هل في شعار “القدس لنا” أكثر من كذبة لا يجني مرددها من رفعها سوى لفت النظر إلى أنه كذاب؟

wpid-2013-04-1307-08-52-2013-04-13-14-18.jpg

بعد تمحيص وتقلب، أعتقد أن هذا هو السؤال الوحيد الحقيقي الذي يطرحه “الاستقلال الثاني” (وهي التسمية الأوقع من “الربيع العربي” إذا ما أردنا أن نحافظ على نظرتنا الإيجابية إلى “الثورات”):

ما هو الطرح الحضاري الذي قدمه الاستقلال الأول، خلاف مفاهيم الهوية الجمعية المتخلفة (بالمعنى الحرفي للتخلف) والتي انعكست تصريفاتها “المقاوماتية” ثم الطائفية في صعود وتقدم إسرائيل بالوتيرة نفسها التي كان يتصاعد بها ويفرّع من محتواه خطاب تحرير فلسطين سواء في تصريفه “القومي” أو الطائفي الصريح؟

كيف كان لنا أن نتوقع مآلاً أفضل لسقوط “الطغيان” في غياب أي قيمة فاعلة – بمعنى عملية – قادرة على تحريك الناس ودفعهم على الإنتاج أو حتى الحياة (في مقابل المثاليات والأخلاقيات الدافعة، في حال صدقها، على الموت)؟

wpid-2013-04-1307-07-18-2013-04-13-14-18.jpg

أن يتحول النظام السوري مساند المقاومة الإسلامية إلى هدف للجهاد، ويصبح من قال له عبد الناصر “إني أرى فيك شبابي” كاريكاتور طواغيت الأزمان السابقة، بل وتصبح “الرجعية العربية” بزيها هي قبلة التحرر “الثوري”… ربما لا غرابة في هذه المفارقات.

wpid-2013-04-1307-10-53-2013-04-13-14-18.jpg

فإلى أي حد لعبت القضية الفلسطينية (وبشرط بقائها قضية) دور “شوف العصفورة”، ليس فقط من جانب نظم حكم تستغلها في البقاء بتأجيج مشاعر شعبوية مبذولة وتخوين المعارضين وإنما – بالأكثر – من جانب شعوب وطلائع، كما يتضح، تكتفي من الأخلاق بإعلان “موقف” مساند لخير أو عدل أو “حق” هي تعلم علم اليقين أنه غير قابل للتحقق؟

من الناحية الأخلاقية وفي سياق الاستقلال الثاني، هل في شعار “القدس لنا” أكثر من كذبة لا يجني مرددها من رفعها سوى لفت النظر إلى أنه كذاب؟ وهل لنا أن ننطلق من الاعتراف بذلك – وبكل ما علينا الاعتراف به – في اعتناق قيم أوسع وأنفع من الهوية حتى يجد من يقومون بثورات الاستقلال الثالث ما يستندون إليه في إعادة بناء هذه المجتمعات؟

wpid-2013-04-1307-10-45-2013-04-13-14-18.jpg

أهلاً بكم في حلقة جديدة من ستيتس الاستيتس

wpid-photo-2013-04-5-21-34.jpg

هو في الأول كان الموضوع إن إنت تتظاهر سلمياً، وبعدين بقى إن إنت تشجع اللي بيموتوا في المظاهرات على إنهم ينزلوا يموتوا، وبعدين إنك تدافع عن الإخوان وتديهم صوتك عشان تحمي البلد من المجلس العسكري (الفلول والدولة العميقة)، ومش مهم خالص الانهيار الأمني والاقتصادي ولا القمع الديني والطائفية الصريحة؛ المهم الموقف الثوري الصلب، والقصاص، وإننا ما نغفرش للشرطة حتى بعد ما اللي مش شرطة هما اللي ينفخونا في الاتحادية. كل ده طبعاً وإنت كإنك ما إنتاش عارف إيه اللي حيحصل لما المجلس العسكري يسلم اسم النبي حارسها السلطة، ولا إيه اللي حيحصل لما الشرطة تتهت، ولا إيه اللي حيحصل لما رجال الأعمال الفاسدين يسيبوا البلد…

دلوقتي بقى الموضوع إنك تتفرج على باسم يوسف وتضحك، وتمجّد في أشكال وسخة سواء من الحاضر الديمقراطي أو من الماضي الأليم عشان تثبت قد إيه الإسلاميين وحشين بالمقارنة. فتبقى بتتكلم عن الأزهر مثلاً وكإنه قلعة حرية الفكر والتعبير والمناصر الأول للحقوق المدنية في البلاد، أو عن خالد علي وكإن الكهربا ما كانتش حتقطع تحت قيادته الحكيمة. كل ده طبعاً وإنت بتتصرف على إنك ما لكش أي يد في إن اللي بيحصل ده بقى بيحصل فعلاً، يعني المشكلة بس إن فيه عصابة شريرة هي اللي بتحكم ولازم كلنا نثور عليها عن طريق إن المجلس العسكري يرجع يستلم اسم النبي حارسها تاني. إنت كده مع الحق وعايز مصلحة البلد والثورة اللي أذهلت العالم مستمرة عشان تذهله كمان وكمان.

مش مهم بقى إن البلد بعد شوية مش حتبقى بلد خالص يعني، ولا إن الحياة حتبقى أسوأ ألف مرة من اللي إنت ثرت عليه سواء في القمع أو الحالة المادية أو زحمة المرور؛ الموقف الثوري هو القضية المركزية واللي في مقدمة الموقف الثوري هما الأبطال ويالميدان كنت فين في ضحكة المساجين… زي بالظبط ما فلسطين هي القضية المركزية كده؛ كون فلسطين نفسها اختفت تقريبا وإحنا ما بقاش عندنا أي قدرة إننا نرجعها مش مهم، المهم إنها القضية المركزية. وبنفس منطق إن المشكلة ما كانتش فينا إحنا يعني فالمشكلة مش في الإسلام ولا حتى في الإسلام السياسي، ما هياش في القومية العربية ولا اليسار الممانع ولا السعودية ولا القاعدة (طالما القاعدة في مقدمة الموقف الثوري)، المشكلة مش في البطولة والخطابة والحنجرة والغباء، لأ. المشكلة إن فيه فلول ما إنتاش قادر تنصبلهم مشانق في الشارع وإن في ناس خونة شايفين إن حماس – اللي هما سادة المقاومة – ممكن يكون ضررهم أكبر بكتير من نفعهم سواء على مصر أو فلسطين.

بس بما إن الفلول والناس الوحشين دول سهل تغتالهم معنوياً تقدر تقول إن ما فيش مشكلة. ده بس مخاض التحول الديمقراطي وصحوة المارد العربي في ربيعه. وطالما باسم يوسف بيضحكك كل يوم جمعة بعد المظاهرة اللي ما عادش لازم تحضرها ويمكن ما عادش لازم تحصل فقشطة يعني. أنا فعلاً مش فاهم إنت ليه متشائم للدرجة دي.

ملحوظة: باسم يوسف في الحقيقة دمه تقيل

نصائح المرحلة + ملاحظتان

wpid-img_0458-2013-02-21-22-171.jpg

عليك أن تتعلم، ولو كان صعباً، أن تنظر إليهم كما تشاهد فيلماً وثائقياً عن قبيلة رعاة أو مزارعين من أجناس فاتتها المدنية، تتراوح شطارة أفرادها في التسوّل من سكان المدن والقائمين على آبار النفط المجاورة. لن يمر وقت حتى يغضبوا عليك إذا ما واظبت على تذكيرهم بحقيقة الدوكو الذي يدهنون به الهواء. وإما لأنك لا تستحق معركة أو لأنك تجيد شتمهم، سيتجاهلونك. حتى مارقوهم ممن أتقنوا استعمال اللغة الجديدة في الإيحاء بمعارف لا صلة لهم بها، لن يجدوك – حسب تلك اللغة – عدمياً بما فيه الكفاية، رغم أن الجانب العدمي منك، بالمعنى الحقيقي للعدمية، هو أكثر ما ينفرّهم أو يخيفهم. حاول أن لا تتقيأ حين يظهر مهرجوهم على الشاشة، أو يدلي مشاهيرهم بتصريحات، أو يعلن طياروهم عن كسر حاجز جديد للصوت. أنت وحدك. تذكر دائماً أن التلاقي كالتلقي صدفة نادرة، وأن التوجيب الذي يمارسونه فيما بينهم سيستثنيك ما لم تكن صاحب واجب، أنه ليس سوى مودة شخصية من قبيل “أنا وأخي على ابن عمي” إلخ، وأنه – كالجنيه المصري – لا يمكن صرفه خارج حدود العشيرة. فعلى عكس أجيال سابقة ممن تاهوا بين الأفخاذ ولم تعد لهم فائدة، أنت لا تريد أن تكون ذلك الشيخ الجليل الذي يفتش عنه الأصلاء من حافظي عهد ماض أجمل. جائز طبعاً أن تسعى إلى تحقيق طموحك، لكن ما تريده من ذلك هو عملة يمكن صرفها في كل مكان.

wpid-img_1881-2013-02-21-22-171.jpg

(١)

يحدث أن يشعر الإنسان في لحظة أن الحياة يمكن قصرها فعلاً على الخير والشر، أو الصح والغلط؛ وحين يحدث، يكون ما يمثّل هذين القطبين واضحاً تماماً، لا صعوبة لدى العدد الأكبر من الناس في الاتفاق عليه والمصادقة على تقديسه أو شيطنته بألفاظ مأخوذة من عصور سحيقة وخارجة من منظومات أخلاقية لا تركب على الواقع… يحدث؛ وخلاف حدوثه بشكل آلي كرد فعل زائف على أحداث – كالجرائم مثلاً – هي الأخرى عادية ومتوقعة، يحدث بشكل أصدق حين يجتمع عدد كبير من الناس على شيء سلبي: التعبير عن الغضب، رفض الظلم، “إسقاط النظام” (وما المقاومة والتحرر والجهاد إلخ إلا نماذج لتلك السلبية)… لكنه إذ يحدث يكشف عن تعقيدات وتناقضات كان الإنسان يعلم، ومنذ اللحظة الأولى، أنها موجودة ودائمة بما يجعل تقديس أي شيء أو شيطنته مجرد بله أو تباله، وبما يجعل قصر الحياة على الصح والغلط أو الخسر والشر إجراماً مجانياً وتعدياً عبثياً على الغير. إذاك يشعر الإنسان أنه معتوه وحقير، وأنه باستسلامه للحظة إنما تسبب في تعاسات كان يمكن تحاشيها ببساطة. عزاؤه الوحيد – الوحيد – أن يكون قد تعلّم شيئاً.

