الهوية الجامعة بتاعت النوايا الحسنة

wpid-img_4912-2013-07-27-03-13.jpg

من المفارقات المربكة فعلاً – ومن الحاجات اللي علّمت الواحد إنه يكون متواضع ومتمهل في محاولة فهم الأوضاع السياسية بعيداً عن الافتراضات الثقافية والأخلاقية – إنه لما حصلت أحداث ماسبيرو، وتبعاً للتصور الموروث عن اضطلاع الغرب بـ”حماية حقوق الأقليات”، كان المتوقع إن الغرب ده حيهب لنصرة الأقباط (والفكرة دي كانت متسلطة لدرجة إنه الواحد اتهيأ له إن المجلس العسكري كده بيغامر باستجلاب قوى غربية) لكن في الواقع طبعاً ما حصلش أي ردة فعل خالص بل على العكس حصل تجديد لمبايعة المجلس العسكري كوسيط التحول الديمقراطي المخلص مع إن المجلس العسكري وقتها كان بيمارس حكم عسكري مباشر وغاشم فعلاً… بينما لما حصلت أحداث الحرس الجمهوري، وخلاف التصور التقليدي برضه عن عداء الغرب للإسلام السياسي أو قلقه منه، الدنيا قامت على انتهاكات حقوق المدنيين واغتيال الديمقراطية بالانقلاب العسكري وما إليه، مع إنه المجلس العسكري دلوقتي بيتحرك بغطاء شعبي حقيقي ومن خلال المحكمة الدستورية. ولسه لحد النهارده بيتقال إنه ما ينفعش إقصاء الإخوان والسلفيين وإنه ما يصحش يكون فيه اعتقالات سياسية وإن القيادات المقبوض عليها لازم يفرج عنها إلى آخره.

Continue reading

Mini exhibition: Hipstamatic Cairo + لم أفهم عمري: تحديثات الحالة

… وإذا كنا نريد أن “نتحاور” أو “نشتبك مع الواقع” – وإذا كنا نريد أن نفعل بأهداف “وطنية بناءة” أو على الأقل خالية من الأغراض الدنيئة (والمعنوي من تلك الأغراض أهم من المادي دائماً، ولا مناص من تذكر أن أوّل علامات الدناءة المعنوية هذه هو تعمّد سوء الفهم بهدف السطوع كغريم)… بالله على دين أمك يعني، إذا كان هذا ما نريده فما الذي يمكننا الاشتباك معه أو الحوار حوله أصلاً؟ ابن الرئيس يعيّر معارضيه بمقاطعة الانتخابات (على اعتبار أن في ذلك تأييداً أوتوماتيكياً لمنافس أبيه حامي الثورة بوصف ذلك المنافس عدو الثورة… وهو ما يعلم هو قدر ما أعلم أنا وتعلم أنت أنه دعارة برخصة)، والمطبوعة الثقافية-الأدبية الوحيدة في بلد عدد كتابه أكبر من عدد قرائه تدعّي على كارل ماركس حب النبي محمد كرد فعل على واقعة أخرى أهم ما فيها أنها تثبت – ومن جديد – تخلف وتزمت المسلمين في العالم كله؛ ثلاثة أرباع خطاب “المعارضة” عبارة عن تفكه على ما يقوله المسئولون في الخطب الرسمية بلا أي نظر إلى كيفية أو جدوى استبدال هؤلاء المسئولين أو حتى تغير ما يقولونه. وخمس مرات في اليوم، كل يوم، نخترع العجلة… فنكتشف – وكأننا لم نعرف من قبل – أن الإخوان لا يمثلون الثورة ولا الديمقراطية وأنهم بصدد أخونة الدولة، أن السلفيين رعاع متخلفون يجب وضعهم في مصحات عقلية خاصة، أن “الجمهورية الثانية” نسخة أكثر ريفية وغباء من الجمهورية الأولى (ولا ننكر غباء وريفية الجمهورية الأولى)، وأن الوضع الإقليمي (الربيع العربي) عبارة عن حرب طائفية بين المسلمين بعضهم وبعض قبل أن تكون بين المسلمين وغيرهم. أسأل بجد: ماذا يمكن أن يقال؟ ولمن يقال؟ وبأي غرض “بناء” محتمل …

… وحيث كان العمى الثورجي قد بلغ ببعضهم حد ادعاء إن اغتيال السادات “فعل وطني” (وكأن العمل الجهادي الأممي تعبير مفهوم عن الوطنية، وكأن الوطنية أصلاً قيمة مرغوب فيها في السياق)؛ وحيث يبلغ العمى الاشتراكي ببعضهم في الدفاع عن التأسلم (رغم أنه اختيار رجعي-في مقابل تقدمي، ومسار رأسمالي-في مقابل اشتراكي) حد إقحام دوافع النضال التحرري المناهض للاستعمار على مظاهرات السفارة الأمريكية؛ لا شك أن العمى القومجي سيدفعهم أيضاً إلى تبني الطائفية السنية الصريحة في مقابل “الخطر الشيعي” الذي سيجدون لـ”تمدده” – وبقدرة قادر، كما حدث بالفعل في العراق ثم سوريا – غطاء “صهيونياً” (وبغض النظر عن أن النظام الإسلامي الشيعي قد يكون أوسخ حتى من النظام الوهابي)، فيتحولون من تلقاء أنفسهم إلى نشطاء ومنظرين لما يسمى بالقاعدة …

أؤيد عمر محمد مرسي في تصريحه الأخير تأييداً مطلقاً (وإن اختلف مقصدي من العبارة نفسها): “ثورة مين يا أبو ثورة؟” بل وأسمح لنفسي بالمزايدة عليه فأقول: “ثورة يا بن دين الكلب يا خول؟ إنت جاي دلوقتي بكس أمك تقول لي ثورة؟”

… لم أفهم عمري من يأخذون عليك بذاءتك في أوضاع أكثر بذاءة بما لا يقاس، وبالذات منهم (منهن) من يحملونك مسئولية الإرث الثقافي الذكوري لشتائم بعينها وكأنك بمجرد استخدامها – وبغض النظر عن ما تقصده في الواقع – تؤيد ذلك الإرث …

… ومن مجمل ما يُحزن حقيقة – أقصد ما يثير شعوراً شخصياً ليس مقصوداً بالحزن – أن يخذلك حلفاؤك المفترضون ليس في آراء سياسية (ستعكس الخيبة الثقيلة شئنا أم أبينا) ولكن في انحيازات واختيارات ثقافية بالمعنى الواسع – ضد “العلمانية المتطرفة”، على سبيل المثال – وفي الاستهبال على الواقع والتاريخ بتصميم بغل مجهد …

***

Ⓒ Youssef Rakha

بالفيديو: فتوى تدين العصور الوسطى

اقرأ هذه الفتوى نفعك الله بها: أنا الشيخ أبو نصر السكندري، أفتي بأن الإخوان والسفليين ومن سار على شاكلتهم واستن بسنتهم وانتهج نهجهم هم كفار هذا الزمان وملاحدته.

كانت الناس على قلب فمزقوهم شيعا “كل حزب بما لديهم فرحون”، نهض الناس على اقصاء الفساد، وهبوا هم الى نجدته، وعدوا الناس بجنة ما أعطاهم الله مفاتيحها فكذبوا عليه وعليهم، ومن أضل ممن كذب على الله، ونافقوا أهل القوة، والمؤمن ناصر الضعيف، واحتالوا لكسب عرض زائل فباعوا دينهم بدنياهم، وخاضوا في أعراض الناس بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وادعوا علم ما لاعلم لهم به فضلوا وأضلوا، وصدروا أنفسهم لأمانة الحكم، والمؤمن الحق لا يعطاها الا كارها لها، وما كيد الكافرين الا في ضلال، تمسحوا بكل سلطان، وداهنوا كل ظالم والساكت عن الحق شيطان أخرس، فما الحال اذا روّج للبهتان واستغل ايمان الناس، ومن تواقح على الله أنّى له أن يقيم لخلقه حسابا. أفسدوا في الأرض وما جزاء المفدسين في الأرض الا أن يحرقوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض. وصيانة من الفتنة نقول بعون الله: ان على الناس استتابتهم، فان تابوا وأصلحوا “فهم اخوانكم في الدين” وإن كابروا واستكبروا، فتلك حدود الله، وعلى الباغي تدور الدوائر.. والله أعلم

wpid-sheikhmohab-2011-12-22-01-37.jpg

رسالة ثلاثة أخبار: إلى فخامة الرئيس محمد مرسي

wpid-491680mohamedmorsi-2012-07-6-20-43.jpg

.

مرت بحارس بستان فقال لها: قفـي شقيقة غصن البان والثمر.

قالـت: وما تبتغي مني؟ فقال لها: سرقت رمانتي نهديك من شجري.

قالت وقد بهتت من قوله خجلا:

فتّش قميصي لكي تذهب الوجلَ.

فهم أن يقبض النهدين، ما مهلَ.

فصاح من وجنتيها الجلنار علـى قضيب قامتها: لا بل هما ثمري…

.


.

الحمد لله حمداً راضياً بكل بلوى، والصلاة والسلام على بشير المن والسلوى: كففتُ، أبقاكم ربي، عن قراءة الأخبار. وزهدتُ في ملكوت السياسة وقصص الثوار. إذ شارف انتهاء العام الثاني على التحرك الكبير، ولم أر لمياه ثورتي أثراً سوى اشتداد السعير. فتبادر إلى فكري سؤال عن مآل الشهداء والشهود، ومردود الأعين المفقأة بالطلق والسفود. وفي الأيام الفائتة القليلة، بلغني رغماً عن إرادتي بضعة أنباء عليلة؛ فاشتغل خلدي بثلاثة أخبار دون غيرها مدركة، لم يكن لها الوقع المنتظر على عاطفتي المنهكة – وقد حملتُ وزر عشرين شهراً من محبطات الآمال والعِبَر – اللهم إلا نغزات كأنها على الجلد الميت رؤوس الإبر. وحيث أنها مشكوك في صحتها على أي حال، وهي تحمل في طياتها أكثر من سؤال، عزمتُ على نقل الأخبار الثلاثة إليكم مصبوغة باليأس كما خبرتُها، مكتفياً بمدلولاتها قدر ما استبصرتها. فلقد تُبت إلى “عشيرتي” التي أحسبها مع عشيرتكم في صراع، ولتغفروا لي أو لا تغفروا “انتوائي” ومن معي أن نعيث في رأس سعادتكم كل صنوف الصداع؛ وإني على ذلك لمتبرئ ممن صعّدوكم باسم ثورة هي منكم براء، بل ومن ذلك الشطر من نفسي الذي ساهم في مجريات عموم الخراء. أما بعد —

فإني أكتب لفخامتكم على صوت الآلة المعجزة المزروعة في حنجرة أديب الدايخ المنشد الحلبي الفقيد، حيث الغَزَل الفردوسي للأندلس وغيره من رياض الإسلام المجيد؛ ولما يزل هذا “الإسلام” عن ما سوى الحب والفن ثم العقل والحواس يبقيني ويلهيني، فلا ألف جماعة “مناضلة” تدفعني إلى تغيير ديني. وإني لقائل لمن يشك في عزمي، رغم كل ما أصاب البلاد والعباد من سقم، على الاستمرار: ابحث في عيني وأفعالي وكينونتي وأقوالي تجد القرار. بكم أو سواكم أيها الرئيس سأعيش “حياةً هنيئةً” ذات لوعة، “وإن لم أمت بالحب عشت بغصة” (يا سيدي عمر مدد!) فاتعظوا وإن غلبنا محاظيكم وجراؤكم في العدد: —

