَغ هتاف يوم الجمعة كان اﻵه المجردة، يليها الشعار الذي سيستعيض لاحقاً عن النظام بالرئيس وعن اﻹسقاط بالمحاكمة. ساعات كاﻷيام أو اللحظات، لا أعرف. كل ما في اﻷمر أننا نريد أن نصل، مروراً بمقر الحزب الوطني الذي تمكن بعضنا من إحراقه ثم مقر مجلس الشعب، إلى أقراننا. وكلما اقتربنا – مع مرور الوقت وتقهقر قيادات الداخلية أمام صمود تلك الأعداد المهولة من المحتجين، كنا نتقدم بالفعل – نلاقي أهوالاً حقيقية على الطريق. كأننا في حج صعب، والقِبلة ميدان التحرير.