(٢)

لم أر في حياتي كلها استبداداً وإقصاء (رسمياً أو غير رسمي) أسوأ من ذلك الذي لا يزال “الربيع العربي” يمارسه على الناس، داخل “المجتمع الثوري” بالذات، رغم جميع الدروس المستفادة من خبرة العامين الماضيين، وأول هذه الدروس أن مشكلة المجتمعات العربية لم تكن في أنظمتها أو لم تكن في تلك الأنظمة بالأساس، وإنما في الذهنية التي ولّدت ترتيبات لا أخلاقية وأبقت عليها بل ومازالت تدافع عنها فعلاً إن لم يكن قولاً، بحيث يصبح النضال والكرامة أو الموت – كمعادل موضوعي لخيانة ومهانة هي كل ما يمكن أن تكونه الحياة – جزء من ذلك الدفاع. لم يعد التفاهم ممكناً حتى في أمور تبدو لي بديهية كعبثية الجهاد في سوريا في اللحظة الراهنة مثلاً، حيث الإصرار على كلمة ثورة بغض النظر عن معنى هذه الكلمة على الأرض، وبعنف أعمى هو أقرب فعلاً إلى الأصولية الدينية من الجذرية النظرية أو أي توجه سواها، أصبح شرطاً مبدئياً للحق في إبداء الرأي، وحيث الثورة نفسها، خلاف أنها مبرر للقتل أو الانتحار، لا تدل إلا على مثاليات أو مجردات ثبت ليس فقط أنها بعيدة عن الوعي الشعبي بأي معنى واقعي ولكن أيضاً أن وظيفتها الحقيقية هي تسهيل انتقال السلطة من جهة تنكر معظم الحقوق والحريات إلى جهة تنكرها كلها، وعبر المغامرة بهياكل مؤسساتية هشة أصلاً ومزيد من اغتيال الاختلاف…

لكن ما يذهل أكثر من ذلك كله هو الحديث عن الإنجاز والتفاؤل وتحقق الأهداف، عن تحمل التخبط على المدى القصير من أجل الخير الذي يدخره لنا المستقبل على المدى الطويل – وهو المبرر المجاني الجاهز للوقوف متفرجين على بيوتنا الآيلة للسقوط منذ قرون وهي تنهار أخيراً فوق رؤوسنا إن لم يكن للمساهمة في هدمها ولكن عن غير وعي وبلا اعتراف واضح أن هذا ما نفعله وإنما بدعوى محاولة درء الانهيار – الأمر الذي تعبر عنه فكرة استمرار الثورة ربما أكثر من أي فكرة سواها:

أنتم وقود سعار سلطة قوامه الكراهية والطائفية والتخلف، وإصراركم على الهوية والكرامة دليل أنكم لا ترون في الدنيا سوى مهانتكم التافهة جداً، الوضيعة جداً، الجاهلة ليس فقط بالمثاليات وإنما أيضاً بالحق في الحياة…أنتم البطل الطيب الذي يقاوم الطاغية الشرير في حدوتة شعبية باتت أسخف وأغبى وأكثر استهتاراً من أي سائق ميكروباص يعطل المرور ويعرض الناس للموت بامتداد مدينة نجحتم في جعلها كابوسية تماماً.

wpid-img_1460-2013-02-21-22-171.jpg

نصائح المرحلة + ملاحظتان

wpid-img_0458-2013-02-21-22-17.jpg

عليك أن تتعلم، ولو كان صعباً، أن تنظر إليهم كما تشاهد فيلماً وثائقياً عن قبيلة رعاة أو مزارعين من أجناس فاتتها المدنية، تتراوح شطارة أفرادها في التسوّل من سكان المدن والقائمين على آبار النفط المجاورة. لن يمر وقت حتى يغضبوا عليك إذا ما واظبت على تذكيرهم بحقيقة الدوكو الذي يدهنون به الهواء. وإما لأنك لا تستحق معركة أو لأنك تجيد شتمهم، سيتجاهلونك. حتى مارقوهم ممن أتقنوا استعمال اللغة الجديدة في الإيحاء بمعارف لا صلة لهم بها، لن يجدوك – حسب تلك اللغة – عدمياً بما فيه الكفاية، رغم أن الجانب العدمي منك، بالمعنى الحقيقي للعدمية، هو أكثر ما ينفرّهم أو يخيفهم. حاول أن لا تتقيأ حين يظهر مهرجوهم على الشاشة، أو يدلي مشاهيرهم بتصريحات، أو يعلن طياروهم عن كسر حاجز جديد للصوت. أنت وحدك. تذكر دائماً أن التلاقي كالتلقي صدفة نادرة، وأن التوجيب الذي يمارسونه فيما بينهم سيستثنيك ما لم تكن صاحب واجب، أنه ليس سوى مودة شخصية من قبيل “أنا وأخي على ابن عمي” إلخ، وأنه – كالجنيه المصري – لا يمكن صرفه خارج حدود العشيرة. فعلى عكس أجيال سابقة ممن تاهوا بين الأفخاذ ولم تعد لهم فائدة، أنت لا تريد أن تكون ذلك الشيخ الجليل الذي يفتش عنه الأصلاء من حافظي عهد ماض أجمل. جائز طبعاً أن تسعى إلى تحقيق طموحك، لكن ما تريده من ذلك هو عملة يمكن صرفها في كل مكان.

wpid-img_1881-2013-02-21-22-17.jpg

(١)

يحدث أن يشعر الإنسان في لحظة أن الحياة يمكن قصرها فعلاً على الخير والشر، أو الصح والغلط؛ وحين يحدث، يكون ما يمثّل هذين القطبين واضحاً تماماً، لا صعوبة لدى العدد الأكبر من الناس في الاتفاق عليه والمصادقة على تقديسه أو شيطنته بألفاظ مأخوذة من عصور سحيقة وخارجة من منظومات أخلاقية لا تركب على الواقع… يحدث؛ وخلاف حدوثه بشكل آلي كرد فعل زائف على أحداث – كالجرائم مثلاً – هي الأخرى عادية ومتوقعة، يحدث بشكل أصدق حين يجتمع عدد كبير من الناس على شيء سلبي: التعبير عن الغضب، رفض الظلم، “إسقاط النظام” (وما المقاومة والتحرر والجهاد إلخ إلا نماذج لتلك السلبية)… لكنه إذ يحدث يكشف عن تعقيدات وتناقضات كان الإنسان يعلم، ومنذ اللحظة الأولى، أنها موجودة ودائمة بما يجعل تقديس أي شيء أو شيطنته مجرد بله أو تباله، وبما يجعل قصر الحياة على الصح والغلط أو الخسر والشر إجراماً مجانياً وتعدياً عبثياً على الغير. إذاك يشعر الإنسان أنه معتوه وحقير، وأنه باستسلامه للحظة إنما تسبب في تعاسات كان يمكن تحاشيها ببساطة. عزاؤه الوحيد – الوحيد – أن يكون قد تعلّم شيئاً.

(٢)

لم أر في حياتي كلها استبداداً وإقصاء (رسمياً أو غير رسمي) أسوأ من ذلك الذي لا يزال “الربيع العربي” يمارسه على الناس، داخل “المجتمع الثوري” بالذات، رغم جميع الدروس المستفادة من خبرة العامين الماضيين، وأول هذه الدروس أن مشكلة المجتمعات العربية لم تكن في أنظمتها أو لم تكن في تلك الأنظمة بالأساس، وإنما في الذهنية التي ولّدت ترتيبات لا أخلاقية وأبقت عليها بل ومازالت تدافع عنها فعلاً إن لم يكن قولاً، بحيث يصبح النضال والكرامة أو الموت – كمعادل موضوعي لخيانة ومهانة هي كل ما يمكن أن تكونه الحياة – جزء من ذلك الدفاع. لم يعد التفاهم ممكناً حتى في أمور تبدو لي بديهية كعبثية الجهاد في سوريا في اللحظة الراهنة مثلاً، حيث الإصرار على كلمة ثورة بغض النظر عن معنى هذه الكلمة على الأرض، وبعنف أعمى هو أقرب فعلاً إلى الأصولية الدينية من الجذرية النظرية أو أي توجه سواها، أصبح شرطاً مبدئياً للحق في إبداء الرأي، وحيث الثورة نفسها، خلاف أنها مبرر للقتل أو الانتحار، لا تدل إلا على مثاليات أو مجردات ثبت ليس فقط أنها بعيدة عن الوعي الشعبي بأي معنى واقعي ولكن أيضاً أن وظيفتها الحقيقية هي تسهيل انتقال السلطة من جهة تنكر معظم الحقوق والحريات إلى جهة تنكرها كلها، وعبر المغامرة بهياكل مؤسساتية هشة أصلاً ومزيد من اغتيال الاختلاف…

لكن ما يذهل أكثر من ذلك كله هو الحديث عن الإنجاز والتفاؤل وتحقق الأهداف، عن تحمل التخبط على المدى القصير من أجل الخير الذي يدخره لنا المستقبل على المدى الطويل – وهو المبرر المجاني الجاهز للوقوف متفرجين على بيوتنا الآيلة للسقوط منذ قرون وهي تنهار أخيراً فوق رؤوسنا إن لم يكن للمساهمة في هدمها ولكن عن غير وعي وبلا اعتراف واضح أن هذا ما نفعله وإنما بدعوى محاولة درء الانهيار – الأمر الذي تعبر عنه فكرة استمرار الثورة ربما أكثر من أي فكرة سواها:

أنتم وقود سعار سلطة قوامه الكراهية والطائفية والتخلف، وإصراركم على الهوية والكرامة دليل أنكم لا ترون في الدنيا سوى مهانتكم التافهة جداً، الوضيعة جداً، الجاهلة ليس فقط بالمثاليات وإنما أيضاً بالحق في الحياة…أنتم البطل الطيب الذي يقاوم الطاغية الشرير في حدوتة شعبية باتت أسخف وأغبى وأكثر استهتاراً من أي سائق ميكروباص يعطل المرور ويعرض الناس للموت بامتداد مدينة نجحتم في جعلها كابوسية تماماً.

wpid-img_1460-2013-02-21-22-17.jpg

فيكتور بيليفن في مجلة العربي

لنعوِ الليلة معاً على جليد استبسكم يا زميلْ…

wpid-the-sacred-book-of-the-werewolf-2012-12-17-03-29.png

ككاتب من مصر ما بعد ١١ سبتمبر، لم أكن أحسب أن لي معادلاً في روسيا ما بعد سقوط سور برلين. وبما أن روايتي الأشهر “كتاب الطغرى: غرائب التاريخ في مدينة المريخ” (٢٠٠٧) بصدد أن تُترجم إلى الإنجليزية، أتمنى أن تلاقي الرواج الذي لاقته بتلك اللغة الرواية الأشهر لـ”فيكتور بيليفن” (Виктор Пелевин): “الكتاب المقدس للمستذئب”، The Sacred Book of the Werewolf أو Священная Книга Оборотня (٢٠٠٥). كانت الإنجليزية هي طريقتي الوحيدة في التعرف إلى وجود مرادفي الروسي ذاك أو اكتشافه على غير انتظار، حيث لا أعرف الروسية وليس ثَمّ من يترجم لي بيليفن إلى العربية. كيف كنت لأدرك أنني وإياه – هكذا أحس على كل حال – متشابهان؟ وهو الأمر الذي أكد لي وعيي بالكتابة كنشاط ملاصق للتاريخ ومع ذلك عابر للثقافات.

فلعل لقاء قاهرتي قبيل ربيعها العربي مع مدينة هذا الموسكوفي بعد سقوط أصنام الشيوعية رشفة أخرى مدوّخة من كأس الألغاز ذاته. وكم يتوق عالم الأدب المعاصر الضيق ضيق رأس “معمَّرة” إلى مدمني الارتشاف!

*

ولد فيكتور بيليفن في نوفمبر ١٩٦٢ في موسكو، حيث لازال يعيش حد علمي مع زيارات متكررة إلى مواطن البوذية التي يهتم بها دون أن يعتنقها بالمنطق التقليدي؛ وبدأ الكتابة في منتصف العشرينيات من عمره، فكان أن عُرف ككاتب قصة أولاً في بداية التسعينيات في أعقاب السقوط المفاجئ للاتحاد السوفييتي، حيث درس وعمل في الهندسة بضع سنين تحت حكم تشيرينكو ثم جورباتشوف، تعرّض خلالها ومنذ الطفولة إلى آليات الدولة الشمولية في زعم الإنجاز العلمي ومصادرة الحقيقة. كان أبوه ضابط جيش دون أن يكون عضواً في الحزب الشيوعي، الأمر الذي جعله “غراباً أبيض” – حسب كلام بيليفين نفسه في حديثه الصحفي الوحيد المتوفر بالإنجليزية للمدعو ليو كروبويانسكي Leo Kropywiansky في المجلة الأمريكية البديلة BOMB سنة ٢٠٠٢ – وحرمه ما لنظرائه وأسرهم من نفوذ.