كان أول أخباري أن سيادتكم – كممثل الجماعة الطائفية – ستقيمون حفل تكريم للطغمة العسكرية. ودوعنا الآن من الحديث عن المواكب و”التشريفات”، من فتح سترتكم ودفع حراسكم عنكم لتلتحموا بالمؤيدين لا المؤيدات. ومن قول إنكم أطال الله عمركم لا ترتدون الواقي، ولا ترهبون – وسط إخوتكم – إلا العلي الباقي. دعونا من حلف اليمين في المحكمة الدستورية، ثم – في اليوم ذاته – وسط حشود اعتصام ينادي بإسقاط الهيئة القضائية. على من تضحكون إذ تخاطبون “أهلكم” وكأنكم ذات جمعة تقيمون الصلاة، رافعين صوتكم للبلاد بطلب النجاة؟ دعونا، أقول، من ارتقاء اسم الله عليهم أبنائكم ذوي الجنسية الأمريكية، إلى رؤوس صفحات جرائدنا البرمائية؛ تتبعهم شائعات الاضطلاع بشئون البلاد، وأمور الدولة من عقولهم كالنار من الرماد. ودوعنا من السؤال الدائم عن ولائكم ليس لأسرة حضرتكم وإنما لجماعتكم الكذابة المتملقة، ثم لأهواء مطاياها “السلفية” الوضيعة المتحذلقة؛ فلقد نجحتم عوضاً عن زعيم ميليشياوي من الأثرياء، لم يُسمح له بالترشح وقد شبهتموه بالأنبياء… فهل ناصركم “الرفاق” وجمعوا لكم العتاد، من أجل أن تحتفلوا بقتلتهم على رؤوس الأشهاد؟

ثاني أخباري، غفر ربي لكم، أن ملتحين في السويس يدعون أنفسهم هيئة الأمر بالمعروف، قتلوا طالب هندسة في ريعان الشباب – وقد تشبثت بالبندقيات الكفوف – لأنهم رأوه سائراً إلى جوار خطيبة لم يذق عسلها قبل القران، فرموه بالرصاص من تلقاء أنفسهم أمام أنظار العيان. وطار عقل الأحبة حيث تأجج رعب المتخوفين، فيما تضاربت في الأمر آراء المتكلمين: مَن قال إن هؤلاء “سلفيون” يُعمِلون عقائدهم الحاقدة، ومَن قال إنهم موظفون في الأمن السري يثيرون فتنة عامدة؛ ويسعون بما آتاهم “النظام البائد” من قوة – يسار يمين – إلى أن يجبلوا القلوب على كراهية الإسلاميين. وكحال هذه الأحداث في ديارنا لم يحسم أمر الجريمة، ولا تطوعتم أو أتباعكم من هيئات “السلف” بكلمة رحيمة. وإني لشاهد على فساد الفطنة والتحليل، لدى من يظنكم تخاصمون من كان لكم السند والخليل. فلن يعود التحجج بـ”أمن الدولة” يقنعنا، ولا احتكاركم للهوية قبل الحكم من جوع للحريات يشبعنا. ولا فرق بين جندي أو بلطجي يزهق الروح بدعوى صد الإرهاب، وبين ملتح أو متأسلم يقتل ليدفع عن الأرض ما في الآخرة من عذاب. وما رياء “المرجعية” إلا ضرب من السلوان، لا يحلّكم من آثام الانتقام والعدوان. فوالله كما تبين أن نفاق العامة أحقر من نفاق السلطان، كذلك اصطناع الكرامة حيث يسهل الهوان. وها هو ينكشف أمر اعتمادكم على المجرمين، حتى تظهروا أمامهم في سمت العقلاء المتنورين. ولمصر در من نعتكم بأهل ثورة، وأنتم من جسد الإسلام أقرب إلى السوءة والعورة…

أما الخبر الثالث – معاليك – فهو أن عدداً من الصحفيين المسجلين بنقابة لا تزال أشبه بالوكالة، قد بادروا إلى الحصول على عضوية حزب الحرية والعدالة. وقد قبلتموهم طبعاً كأي محدث نعيم، غافلين عن أن أمثالهم لا يصلحون لغرض كريم. وهو ما يناقض خطاب “النهضة” و”التطهير”، ويتفق مع ما في أدواتكم من التواء وتأطير. أفلم تنفوا عن وزارة الداخلية المثالب، وتغرسوا في المؤسسات المخالب؟ فلا ضرورة للحديث عن مجلس الشعب والنواب، ولا فضائح الشيوخ منكم والشباب – ولا ضرورة لبحث الكارثة المحدقة، بأن تصبح تفاهاتكم هي “قضايا” المنطقة؛ فيقتل من يطلب وصل خطيبته العفيف، بينما يكتب الدستور من “يتزوج” فتاة العشرة أعوام بالنزيف – إذ تجلى سعيكم إلى الانفراد بالمقاليد، وقبولكم بمنظومة “الحزب الحاكم” وسلطة النار والحديد. ولا تتبالهوا عن أن في ذلك نسخ لما كان، قبل اندلاع الثورة وانتخاب البرلمان. ولا تظنوا أن اتشاحكم بالدين، إثر الانتخابات، سيغيّب العقول عن ما في نهجكم من وساخات؛ إذ أنكم الآن – وأنتم تعلمون – أهل بيت العسكر المتخابثون. وما من ضمان في الدنيا لانتصار الحقيقة، إلا أننا أشهرنا أسلحتنا الرقيقة. أنتم غريمنا في البرد والحر، وإلى الله وحده المستقر.

.

wpid-img_3156-2012-07-6-20-43.jpg

.

wpid-img_3155-2012-07-6-20-43.jpg

.


.

wpid-img_3188-2012-07-6-20-43.jpg

وإلى رفاق سلاحه قال كاتب الرسالة:

طلعتوا الكتب وشاركتوا في الحملات وأصدرتوا تعليمات للمريدين بتوعكو. وشتمتوا أي واحد بيشاور ع القلوط ويقولكو يا جماعة على فكرة ده قلوط. ولما اتأكدتوا إن مرسي هو شفيق بس فرع المعاملات الإسلامية، شكلكو بقى وسخ قوي. وممل. وما لوش أي تلاتة معنى. وتنظريكو بقى زي البانجو المضروب. وصوتكو مهما عليتوه كإنه صدى جاي من حتة كتمة. وما عادش فيه حد مصدق إن ليكو أي لازمة أساساً ولا عاد حتى فيه جهة تبقوا معاها أو ضدها. دلوقتي هنقعد عشر سنين أو مية سنة يطلع ميتينا عشان نوصل للحظة اللي كنا فيها قبل ما أي حاجة تحصل، وطول الوقت ده برضه مش هترحمونا من فساكو

فاتحة مهملة

wpid-img_2562-2012-06-5-07-50.jpg

هذا كتاب الثورجي التائب “مصطفى نايف” غفر الله له ورفاقه في ميدان التحرير ما تَنازَعَ البلاد جَرّاء احتجاجهم من تَضارُبٍ في الغايات بلا فكرة ناجعة عن الوطن، وإدمان للتظاهر بلا نظر إلى نتائجه، وموتٍ بلا طائل على قارعة الطريق، وشَحْتَفَةٍ كأنها ابتزاز المتسولين أو دلال البغايا، ثم غَلَبةٍ للجنرالات وتجّار الدين؛ وفيه كلامٌ إلى صاحبه المهاجر “راشد جلال” الذي حضر اعتصام الميدان الأول أسبوعاً ثم عاد، مؤرّخٌ بالسابع من يونيو من عام الرئيس الموافق ٢٠١٢، إثر صدور حكم السجن المؤبد على “مبارك” ووزير داخليته “حبيب العادلي” مع تبرئة قيادات الوزارة. حدّث مصطفى والدموع تتأرجح على حز جفنيه؛ قال: سلامٌ لخليصٍ تأخّر كتابُه، وتعثّر جوابُه، وتشتّت ذِكرُه في الأرض من كثرةِ ما توزّع على الدروب إيابُه. وبعد: عَمِلنا أوّلَ أغنية في بداية فبراير من عام الرئيس: الذكرى الأولى لانتصار ثورة ٢٥ يناير. كان تاريخ أولى أغانينا هو الثامن من ذلك الشهر، بعد أسبوع من مذبحة بورسعيد؛ حين قُتل مشجعو النادي الأهلي من المنتظمين في جماعة ألتراس أهلاوي بستاد المدينة الساحلية ضرباً وطعناً وخنقاً أو إلقاء من علٍ على يد مشجعين أو بلطجية أعقاب انتهاء المباراة بين الأهلي والمصري البورسعيدي لصالح المصري. وكان تاريخ آخِر أغانينا – الرابعة، والوحيدة التي لم تشاركنا المزة في تأليفها – هو السادس من مايو، بعد بضعة أيام من مذبحة العباسية؛ حين انفض اعتصام وزارة الدفاع بالقوة أعقاب نحر المعتصمين في الشوارع كخراف الضحية من جانب لطجية أو مواطنين شرفاء. ومع أننا كنا على علم بما يحدث لرفاق سلاحنا من الألتراس والسلفيين الذين التحق بهم الاشتراكيون الثوريون، ومع أننا كنا متأثرين بالأحداث في صوغ كلام أغانينا، لا شك عندي الآن في أننا عملنا الأغاني أساساً لكي نبتعد عن الميادين ونقترب إلى بعضنا كأصدقاء لا يعكّر اختلافنا في الرأي لصفاء مودتنا قضية. منذ عام البرلمان الذي حَصُلَتْ فيه الثورة – ومن قبله بثلاث سنين أو أكثر – ونحن كل يوم مع بعض في الفرع. حتّى لما كان العمل يتوقف رسمياً لأسبوع أو عشرة أيام بسبب الاعتصامات والمظاهرات أو الانفلات الأمني كما صار يسمى، ظللنا نلتقي هناك في موعدنا؛ أحدنا معه نسخة من مفاتيح البوابة، كان يفتح لنا فندخل والآخرون غياب. ربما لأننا نحن الأربعة عُرضة للسأم والوحدة ولا أقول الاكتئاب النفسي: من ساعة ما خَلُص الاعتصامُ الكبير يوم ١١ فبراير ٢٠١١ والحياة فاضيةٌ حوالَينا. فاضية، وفيها خنادق وسِخَة نقفز فوقها من بيوتنا إلى مَحَلّ عملنا الحكومي. اثنان منا ظللنا ننزل المظاهرات، لكن الحكاية لم يعد فيها إشباع حتى لو لم نعترف بذلك. انس المولوتوف وأنواع الخرطوش والغاز الجديدة تلك التي تسطل التنين؛ أثناء أحداث شارع محمد محمود ومجلس الوزراء (في التاسع عشر من نوفمبر والسادس عشر من ديسمبر ٢٠١١)، حتى الرصاص الحي لم يكن يحقّق لنا ذلك الإحساس الفَشِيخ بأننا نأخذ حقنا بدمنا وفجر الحرية الأبيض ينتظرنا في آخِر نفق النظام الأسود سواد البير. منذ أواخر ٢٠١١، الحقيقة، والأشياء تصير رمادية. العيال لازالوا يموتون وعيونهم تُصفّى بالضبط كما كان يحدث قبل تخلي الرئيس عن منصبه وبدء المرحلة الانتقالية وشريط الانتخابات؛ لكن قلوبنا لم تعد تصعد وراء أرواحهم النقية لتحلّق معها في سموات الشهادة. قلوبنا لم تعد متأكدة حتى من نقاء أرواحهم، الصراحة. ولعل في الأمر أمراً رغم ما اعترى ذكرى هذه الفترة من غشاوة: أيام الاعتصام كما رأيتَ كان للاحتجاجِ شكلٌ تعوّدنا عليه؛ كان فيه هتافاتٌ واعتداءات ومستشفيات ميدانية. لكنه اتضح بعدما نجحتِ الثورةُ إثر مغادرتك أن هذا الشكل ليس كافياً لإشباع طموحنا. وبدا أن ما أشبعنا كان معنى أو محتوى، شيئاً يملأ هذه الطقوس والممارسات من الداخل، يمسكها أو يقلفطها. وكان مشروطاً بالهدف الذي نضحّي من أجله كذلك. ربما لأننا لم نطلب إلا شيئاً واحداً يبدو الآن زائفاً بغباء – أن يرحل مبارك – لما تحقّق مطلبنا فإذا بنا نضحي من أجل أهداف حقيقية، أهداف اكتشفنا أنها متعددة وعصيّة لدرجة أننا نسيناها فأصبحنا ننزل بإصرار ونحن لا نعرف الغرض من نزولنا، بقي شكل الاحتجاج مثل قشرة رمانة مفرّغة: بلا بلورات تبرق ولا لسعةِ حلاوة. (هل كان طبيعياً إثر ذلك أن يتحول النشطاء والمعارضون إلى أبواق لما هو أنكر صوتاً مما سُمّي خطأ بالنظام البائد؟) أقول لك إننا وجدنا في قعدة الوكالة إشباعاً أكثر مما كنا نجد في المسيرات البيضان والاعتصامات النونو المعرّضة للفتك، مليونيات الجُمَع الحنجورية إسلامية الطابع… ولما استتب الدوام خوفاً على عجلة الإنتاج – هذا ما كانتِ الناسُ تردّده وراء المجلس العسكري: إنه لا يجب أن تتعطّل العجلة – ظللنا مختبئَين في الحجرة الواقعة جنب مخزن الأسمنت في بدروم الفرع. هناك كنا نلوذ أربعتنا من واقع يثيرنا ويفحمنا قبل فجيعتنا في بُسبُس، نتشرنق بدلاً من أن نستغيث فنتسامر ونتمسخر، نَقْلِش ونتبادل النكات. كنا نقعد حول مكتبٍ بيضاويٍ مقشّر وقد جئنا بالأكل والشرب والدخان أسفل تلفاز صغير مثبّت على الحائط. ولحد الصبح أحياناً ضحك وقباحة فضلاً عن الأخذ والرد في الحاصل للبلد من ساعة ما تخلّى مبارك. صار الزملاء يداومون بانتظام وبعضهم يدخل علينا ليسلّم أثناء النهار، لكن الكل عارف أن الوكالة عطلانة حتى المدير. وذات يوم، من مللنا والتارالالّي الداخل على الدنيا بقوة منذ تخلّي مبارك… ذات يوم بارد من فبراير ٢٠١٢، بدأنا نعمل أغاني.

wpid-img_2563-2012-06-5-07-50.jpg

هاني درويش: التشرب البطئ لحكمة اكتشاف البناء من نقطة الصفر

هاني درويش يكتب عن الانتخابات الرئاسية

يتبني بعض الأصدقاء السياسيين مفهوما للسياسة هو ‘الفكاكة النظرية’ ومفادها ان تمكين ابو الفتوح الاسلامي الوردي سيدفع برهانات اختبار المشروع الاسلامي نحو فشله النهائي ، وذلك بحجة فتح مجال سياسي مغلق يسمح للقضايا الاجتماعية والديمقراطية بهامش حركة داخل الفترة الانتقالية التالية، او يدفعون احيانا ببرجماتية سياسية لا تخرج أيضاً عن روح الفكاكة بان المنتصر لا محالة سيكون مرشحا إسلاميا فهلم بنا لركوب ذيل طرفه الاقل جحوشية، يفترض هذا بالتبعية ان يكون هناك علي الاقل عقد سياسي واضح مع ابو الفتوح هم لم ينالوا اصلا شرف توقيعه معه، كما يفترض هذا التحليل اصلا فاعليتهم ككتلة تصويتية قد جري تثمين موقعها الترجيحي، والحقيقة كما اعتقدها اننا مدعوون للتواضع الواقعي والنظير فيما يخص هذا الوعي التبجحي النظري، فأبو الفتوح لازال مخلصا لجمهوره الحقيقي الاسلامي، وهو لم يفك لحظة أفكاره الليبرالية المفترضة في خطوات برامجية تؤمن بمدينة او ديمقراطية مشروعه الاسلامي، بل وانه حتي باعتبار الموقف التخيلي البرجماتي لم يقدم اي ضمانة لاستمرار موقفه الصدامي من بقايا نظام مبارك ولا تحديدا دقيقا لمستقبل علاقته بالتيار الاسلامي ، بل وحتي لم يستفزه الدخول المفاجئ للشاطر علي خط الانتخابات ليقول قولا قاطعا في علاقته بجماعته التي هجرته، لا أتذكر له الا مواقفه المتزنة من دعم الميدان فيما بعد ال ١٨يوم وهو في ذلك لا يختلف كثيرا عن ابو اسماعيل مثلا، في جميع الأحوال سارفضه رفضا مبدئيا دون بديل حالي ، وساشاهدكم تتطوعون بمنتهي الخزي النظري لدعمه في جولة الإعادة جنبا الي جنب مع السلفيين والإخوان انفسهم ، لكن لاتتباكوا لاحقا عندما تكتشفون كالعادة هزال الفكاكة متأخرين

wpid-abusmailophilia-2012-04-20-00-12.jpg

خرج إذن العشرة مرشحين، نستطيع القول بكل ضمير مستريح أننا أمام خيارين أحلاهما مر، ستنحصر المنافسة مستقبلا بين أبو الفتوح الإسلامي المفصول من جماعة الأخوان وعمرو موسي الفلولي الذي صبر حتي سقطت فاكهة اللاتوافق في حجره.

الشخصيتان ببساطة هما عصير عشوائي لمشهد السياسة قبل الثورة، أي أننا بمنتهي التجريد وبعد عام ونصف من ثورة لم نستطع أن نزيح البدائل المطروحة ولو قليلا إلي المستقبل، فكلاهما نتاج ربكة الميدان البدائية، هل نزل أبو الفتوح للميدان علي غير رغبة الجماعة؟ لا اعتقد، وهل تواجد موسي بالصدفة ؟ أشك، كلاهما تحرك نحو مشهد الثورة المفاجئ بحسابات موقعهما التاريخي علي هامش مؤسساتيهما، مؤسسات راهنت في هامش هامشها علي شعبوية ما، علي أتساق ما في صورة شبحية للإستهلاك الجماهيري، أبو الفتوح المستنير، موسي القومجي الشعبوي.

قلب المؤسستان معلوم خوائهما، تسلط وهيراركية ومقاومة للثورة، الشظايا المنفلتة كانت نتاج إحتياج كلتا المؤسستين إلي “ذيل” قادر علي التأكيد علي لا بدائية تكوينهما، عمرو موسي هبط في المشهد حين كانت الدبلوماسية المصرية زمن التسعينيات تحاول الرهان علي “تملص” تكنيكي للسياسة الرسمية الخارجية من أنبطاح كامل أمام طغيان أسرائيل، مجرد دور في مقدمة صور الفوتوغرافيا للمرحلة، بينما الخلفية الحقيقية كانت للتفاهمات الصلبة لأجهزة المخابرات، وكاريزما موسي لاتبدو منبتة الصلة عن تكنوقراطي أصيل لا مؤسسي، أستغل هامش التخصص وأحتياج خلفية النص السياسي إلي سخونة فتمدد في أحراش الجوع إلي بطل، يمكن رسم بورتريهه جنبا إلي جنب مع إجراءات سماح نظام مبارك لتظاهرات داعمة للشعب الفلسطيني، أو مظاهرة الأخوان في أستاد القاهرة لدعم القدس، إجراءات أثبتت نتائج التفاوض اللاحقة أنها كانت لخدمة صورة النظام تبدو مناسبة أكثر للتغطية والتمويه علي حقيقة موقعه التزلفي من أمريكا وأسرائيل.

عبد المنعم أبو الفتوح أبن لحظة تأسيس مشابهة، في قانونها العام لا في مشاهدها المسطحة، فإبن جيل السبعينيات في الأخوان أدرك قبل ثلاث سنوات وتحديدا في إنتخابات مجلس شوري الجماعة، أن ريفية الجماعة القائمة علي تقديس الطائفة لقانونها التنظيمي قد لفظته، وهو كان الأقرب إلي تحويل الجماعة بجيله إلي مايشبه تيارا للإسلام السياسي المنفتح، ابو الفتوح أبن هامش حركة الجماعة الإضطراري للعمل في النقابات المهنية زمن الثمانينيات، بما يعنيه ذلك من مجال سياسي وسيط مطلوب فيه التنسيق مع كفرة التيارات الأخري بشكل برجماتي، كان إقصاؤه مع محمد حبيب هو تعبير عن كراهية جسد الجماعة البدائي للسياسة خارج العلاقة السادية المازوخية بنظام مبارك، بل مثل أبو الفتوح نموذجا لشرائح شباب الأخوان المدينية، حيث أكتسب موقعه لا بمجرد الأخلاص البابوي ليد المرشد في لحظة التقبيل، بل لقدرته علي تأكيد نجاح الإسلاميين في المجال العام، أي أسلمته دون غضاضة القطيعة مع المدنية، النجاح الساحق لشيزفرينيا مفادها كما يقدم برنامجه الإنتخابي: لقد غرزنا التدين وسنسمح للمجتمع بإكمال دورة أسلمته علي أسس ديمقراطية، طريق طويل غير صدامي يراهن علي المستقبل، لا يضع في رأسه حصاد لحظة التمكين كما تتمناها الجماعة بإنقلاب، أبو الفتوح مخلص بوريتاني لحسن البنا، فيما الجماعة أكثر إخلاصا لمؤامرة قطب.

المرشحان الأوفر حظا الآن وفقا لمؤشرات اللحظة، التي تتعالي علي كل غثاء الإجراءات الركيكة والتخبط في المسار الإداري للإنتخابات نفسها، المرشحان كفكرة تتجاوز ماستشهده مصر من “هرتلة” حتي وصولها للإعادة، يؤكدان علي ما يكاد انكاره أن يكون كفرا ثوريا، أي القطيعة اللانهائية مع مشهد ما قبل الثورة، يتحرك الضمير الثوري بأمل أن تكون الثورة قادرة علي إزاحة النظام بالكامل، نواته القمعية في الجيش، وبقاياه النثرية في الفلول، وأخيرا قواه الإنتهازية ممثلة في الحركة الإسلامية، ورغم أن عام ونصف من الضحايا والإنتخابات والمناورات يؤكد أن تطهير المستقبل من الماضي يكاد يكون أمرا مستحيلا، إلا أن ضمير يحتفي بذكري رومانتيكية عن الـ18 يوما يأبي أن يصدق أن “تصفصف” الثورة علي خيارات رئاسية بهذه الرجعية، بهذا الإنشداد إلي الماضي، وعدم أستيعاب أن مرحلة الإنتقال قد تطول لسنوات يرعب هذا الضمير، خوف مفاده أن تتحول الثورة إلي ذكري امام دخول الحياة السياسية مرحلة التسييس الإجرائي المستمر والمتعرج بل والإنقلابي في لحظات تالية.

عبر عام ونصف مرت الثورة بحركات من قبيل إدخالها الميكروويف ثم أخراجها إلي الفريزر، نواتها الضميرية تكاد تكون غير مصدقة أن عمق مجازها بسيط، غير قابل علي الإمحاء في مطابخ السياسة الإجرائية العاجلة، نواتها أن قمعا أمنيا بمواصفات ماقبل الـ25 من يناير لن يعود، وأن رئيس قادم لن يكون محميا بأي توازنات إلا صندوق الإنتخابات وقدرته علي “خدمة” الجميع بدرجات متفاوتة، وأن البسطاء كما المسيسين قد عرفوا أخيرا أن جيشهم أضعف من فرض الأمن بالقوة، وأفشل من أن يعمم نمط شركاته الفاسدة علي إقتصاد متهاو، وأن طبقة سياسية كاملة تتعلم بالتجربة والخطأ فلا يملك أسلامها حلولا جاهزة، ولا بيروقراطيتها المدينية خيالا خارج دفاتر ارشيف الأحكام القضائية المتضاربة، وفي الطريق إلي تثبيت وتلوين تلك الحقائق علينا احتمال أنفجارات فقاعة الخراء المسماة دولة، والتي كنا نتخيلها وحشا فظهره كيف أنها أميبا وحيدة الخلية، تملك الحفاظ علي معدتها الهاضمة وتخاف التخصيب وتحتفي بالخرافة الحيوية، دولة لم يستطع مكونها الأكثر رعبا أن يضبط أجراءات ترشحه القانونية، أو كما تقول ليلي أرمن علي تويتر: في الثورة القادمة، حين نقتحم أقبية جهاز المخابرات، سنجد موظفين بائسين يجلسون أمام تلال من الأوراق ويحلون الكلمات المتقاطعة.

لقد دفع المكونان الكبيران في لحظات عندهما الحيواني بآخر الأوراق، الشاطر وسليمان هما أستعادة الماضي الضحل بكل فجاجته، فلم يقو أي من الطرفان علي تخيل نفسيهما في مواجهة هذه الخلاصة الحجرية للتهافت، تاجر الميني فاتورة التركي في مواجهة ملك الأطلال الشبحية، لقاء سحاب عصر مبارك لم يكن ليستعيد عصره، بل ليكتبا سويا شهادة وفاته النهائية، لذا وفر القضاء تراجعا لكلا الطرفين إلي حدود المتاح من إعادة لملمة المنفلت.