في عمر الخامسة عشر، كان بيليفن قد قرأ العمل الأشهر للعبقري الساخر (وإلى عهد قريب، بسبب الرقابة السوفييتية، مهضوم الحق) “ميخائيل بولكاجوف” (Михаи́л Булга́ков)، رواية “السيد ومارجريتا” (Ма́стер и Маргари́та، ١٩٦٧) والتي وجد فيها حسب قوله فكاكاً فورياً من قيد تلك الآليات:

“إن السحر الشرير لأي نظام شمولي يستند إلى قدرته المفترضة على احتضان وشرح الظواهر في كليتها، لأن الشرح هو السيطرة. إذن لو وُجد كتاب يُخرجك من كلية الأشياء المشروحة والمفهومة هذه فسوف يحررك، لأنه يكسر استمرارية الشرح ومن ثم يزيل أثر العزائم والتعاويذ. إنه يسمح لك بالنظر في اتجاه آخر لوهلة واحدة، لكن هذه الوهلة كافية لإدراك أن كل ما كنت تراه من قبل هلوسة (مع أن ما تراه في الاتجاه الآخر لن يكون هو أيضاً سوى هلوسة). كان ’السيد ومارجريتا‘ هو بالضبط ذلك النوع من الكتب ومن بالغ الصعوبة أن تشرح تأثيره الرهيف لمن لم يعش في الاتحاد السوفييتي. كانت كتب سولجينيتسن [Алекса́ндр Солжени́цын] معادية للسوفييتية بشدة، لكنها لم تحررك؛ كانت فقط تجعلك أكثر عبودية إذ تشرح لك إلى أي درجة أنت عبد. لم يهتم ’السيد ومارجريتا‘ حتى بأن يكون معادياً للسوفييتية، لكن قراءة هذا الكتاب كفيلة بجعلك حراً على الفور.”

سنة ١٩٩٢، حين أصدر بيليفن أولى رواياته “أومون را” (Омон Ра: العنوان يلعب على اسم الإله الفرعوني ولكنه إشارة إلى وكالة الفضاء السوفييتية OMON – موضوع سخريته الجادة كرمز أو صورة للواقع السوفييتي البطولي – مضافاً إليه اسم شهرة البطل-الراوية)، كنتُ في الإجازة الصيفية الفاصلة بين السنتين الأخيرتين من تعليمي الثانوي أشعر بقيود عدد من منظومات “شرح كلية الظواهر” على مستقبل حياتي أو احتمالاتها، وقد قررتُ أن أكون كاتباً فتنازلت عن التأهل لدخول الكليات العلمية وشرعتُ في تدمير عقائد تربيتي والخروج العنيف على “ثوابت” لازلت – لشديد الأسف – مضطراً للجدل مع المدافعين عنها حتى اليوم، بعد قرابة عامين على السقوط الرمزي للجمهورية الأولى المستقلة عن الاستعمار، أو بقاياها.

وخلال أعوام السفر الصعب للاستعاضة بإحدى جامعات المستعمر ذاته (على حساب أهلي “الغلابة”) عن تعليم أسوأ من قلّته وإن كان “مجانياً”، والبحث عن تفاعل إنساني خارج روتينات “وطن” لم يتخلص من شمولية تبدو لي أقدم وأعمق بكثير من دولة الاستقلال التي أعرفها: الطبقية المهلهلة ببيروقراطياتها المخترقة (الاشتراكية) والغيبية المسطحة (العادات والتقاليد) والشعور الممنهج بأنك – كمواطن ماش في الشارع – شخص مذنب وعليك أن تكون ممتناً لأنك أفلت من العقاب (الأمن)، ثم غياب أي مساحة خصوصية أو اختلاف (الأصول)، كان يتكون لدي ذلك الاستعداد المركّب لكتابة أشياء يكون من شأنها أن تجعلك حراً، أن تدفعك إلى إعادة النظر في مسلمات أشاركك معرفتها فتدرك أنها هلوسة دون أن تظن أن نظرتك الجديدة أوقع أو أكثر موضوعية…

wpid-img_2268-2012-12-17-03-29.jpg

في “الطغرى” تتحول مفاهيم مجردة وظواهر اجتماعية ووقائع تاريخية – الخلافة الإسلامية، الزواج والطلاق، الخرائط، الخط العربي، “الإنترنت”، الفتح العثماني لمصر، التطور الجغرافي للقاهرة خلال التسعينيات والألفينيات، تأسلم الطبقة المتوسطة – إلى شخصيات وأحداث درامية لها حضور وخفة الواقع بتنوع لغاته. لكن لا يحدث هذا بهدف التوصل إلى معنى يجب المعاني العبثية أو الزائفة الملتصقة بتلك المكونات في خبرتها اليومية. إنه محاولة للتخلص من تلك المعاني، لتحييدها ووضعها على مسافة من عقل الفرد التائه في غياهبها، ولقول إن أي معان بديلة بما في ذلك ما يطرحه النص نفسه، قابلة للتحول إلى العبث والزيف. كان خلق معادلات حرفية لمجازات خطابية كمجاز الصحوة الإسلامية مثلاً على سبيل الدهشة والضحك وغيرهما من العواطف وردود الفعل الإنسانية ولكن كذلك على سبيل استجواب هذه المجازات لكشف حدودها وإبراز الجنون – اللاعقلانية – التي تستند إليها. إن في هذه المتعة أو شيء من قبيلها كل غاية الأدب، أليس كذلك؟

*

في “المستذئب” كذلك هناك مجازات يمكن مقارنتها بمجازات الطغرى وإن ابتعدت عنها في محتواها فلم تجاور التاريخ والتأريخ بالقدر نفسه، وعبر هذه المجازات يقارب بيليفن واقع موسكو في بداية الألفينيات فيحيّده دون أن ينفيه: سطوة المافيا وشبكات الدعارة وعمل البوليس السري بوازع “قومي” بات عبثياً أو أسطورياً في مواجهة خطر انفلات السوق المتوحشة عن سطوة المتنفذين. إن بيليفن يلجأ مباشرة إلى الأساطير القديمة ولا يرعوي عن تعديلها وخلطها بمعطيات ميثيولوجيا “البوب” Pop ذاتها التي استحضرتها في الطغرى:

بطلة-راوية الكتاب هي داعرة محترفة فائقة الجمال ولا يبدو أنها بلغت بعد العشرين، غير أنها في الحقيقة “متثعلبة” ذات أصل صيني عمرها جاوز الألفي عام؛ وهي لا تمارس الجنس مع عملائها الأكبر سناً في الواقع وإنما تنومهم مغنطيسياً فتقنعهم بأنهم يستمتعون بالنوم معها مستعينة بذيلها المختبئ في ملابسها (فإن كشفها أحدهم لابد من قتله على الفور)… والوقائع التي تسردها عبر مخطوطتها هذه التي تم العثور عليها بعد موتها على “لابتوب” مهمل في حديقة عامة إنما هي – في شكلها الخارجي – قصة حبها الغرائبية مع ضابط كبير في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB الـ أو ФСБ، وريث “الكيجيبي” – KGB) يتضح مع الوقت أنه وفريق عمله من المستذئبين القادرين على التحول إلى ذئاب – بمساعدة المخدرات أحياناً – لاستخراج البترول من باطن الاستبس عن طريق العواء من علٍ في الليالي المقمرة.

يستعرض بيليفن من خلال التاريخ الشخصي لبطلته جوانب يعنيه تداخلها مع حياة موسكو اليومية من الحضارات الآسيوية والأوروبية عبر العصور، ويستطيع أن يتأمل الدوافع الإنسانية (والروسية على وجه الخصوص) على مسافة مناسبة من خبرته المباشرة بها بل ويعرض لفلسفته البوذية من خلال تماهيها مع أسئلة الثقافة المعاصرة من واقع افتراضي وهوس استهلاكي ورأسمالية فاسدة.

لا أعرف إن كانت سجلات الروسية في “المستذئب” تتعدد قدر ما يحدث في “الطغرى”، لا أعرف إن كان ثمة علاقات لغوية بنصوص أقدم أو استدعاءات في هذا السياق، لا أعرف إن كانت الرواية تشبه نصوصاً أخرى معاصرة باللغة نفسها وإلى أي حد. الذي أعرفه هو أن الترجمة لم تحرمني التعاطي مع التحولات المفاهيمية-الدرامية ولا تحجب عني عملية عزل التاريخ أو وضعه في “كرنتينا” جمالية (كما سعيت أنا إلى أن أفعل). ثمة شعر في الدراما وعلاقات الصور والتكوينات السردية بعضها ببعض، وثمة إدانة جمالية لواقع مديني معاصر من خلال شخصيات مقنعة. ثمة طرح – أيضاً – لحل هو ليس بحل، أو مخرج من واقع خانق عبر نفق المتعة العقلية التي لا تعد بأكثر من تعديل وعي حبيس من أجل تحريره فورياً. وثمة مشاعر، وإن أحستها مخلوقات ليست بشرية، قادرة على الإضحاك والإبكاء.

*

لبيليفن عشر روايات متراوحة الطول وعدد كبير من المجموعات القصصية والكتب ذات المحتوى غير المختلق (non-fiction). لقد كتب عن غرفة تحكم الكريملين الواقعة في باطن الأرض، عن مبادئ الـ”زين” البوذية (Zen Buddhism) في دهاليز “الدردشة” على الشبكة العنكبوتية، عن شبح “تشي جيفارا” وأسطورة “الخوذة المعربة”…

wpid-untitled-2012-12-17-03-29.jpg

عزيزي فيكتور، – ساقطاً بين لغتين مكنتني إحداهما من التعرف إليك، أكتب لك بالأخرى. وأنا لا أعلم في الحقيقة إن كانت مساحة تقاطع وجودنا بالاتساع أو العمق الذي أتصوره، لكنني وجدته من الواجب أو المستحب أن أسجل كوني أراك زميلاً معتبراً وأقول لك كلمتين عن الواقع الذي أعيشه الآن: الوضع صعب يا فيكتور؛ لا يعكس “النجاح” الأدبي فهماً حقيقياً لما يُكتب، ولا يوجد من يقدّر المخاطرة الضرورية لجعل الأدب مخرجاً؛ الناس مشغولة في التحول السياسي، لكن لا يحدث تحول سياسي. الناس جعلت من حلم التغيير واقعاً أضيق حتى من الواقع الذي أدى إليه، والكتاب الذين لا يعرفهم أحد مازالوا “يعكّون” في كلام خائب عن “دور المثقف”. قلتَ ذات مرة إنك لست روسياً، إن كونك روسياً لا يعدو أن يكون صدفة وجودك في هذا المكان وهذه اللغة. وأنا أشعر بالمثل أنني لست مصرياً. غداً صباحاً سنذهب إلى سوق جمالنا في قرية برقاش، نعرق وتلوث ملابسنا الرمال حتى نتحول إلى مخلوقات فضائية، ولكن إلى أن يحدث – لنعو الليلة معاً على جليد استبسكم يا زميل!

القاهرة – يوليو ٢٠١٢ في عدد ديسمبر ٢٠١٢ من مجلة العربي

أمثولة عن البطولة والطريق السريع

wpid-301372846373346123_6860517-2012-11-16-08-23.jpeg

إنت بتكلمني عن حاجة شبه إنك – بطولك كده، وإنت على رجليك – هتروح توقّف العربيات ع الطريق السريع. ممكن تكون من الهبل والانتحارية بحيث إنك تجرب تعمل كده فعلاً فتتفرم ع الأسفلت عادي (مع إن أنا عن نفسي مش شايف أي حاجة بطولية أو نبيلة في كده)، بس الأرجح يعني إنك عارف وفاهم وبتقول كده وخلاص (ليه، ما أعرفش… يمكن بس بحكم العادة)، وفي الحالتين أنا مطلوب مني أسمعك وأصدق على كلامك وأنا عارف إنك كداب أو يعني يا عبيط يا بتستعبط (اللي هو عدوان منك عليا يمكن أبشع من عدوان العربيات نفسها). الطريق السريع موجود يا رفيق، والعربيات هناك ماشية بسرعة تفرم أي حد، وعموماً يعني أنت عارف تروح منين لو هتروح وعارف إن أنا مش جاي معاك. إيه بقى الصعوبة ف إنك تكلمني عن أي حاجة تانية، أو تسكت؟

فقرتان من “الأسد على حق”: الجزء الثاني من رواية التماسيح

wpid-313168780476292061_6860517-2012-11-15-08-59.jpeg

وكنتُ أنتظر امرأة كمون برغم كل ما بي؛ فلا صلة لذلك بأنه فيما عادت رضوى عادل من القبر خرجت مون نفسها من ذاكرة سحيقة. كأن ثمة مونين سيادتك: واحدة سأقع في غرامها والثانية صديقة نايف.