لن يكون الدستور أو إنتخابات الرئاسة إلا تثبيتا كلاشيهيا لمعالم خارطة الإنتقال، فنحن الآن نبني مؤسسات تشبه المؤسسات، “نلصم” شرعيات الثورة بالمتاح من مواد التشكيل، الدستور لن يكون نهائيا، والرئيس سيكون صنما من العجوة، ومجلسي الشعب والشوري سيكملان العرض العام لرثاثة الأداء، المضمون الوحيد فيما تعتمل هذه المكونات المتضاربة هو أن جمهورا جديدا من الناس سيكون مدعو إلي مشاهدة خدع الساحر التافهة ليضحك عليها، أو أن قطاعا آخر من الجماهير المعتصمة سيدفع ثمنا لنضال إجتماعي طبقي يتصاعد بخبرات خارج كاتلوج السياسيةف كما فهم في ستين عاما، أي أن المجتمع الذي غيب عن عمد وحضرت أشباحه، سيكون موصولا بحقن الأمصال في الوريد أمام نفسه، دون مسلسلات تلفزيونية أو هتاف وطني مكلوم، وتجربة الشهر الأخير وحدها جديرة بتأكيد هذا التأرجح العام.

في ثلاثين يوما لا أكثر، عبرت الرثاثة الشعبوية للمرشح السلفي حازم أبو أسماعيل عن مجمل ملامح المشروع السلفي في مصر، من حيث هو أحتفاء بالجهالة القانونية، وأفراز هيولي لحالة من الوعي التآمري الساذج، فاشية منمنمة علي طراز الجهالة البدوية العصامية، التي لا تحفل فقط بعدم أحتواء كذبها السافر علي منطق، بل وتمحورها المرضي الزعامي حول محامي بسيط الأمكانات، لايستعصم فقط بجهله بجنسية عائلته، بل قادر علي دفع آلاف المؤمنين به إلي حافة الأحتراق التطهري أمام عتبات هيئة قضائية تكنوقراطية، فشل حتي في إدارة معركته معها بالأوراق الرسمية مستعصما بسذاجة المؤامرة الكونية ضده، سينسحب أنصاره من المعركة الدرويشية إلي قارعة اللعنة والأحقاد في فضيحة مجلجلة.

عبر ثلاثين يوما، قدم الأخوان مرشحين أثنين يثبتان للجميع عقم الجماعة الكاريزمي، وكيف تبدل خطابها من أبتزاز الصبر علي البرلمان وتكفير الميدان، إلي النزول مرة أخري إلي الميادين بحثا عن شرعية جديدة، ناهيك عن الرعب والرجفة التي رصدها الجميع مع إطلالة عمر سليمان القصيرة والكارثية، ثم لملمة إجراءات ثورية رفضوها من قبل علي هيئة مشاريع قوانين كقانون العزل، كيف يحاولون التراجع وضغط المسافات مع القوي الثورية دون جرأة الأعتذار، لن ينسي جمهورهم التلكؤ حول الجمعية الدستورية التي كانت بداية مارش التصعيد الخائب، وكيف أستقبلوا بمهانة حكم الإدارية العليا بلاشرعية أنفرادهم بها، والحقيقة أن تكسير المشروعية الأخلاقية لهم سيؤتي ثماره في السقوط المدوي المتوقع لمرشحهم الأحتياطي محمد مرسي، وهو ما تستحقه جماعة أثبتت الثورة قزمية وخيبة التوقعات فيها.

خلال ثلاثين يوم، أسدل المجلس العسكري ستائر نسيانه مكتفيا بفضح ملخص أحتياجاته من المجتمع، مرة بالتأكيد علي عرقه المبذول في اكتناز ثرواته، ومرات في التأكيد علي خواء جعبته من الحيل، بات حتي بالنسبة لجمهوره الهيستيري علي شاكلة أبناء مبارك أو ممثلي الكتلة الصامتة موطنا للطعن، مستسلما لرفاة بؤس منظريه علي شاكلة مصطفي بكري أو توفيق عكاشة، وقد تسرب مؤيده من منظري صلابته شيئا فشيئا إلي صفوف معاداته، فاقدا غطاءا نخبويا هاما، كان إلي وقت قريب قادر علي تسويف غموضه وقمعه اللانهائي، ليثبت انه خير سلف لأتلف مؤسسة تهيمن علي مصير مصر السياسي منذ 60 عاما، بماتملكه فقط من قدرة مدهشة علي إشاعة الفراغ وهندسة الخراب.

بموازاة العبور الهادر للثلاثين يوما، يتأكد صدق الثوار الأخلاقي و طبيعية عجزهم الإجرائي، في الإتفاق حتي علي مرشح أو مجلس ثوري رئاسي، والحقيقة أن بعضا من هشاشتهم بنيوي ومتسق مع اللحظة، فما الذي يجمع مشاريع أبو الفتوح بحمدين صباحي بخالد علي؟ هل مجرد الوقوف في الميدان والدفاع عن الثورة يصلح لكولاج بهذا التناقض؟ هل وحدة العدو الفلولي او الأخواني أو العسكري قادرة علي تقديم بديل متماسك؟ أم ان التناقضات علي الضفة الأخري لابد لها من وقت لإنضاج التمايز؟ أليست رومانتيكية ولاواقعية خالد علي اليسارية، في رهانها علي الفقراء تحتاج إلي صراع إجتماعي أقتصادي مستقبلي، تتصادم فيه مع غموض المشروع النهضوي لأبو الفتوح، والذي هو بطبيعته مزجا لليبرالية طوباوية لم توضع علي محك الأختبار، أو أن يتصادم هذا كله بخواء إعادة أنتاج المشروع الناصري علي يد حمدين صباحي.

ما تثبته الأيام الماضية هو الأنكشاف العميق لتصحر المجال السياسي، فإن كانت الثورة قد أزاحت الكتلة المجنزرة الصدئة السطحية لتحجر هذا المجال، فإن عملية إعادة صهر وتشكيل المحتوي تحتاج زمنا من الصراع، من التوافيق والتركيبات والنكسات عبر مسيرة طويلة، دون إفراط في الأمل بتجسير الفجوة الزمنية لإنضاج الظروف، أو الصبر الميؤس من إنضاج تلك الظروف وفقا لقواها الذاتية، دون الرهان علي قطيعة كاملة مع الماضي، أو تيبس مفاصل المتصارعين بفعل الأجواء المتضاربة للمستقبل، فأخيرا ثمة مستقبل يمكن الرهان عليه فقط بالعمل، أخيرا ثمة إثارة في بلد لم تحدث فيه أشياء مثيرة منذ 7000 عام.

هاني درويش

قراءة مسموعة في كتاب الطغرى


اكتمال رواية التماسيح

wpid-img_1472-2011-12-31-14-41.jpg

  1. بعد عشرة أعوام أو أكثر – بينما حزب النور السلفي وحزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين يربحان الانتخابات التي بدأت والأمن لا يزال يقتل وينهب في الشوارع، وفيالق الشرطة العسكرية من قواتنا المسلحة تسحل المتظاهرين وتجردهم من ملابسهم وتميتهم ضرباً ثم تجر الجثث إلى أكوام الزبالة فضلاً عن قنصهم وتعذيبهم داخل المنشآت العامة – أصبحتُ أعرف أن الشر يبدأ من حيث يتصور الإنسان أنه، بمعرفة أو عقيدة أو هوية، يمكنه أن يغيّر مجرى حياة سقطت على كتفه مثل حقيبة عليه أن يرسم لها شبكة في الوادي قبل أن يجلس داخلها ليصل.
  2. بعد عشرة أعوام – وأنا أتابع من بعيد تطورات ثورة انتظرناها ونحن لا نعرف أننا ننتظرها، وحين جاءت مارقة كقطار أخير ترتكتنا مشدوهين على رصيف المحطة – أفكر في كوننا كلنا أصبحنا حالة أو مأساة: إن بقيت لنا ذكرى، ستظل فحوى ذكرانا في فضائح الحب والموت والإنجاب. وهل كان هذا كله من أجل أن نكون مادة مناسبة لنميمة عدد أكبر قليلاً من الناس؟ أشعر بجسدي غارقاً في الحساء وأنا أتساءل: كل هذا؟

***

يوم ٣٠ ديسمبر ٢٠١١، اكتملت مخطوطة التماسيح

wpid-img_1662-2011-12-31-14-41.jpg

        حاوية التماسيح: الملف الأول، ٢٠١٢

        العشاق: ١٩٩٧-٢٠٠١

        “كان لهذه الأفكار أو المشاعر أو الترهات فوائدها. كانت تحوّل وجع الآخرين إلى ذكريات خاصة. كانت تحوّل الوجع، وهو شيء طبيعي ودائم ينتصر عليك إلى الأبد، إلى ذاكرة شخصية: شيء بشري ومؤقت يتملص منك إلى الأبد.” – روبيرتو بولانيو، “2666″، عن ترجمة ناتاشا ويمر الإنجليزية، 2007

        “وعندهم أن الأعمال المكتملة تخفي النقص الضارب في أعماقها عن طريق وحدة مصطنعة. وحدة هدفها إنقاذ ذات كاتبها. أما الأعمال الناقصة فلا تتحرّج من ذلك النقص بل تمده إلى آخره، وكأنها تقول إنك لا تستطيع أن تكتب بمفردك أبداً.” – هيثم الورداني، “جماعة الأدب الناقص”، 2003

        “فمن خواصه أن صوته يقتل التماسيح، ومرارة الذكر منه تحل المعقود، ولحمه ينفع من الفالج. وإذا وُضعت قطعة من جلده في صندوق لم يقربه سوس ولا أرضة… وهو من الحيوان الذي يعيش ألف سنة على ما ذُكر وعلامة ذلك كثرة سقوط أسنانه.” – شهاب الدين الأبشيهي (1388-1446) في وصف الأسد

***

wpid-tamasihlogo2-2011-12-31-14-41.jpgwpid-tamasihlogo-2011-12-31-14-41.jpg

***

في المساء أفكر في مون من حيث تصلني أخبار الأحداث عن بُعد. بُعد شديد كما يبدو. وكلما انتبهت إلى بلطجة الجيش ثم كذب القيادات العسكرية وطاقمها السياسي-الإعلامي، كلما انتبهت إلى استعداد الناس لتصديق الكذب، أستريح أكثر لبعدي. هنا سأكون معزولاً وآمناً بما يتيح التذكر. ظريف حقاً أن أمضي وقتي أدوّن بخلو بال بينما مصر تحترق. وأفكر أن المشكل – ربما – أنها لا تحترق بما يكفي: أن هناك من يتحدث عن خطورة التظاهر على “عجلة الإنتاج” وضرورة تنشيط الاقتصاد بينما الشباب يُختطفون ويُعذّبون؛ هناك من يرشّح نفسه لمقاعد البرلمان بدعوى أنه “عارف ربنا” بينما الأزهريون يُقتلون بالرصاص الحي. لهذا، لأن الأحداث رغم كل شيء محدودة ولأن مدلولها يضيع مع استعداد الناس لتصديق الكذب، أشعر بضرورة التذكر وأستريح لبعدي.

في المساء أفكر في مون من حيث تصلني الأخبار وأمتن للملف الذي أمامي على شاشة الحاسوب وهو يمتلئ شيئاً فشيئاً بالكلمات. أهنّئ نفسي على فتح حاوية سميتها “التماسيح” ليكون أول ملفاتها لأنني، منذ فعلت، لم يعد يراودني النزول إلى معترك الأحداث في ميدان التحرير أو شارع قصر العيني ولا أشعر بالذنب. أوقاتاً – هذا كل ما هناك – تكتسحني الفجيعة. ضوء قارص يبرق في رأسي يعميني ويشلني كل مرة بضع دقائق فأرتجف وأفيق على ألم حاد في بطني. بعد ساعة، ولا دمعة، تأتي رغبة حارقة في البكاء. لا أعرف أحداً ممن قُتلوا معرفة شخصية؛ ورغم أنني كثيراً ما أضع نفسي مكان أهلهم وأصحابهم – أعرف بعض أصحابهم – لا أظنني مفجوعاً فيهم. الوجع الذي يقرصني ضوؤه علامة شيء آخر لا أعرف كيف أصيغه. كأنك نمت في بيتك المريح وصحوت لتجد نفسك عارياً على قارعة الطريق. كأننا ليس عندنا سوى هذا…

        أفكر في مون وأتذكر أنه، في ٢٠١٠/١٢ أو ٢٠١١/١ إثر اندلاع احتجاجات تونس – بينما الشرطة التونسية تقتل الناس في الشوارع – ظهر أحد الموالين لحكومة “زين العابدين بن علي” على قناة الجزيرة يسأل بنبرة استنكار: “هل أن الحل هو إحراق البلد؟ هل أن الحل هو إحراق البلد؟” الآن بعد سنة أو أكثر من اندلاع الاحتجاجات في مصر، أردد كلماته بشعور مختلف وصوته يرن في أذني بينما تصلني الأخبار: هل أن الحل هو إحراق البلد؟

أحدث فتاوى فضيلة الشيخ أبو نصر السكندري

wpid-sheikhmohab-2011-12-22-01-37.jpg

اقرأ هذه الفتوى نفعك الله بها: أنا الشيخ أبو نصر السكندري، أفتي بأن الإخوان والسفليين ومن سار على شاكلتهم واستن بسنتهم وانتهج نهجهم هم كفار هذا الزمان وملاحدته.

كانت الناس على قلب فمزقوهم شيعا “كل حزب بما لديهم فرحون”، نهض الناس على اقصاء الفساد، وهبوا هم الى نجدته، وعدوا الناس بجنة ما أعطاهم الله مفاتيحها فكذبوا عليه وعليهم، ومن أضل ممن كذب على الله، ونافقوا أهل القوة، والمؤمن ناصر الضعيف، واحتالوا لكسب عرض زائل فباعوا دينهم بدنياهم، وخاضوا في أعراض الناس بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وادعوا علم ما لاعلم لهم به فضلوا وأضلوا، وصدروا أنفسهم لأمانة الحكم، والمؤمن الحق لا يعطاها الا كارها لها، وما كيد الكافرين الا في ضلال، تمسحوا بكل سلطان، وداهنوا كل ظالم والساكت عن الحق شيطان أخرس، فما الحال اذا روّج للبهتان واستغل ايمان الناس، ومن تواقح على الله أنّى له أن يقيم لخلقه حسابا. أفسدوا في الأرض وما جزاء المفدسين في الأرض الا أن يحرقوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض. وصيانة من الفتنة نقول بعون الله: ان على الناس استتابتهم، فان تابوا وأصلحوا “فهم اخوانكم في الدين” وإن كابروا واستكبروا، فتلك حدود الله، وعلى الباغي تدور الدوائر.. والله أعلم

الإسلام والديمقراطية

wpid-mg2008-2011-12-8-18-33.jpg

العلمانية هي الحل

دُعيتُ إلى المساهمة بشيء عن الثقافة والإسلاميين – بعد وصولهم إلى الحكم، كما قيل، ديمقراطياً – فوجدتُ عندي كلمتين أقولهما في هذا الشأن: إن هناك العالم، وهناك الهوية؛ وإنهما – فيما يفرضه الطرح “الإسلامي” سلفياً كان أو جهادياً أو إخوانياً أو حتى إيرانياً شيعياً – متناقضان. كمسلمين بالولادة (وبغض النظر عن اقتناعنا بالعقيدة)، حقنا أن نعيش في العالم بهويتنا؛ أن تكون لنا حقوق الآخرين وما لهم من رفاه دونما نضطر إلى إسقاط تلك الهوية. والحاصل أن حقنا مسلوب – بدرجة أو أخرى – منذ انتصرت هوية أخرى؛ إلى هنا نتفق. لكن هل يوجد مخرج من هذا المأزق التاريخي؟

المشكل أن الهوية الأخرى هذه، بانتصارها، إنما صاغت العالم الذي نشارك أصحابها العيش بشروطه، شئنا أم أبينا: شروطهم. ولم يعد في هويتنا عملياً سوى اسمها، إضافة إلى بعض المميزات المعنوية المذمومة إجمالاً، كالطائفية والطغيان والهوس الجنسي والاستهانة بالحياة. فهل يسعى الإسلام السياسي إلى إعادة صياغة العالم كلياً بما يبرر أو ينشر هذه الصفات؟ لأنه بالتأكيد لا يسعى إلى مناهضة الرأسمالية العالمية ولا المساهمة في الحضارة كما نعرفها حتى نحن في العصر الذي نعيش فيه… فهل يسعى إلى فرض هوية لا يميزها سوى أنها، في مساحة منفصلة عن كل أسباب الحياة بما فيها الأخلاقي منها، غير متسقة مع العصر – وهل هناك من يعتقد أن هذا ممكن؟ – أم أن الإسلام السياسي، بينما يكتفي بقمع حريات من شأنها أن تجعلنا أنداداً لمن صاغوا عالمنا (العقلانية والعلم والإبداع، المواطنة وحقوق الإنسان وتداول أو تجاوز السلطة)… أم أن الإسلام السياسي، أقول – بينما يكتفي بقمع الحريات – يختزل فكرتنا عن الهوية في طقوس ومظاهر وخطابات لا يفصلها عن الحياة العصرية ذاتها سوى أنها تعتذر عن الصفات سالفة الذكر وتتخذ من الهزيمة التاريخية سبباً للوجود أو العداء؟

الشريعة الإسلامية لازالت لم تحرم الرق ولا التجارة في أجساد النساء بدعوى تعدد الزوجات، ولا حتى قطع أيدي ورؤوس المذنبين أو رجمهم حتى الموت (مجرد أمثلة)؛ البيعة ليست انتخاباً والشورى ليست ديمقراطية، كما أن الإلحاد ليس كفراً بالضبط ولا غير المسلمين من سكان البلاد ذات الأغلبية الإسلامية أهل ذمة… لا أظن التصور “الإسلامي” لحياتنا يمكن أن يتسع للثقافة حتى في تقاطعها مع الإسلام بمعناه التاريخي أو الحضاري، ولا أظن المضطلعين بالثقافة على استعداد لممارستها في ظل ذلك التصور. لكن – هكذا أعود فأتساءل – ما دخل الإسلام بالسياسة المعاصرة أصلاً، دعك من الثقافة المعاصرة على خلفية سياسية؟

أيها المتجهمون فوق حيطان المزابل
المستعيضون عن الأخلاق بلحية
الخائفون من وجوه النساء
تعبئّون الله في أجولة
وتهيلونه على الأحياء
أنا العلماني الكافر
أنا المرتد العميل
سأبقى إلى آخر جسد تدفنونه
أقض مضاجعكم بالخيال

عن الإخوان وغيرهم أيضا: مهاب نصر

هذا التعليق هو إجابة عن سؤال لصديق ماهو السيناريو الأسوأ بنظرك لو تولى الإخوان الحكم؟ والإجابة هي محاولة شخصية لفهم السؤال أكثر من الإجابة عنه. هناك أفكار تحتاج للمراجعة ومعلومات تتقبل التصويب والمسألة متروكة لمن يريد.. والأجر على الله

مهاب نصر

wpid-screen-capture-2011-09-13-23-02.png

السؤال عن الإخوان، وعن سيناريو وصولهم للسلطة شائك للغاية. لعدة أسباب

أولا أن الغالبية العظمى من الناس لاتزال غير متفهمة للطبيعة القانونية للحكومات المعاصرة حتى وهي تطالبها بالتزامتها، ففكرة الحكومة لدى الكثيرين مازالت مستمدة من فكرة شخصية عن الحكم تجسده في زعماء، قادة، أهل ثقة إلخ، ومن ثم تفترض أن الحكومة الصالحة هي تلك التي تضم أشخاصا صالحين، أو موثوقا بهم بالنسبة للمواطن. وصحيح أن هذا شرط طبيعي في أي حكومة. لكن الحكومة بمعناها القانوني لا شخصية وإنما تمثل أمرين: أولهما التفويض المؤقت من قبل أغلبية تؤيد تلك الحكومة، وثانيهما تعبير هذه الحكومة عن برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي واضح المعالم وغالبا ما يتجسد ذلك في الأحزاب، وهي تختار إذن بناء على هذا الشرط لا الشرط الشخصي: البرنامج.. لا الشخص.

لكن في ظل الفساد العام في مصر والدول العربية جميعها، صارت الفكرة المقابلة هي التخلص من الفساد باختيار عناصر مأمونة النزاهة، ليسوا على الأقل لصوصا أو متورطين في قضايا فساد. ولأن معظم المواطنين المصريين لم تتكون لهم خلال المائتي عام السابقة منظومة أخلاقية ذات مرجعية اجتماعية واضحة، فما زالت فكرة الأخلاق مبعثرة بين الدين ومرجعيته والتقاليد المكتسبة والموروثة، والتي يتضارب بعضها معه بعض في مزيج فريد من أخلاق غير قادرة على احداث التوافق. والأمران مختلطان أشد الاختلاط لدرجة أن كثيرا من الأفكار الأخلاقية تسند إلى الدين عنوة رغم أن مرجعيتها تاريخية واجتماعية أصلا.

المهم أنه في اطار هذا الاضطراب في المراجع الأخلاقية يبدو الدين على الأقل (باعتبار كونه إلى الآن الوثيقة الأخلاقية الوحيدة المكتوبة وليست العرفية) هو المرجع رغم الاختلاف في حدود هذه المرجعية. ومن ثم فكل من يرفع شعار الدين يُشعر الآخرين باطمئنان أكثر، ويكتسب شعبية لا علاقة لها ببرنامجه وبقدرته على تمثيل هذه الأخلاق، ناهيك عن السؤال ما إذا كان الفساد فيما يتعلق بالدول أمرا خلقيا فرديا أم آلية تحلل وتضارب نتيجة سياسات منحازة ومتناقضة؟

ثانيا: أن معظم الناس لا تفهم حتى الآن ما الذي حدث لمجتمعاتها ولا في العالم المحيط بها خلال المائتي عام السابقة، أي مع بداية العلاقة المحتدمة مع الرأسمال العالمي الذي تمثل غالبا في الدول الغربية وان كان أبدا غير مقصور عليها ، وهذا سبب التباسا كبيرا استثمرته فئات تحت مزاعم دينية ووطنية في إحكام سيطرتها على البلاد بزعم حمايتها من آخر ذي هوية محددة ثابتة وجغرافية، وتحويلها للفكرة السياسية إلى فكرة “صراع هويات” لا بناء مجتمعات، لا يختلف في ذلك عبد الناصر عن حسن البنا.

الاستقلال غير التام

حتى قبل مجيء الفرنسيين إلى مصر كان النظام الرأسمالي قد تغلغل في الكيانات القديمة التي كانت خاضعة للدولة العثمانية، كما حدث مع مناطق أخرى في العالم، بإرث دولة شبه اقطاعية، يتفرد فيها الحاكم أو اسرته بالحكم على خلفية مرجعية دينية غير ملزمة على الإطلاق.

ولتوضيح هذه النقطة لأنها غاية في الأهمية حول تمثل بعض الناس للحكومة الإسلامية القديمة نشير مثلا إلى أن الحكومات العثمانية وقبلها المملوكية كانت تشرعن البغاء، ويتراوح تعاملها معه بحسب الظروف الاقتصادية.

وقد قام علي بك الكبير بعد ازدياد ثقته في امكانات التعاون التجاري مع الغرب بأول محاولة انفصال عن الدولة العثمانية مع شريكه الفلسطيني ضاهر العمر، وهو ما كرره من بعده بنصف قرن بنجاح أكبر محمد علي، الذي نسميه الآن باني الدولة الحديثة.

وتجربتا محمد علي وعلي بك الكبير يبينان درجة التأثر المتدرج بنظام عالمي أصبح أقوى من نفوذ أي دولة على حدة. فالقوى الرأسمالية أفشلت مشروع علي بك الكبير حتى لا تضعف الدولة العثمانية أكثر (انظر إلى تناقض المصالح) لأنها كانت تقف أمام الامبراطورية الروسية الوليدة ونفوذها على الشرق الأوروبي. وشيء من هذا القبيل مع الاختلاف حدث مع محمد علي حين امتد نفوذه إلى السودان والحجاز والشام وبدأ يهدد الدولة العثمانية ذاتها.