وبرغم ذلك كنت قد أعددتُ الاسم في رأسي، مستلهماً الثانية. لقد نويت أن أشترط عليها ألا نتبادل اسمينا إذا ظهرت – وكأنني على يقين من ظهورها من أجل أن تكشط عن رأسي طبقات السوداوية شيئاً فشيئاً، حتى يتبدل يأسي استبشاراً بالغرام – فيظل كلانا، وقد تتابعت لقاءاتنا سراً فقط في الحي اللاتيني، بلا هوية يثقل بها كاهل الآخر. آخذها واقفاً قبل أن تخلع قبعتها وأدهن ما بين فخذيها بالزبدة. هو ذا…

فلم أستغرب، ولا خبا اكتئابي بادئ ذي بدء، إذ انتبهتْ لي أنتحب فوق مياه السين. لقد عرفتها ولعلها – في الجزء الذي يعنيها من غرامنا – عرفتني. ثم إنها قابلتني وهي تتفقد الشقة المقابلة لشقتي بحثاً عن مكتب لها في الحي اللاتيني. كانت تتدحرج على جنبها مثل أنبوب سارح بعد كل أورجازم. لم أدر ولم أدعها تخبرني أنها على وشك الزواج، غير أني – في مساحة مختبئة من وعيي – كنت في انتظار أن تقتلني.

لقد انتظرتُ مون وأنا على يقين من ظهورها من أجل أن أنام معها بلا رباط ولئن كان هذا الرباط اسماً لها غير مون.

فما إن ينقشع اكتئابي ويستقر غرامي مع حلول الصيف – وقد تفتّح الزهر حول النوتر دام وعاد الزرع أخضر وباهراً – حتى يكون عرسها قد حل. وعندما ألح في السؤال عن اسمها لا تجيبني. وعندما ألاحقها إلى بيتها في مونبارناس، مصمماً أن نكون معاً إلى الأبد، تعالج شيئاً خفياً داخل أحد الأدراج وتنتظر حتى أهجم عليها لأحتضنها فإذا بمسدس في يدها وهي تطلق في بطني الرصاص.

wpid-309618732400384173_6860517-2012-11-15-08-59.jpeg

في تلك الأيام كثرت التظاهرات واختلط أمر أهدافها ودوافع انطلاقها بل وأماكن تجمعها لدرجة مربكة. وقد كان التصوير ملازماً لرفع الشعارات سمعاً ونظراً، كما تدري، منذ البداية؛ الأمر الذي زرع لدي شكاً في مصداقية الاحتجاجات نفسها بدأ يثمر الآن، فبعد حَدّ أنت لا تدري سيادتك:

هل هؤلاء هنا ليتظاهروا حقاً – وهل ما يحتجون عليه نصب أعينهم بالوضوح الذي يبدونه؟ هل لديهم أية فكرة عما سيفضي إليه تحقق مطالبهم؟ – أم أنهم جاءوا يوثّقون لأنفسهم وهم في وضعية التظاهر ليحتفظوا – كدليل بطولة في مستقبل لا يعنيهم منه سوى ذلك – بالصورة والصوت (ولا سيما أن شعاراً أياً كان لا معنى له بتدقيق النظر، ولا سيما أن قادة الاحتجاجات بحكم طبيعة مهمتهم ممثلون، وقد يطمحون إلى مبلغ النجومية في تمثيلهم)؟

غير أن الالتباسات هذه زادت وصاحَبَها ما يُقال له المزايدات؛ صار “النزول” مجرداً من ملابساته دليل الحق والخير وجميع ما يناهض النزول شراً أو خيانة، وبدأ المتنازعون يتهم بعضهم بعضاً بعدم النزول وكأن في ذلك دليل قطع على جواز اغتيالهم قولاً ولئن ليس فعلاً أو ليس بعد.

وفي تلك الأيام، فيما لا يجرؤ أحد منا على التساؤل فيم ننزل أصلاً أو ماذا يحقق نزولنا وبأية غاية بعيدة يتحقق الهدف السياسي القريب – فهل الثأر للشهداء مثلاً يمكن أن يكون هدفاً في حد ذاته؟ – كانت التظاهرات نفسها تتحول إلى مناسبات درامية بما فيها من قتل، وحجج للتجمهر بدفع غريزي لتسجيل رفع الشعارات؛ وكان القمع الذي يواجهنا كلما اشتد يؤكد الحس البطولي، ويصنع من أناس يبدو لي أنهم سفهاء رموزاً تاريخية.

لقد ظلت تفصيلة التصوير هي الأكثر إرباكاً برغم ذلك – وحتى رأيتُ سيارة مزودة بكاميرا في مقدمتها تتحرك إلى الخلف في مقدمة مسيرة متباينة الرايات – إذ صرتُ لا أدري، عندما أرى تظاهرة مثل هذه، إن كان ما أراه احتجاجاً أم فيلماً توثيقياً أو روائياً عن الاحتجاج.

wpid-309588155227970361_6860517-2012-11-15-08-59.jpeg

حازم صاغية: نحن وأميركا وتشومسكي

ناس في الشوارع: صور يوسف رخا

This slideshow requires JavaScript.

*

حازم صاغية في الحياة؛ السبت ٣ نوفمبر ٢٠١٢

منطقة الشرق الأوسط ولاّدة لخرافات سياسيّة تؤمّن لنا اكتفاء ذاتيّاً، بل فائضاً، منها. أمّا أن نستورد، فضلاً عمّا نملك، خرافات من الخارج، فهذا كثير جدّاً.

اللغويّ والمفكّر والناشط السياسيّ الأميركيّ نعّوم تشومسكي، الذي يستولي على لبّه العداء لأميركا، قال في القاهرة، قبل أيّام، إنّ بلاده تناهض الديموقراطيّة في العالم العربيّ لأنّ الديموقراطيّة تناقض مصالحها. وعبارة كهذه، شأن كلّ عبارة من طينتها، سرت في ربوعنا كما تسري النار في الهشيم.

في سبيل مزيد من الدقّة، كان يمكن القول إنّ الولايات المتّحدة، إبّان الحرب الباردة، تآمرت حقّاً على تجارب ديموقراطيّة في إيران (مصدّق) وغواتيمالا (أربنز) في سياق صراع بين نفوذها ونفوذها الاتّحاد السوفياتيّ. وهذا الأخير كان، بدوره، معادياً للديموقراطيّة من ألفها إلى يائها. ثمّ بعد الحرب الباردة، ارتكبت الولايات المتّحدة خطأ شنيعاً في موقفها من الانتخابات في غزّة، ففشلت في امتحان من الصعب جدّاً النجاح فيه، بسبب تشابك الديموقراطيّة مع مسألة السلام الذي تتعهّده واشنطن، خصوصاً في ظلّ عدم اعتراف «حماس» بإسرائيل.

لكنّ التعميم على طريقة تشومسكي أقصر الطرق إلى التجهيل.

فأوّلاً وأساساً، هل كانت الديموقراطيّة، في الفترة الممتدّة منذ نشأة الكيانات العربيّة الحديثة حتّى 2005، مطروحة على جدول أعمال الفكر السياسيّ العربيّ؟ هل ظهر تيّار واحد قويّ وشعبيّ في العالم العربيّ يعتبر الديموقراطيّة قضيّته بحيث يمتحن ويتحدّى الموقف الغربيّ، والأميركيّ تحديداً؟ هل كانت القوى المؤثّرة في المنطقة، من الناصريّة إلى الخمينيّة مروراً بالثورة الفلسطينيّة، قوى تسعى إلى الديموقراطيّة؟ وهل كانت بُنى وتراكيب الأحزاب في العالم العربيّ، باليساريّ منها واليمينيّ، ديموقراطيّة؟ وما دام الأمر يتعلّق بالمصالح، فما هي الدول الكبرى التي تتّفق مصالحها مع قيام الديموقراطيّة في العالم العربيّ؟

في هذه الأسئلة يكمن الموضوع الأهمّ، والنتيجة المتحصّلة هنا هزيلة جدّاً. هذا حتّى لا نذكّر بأنّ بعض القوى الأكثر جماهيريّة في التجارب السياسيّة العربيّة، والأكثر عداء للغرب، إنّما وصلت إلى الحكم عبر الانقلاب السياسيّ على أنظمة شبه ديموقراطيّة.

وقد لا يكون من المبالغة القول إنّ التجربة اللبنانيّة، على قصورها، باتت، بعد الانقلابات العسكريّة العربيّة، التجربة الوحيدة القريبة من الديموقراطيّة. وليس الغرب هو الذي اغتال تلك التجربة التي كان يؤخذ عليها «عمالتها» للغرب!

الموضوع المركزيّ هذا هو ما تطرحه بطريقتها الثورات العربيّة الراهنة حين تباشر استعادة السياسة إلى دواخل البلدان، بدل أدغال الجيوبوليتيك العابر للحدود، مؤسّسةً الفرصة الذاتيّة الأولى لاحتمال ديموقراطيّ. غير ذلك يبقي الموضوع تائهاً جوّالاً، لا وظيفة له سوى إعفاء النفس من مسؤوليّاتها وإحالتها إلى أميركا. وكم هو معبّر أنّ أبطال إعفاء النفس من مسؤوليّتها باتوا، بعد تلك الفرصة الجديدة، أكثر جهراً بالعداء للديموقراطيّة «إذا كان هذا ما تعنيه»! (وكان هؤلاء بعد سقوط الاتّحاد السوفياتيّ قد بدأوا يرطنون بالديموقراطيّة رفعاً للعتب).

وفي الحالات كافّة، لا ينمّ أصحاب النزعة تلك إلاّ عن نباهة سياسيّة رفيعة حين يكون خطابهم الموجّه إلى أميركا هو التالي: «نحن نريد أن نحاربك ونضرب مصالحك ونقاتل إسرائيل. فهل أنتِ يا أميركا مع الديموقراطيّة التي لا نريد أن نبنيها؟».

أغلب الظنّ أنّ شبّاننا وصبايانا باتوا أقلّ استعداداً لسماع تلك العظات البليدة والتعميمات الساذجة حتّى لو صدرت عن نعّوم تشومسكي.

حازم صاغية

************************************************************

ملاحظة موازية عن صفحة يوسف رخا في فيسبوك

البلهاء جعلونا نصدق أن “الحراك الشعبي” وحده يمكن أن يحقق تقدماً؛ وحصروا التقدم المطروح في أسئلة سياسية/اقتصادية محسومة مسبقاً في حين أن الأسئلة الاجتماعية/الثقافية هي وحدها التي كان يمكن أن تفرق معنا. السؤال الآن: هل يمكن إحداث أي تغيير حقيقي في بلد عربي دون تحويل ذلك البلد إلى ساحة صراع طائفي وفتح حنفيات الدم والنزوح بلا طائل؟ لا يختلف أحد على بشاعة مافيا عائلة الأسد، مثلاً؛ لكن الثورة السورية، والتي ظُن خطأ أنها يمكن أن تستبدل تلك المافيا بنظام حكم ديمقراطي تعددي يحترم حقوق الإنسان ويتطلع إلى الكفاية والعدالة، ماذا حققت إلى الآن وماذا يمكن أن تحقق – حتى لو نجحت – وقد تحولت إلى حرب أصولية على النفوذ الشيعي؟ وهل وفر على مصر وتونس الدم والدمار سوى أن حكومتيهما عميلتان لـ”قوى الاستعمار” وبالتالي قادرتان على تسليم السلطة لفريق جديد من العملاء بسرعة نسبية؟ متى ندرك أن هذه ليست دولاً وإنما مستعمرات، وأن المسئول عن كونها وبقائها كذلك هو – قبل أي طرف آخر – سكانها أنفسهم، حيث الكلام عن التحرر ليس إلا ذريعة لمصالح من شأنها أن تنفي احتمالاته تلقائياً؟

.