ان اهم التغييرات التي قام بها محمد علي ليست في السياسة بل في نمط الزراعة المصرية والاعتماد على المحصول الواحد، واحتكار الدولة (الممثلة فيه) للملكية، وتقوية مركزية الدولة الاقتصادية بحزم. لدرجة أن قيل إن بائع البطيخ في عهده كان ينادي : بطيخ الباشا بكذا..

ثالثا: لماذا كل هذه التفاصيل؟ لأن بنيان الدولة بشكلها القانوني المتعارف عليه دوليا الآن نشأ أساسا على قاعدة اقتصادية ومن ثم شكل من التعاقد مختلف جذريا عن الدول القديمة. كانت الدولة الشرق أوسطية شبه ريعية تعتمد على الخراج والغزو، وبالتالي كان الأساس فيها الكيان السياسي الذي تمثله أسرة أو قبيلة ذات قوة عسكرية ضاربة تحتل (أو تفتح) البلدان وتسيطر على انتاجها. لم تكن الدولة تفعّل بنية الاقتصاد ولا كان هذا المصطلح معروفا أصلا (حتى في الغرب) إلا بقدر ما يسمح بمدها بالموارد عن طريق اجراء بعض الإصلاحات. والعبارة الأثيرة التي يرددها بعض الإخوان أحيانا على لسان هارون الرشيد (امطري يا سحابة حيث شئت فسوف يأتيني خراجك) تعبر عن هذا النوع من الاقتصاد القهري الذي كانت تدفع ثمنه الشعوب المغلوبة والفلاحون الذين عزلوا عن ابسط حقوقهم فيما ينتجونه. وكلما كانت تضعف خزينة الدولة كان يتم البحث عن أرض جديدة لغزوها (أو فتحها)، أو فرض ضرائب جديدة تستنزف مع الوقت البنية الاقتصادية ذاتها. وهذا هو السبب في الأزمات الدورية التي كانت تتعرض لها هذه الدول بنفاد الموارد التي لم يتم تطوريها بل فقط جمعها بالقوة.

ومن المعلوم مثلا أن الجزية المتحصلة من رعايا الدولة غير المسلمين كانت جزءا من الموارد، ولهذا كان بعض الحكام يعيقن أو يحجمون عدد الداخلين في الإسلام حتى لا تقل الجزية. ولا يهمنا هنا الجانب الأخلاقي من الموضوع. بل طبيعة الاقتصاد التي كانت تدفع الدولة إلى التناقض الأخلاقي مع ذاتها، أو مبأها المعلن.

لم يكن التجار ولا الملاك قادرين على المنافسة السياسية التي تمثلت في نخب تعزل نفسها بشعارات النسب إلى آل البيت أو النسب النبوي. حتى المراجع الدينية كانت خاضعة لسلطة الحاكم يختار من يشاء ويعزل من يشاء ويوعز بالفتاوى التي تمكن سلطانه. ولم يكن للقوى التي نسميها الآن مدنية أو دينية هياكل تنظيمية أو موارد كافية ولا قدرة شعبية أو عسكرية للوقوف بازاء الحكام، ولهذا تمثلت الشورى المزعومة في مجرد نصائح غير ملزمة، بل ان الفقهاء في معظمهم برروا الخضوع لولاية الفاسق خوفا من ما أسموه (الفتنة) واعتبروا الحكم نوعا من الغلبة، أي بحكم الأمر الواقع.

الدولة الحديثة نشأت على تراكم دائم لرأس المال وانتاجه وليس على جنيه وتحصيله، بدأت بالتجارة في الذهب والفضة خاصة بعد اكتشاف الامريكيتين، وبانتاج المحصول الواحد على مساحات شاسعة والتجارة الاحتكارية فيه كما حدث مع القطن والقمح والشاي والبن والمطاط وقصب السكر وغيرها. حدث هذا في أسبانيا والبرتغال ثم دخلت سائر الدول على الخط. هذه المرحلة المسماة بالرأسمالية المركانتلية ساهمت بنسب متفاوتة في نشوء طبقة متوسطة تملك موارد واسعة، في الوقت الذي كانت تتسم به الدولة في الغرب بنوع من الضعف مكن فيما بعد وإثر صراعات طويلة من قيام نوع دولة التوافق المعتمدة أساسا على الاعتراف بالاختلاف، وتمثيل المصالح المتباينة. وظهر علة السياسة المدني رافعا عنها هالة القداسة الزائفة، ومعترفا بكونها صراعا على مصالح.

وحين اكتشفت الميكنة أو الثورة الصناعية كان انقلابا مخيفا، لعدة أسباب:

كانت التجارة القديمة تعتمد على ملكية أراضي شاسعة ولو خارج حدود الدولة (مستعمرات)، وكان بإمكانها تسخير عمالة مستعبدة بكثافة عالية. لكن الثورة الصناعية تركزت في المدن واحتاجت إلى منظومة إدارية صارمة، وانتاج واسع منظم، وتعليم نظامي لتأهيل الكوادر العاملة في كل مجال، والأهم فلسفة حياة تعتمد على: تقديس العمل، العقلنة اعتمادا على القوانين العلمية والتجريبية،نظم مالية وضريبية، حرية فردية تسمح بالإبداع والتفكير المنطلق واحترام المجتمع وكفالته لهذه الحرية، والتعبئة للقوى العاملة ومن هنا جاءت فكرة القومية. كانت القومية هي الشكل أو الإطار الثقافي لتركز قوى الانتاج تحت شعار أخلاقي لم يكن موجودا بهذا المعنى.

هكذا بزغت الدولة القومية التي تعتمد على: حدود واضحة، نظام قانوني، حقوق مواطنة متساوية لا تعتمد على الأصل الديني أو العقائدي انما من تجمعهم هذه المساحة من الأرض. ومن ثم عزل الدين عن فكرتها. ورغم أن اللغة والثقافة الخاصة هي إحدى المقومات التي دعمت القومية لكنها لم تستخدم إلا عند الضرورة أو كغطاء ثقافي للولاء للمشروع الكبير، فكرة المواطنة كانت الحاكم الفعلي للنظام، الذي تمثل في وحدة انتاجية كبرى، يتعايش أفرادها بناء على قوانين لا تقررها الأغلبية فحسب بل تمنع هذه الأغلبية من إقرار أي مبدأ مسبق لا يشكل جامعا مشتركا ولا يكفل حق الفرد والأقلية. والديموقراطية الغربية بهذا المعنى ليست كما يفهم خطأ حكم الأغلبية، بل هو أيضا كفالة حق الأقلية على أساس عقلاني.

أصبحت الدولة “القومية”، مع شيوع النمط الرأسمالي وتحوله الى النمط الوحيد مع الوقت، هي النموذج العالمي الذي على أساسه تتم المعاهدات، والاعترافات الدولية بالكيانات السياسية وعمليات التبادل التجاري والاقتصادي.

ومن ثم بدأت الكيانات السياسية القديمة في كل أنحاء العالم تحذو هذا الحذو بداية من الدولة العثمانية ذاتها، والحقيقة التاريخية أن نموذج محمد علي كان منقولا عن التطورات في النموذج العثماني. انتهت دولة الخلافة وصارت الدولة قومية.

المشكلة لدينا أن أهل النظم القديمة وممثلوها وكل أصحاب المصالح في بقائها، والذين كانوا مضطرين تحت ضغط التحولات الكبرى إلى تعديل المنظومة، أقاموا عملية تحديث هجين؛ فرضوا بحدود الدولة القومية وبتعبئة البشر والتعامل معهم كمنتجين، بنيت المدارس وأعد الجيش وظهرت كوادر نظامية من الموظفين، لكن بخلاف النمط الرأسمالي قامت السلطة باحتكار النشاط الاقتصادي ومن ثم قبضت على السلطة كلها في يدها، بدلا من أن تقيم التحديث بتشجيع ظهور طبقة وطنية واعية حرة ومنفتحة، قامت بتوسيع دائرة حكمها عن طريق بيروقراطية واسعة تلتهم المجتمع بحيث يدخل المجتمع كله في الجسم الوظيفي للدولة، دون أن يكون له أي استقلال حقيقي عنها، ودون أن يتمكن من التعرف على ذاته إلا من خلالها. دخلت الدولة كوسيط في كل العلاقات الاجتماعية. مع العلم أنها لم تمثل مصالح هؤلاء بل مصالحها التي جندتهم لأجلها، مع بقاء بنائها الأساسي شخصانيا متمثلا في حاكم أو زعيم أو حتى نخبة من المستفيدين.

وهذا أحد أسباب الارتباك الشديد بعد الثورة. فلا مفاجأة إطلاقا في أن الغالبية من الناس رغم اجماعها على الثورة وفساد النظام لا يعرف أفرادها بعضهم بعضا، ولم تكتشف بعد لغة مشتركة تعطلت طويلا، لقد كانت الدولة أباهم (ولو كان فاسدا ومستغلا). والآن يبدون كأبناء ساقطين من السماء بلا أجنحة.

الثقافة والسياسة

تلاعبت هذه الدولة منذ محمد علي ومن تلاه بالثقافة التعبوية للمجتمع بحسب الحاجة. فهي ترفع شعارات التحديث على نسق أوربي حينا، وتستنهض القيم الاجتماعية ما قبل المدنية كالعائلة والعشيرة. ويقدم السادات نموذجا فريدا وكاشفا للجمع بين احياء فكرة الدين والتقاليد الريفية (دولة العلم والإيمان وأخلاق القرية) وهو جمع له دلالته الحاسمة التي تحتاج لتفصيل في غير هذا المكان.

ظهرت فكرة “الوطنية” لا فكرة المواطنة كوسيلة تعبئة للناس، بل يشير البعض إلى أنها ظهرت بداية من حملة نابليون، فمن المدهش أن نابوليون كان يخاطب “المصريين” باعتبارهم شعبا يملك مقومات أمة خاصة ذات تاريخ وأن يرتبط هذا باستقلالها، بالطبع عن الدولة العثمانية في ذلك الوقت.

وهو ما تكرر بكيفيات أخرى في عهد محمد علي ومن بعده. نشأت الوطنية كشعار لصالح تشغيل الناس في مشروع كبير تحتكره الدولة، والدولة نفسها تتجسد في شخص. نموذج فريد من التهجين بين الأنظمة أثبت فشلا مروعا.

فحين تعرض محمد علي للتآمر لم تكن وراءه طبقة قوية من مصريين المدافعين عن اقتصاداتهم، ويملكون تعبئة القوى لمواجهة النفوذ الرأسمالي الذي يفرض عليهم دور التبعية. ومن ثم خضع محمد علي للشروط. والأسوأ انه مثله مثل كل الحكام العرب الذين أتوا بعده فانه حين يتعرض مشروعه للانهيار يظهر جانبه الشخصي، متمثلا في اشتراطه أن يحتفظ هو واسرته بحكم مصر. وتدريجيا سمح خلفاؤه ببدايات التدخل الاقتصادي عن طريق الامتيازات ثم الديون وبدأت السلسلة التي لا تنتهي.

من الفئات المستفيدة بالأوضاع القديمة كان رجال الدين الذين مثل صعودهم وارتقاؤهم في الأزهر فرصة للحصول على اقطاعات واسعة ومن ثم كانوا مستفيدين من بقاء السلطة الدينية، وكانوا دائما في حالة تعاون مع الحكام في تبادل اسباغ كل منهم الشرعية على الآخر، وكانت مواقفه الوطنية تتعلق بمصالح نخبته في الغالب. وبإعادة انتاج منظومته والثقافة التي يمثلها والتي تكرس له دورا ونوعا من الوصاية. فكما ثار على الاستعمار أحيانا خوفا من ثقافة جديدة ونظام يلغيان دوره، فقد تواطأ معه أحيانا حين آنس امكانية بقاء مصالحه وهذا يحتاج إلى تفصيل.