أنا اعتقادي إن اللي حصل في مصر وتونس له علاقة أساسا بإن ما فيش حاجة حصلت، هامش حريات النظام العالمي ووجود المؤسسات جوة النظام ده بشكل أو بآخر سمح بإنه يحصل شو ضخم ومقنع لدرجة إننا نصدقة، وكان الضامن لده – بما فيه ما يسمى بالقانون والمؤسسات وحيادية قواتنا المسلحة الباسلة وبما فيه كمان استعداد قطاعات عريضة جداً للتعريص الممنهج واستعجال كل الأطراف على إن الشو يخلص و”السلطة تتسلم” – هو إن العمالة للمنظومة الرأسمالية السايدة واضحة وبسيطة وبالتالي فيها مساحة لإن الناس تبقى بتمثل في المسرحية وهي مش واخدة بالها إنها مسرحية (ويمكن العمالة بالمعنى ده شيء إيجابي في ضوء إن لا فيه قابلية على الإنتاج ولا مشروع عالمي بديل إلا إرهاب بيقدم نفسه باعتباره صحوة إسلامية وأموال بترول بتنتج وتدعم الإرهاب زي المقاول السكير اللي بيعمل في عمارته زاوية صلاة عشان يكفر عن ذنوبه وهو عمره ما سأل نفسه بجد إذا كان أصلاً مصدق في الدين)، بينما عمالة سوريا هي لجهات بتناهض المنظومة الرأسمالية ولو اسماً مش فعلاً وبالتالي بترفض هامش الحريات السياسية المطروح من قبل ما يتوجد فتبص تلاقي الشو بيقلب بجد. ما أظنش الطائفية ممكن تعمل منطق أسباب ونتائج أبداً في حد ذاتها، وبعدين ما فيش طوائف في ليبيا مثلا بس شوف اللي حصل في ليبيا. الطائفية مجرد لغة لتبرير العدمية في مجتمعات فشلت في خلق ثقافة معاصرة تخلي للحياة حد أدنى من المعنى عند عدد كافي من الناس، وطائفية النظم مش أكتر من انعكاس لده

Alfred Infrared with Jimmy “Lens”-لا يعنيني

الحقيقة التي أكتشفها أنني لا يعنيني الأمر من قريب أو بعيد؛ لا تعنيني السيادة الوطنية ولا النصر الإلهي ولا الهوية القومية أو الطائفية ولا الحق في تقرير المصير، ولا تعنيني العقائد التي تجعل الناس أغبياء ومملين وتبرر المظالم والمجازر، سماوية أكانت هذه العقائد أو أرضية. الذي يعنيني – والذي شاركت في “الثورة” من أجله وارتددت عنها من أجله أيضاً – شيء أبسط وأعقد في الوقت نفسه هو وجود مساحة آمنة نسبياً من الناحية المادية وخطيرة نسبياً من الناحية المعنوية تمكنني من ممارسة الاتصال الإنساني بما تستلزمه المعرفة من إبداع ومن ثم التطور: خلق علاقات وأشياء لم تكن موجودة من قبل (وهو ما فعلته الديانات والثورات كلها لحظة بزوغها أو هكذا نفترض). لن يفرق على الإطلاق تحت أي مسمى، بأي انتماء قسري أو لون بشرة أو افتراضات ثقافية أو حتى بأي لغة تتوفر هذه المساحة

Mini exhibition: Hipstamatic Cairo + لم أفهم عمري: تحديثات الحالة

… وإذا كنا نريد أن “نتحاور” أو “نشتبك مع الواقع” – وإذا كنا نريد أن نفعل بأهداف “وطنية بناءة” أو على الأقل خالية من الأغراض الدنيئة (والمعنوي من تلك الأغراض أهم من المادي دائماً، ولا مناص من تذكر أن أوّل علامات الدناءة المعنوية هذه هو تعمّد سوء الفهم بهدف السطوع كغريم)… بالله على دين أمك يعني، إذا كان هذا ما نريده فما الذي يمكننا الاشتباك معه أو الحوار حوله أصلاً؟ ابن الرئيس يعيّر معارضيه بمقاطعة الانتخابات (على اعتبار أن في ذلك تأييداً أوتوماتيكياً لمنافس أبيه حامي الثورة بوصف ذلك المنافس عدو الثورة… وهو ما يعلم هو قدر ما أعلم أنا وتعلم أنت أنه دعارة برخصة)، والمطبوعة الثقافية-الأدبية الوحيدة في بلد عدد كتابه أكبر من عدد قرائه تدعّي على كارل ماركس حب النبي محمد كرد فعل على واقعة أخرى أهم ما فيها أنها تثبت – ومن جديد – تخلف وتزمت المسلمين في العالم كله؛ ثلاثة أرباع خطاب “المعارضة” عبارة عن تفكه على ما يقوله المسئولون في الخطب الرسمية بلا أي نظر إلى كيفية أو جدوى استبدال هؤلاء المسئولين أو حتى تغير ما يقولونه. وخمس مرات في اليوم، كل يوم، نخترع العجلة… فنكتشف – وكأننا لم نعرف من قبل – أن الإخوان لا يمثلون الثورة ولا الديمقراطية وأنهم بصدد أخونة الدولة، أن السلفيين رعاع متخلفون يجب وضعهم في مصحات عقلية خاصة، أن “الجمهورية الثانية” نسخة أكثر ريفية وغباء من الجمهورية الأولى (ولا ننكر غباء وريفية الجمهورية الأولى)، وأن الوضع الإقليمي (الربيع العربي) عبارة عن حرب طائفية بين المسلمين بعضهم وبعض قبل أن تكون بين المسلمين وغيرهم. أسأل بجد: ماذا يمكن أن يقال؟ ولمن يقال؟ وبأي غرض “بناء” محتمل …

… وحيث كان العمى الثورجي قد بلغ ببعضهم حد ادعاء إن اغتيال السادات “فعل وطني” (وكأن العمل الجهادي الأممي تعبير مفهوم عن الوطنية، وكأن الوطنية أصلاً قيمة مرغوب فيها في السياق)؛ وحيث يبلغ العمى الاشتراكي ببعضهم في الدفاع عن التأسلم (رغم أنه اختيار رجعي-في مقابل تقدمي، ومسار رأسمالي-في مقابل اشتراكي) حد إقحام دوافع النضال التحرري المناهض للاستعمار على مظاهرات السفارة الأمريكية؛ لا شك أن العمى القومجي سيدفعهم أيضاً إلى تبني الطائفية السنية الصريحة في مقابل “الخطر الشيعي” الذي سيجدون لـ”تمدده” – وبقدرة قادر، كما حدث بالفعل في العراق ثم سوريا – غطاء “صهيونياً” (وبغض النظر عن أن النظام الإسلامي الشيعي قد يكون أوسخ حتى من النظام الوهابي)، فيتحولون من تلقاء أنفسهم إلى نشطاء ومنظرين لما يسمى بالقاعدة …

أؤيد عمر محمد مرسي في تصريحه الأخير تأييداً مطلقاً (وإن اختلف مقصدي من العبارة نفسها): “ثورة مين يا أبو ثورة؟” بل وأسمح لنفسي بالمزايدة عليه فأقول: “ثورة يا بن دين الكلب يا خول؟ إنت جاي دلوقتي بكس أمك تقول لي ثورة؟”

… لم أفهم عمري من يأخذون عليك بذاءتك في أوضاع أكثر بذاءة بما لا يقاس، وبالذات منهم (منهن) من يحملونك مسئولية الإرث الثقافي الذكوري لشتائم بعينها وكأنك بمجرد استخدامها – وبغض النظر عن ما تقصده في الواقع – تؤيد ذلك الإرث …

… ومن مجمل ما يُحزن حقيقة – أقصد ما يثير شعوراً شخصياً ليس مقصوداً بالحزن – أن يخذلك حلفاؤك المفترضون ليس في آراء سياسية (ستعكس الخيبة الثقيلة شئنا أم أبينا) ولكن في انحيازات واختيارات ثقافية بالمعنى الواسع – ضد “العلمانية المتطرفة”، على سبيل المثال – وفي الاستهبال على الواقع والتاريخ بتصميم بغل مجهد …

***

Ⓒ Youssef Rakha
Follow @y_doubleexposure_rakha on Instagram

ثورة ٢٠١٢ أو الأذان بالفيديو: من انتخابات الرئاسة إلى عدم الانحياز

العدالة التاريخية: أن يكون عدم الانحياز قد آل إلى صراع طائفي بين “قوتين” داخل الديانة الواحدة. منذ أيام وأنا أفكر في العلاقة بين “القومية” (الناصرية باختلاف درجاتها) والإسلام السياسي: توجهان يقدَّمَان باعتبارهما ضدين بينما الواقع أن ما في الأول من تدين وكراهية للآخر وانحياز لصالح طائفة ضد أخرى ثم فشل ذريع في التنمية منطقي أن يؤدي على خط امتداده إلى الثاني. وحسبك أن مثل عبد الحليم قنديل، بعد أن يعطي صوته لمرسي، يطلع على التلفزيون ليقول لك بالفم الملآن (مدللا بذلك على أنه حافظ عهد الصراع مع الاستعمار): “أنا لست علمانياً.” الآن عندك رئيس يذهب إلى إيران ليؤكد هويته السنية في مقابل هوية مضيفه الشيعية ويساند ثورة سوريا ليس دفاعاً عن الحرية وإنما تأكيداً للولاء الطائفي فلا يكون من المترجم إلا أن يحرّف كلامه لصالح ثوابت نظامه الشيعية ونظام الأسد! إذا لم تكن قادراً على رؤية ما يحدث بوصفه النتيجة المرجحة لطرح العهد الناصري في هذا الظرف تحديداً فهل تظن نفسك قادراً على رؤية أي شيء؟

أم أنهم – هم: الثوار، وقد برزت إلى السطح حدود مثاليتهم ونوازع “الاسترجال” والاستبداد والانتقام (الذكورية والأحادية والعين بالعين) في منظومتهم القيمية… ثم افتقارهم هم إلى أي خيال يتجاوز الاعتصام والمسيرة وأماكن التظاهر – أم أن الثوار يتحولون إلى أوعية حجرية جديدة لا تحمل سوى شعارات ممجوجة ومعزولة عن واقع الناس سيكون على أجيال أخرى، وأخرى خوض معارك “ثقافية” لا نهاية لها لمحو أثرها عن العقول والممارسات؟

وهو ما يحيل كله إلى الأمراض المستعصية ذاتها التي شلّت المجتمع طوال ستين سنة مضت على إعلان الجمهورية والإصلاح الزراعي وتحالف قوى الشعب العامل، وإن بلغة جديدة: لغة قادرة على نقض أم كلثوم ونجيب محفوظ والأهرامات نفسها بدعوى أن هذه الرموز تخالف الشرع أو أنها “ليست من الإسلام في شيء”

ولم نفهم – في السياق ذاته – أن الإسلاميين قد يتعرضون إلى ما تعرضنا إليه من قمع وتضييق ولكن ذلك لا يجعلهم في الموقف الثوري أبداً، لا وهم قريبون من الحكم ولا وهم بعيدون عنه، ليس فقط لأنهم شراميط مثل شراميط مبارك ولكن لأنهم شموليون ومحافظون في تفكيرهم بما يناقض أي فكرة محتملة عن الثورة، ولأن علاقتهم بثورتنا عملياً لم تتعد استغلالها للحصول على مزيد من الحكم الذي يمارسونه بالطريقة ذاتها التي مارسه بها شراميط مبارك (قارن بين الكتاتني وسرور – قارن بين حازم شومان وتوفيق عكاشة) ولا يعنيني على الإطلاق في هذا الصدد أن بعض الإسلاميين قد تكون لهم بعض النوايا الحسنة بينما كل المباركيين كل نواياهم سيئة

كان أول أخباري أن سيادتكم – كممثل الجماعة الطائفية – ستقيمون حفل تكريم للطغمة العسكرية. ودوعنا الآن من الحديث عن المواكب و”التشريفات”، من فتح سترتكم ودفع حراسكم عنكم لتلتحموا بالمؤيدين لا المؤيدات. ومن قول إنكم أطال الله عمركم لا ترتدون الواقي، ولا ترهبون – وسط إخوتكم – إلا العلي الباقي. دعونا من حلف اليمين في المحكمة الدستورية، ثم – في اليوم ذاته – وسط حشود اعتصام ينادي بإسقاط الهيئة القضائية. على من تضحكون إذ تخاطبون “أهلكم” وكأنكم ذات جمعة تقيمون الصلاة، رافعين صوتكم للبلاد بطلب النجاة؟

قبل أيام سألت أمي المتدينة “الوسطية” الكارهة حقيقة لحكم الإخوان (علماً بأنها مثل أكثرنا لا تستغني عن التكييف في الصيف): هل مخترع مكيف الهواء غير المسلم أفضل أم مسلم صالح لم يضف شيئاً للحياة ولكنه لم يقصر في أداء التكليفات والنوافل؟ قالت: هذه مسألة فقهية تستوجب مشورة العلماء، ولكن عندي أنا من قال “لا إله إلا الله” أفضل. كيف أو لماذا يصبح من قال “لا إله إلا الله” أفضل؟

***

٢٠١١

هلال شومان: عن باسل شحادة.. أثرُ الشيءِ في غَيره

wpid-basel-2012-06-5-23-10.jpg

تعالوا نُشَخْصِن الأمور كثيراً.