كان الأزهر فرصة صعود طبقي بالنسبة للريفيين الذين عزلهم الحكم منذ دخول الاسلام مصر عن المشاركة في الحكم وحتى في الجيش. وأغلق عليهم كل فرص الترقي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. ومن ثم كان دفاعهم عن الثقافة الدينية الممزوجة بتقاليد ريفية هو دفاع عن وجودهم ومكانتهم الروحية والاجتماعية ومكتسباتهم أيضا.

نسخة غير أصلية

لم ينقل النظام الرأسمالي للدول التابعة نسخته الأصلية، لتكون تكرارا أو امتدادا له، بل لقد تمكن بمرونته من التعايش مع انظمة قبل رأسمالية وأنماط من الثقافة التقليدية، بل لقد دعمها وكرس لها باسم “الحفاظ على الخصوصية” أحيانا، أو عدم أهلية المجتمعات للتحديث الكامل أحيانا أخرى.

وفكرة “الخصوصية” بالذات والتي تأكدت وشاعت في نهايات القرن الماضي. وجدت فيها كل التيارات الرجعية لقيتها الثمينة للدفاع عن وجودها. وكان الدين بطبيعة الحال أحد عناصر هذه الخصوصية.

وماذا الآن؟

.

الآن حين نتحدث عن الإخوان نتساءل قبل ان نعرف مدى صلاحيتهم: ما هو نوع الدولة التي يمكن أن تعيش وسط التجمع العالمي وتتمكن من العمل والتبادل؟

إذا كنا نعترف مثلا بالدولة القومية فكما قلت أن الدولة القومية أساسها اقتصادي بغطاء قانوني وتأتي الثقافة كسمة اجتماعية لا تؤثر على طبيعة البنيان القانوني أو الاقتصادي. ومن ثنم يمكننا الكلام على الثقافة في فرنسا أو أميركا أو اليابان أو استراليا دون أن يعني ذلك التأثير على مجموعة من الأسس الثابتة: المصدر النهائي للتشريع هو الشعب، المواطنة، الديموقراطية، حقوق الفرد التي يحميها القانون ولا تتدخل فيها الثقافة الشائعة أو العرفية أو أي مبادئ مسبقة، حرية التملك والتجارة، حقوق التعليم والتعبير والرأي والممارسة السياسية إلى آخر القائمة. وتبقى الاختلافات الطفيفة داخل هذا الاطار العام.

أما انشاء دولة على أساس ديني فانه لا يقوم على أن أصحاب هذه المساحة من الأرض شركاء متساويين، فالعقيدة الدينية لا أرض لها أصلا، و لاتتعلق بلغة ولا بمكان، وأساس بنيانها ليس على المنافع اليومية التي تشكل القاسم المشترك بين البشر، بل على مبادئ أخلاقية بنظر أصحابها. ومن ثم فهو يقلب مفهوم الدولة رأسا على عقب. ولهذا فشل لا الإخوان وحدهم بل كافة الجماعات الأصولية في اعداد مشروع واضح لدولة تستنجيب للشرط العالمي لأنه يناقضها من الأساس

وهو يقوم على نص مقدس بنظر أصحابه غير خاضع للنقاش بينما المبادئ الدولية القانونية خاضعة للنقاش والرد والتعديل والاعتراض.

ما سيحدث حين يتولى الإخوان الحكم هو انهم سيسيرون قدما في حالة التلفيق التي نسميها التوفيق، سيكونون رأسماليين دون أن يملكوا معايير الرأسمالية السابق ذكرها، وسيحاولون اظهار اختلافهم بتشجيع بعض الشعائر والمظاهر الدينية كالحجاب وخلافه، لكن هذا سيمح لجماعات أخرى ذات مصدر ديني أن تتهمهم بالتقصير والخضوع للشروط الدولية للكفار، وستنتهز فرصة أن الأساس الديني هو المعلن للدولة لتقدم تفسيرها الخاص للدين. وهو ما حدث في أفغانستان والصومال والباكستان وهو نماذج لا حاجة إلى الكلام عنها ولا عن فشلها.

ستكون هناك فرصة للمجتمع الدولي للضغط على مصر أو غيرها بزعم حقوق الأقليات أوعدم احترام الحقوق الفردية أو حقوق المرأة.

سيجد الإخوان أنفسهم مثلا في مأزق أمام السياحة كمصدر اقتصادي اساسي. وأمام التعامل مع اسرائيل التي لن يسمح المجتمع الدولي بتجاوز حدود معينة في التعاطي معها.

ان مشروع اي دولة دينية لا يمكن أن يتقبل الأساس الرأسمالي الذي يعتبر أن الحياة هنا والآن، وأن مقياس الإنسان هو ما ينتج أو يملك أو يستهلك، بينما العقيدة لا تشترط ذلك بل السلامة الأخلاقية من منطلق عقائدي. وأن هدف الحياة هو الآخرة لا الدنيا، النظام الرأسمالي موضوعي مادي لا علاقة له بعقائد الأشخاص، بينما المنظومة الدينية قائمة على الفصل الحاد بين البشر على أساس الإيمان وعلى ثنائية الكافر والمؤمن.

أفكار غير واقعية

نتيجة غياب الممارسة والتربية السياسية الفعلية والتعليم الناضج والاعتماد على نوع من الثقافة البدائية الشفوية تنتشر أفكار يتم تناقلها أو الترويج لها كحلول سياسية منذ فترات طويلة ليس من الإخوان فحسب بل أحيانا قوى سياسية أخرى وأشخاص عاديين.

الدولة: ان أهم ما شهده العصر الحديث في فكرة الدولة هو تحولها إلى كيان متجرد لا شخصي، فهي مجموعة من المؤسسات والقوانين التي تمثل مصالح الكل، بغض النظر عن من يتولى مسؤليتها من الأشخاص. فالدستور والقانون من جهة، وانتخاب الأشخاص على أساس حزبي وبرنامج سياسي من جهة أخرى يعني أن الحكم للفكرة وليس للشخص.

وهو تماما عكس ما شهده التاريخ العالمي كله قبل التطورات الحدثية. فامتلاك شخص أو أسرة للحكم وانفرادها به على خلفية القوة كما سبق، كان يعني ارتهان السياسة بمصالح ورؤى شخصية. ولهذا كانت الممالك القديمة تتعرض دائما لاهتزازات قوية ما تلبث أن تصعد حتى تنهار . ومن المفارقات أن كلمة “دولة” في تراثنا العربي تحمل معنى التقلب، بأكثر مما تحمل من معاني الاستقرار. فنقول الأيام دول، ودالت دولته أي زالت.

الخطورة أنه مازال في تصورات الناس بصفة عامة وليس مؤيدو الإخوان فحسب أن الحكم يتوقف على نزاهة شخصية. وهذا خطأ فادح. يترتب عله خطأ أكثر فداحة وهو اجتزاء مواقف من سير حكام أو خلفاء لإبراز شكل من العدالة النموذجي مع الادعاء بان هذه الفئة أو الجماعة أو تلك تتبنى المسلك نفسه.

وهذا بالإضافة إلى أنه تدليس تاريخي لأن الأحداث التاريخية لا يمكن التدليل عليها باخراجها من سياقها الكلي إلا إنه يبرز من جهة أخرى المسافة المرعبة بين الوعي الشعبي والديني من جهة تصوراتهما السياسية، وبين ما يدور في العالم وحتى في كواليس السياسة في بلادنا المرتبطة باتفاقات ومعاهدات لا علاقة لها بتبدل الأشخاص. وبطبيعة النظام الذي تخضع له وتدعي كل يوم مواجته ثقافيا بينما هي مرتهنة به وجوديا. بل تجهل أيضا مصدر الثقافة التي تحدرت إليها وكيف تلونت واختزلت ليعاد استخدامها سياسيا بطريقة أفسدت السياسة والفكر معا.

“احنا مشكلتنا”!

إذا ركبت مع سائق تاكسي وبدأ معك حوارا حول “البلد” وأحوالها سيقول لك بعد قليل “احنا مشكلتنا يا استاذ..” ثم يكمل.

في هذه الجملة القصيرة خطآن كبيران: الأول في ضمير الجمع “احنا”. لأن المجتمع الذي هو موضوع السياسة ليس واحدا ابدا، ولا في أي مكان من العالم رغم القوانين المتجردة التي تحدثنا عنها. فعمليا هناك دائما قوى متنازعة أو مختلفة في المجتمع بحسب تأويلها للقانون وتفسيرها للسياسة الحاكمة ومصالحها أيضا.

تعترف الديموقراطية الغربية بفكرة تنازع الرغبات والمصالح. وهي وان كانت تضع اطارا عاما لها يضمن عدم وصول التنازع إلى العنف، لكنها أيضا تتيح تداول السلطة من خلال التنافس والجدل السياسي، الذي يقرب بين هذه المصالح مع الوقت ولذلك نرى الأحزاب الغربية شبه مستقرة، وتبدلها لا يعني تغيرا جذريا في السياسة العامة. كلمة “احنا” تختزل المجتمع كأن كل شخص يتصور أنه الممثل الحقيقي له. ومن ثم يصبح السؤال أكبر من حدوده، والإجابة عنه مستحيلة.

وليس معنى ذلك عدم استخدام الكلمة فهو طبيعي لكن استخدامها كاقتراح مع الوعي بمن تمثله وقابلية تعديل تصورنا عن من يمثلهم هذا الضمير الجمعي.

الخطأ الثاني في الجملة هو كلمة “مشكلتنا” وكأن الدولة أسرة تعاني من ضائقة. دون ادراك للمعنى المركب للدولة والمجتمع على السواء، وهو يؤكد أننا نعيش في مجتمع ما قبل التخصص. لقد تورط الكثيرين جريا وراء سهولة التشبيه، إلى تشبيه الدولة بالجسم الإنساني الذي يلعب كل عضو فيه دوره. ولا يؤدي هذا التشبيه أي نتيجة في فهم طبيعة الدولة على الإطلاق، بل قد يؤدي إلى فهم تراتبي جامد ومزيف. كما لا يكشف الطبيعة المركبة والمرنة في تداخل المصالح الدولية مع فئات داخل الدولة نفسها. فالتصور الزائف عن الاستقلال استسهل مثل هذه التشبيهات بل جعلها قاعدة للفهم، يسهل ترويجها وتحويلها إلى شعار مفرغ من المعنى.

حياة التخصص

بدأ من “تقسيم العمل” شديد الدقة والضبط بدا وكأن التخصص لازمة من لوازم مجتمع حديث.

والحديث الفضفاض الذي يمكن تلمسه في سجالاتنا التي تشهدها الصحف والندوات والفضائيات.

يستهين تماما بهذه الفكرة، ويعود إلى نظام “المصطبة”، متراجعا عن الصياغة والتعرف الدقيق للموضوعات والمشكلات، ومتخبطا بالتالي في عدد لا يحصى من المغالطات، وموحيا أنه من حق الجميع الإدلاء بالرأي في أي موضوع يملكون انطباعا عنه، في غياب أرضة من المعلومات والأداء المنهجي.

الأسوأ اعتبار ملخص الأزمة التي نمر بها “أخلاقيا” لا بنيويا، لأن الأخلاق تفترض ارادة الفرد الكاملة وسيطرته على ما ينتجه وما يمارسه، بينما حقيقة الأمر أن الفرد في كل مكان الآن جزء من عجلة لا تخضمه تماما. هكذا تسبب هذه النصائح الأخلاقية وقوع الأشخاص في أزمات تناقض. دون أن يدركوا لها حلا، ودون أن يتفهموا أن المشكلة ليست في الأخلاق ولكن في منظومة العمل المركبة التي يمكن أن تكون معطوبة، أي أنها مجموعة مشاكل لا تحلها كلمة ولا سماع خطبة أو برنامجج تلفزيوني، أو عبارة على مقهى.

الإسلام هو الحل:

تأتي عبارة “الإسلام هو الحل” ترتيبا على الوعي الشائع السابق الذي يفترض أن لنا مشكلة واحدة أو موحدة، وأن حلها يكمن في كلمة مثل مفتاح الباب: الإسلام.

وتتضمن هذه الجملة عددا من المغالطات تبدأ من كلمة الإسلام. يبني مطلق الجملة هذه الكلمة على اعتبارها أمرا مفهوما وواحدا بالنسبة للجميع وهي ليست كذلك أبدا لا تاريخيا ولا علميا ولا عند التطبيق العملي. فلم تكن كلمة الإسلام في أي وقت من التاريخ تعني الشيء نفسه بالنسبة للمؤمنين بها. فأي إسلام نقصد؟ اسلام السنة أم الشيعة؟ وأي سنة نعني الإخوان أم السلفيين أم تنظيم الجهاد أم القاعدة؟ هل نخرج المتصوفة من الحساب؟ وماذا نفعل لو ظهر لك تيار اعتزالي مثلا؟

وهنا نعود إلى فكرة التيارات الأصولية المعاصرة كلها إخوان وغير إخوان وطريقة تعاملها المتعسفة والكاذبة مع فكرة الإسلام. فهي تقفز فوق تراث عمره 1400 سنة لتنتقى منه على هواها بلا وازع من ضمير علمي أو ديني.

وتحاول أن تقدم للناس هذا “الإسلام” كما لو كان تاريخا متماسكا واحدا موحدا. متجاهلة المعارك الفكرية والعقائدية. وأن الانشقاقات في فهم الإسلام كعقيدة وسياسة، بدأت مع حروب الردة، وتبعتها مآسي لا حصر لها. وأن من يسمون بالصحابة العدول وقف أحدهم ازاء الآخر في مواقع مشهودة. وأن التكريس لما يسمى “السنة والجماعة” انما جاء قسرا ليس لأمر ديني بل لأمر قومي عشائري، حيث أراد العرب الحاكمين أن يحصروا تفسير الدين وفق بيئتهم ولغتهم، بحيث يمتلكون مفتاح تفسيره الوحيد. ومن هنا جعلوا مرجعية الدين كالنسب بالراوية عن السابق فالسابق، وليس بمسؤولية الإنسان عن علاقته مع الله التي سيسأل عنها وحده أمامه. عقيدة أهل السنة عقيدة قومية مغلفة برداء ديني. كما أن عقيدة الشيعة كانت يوما ما عقيدة فارسية برداء ديني آخر. وكلاهما تحتشد كتبه بالأكاذيب عن الآخر. باختصار كيف سيعامل الأخوان أهل التفسيرات الأخرى للإسلام نفسه؟.

المصيبة الكبرى أنه مع تحدد منازل اهل السنة والشيعة وتصفية معظم التيارات الأخرى بالاضطهاد والقتل والتشريد وحرق الكتب والمنع من المعايش والتضييق على أصحابها. انتهى الجدل العقائدي “الذي يسمى أحيانا التوحيد” والذي هو أصل الدين ومبدأه. انتهى الى خلاصلات محفوظة ساذجة قضت على الجدل الغني الذي شهدته الحضارة الإسلامية في ازدهارها. وتعين الإسلام في “الفقه” وحده الذي هو في النهاية مجموعة طقوس شكلية لا تميز مؤمنا عن غير مؤمن الا بالحركات والسكنات والتعليمات الأخلاقية السطحية.

ومن المدهش أنه رغم الصخب العالي لحركات الإسلام السياسي بجميع طوائفها لم تحاول أبدا وضع تصور وتفسير متكامل ينطلق من اعادة النظر في الأفكار العقائدية وينتهي بالتشريعات. والأدعى للدهشة أنها تجاهلت التخصص الذي كان عليه الأقدمون منذ ألف سنة؛ هذا محدّث، وهذا فقيه، وهذا أصولي، إلخ لتصبح كلمة “داعية” هي البديل المائع للدرس الديني. البديل الريفي لثقافة المصاطب.

كان المفترض أنتنمو التخصصات لا أن تنكمش مع تعقد الجدل ازاء نظريات كبرى ظهرت في العالم منذ خمسمائة عام وهي تعمل وتطور ضمن حياتنا دون أن ندرك حتى كنهها، ولا أننا في الحقيقة جزء منها بما في ذلك التيارات الإسلامية نفسها.

وهكذا تعمل هذه التيارات، بل والوعي الشعبي كله وكثير من تياراته السياسية الأخرى التي تدعي تمثيله، تماما كالمغفل بالمعنى الحرفي للكلمة.

لكن ثالثة الأثافي كما يقولون هي أن التيارات الدينية وهي تروج لشعارها تمني الناس بالحياة الغنية للحضارة الإسلامية القديمة غافلة عن أن غنى هذ الحضارة انما كان نابعا من هذا التنوع الثقافي، والصراع العقائدي، والاختلاط المكثف وغير الموتور بالحضارات الأخرى. والسؤال: إذا كان الإخوان قد أثاروا ضجة كبرى على “ألف ليلة وليلة”، وكانوا يقيمون مظاهرات على كلمة أو عبارة في رواية لم يقرأوها. فماذا سيصنعون، مع التراث الحضاري؟ ماذا سيصنعون مع أبي نواس وأبي العتاهية وكتاب الأغاني؟ ماذا سيصنعون مع كتابات السهروردي والحلاج وابن الفارض؟ ماذا سيصنعون مع مؤلفات ابن سينا وابن رشد واخوان الصفا؟ ماذا سيصنعون اذا جاءت جماعة لتزايد عليهم بأن تماثيل الفراعنة شرك عظيم واوثان جاهلية؟ ماذا سيصنعون مع تراث نجيب محفوظ، وماذا لو اتى روائي في قامته أو شاعر أو فنان بأفكار لا يقبلونها هذا اذا كانوا يفهمونها أصلا؟ كيف يواجهون العالم حين يصادرون الكتب أو يمنعون معارض أو احتفالات؟ هل سيفتتح وزير الثقافة الإخواني مهرجان السينما والمسرح التجريبي؟

ما تصورهم عن الحضارة الإنسانية؟ عن الفن؟ عن الأدب والثقافة؟ عن النظريات العلمية التي لن يتمكنوا من التوفيق بينها وبين العقيدة إلا على حساب إحداهما.

الإسلام والسياسة:

رغم غنى التراث الإسلامي القديم بالسجالات العقائدية والتفسيرية واللغوية والبلاغية إلخ. لم تظهر، نتيجة طبيعة الحكم الاستبدادي، نظرية سياسية في الإسلام. وحين نقول “نظرية” سياسية نعني بناء محكما متماسكا من الأفكار التي تبدأ بتعريف الإنسان نفسه وعلاقة الفرد بالمجتمع، ومعنى المجتمع وحدوده، وطبيعة المسؤولية السياسية، مصدر الأحكام والتشريعات، وتنتهي بكيفية إدارة هذا المجتمع، وبالتالي يخرج عن هذا تلك الشذرات المتناثرة على ألسنة التيارات الدينية بشاهد من هنا وشاهد من هناك. كما يخرج عنه أيضا ما كتبه عدد من العلماء المسلمين القدامى الذين كانت تآليفهم في السياسة غير مكتملة، ومتعلقة بما يمكن تسميته “الآداب السلطانية” وهي مجموعة نصائح وارشادات للحاكم، لكن معظمها موجه إلى الوزراء والحاشية مثلما هو الحال في كتب الماوردي.

واللافت أن أبواب الفقه رغم أنها تتناول عددا من التشريعات اليومية وبعض الأمور الخاصة بما سمي “المعاملات” لم تسخر مجالا خاصا للسياسة، وكأنها اعتبرتها شيئا يحدده الحاكم وحده. أما مبدأ الشورى فكما قلنا انه إضافة إلى أنه يترك للحاكم تحديد من هم أهل المشورة، أي أنه ينتقيهم على هواه، فانه في النهاية غير ملزم له بأي حال. وعلى خلاف المسيحية الكاثوليكية مثلا، لم توجد في تاريخ الإسلام هيئة دينية مستقلة تقوم بتحديد صلاحيات الحكم والحاكم وتكون أعلى منه وذات سلطة عليه. ولو عدنا إلى أسباب زوال الدول في الإسلام فلن نجد مثلا أنها زالت بسبب ثورة على حاكم قادها علماء أو صفوة، وانما تنازع على الحكم والثورة بدعاوى أحقية الوراثة.

والحقيقة أن الارث الاسلامي السياسي في مجال الحكم يتلخص في مناخ المؤامرات والدسائس، وتميكن الحكم بالحيلة مرة والقوة مرات وهو لا يختلف في ذلك عن أسلوب الحكم في بقاع أخرى كثيرة في هذا التاريخ.

موضع الشاهد أنه لا التاريخ الإسلامي يقدم نموذجا جديرا بالالتفات، ولا التراث الفكري يقدم نظرية في السياسة يمكن البناء عليها.

ولم تظهر النظريات السياسية المتكاملة البناء والصياغة إلا تدريجيا، وكان أهم ركن فيها فصل مجالها عن غيره من المجالات العقائدية، مثلما حدث في سائر العلوم. على أي أساس مثلا ستقيم معاهداتك الدولية، اذا كنت تعترف بالديموقراطية فأصلها له جانب فلسفي أيضا. اذ توصلت الفلسفة الغربية إلى الإقرار بأن الإنسان يستطيع اعتمادا على عقله الوصول للحقيقة، التي يتم تصويبها باستمرار باستخدام وسائل لا تخرج عن حدود العقل والتجربة والوسائل العلمية. ومن ثم كان الاعتراف بأهلية الإنسان لأن يحكم نفسه ويقرر طبيعة الحكم الذي يقبله. من هنا يأتي اتساق الفكرة المتكاملة من النظرة للإنسان إلى شكل الحكم.

أما أن نؤمن بديموقراطية ذات مرجع ديني فهو كلام مفرغ من أي مضمون ومتناقض مع ذاته. اذ بينما نعترف بحقيقية قبلية خارج العقل وادراكه تحدد الصواب والخطأ نعود فتقول ان من حق هذا الإنسان أن بقرر مصيره وحياته وفق عقله هو. وتكون النتيجة أن تصل إلى حل مشوه مثل المسخ. واذا كنا سنتستطيع انفاذ هذه المرجعية الدينية محليا ماذا سنصنع مع العالم واتفاقياته، هل سنقول في مستهلها أيضا قال الله وقال الرسول؟ أو سننطق بهما في سرنا؟ أم سنصبح مزدوجين متواطئين مع أنفسنا ؟

ومن ثم فان كلمة الاسلام هو الحل تتضمن استهتارا واعيا أو غير واع بمفهوم النظرية السياسية وكسل معن انجاز مثل هذه النظرية والجدل الواسع والمفتوح بشأنها، وتدليس لا يغتفر على الناس البسطاء باستغلال احتياجهم إلى حل سهل لمشكلاتهم، بتقديمه في جملة فارغة من أي محتوى محدد، فلا الإسلام كلمة تحدد مجالا من الأفكار لا خلاف عليه كما أوضحنا سابقا، ولا السياسة كانت ضمن اطاره النظري والبحثي في يوم من الأيام.

خلاصة:

ان التيارات الدينية الحالية رغم أنها تتصور نفسها امتدادا للحضارة الإسلامية إلا انها لا تفطن إلى أنها في الواقع لا صلة لها بها لا من جهة تنظيمها الاجتماعي ولا السياسي ولا الثقافي. لقد انتهت تلك الحقبة إلى الأبد. وكل ما يحدث هو أن الفئات المهضومة نتيجة الصراعات الدولية والوطنية الحديثة، ونتيجة تحديث غير مكتمل دفعت هذه الفئات ثمنه دون أن تنال مكاسبه، ودون أن يكون لديها اطار قانوني أو سياسي للمطالبة بحقوقها وازالة شعورها العميق بازدواج الولاء والضمير بحثت عن حل سهل مختصر، يتلاءم مع ما تبقى من ثقافة دينية مختزلة وسطحية إلى أبعد حد ، ووعي يكاد يكون منعدما بطبيعة العالم الي تعيش فيه، ومستوى تعليمي لا يؤهل الا لتخريج مجموعة من الكتبة الموظفين لا الاختصاصيين ولا الباحثين ناهيك عن المبدعين. وجدت هذه الفئة نفسها قادرة من خلال هذا الشعار الديني، المختلط بوعيها الريفي وعدائها وخوفها من المختلف، وشكها الدائم فيه، وجدت نفسها من خلال هذا الشعار قادرة على تعبئة شعورية ووجدانية، لكن الفشل هو مصيرها المؤكد، والأصعب لن يكون ذلك بل صدمتها في نفسها عند الاختبار الفعلي وحجم الأكاذيب الذي ستضطر إلى ابتلاعه كالإهانة المرة.