عندما نظرتُ إلى صورة باسل شحادة، تذكرتُ رواية “رالف رزق الله في المرآة” لربيع حابر. في الحياة، انتحر رالف قبالة الروشة. في الرواية، وعندما يعرف الراوي بالخبر، يتذكر أن رالف مرّ بجانبه مرّة في مدخل مبنى “النهار” من دون أن يتكلّما. ينظر الراوي إلى صوَره، يتحدث إلى زوجته، ويقرأ مقالاته التي نشرها في “ملحق النهار”، قبل أن تلفت نظره خاصةً مقالة شهيرة له عن الفريز.

عندما نظرتُ إلى صورة باسل، تساءلتُ بدوري عن فاكهته المفضّلة. كنتُ أعرف أني لن أجد جوابي في أيّ من شهادات أصدقائه المكتوبة. لم أعثر إلا عليه يبتسم لي في الصورة، وطفا نَمَش وجهه على وجنتيْه وأنفه أكثر.

النَمَش

النَمَش هو أثر الشيء في غيره، والنَمَش خطوط النقوش من الوَشْي ونحوه، والنَمَش بقعٌ على جلد الوجه تخالف لونه وأكثر ما يكون في الشُّقْر، والنَمَش – أخيراً – هو بياضٌ في أصول الأظفار يذهب ويعود.

“لينين” vs “غوغل”

لباسل صورتان قرب دراجة نارية. واحدة تظهره جالساً على الإسفلت مسنداً ظهره إليها، وأخرى بجانبها تظهره قافزاً فاتحاً ساعديه في نور المغيب الذي استحالَ ظلالاً عليه. لِمَ كان يفتح ساعديه؟ ولِمَ تلازمه الدرّاجة في الصورتين؟

للدراجة حكاية. كنت أكيداً. البحث أوصلني إلى بورتريه لرنا زيد تلاحق فيه رحلة باسل على دراجته من دمشق إلى نيودلهي. “غوغل مابس” نفسه يضيع عندما تضغط له على زر “الدراجة” وتكتب له من “سوريا” إلى “الهند”. يقول إنه لا يستطيع أن يحسب الاتجاهات. باسل إذاً كان يعرف أكثر من “غوغل مابس”؟ أم إنّ دراجته النارية (سمّاها “لينين”) عرفت أكثر منه ومن “غوغل”؟

من يعرف أكثر عن “لينين” غير باسل؟ من يجيب عن أسئلة من نوع: هل كان يرمي النكات عنها وحولها؟ هل لبطها يوماً ما لأنها رفضت أن تعمل؟ هل تركها مرّة على قارعة طريق، وشتمها ومشى قليلاً ثم توقف والتفت، ثم عاد يمشّيها ويمشي جنبها؟ هل نَجَتْ “لينين” من تلك الرحلة الطويلة؟ وما الذي حصل لها بعد موته؟ أخذها أحد غيره؟ تهشّمت، أم إنها لا تزال تقبع في كاراج بيت العائلة؟

كانَ يوم عطلة

في فيلم إسباني، ولمّا تعرف بموت زوجها، تقوم الأم بأخذ ولديها إلى المركز التجاري. توصلهما إلى غرفة اللعب وتجلس صامتةً تراقبهما يلعبان. بعد أعوام، عندما يسألها أحد الولدين مستهجناً عن سبب ذلك الفعل يوم موت أبيه، تجيبه الأم ببساطة: “لقد كان يوم عطلة”.

الأرجح أن باسل كان يحب العُطَل برغم مكابرته بغير ذلك في فيلمه القصير المسمّى “هدية صبيحة سبت”، والمقتبس من حكاية ولد نجا في حرب تموز. في الفيلم، يركّز باسل على طريقة حركة جسم الولد في السرير: كيف يضم اللحاف، كيف يحرك أصابع قدميه، كيف يتقلب من جنب إلى آخر، كيف يغيّر من إغماضة عينيه. صوّر باسل الولد بالتجزئة. على ماذا كان يفتش؟ على هذه الحركات الصغيرة التي نقوم بها بلا عمد قبل الانفجار؟

“بتعرفو شو؟ أنا بكره العطلة”، ينهي باسل فيلمه القصير على لسان الولد وهو ينظر إلى نار الحرب تقتحم بيته.

كوب الصورة

في الصورة، يحني باسل رأسه إلى اليمين أكثر، يبتسم ابتسامة متحفظة مطلوبة لصورة، وتتشكل تجاعيد حول فمه. عينه اليسرى تصير أضيق من عينه اليمنى، بما يلائم انحناءة رأسه. لعلها الشمس قبالته تجبره على هذا؟ ممكن، لكنَّ هذا تفصيل غير مهم. الأهم هو كيف ترفع يده اليسرى كوب القهوة وتقدّمه للمصوّر، أو ربما لكلّ من سيرى صورته على الشاشة.. بعد موته.

ما في الكوب؟ أي شراب؟

النهاية الخاطئة

في الرواية، يكتشف الراوي أن رالف قفز من فوق سطح مقهى “دبيبو” بعدما ظن طيلة الوقت أنه نطّ من الكورنيش. يبدو ذلك له اكتشافاً نوعياً. كان يتخيّل نهايةً خاطئة طيلة الوقت. يصعد الراوي إلى سطح المقهى وينظر إلى الصخرة أمامه والبحر تحته. هل رفع ذراعيْه كرالف عندما قفز؟ لا أذكر، لكني أتخيَّل أنه فعل.

أين مات باسل إذاً؟ ماذا لو غيرنا مكانه؟ ماذا لو أنزلناه بيروت، ومرَّ أحدكم قربه ماشياً في شارع الحمراء؟ ماذا لو ارتطم كتفك بكتفه، واعتذرتما كل للآخر، ثمّ أكملتما طريقيْكما؟

هذه قصة. من يكتبها؟

الأمر معقّد

“ما الذي يعنيه الوطن لك؟”، سؤال طُرِح على باسل في فيديو على “فايسبوك”.

أجاب: “هذا سؤال خطير. جوابي قد يورطك بمشاكل”. ضحك، واستدرك: “وطني؟ لا. لا أشعر أنني في وطني. أحياناً، بلى. أشعر بذلك. الأمر معقد”. قهقه باسل مرة أخيرة وطلب بودّ إيقاف الأسئلة. “هذا يكفي”، قال.

علينا أن نجعله إنساناً

في القصَص، تترك الجريمة دنساً مؤرقاً في نفس فاعلها. هل يكون الانتصار الأكبر إذاً أن نجعل القاتل إنساناً، فلا يقدر على السيطرة على رباطة جأشه، ويحظى وحيداً بلحظة ضعف؟ وماذا يحدث عندها؟

سيشعر كثر بالارتياح عندها، من دون أن يعرفوا لماذا. قد تقترب أمّ من أولادها وتقبّلهم، أو يفوّر آخر القهوة ثلاث مرات لحبيبته، أو ربما يقوم ثالث بتقطيع الخضار قطعاً صغيرة لصحن سَلَطة. هؤلاء كلهم، سيبتسمون بهدوء.

نحن عندما نبتسم وحيدين، فإنما نفعل ذلك لأن شيئاً ما جميلاً حدث في مكان ما من هذا العالم وأحسسنا به. ليس مهماً أن نعرف تفاصيله. يكفي أن نشعر بوجوده.

نص هلال شومان

عن جريدة السفير

wpid-nasser-2012-06-5-23-10.jpg

wpid-cleardot-2012-06-5-23-10.gif

قصائد جديدة، ٢٠١١-٢٠١٢

wpid-untitled-2012-05-23-06-36.jpg

ثلاث قصائد قصيرة جداً مختبئة في تويتر هذا الصباح

دم

مستشفي الدمرداش تحتاج الآن

لكل فصائل الدم

علي من يستطيع التبرع بالدم أن يتوجه

إلي مستشفي الدمرداش

استغماية

معتصمو الدفاع

يطاردون البلطجية

في الشوارع الجانبية

أهم حاجة

لو حد حيجيب امدادات للميداني

أهم حاجة حالياً

إبر وخيوط

جراحة،

هولدر،

شاش قطن بيتادين فولتارين

حقن،

آنتي بايوتك

سبراي

تعويذتان ضد التأسلم

(١)

أيها المتجهمون فوق حيطان المزابل

المستعيضون عن الأخلاق بلحية

الخائفون من وجوه البنات

تعبئّون الله في أجولة

وتهيلونه على الأحياء

أنا العلماني الكافر

أنا المرتد العميل

سأبقى إلى آخر جسد تدفنونه

أقض مضاجعكم بالخيال

(٢)

نحن أبناء أباليسكم

يا من تكتفون بأسماء الأسماء

سنظل نذكّركم

بأن المئذنة قضيب والقبة نهد

والماء الصافي خمر في أفواه العاشقين

يا من تكتفون بطقوس الطقوس

نحن ملائكة متخفون

وقد حلفنا أن نلفظكم

عند أول إشارة مرور

في الطريق إلى الجنة

جاعلين آخرتكم مثل دنياكم تماماً

نصائح ملك الموت إلى ثكلان

بالكاد دقيقة وأنت تخطو مغبّش العينين

هل نفد صبرك في دقيقة؟

اسمع

لا شيء في الكون كله يرحمك

لا شيء يوقف المنشار في عظام هيكلك

اجلس قليلاً

ولا تثقل علي

لا تجعل فجيعتك نداء إلي

وأنت تعلم

أنني عبد المأمور

أحمل على كتفي نحيب الكرة الأرضية

مضاعفاً ألف مرة

لا تظنني أملك معنى لشيء

فحيث تصبغ الأسفلت الدماء

لا أرى سوى بقعة داكنة

وإن شعرتُ بما تشعر به مضافاً إليه

كل من كان مثلك

أنا الذي أصاحبكم لحظة بلحظة

ولا أستطيع أن أفرح لفرحكم

لأنني أعرف وجعكم كاملاً

حتى في أشد اللحظات لذةً

كل ما أستطيع أن أعدك به الآن

أنك حين تنظر

لن تجد للفقيد أثراً في السرير

وكخدمة إضافية مني

لن تجد سريراً في الغرفة

بل لن تكون غرفة هناك

إلى أن تمسي بلا شيء أمامك

لا شيء مطلقاً

وكل ما أطلبه في المقابل

تذكّر

أن الحياة ليست سوى انتظاري

أنا الذي أطحن القلوب طحناً

ولا أستريح برهة

من سماع نبضها

البلد

إلى مهاب نصر

كل هذه السنين يا صاحبي

وكأننا هنا عن طريق الخطأ

ننتظر حتى تَفرغ الشوارع

لنقود مركبات غير مرخّصة

ونواجه جنود المعابر

بالضحكة الصفراء والنقود

نحلم بأماكن ولو وُجدت


نحن لا ننفع لها يا صاحبي


مضطرين أن نخالط التماثيل

أن نبادلهم حديثهم
أن نندس وسطهم


بأطراف مجمّدة ننظر ولا نرى


وبرؤوس منكّسة في بيوتنا

نعتذر عن ارتياد المحاجر
لنجرّب التكاثر سراً

ونبكي سلالتنا المهدّدة

كل هذه السنين حتى نجرؤ

على إعلان أننا لسنا تماثيل

لنسقط مقطوعين على قواعدهم

ميتين برؤوس مفلطحة

بعيون معصورة كالمحار

بثقوب في عظامنا

كيف يا صاحبي كل هذه السنين


ومازالنا لا نُخرج سوى حشرجة

“الصحراوي” ليلاً

“بلاي ستيشن”
والهدف – بلا ضوء –


أن تظل سائراً

دونما تصطدم بأجسام معدنية


ترعد على جانبيك


ولا تحيد إلى هلاكك


عن خط من دوائر فوسفورية

يظهر ويختفي
في الظلام


الموت الرحيم – قالت حبيبتي


ثم شهقت للمرة العاشرة

وأنا لا أستطيع
أن أنظر إلى وجهها –


هذا هو
طريق التحدي


هل حينها حدّقتُ من جديد؟

نور الكشافين في أوج احتدامه

بالكاد يكشف مترين


سأقطعهما في ثوان

ولا آخِر للسواد المتحول من بعده


كالتلال أو العجين

كأن الأرض خلف الزجاج


والجسد مستسلم للجاذبية


أنت عطشان للفوانيس

تفتش عيناك خلف ظلال


تحسبها أشخاصاً يعبرون


عن سراب التماعات

برتقالية وعالية


وحين نصمت عبر نفق آخر
من اللا ضوء

حين تتصلب عضلات كتفينا


وتتسع أعيننا

فوق البئر الأفقية

نعرف كم هي قريبة غايتنا


لحظة شرود


في السرعة أو الزاوية

يمكن أن تضع حداً للتهاوي
و

كم سيكون جميلاً في الحقيقة


أن تتوقف الحركة

كم هو رائع يا صغيرتي

أن ينتهي الطريق

نيرون يوم الحريق

إلى الهوب

“في الليل على فراشي طلبتُ من تحبه نفسي…” – نشيد الأنشاد ١،٣

إذا كنتَ نائماً في تلك الغرفة وصحوتَ على خبرِ زواجك


في منتصف الليل، إذا كنت نائماً وصحوت على رؤوسٍ صغيرةٍ قرعاء


تنبت في المساحة الفاصلة بين مقهاكَ الاعتيادي والمخدّة

أو جوعٍ لعروسِك عاريةً في برواز الباب


أقول وقد صَرّتْ “سرينة” كأنها حكّةُ المعدن في الزجاج


ودُجِّج الجنود في طريقهم إلى لقاء المسيرة

إذا كنت نائماً وصحوت على خبر زواجك يا حبيبي، لا تفزعْ


***

لكن زملائي الساخطين، حال تُسمَع أصوات القادمين من بعيد


سيهرولون إلى أسفل ليذودوا عن غنائمَ بعجلات

ويلعنوا أولئك القَتْلى المزعجين، مسلّمين أمرهم إلى الله والقَتَلَة

وسأُمسي في محلّ عملِي الشاغر “نيرون” يوم الحريق


أسحب قوسي فوق الكمنجا بينما روما تنسحق

مثل ورقة في قبضة متسخة، سرعان ما تغيب في المخلّفات


أسحب قوسي وأغنّي يا عروسي، وأنت تبحثين عن فستان الزفاف

***

لا تفزع. انتظرْ يا روح عروسك حتى يعود يُفتح المقهى


ولا يضيرنك أن تستبصر نظرةَ نشّالٍ حرمك فلوسَك أول أمس


مثلما حرمتْك زوجة عبوس ولداً ألّفت اسمه قبل أن تطلّقها

ضع كفّك على رأس النشال من دُبُرٍ فوقَ سطحٍ حاد

ضع قدمك على صدره؛ وعند تفاحة آدم، في عنقه، ضع ركبتك


أقول وقد دُقّتْ ذراعُك بندولاً يولّد رشاش الدم ليُزيلَ الملامح

المهم أن لا تعود ترى وجه النشال

***


حقاً يخطر لي الآن أنه أحوج مني إلى الفلوس

مع أنني أنا الذي على وجه زواج، فأغفر له خديعته يا “توتة”


ولتعلمي: فيما الجنود المخمورون بانتصارهم على المسيرة

يدهسون القادمين مثل قطيع جاموس وحشي

من شأنه أن يهدّد أمن السيارات، سأكون فوق الدنيا


أغني. صبري حتى أستقلّ ركناً في مقهاي


لأرى ضحكة عيني حبيبة يلدغني الجُحْر ثانيةً من أجلها


***


الدنيا حجرات متصلة مكيفة الهواء، والناس على ألوان مشروباتهم

هذه حجرتك. اذكر يا بابا أن السير في الشوارع ليلاً

بات يستوجب عناقاً غير مخطط، يفقد المرء إثره أولاداً أو فلوساً أو حياة

وأنت جالس هكذا مع قهوة المعدة الفارغة يغويك كوب عميق

بالسمنة، وأنت تنتقل بناظريك بين يمام محجب ودجاجة تقود “مرسيدس”

اذكر أن لك طائراً يمكنك امتطاؤه إلى حيث الاحتجاجات


تطالعها من علٍ وأنت تمسح دموعه.


***


ولأن قلبك يتسع للفجيعة، لأننا مسلسلون على باب الله يا ماما


ويُقال إنه يعمل لنا ما فيه الخير، سنعيش لنفتح بيوتاً فيها غرف كهذه

نموت على أسرتها بلا دماء. لا يرتسمن الذعر على شفتيك

إذن، ولا تبكي آباءنا الميتين، لا تبكي آباءنا أمام رأس كأنه كرة مبططة

اقضمي ذَكَري فقط وأنت تدندنين، كما سأغني لك في شرفة المبنى الشاهق


وهم يقتلون، اقضمي ذكري ودندني عن طعام سنأكله سوياً

أو غيط وسطه غدير. ثم انفثي نحيبك في ذروتي


***


إذا صحوت والفجيعة تنخر صدرك، وبينما الناس يشجعون “الزمالك”

الضحايا يُحاكَمون، إذا كنتَ نائماً ثم صحوتَ على فجيعة يا “كوكي”


والذاهبون إلى الجنازة يرفعون أعلام فريق كرة قدم سيُهزَم

في مباراة أقيمت رغم أنف الحِداد، اعلم أن وجهك ينطبع على بطني


ويخبئ  شعباً بديلاً هناك، إذا كنت نائماً وصحوت على جنود يبيدون مسيرة

افرح بقصر فيه جارية هي وحدها تملك حياتك


ترقص على نغمك أنت والقاهرة تحترق

الثورة بجد

عن قصيدة “الأسد على حق” لألن جينسبرج

“ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني”

أرجع من الإسكندرية عبر طنطا لأجد الثورة أسفل سريري

ومَثنيَّ الجذع على ضوء أبجورة الكومودينو، وجهي بمحاذاة المُلّة

أتبين الملايين تركض وتدافع عن نفسها بالحجارة، كل واحد عقب سيجارة لا يزال مشتعلاً

يرفعون لافتات كالطوابع ويحفرون شعارات أكبر من أجسادهم على الباركيه، أتسمّع هتافهم

***

وكأس الفودكا الأخيرة لم تتبخر من جمجمتي منذ واحد سكندري لم يُعمَل في رشدي

عظمي المخمور يقرقع وأنا أغالب البكاء ممزِّقاً ملابسي في الشباك:

الثورة حصلت يا أولاد القحبة، الثورة حصلت بجد!

***

وقد تركتُ حبيبتي في شارع بن الفارض عند بتاع المخلل تستقبل الفلول

مفتقداً لا الواحد ولا البحر، لا وجه أمها المترمل منذ ساعات ولا أباي الميت قبل عشر سنين

ولا خلف مقهى الأحمدية ولياً كان ذَكَرُه – ضمن الكرامات – أكبر من هراوات الشرطة العسكرية

بل أذني التي ابتلت في الأظاريطة لأن دموعها كانت تقطر من سماعة الموبايل

***

ألطّخ ملابسي بالحبر الأحمر وأُسرع إلى العمل لأرقد على عتبة المدير

لم تكن الثورة مع الزملاء ولا في المترو ولا حتى في حناجر شهداءٍ يُبعَثون بلطجيةَ أمنٍ مركزي

هائماً في ملكوت سكك حديد مصر كيف لم أضبطها حتى هربتْ إلى غرفتي؟

***

مضعضعاً بعدما نمت ليلتي في حمام المصلحة أوشوش عامل البوفيه: بلا ثورة، الحياة لا تُحتَمَل

هل تعرف أن ابن الفارض قال إن موت العاشق حياة والقتل أفضل من الهجر

المؤسف أنه كما أن لا تغيير بلا مذابح كذلك لا زمن بلا انتظار، هل تعرف الملائكة…

الملائكة؟ يسألني متهكماً وهو يتحسس صلعة كالجلمود ويطالعني بشفقة، يقرضني خمسة جنيه

***

أسعى إلى إحدى اللبؤات أسداً يحمل كشكولاً لأخبرها بأن الثورة ليست في ميدان التحرير

ومحتسياً فرابيه من مؤخرة سموذي بعد ثالث دابل إسبريسو في أحد فروع سيلانترو

أزعق في كاتوليكي مراهق من فوق شاشة اللابتبوب: لا شيء اسمه الغيرة القضيبية!

***

من الدقي إلى التحرير مرات عديدة صحبة شاعر شاب هو الآخر من طنطا

أتأكد من فشل الجهود حين لا ترد حبيبتي على الموبايل وهي ثكلى

وإذ جلس زيزو مع فتاة أردنية ليلة جاءني التليفون، هل كان مصابها المفاجئ عقد ارتباطنا؟

***

عندما ترد أخيراً أقنع صاحبي الشاعر أن اعتصاماً بجد في غرفتي، ننطلق بلا سلاح

وزاحفاً ورائي على ركبتيه من جنب الكومودينو بشورته البرميودا كمندسّ يتلصّص

جموع المحتجين حول كعكة حجرية هي عبارة عن نعل قديم، مثلما كنا تماماً

الدبابات علب ثقاب والإف-١٦ كالدبابيس وغوغائيون سفلة، بين المُلّة والمرتبة قناصون بالليل

***

نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي

أتخيل حبيبتي راكعة أمامي ببلوزتها السوداء، فجيعتنا الفردوسية وأنا أقذف في حلقها

وحين توقظنا أمي في الصباح لا أقاوم، أرى الخادمة ومكنستها الكهربائية عليها ختم النسر

أرى العَلَم يرفرف في أيدي مخلوقات فضائية وأعرف أننا لن نهزم إسرائيل

يغتاظ صاحبي والقذى في عينه حين يمتد خرطوم المكنسة تحت السرير

مع ظهور الخيش والصابون أمنعه عن الخادمة بصعوبة: لا فائدة من اغتصابها!

الآن ليس سوى صوت المكنسة وهو يبكي، لا دم ولا حديد يعود باركيه الغرفة نظيفاً وخالياً

وحيث كانت الدواوين على الرفوف زجاجات ديتول وبليدج، إسفنجات وخرق منمقة

فجأة يشهق سريري على صوت السرينة، تشتعل الملاءات وتنفجر المرتبة

يتفصد الكومودينو عن أسد هصور يزأر ويختفي صاحبي والكتابة على الحيطان:

سنوري حين يمارس الجنس يقذف كل عشرين دقيقة ولسانه أخشن من ورق الصنفرة

***

أيتها الحبيبة المنتحبة يا مانحتي الأورجازم النهائي لقد انعقدت حياتانا بالموت

لقد رأيتُ الآتين والغادين قبّلت ذوي اللحى وجريت من شاهري السنجة على سلالم المترو

حملتُ سيدي مجاهد إلى ظلمة القبر لأُطمئن أباك ونعست مقرفصاً بين مقصورتين

لقد وجدتُك أسفل سريري وجيش أمي في الغرفة، سلّمت رقبتي لفم الأسد.

٢٠١١

فبراير

بريق اللافتات. والصاخبون. والذين تركتُهم مطمئناً. وللمرة اﻷولى منذ اجتمعنا. والمخيمات التي يسكنونها. وطعم الهواء خلف الحواجز. والذين تركوا أشغالهم ليجمعوا الزبالة. وبائعو اﻷعلام مع بائعي التسالي. ولينظمونا صفوفاً في الدخول والخروج. والذين “عزّلوا” بعائلاتهم. والنائمون تحت الدبابة. علامة النصر باﻹصبعين. والذين يفتشونك ويعتذرون. والنائمون في العراء. وكذب المحطات الرسمية. وفي أحضان الله. والكلام المقيّئ. والذين يقبّلون الجنود. والخيانة على صفحات الجرائد. والخيانة بلا أجندات. وحاملو اﻷرغفة والفواكه. الشاي في الكوب البلاستك. والسيجارة المشتعلة من سيجارة. وصورة تذكارية مع الدبابة. الذاهب واﻵتي. و“مرحباً باﻷبطال“. ومَن راح حسه وهو يهتف. والخوذة المرتجلة في النار. والكوكاكولا لغسيل الوجه. وفي الطوب والحوافر والعصي. الجري ثم الرجوع. وأحضان الثكالى. والمتليف جلده بالشظايا. أوجع قلبه ما حدث لهم. والكوكاكولا بثلاثة جنيهات. ومع علبة كشري صغيرة. ولا يجد حرجاً أو غضاضة. ولن يقبل اﻹملاءات اﻷجنبية. ويقولون إننا مضللون. حاملو الجرحى عبر المداخل. وخراطيم المياه على الساجدين. والساجدون على اﻷسفلت. والذقن والشعر واﻷحذية. ويقولون إنه على كلٍ رئيسنا. سائق التاكسي الخائف. ورافعو الصليب المقدس. وسائق التاكسي الخجول. والذين دهستهم العجلات. صورة الرئيس مع الحذاء. ومشيعو اﻷجساد واحداً بعد واحد. والذي مات قابضاً على الطلقة التي أخرجها من عنقه الطبيب. والذي اختطفوه وأحرقوا وجهه بالسجائر. والذي مات في المرة الثانية. من يهتف لا يمت. والقنص من فوق أسطح الفنادق. والقنص تحت ستار الليل. والشعارات في الرصاص. والذي واجه المضرعة لوحده. والقلق على البلد ككلام المأجورين. وتحت غطاء الليل. أكثر من معنى لجبهة. واستغاثات اﻷطباء. والنازفون على السلالم. وخسّة الشرطي. ومَن حمل القنبلة وقذفها عليهم. ومِن وسط دخان التشنج. ومن حل محلهم وهم يركضون. والذي منع زميله من ضربهم بالحجارة. والنيل ليلاً. والجندي الذي قال لي: كيف أضربكم وأخي بينكم. وضابط الجيش الذي غمرني بذراعه. والشعب يريد إسقاط النظام. ودقات الطبول إيذاناً بشيء. والكارثة. والساحات المدمدمة كالمناحل. ودقات لتنغيم الشعار. الانتظار والذراع مرفوع بالبطاقة. ومن كان شرطياً سيُذبَح. والجلوس على الرصيف. والموت ضرباً. والموت بالنهار. والمطر على الجباه. الشعب يريد محاكمة الرئيس. وعيون الخارجين من المساجد. وأطفال العشوائيات. وما يبقى من السيارة بعد أن تحترق. والانفلات اﻷمني. والرشاش في المرحاض. وأفواج اﻵتين بعد أن يأمنوا. واﻵتون مع أصدقائهم. واﻵتون مع أقاربهم. واﻵتون لوحدهم. ويسقط مبارك.

إبريل

السموات الخلابة. المثقلة بآفاقها. كأنها الخلفية الجاهزة للوحة تصور حقول “الميموزا”. والمقننة بالـ”فوتوشوب”. الزاحفة على زجاجة سدادتها جليد. بلا عمود فقري. سموات لـ”وليام ووردزورث” إثر رجوعه من “الباستيل”. وسموات “الحنجرة” القديمة. التاريخ تحت إبطها ورصيدها الائتماني لا يكفي فنجان قهوة على الشاطئ. سموات هي الأسقف الخلابة للشاطئ. والتي تغمض على درجات الرمادي تحت زوايا مثلثاتها المتفصدة بالبخار. والتي ليست زوايا. سموات تضع أفيونة تغيير العالم تحت لسانها ثم تنحني لليخوت. أقرب إلى البنفسجي من الأصفر. ورغم أنف زهرة الميموزا. السموات التي هي سلالم موسيقية للنظر. جعلت من الله عصفوراً (كما يقول “وديع سعادة”) ولم تدعه يزقزق للشعوب. السموات المنتهَكة. المؤثرة رغم ابتذالها. المبتهجة بالغيم. “ليه يا بنفسج بتبهج”. وتهدُّج “عبد الحليم حافظ” على الوطن والعيون السود. سموات الشِعر الرومانتيكي. رموشهم ليل. ولا مكان لـ”عبد الناصر”. الحالمة بتغيير العالم. التي تثقلها آفاقها. الأفيونة لا تفارق لسانها فيما الشعوب تنتظر الزقزقة. سموات الحرية. سموات المساواة. سموات الإخاء. التي حين تأتي الشمس تشيح بقسم من وجهها عن القمم الغائصة في الزبد فيفوح الصنوبر أخضر وقريباً من الأمواج. الدين للثورة المضادة والوطن للمصطافين. وسموات الأمواج أيضاً. المبحرة بلا شوارع. الباقية بعيداً. والزرقاء رغم أنفها. الزرقاء بلا دماء. الزرقاء بحق الاحتجاج السلمي. والزرقاء بالأبيض وأسود كذلك. الزرقاء بالليل.

يخطر لي أننا هنا من زمان

في منتجع ليس كالدنيا

يرتدي النزلاء سواراً بلون البرتقال

علامة أنهم دفعوا

حق كل ما يمكن أن يجرعوه

وحيث الطعام والشراب، النزلاء قرية

أطفال كالطحالب وعجائز هيبيون

أنصاف عاريات يكركرن على الضفاف

وعلى رسغ كل منهم ذات الشريط

ذلك الذي لا يمكن خلعه

بلا آلة قاطعة

في منتجع لعله كالدنيا قليلاً

فلاحة ما كادت تولد حتى أنجبت

واصطحبت شعباً باكياً

إلى حيث سفينة واحدة بيضاء

تقسم الأفق نصفين

***

برتقال الشمس حليب الهلال

وفي الليل كل النجوم

الطعام ليس طيباً رغم كل شيء

لكن النزلاء متجاورون على اختلافاتهم

وكلهم كلهم يرتدون السوار

كأن ليس لهم رأي في الحكاية

في منتجع يخلط اللغات أو مخلفاتها

أعثر على لون المياه

فيما أنتظر قدح قهوة

غير مدرج في حقوق الإقامة

وأتابع الأرسغ المطوّقة

ختم يجُبُّ حتى الحجاب

في استطاعته أن يقول عنك شيئاً

بينما أنت ساكن كالمناشف

والدنيا بعيدة وسافلة

***

يخطر لي

أننا معتقلون في الصحراء

كفوا عن تعذيبنا من سنين

واكتفوا بمتابعة أيامنا

عوضاً عن الاعترافات

وهم يلهوننا بالغناء والسباحة

يعلمون متى نأكل أو ننام

أين نذهب لو غادرنا المبنى المركزي

وكيف تتلاحق خطواتنا على الطريق

سوار برتقالي في رسغ كل منا

يعرّفهم مَن نكون

يخطر لي

أننا حبساء مصحة عقلية

يجمعنا وهم مشترك

إننا مصطافون في نزهة على الشاطئ

أتينا منذ أيام وبعد أيام نروح

فيما الحقيقة أننا هنا منذ الأزل

ولا أمل في العودة قبل أن نموت

سوار برتقالي يحدد إقامتنا

ويُعلِم العاملين أننا مرضى

لا يجب أن يواجهونا أبداً بالحقيقة

***

في منتجع هو الدنيا، يا حبيبتي

نراهن على مشروب مثلج

أو مباراة كرة طائرة على الرمال

بينما السوار في رسغنا

والموجة تبتعد

تحميل PDF


البلد: قصيدة

إلى مهاب نصر…

كل هذه السنين يا صاحبي

وكأننا هنا عن طريق الخطأ

ننتظر حتى تَفرغ الشوارع

لنقود مركبات غير مرخّصة

ونواجه جنود المعابر

بالضحكة الصفراء والنقود

نحلم بأماكن ولو وُجدت

نحن لا ننفع لها يا صاحبي

مضطرين أن نخالط التماثيل

أن نبادلهم حديثهم

أن نندس وسطهم

بأطراف مجمّدة ننظر ولا نرى

وبرؤوس منكّسة في بيوتنا

نعتذر عن ارتياد المحاجر

لنجرّب التكاثر سراً

ونبكي سلالتنا المهدّدة

كل هذه السنين حتى نجرؤ

على إعلان أننا لسنا تماثيل

لنسقط مقطوعين على قواعدهم

ميتين برؤوس مفلطحة

بعيون معصورة كالمحار

بثقوب في عظامنا

كيف يا صاحبي كل هذه السنين

ومازالنا لا نُخرج سوى حشرجة

*

wpid-img_2070-2012-03-11-17-28.jpg

*

wpid-img_2061-2012-03-11-17-28.jpg

*

هكذا تكلم ابن الرقاصة

هكذا تكلم ابن الرقاصة (أو أموات منطقة الجزاء): ٢ فبراير ٢٠١٢

“نهاية العام: عام النهايات…” – سركون بولص

أن لا تكون من مشجعي كرة القدم في مصر كأن تكون ولد سفاح تقريباً. لقد حان وقت الاعتراف بأنني، كشخص لا يرى في كرة القدم سوى حجة باهظة للسَفَه الممنهج، ابن غير شرعي في هذا العالم. لكنني كما اتضح ابن غير شرعي ليس فقط لمجتمع واسع يستلزم الولاء الفطري لملاحم “المستطيل الأخضر” ومآثر “الساحرة المستديرة” دون أن يقبل الإنجاب بلا زواج، وإنما أيضاً لمجتمع ضيق تقيمه مسيرات واعتصامات واشتباكات لم أعد أشارك فيها وإن لم أفقد حماسي لها إجمالاً (فقدت حماسي بدرجات تتفاوت حدتها للاحتفالي منها بالذات، لـ”الملوينية” والعَلَم والمنصة ولـ”الميدان” المخترق بلا دماء، وهو ما قد يساء فهمه في السياق الثوري)؛ أي أنني – فيما يخص “الثورة” – بت أُجلّ تضحيات لست على استعداد شخصي لتقديمها، ليس لأن لها جدوى ولكن لأنها تضحيات.

وكما علّمتني جماعات “الألتراس” من أبناء “المجتمع الكروي” الشرعيين حد الحراك المنظم أن لذلك السفه الممنهج فائدة رغم كل شيء – أن تشجيع كرة القدم في بلد مسكون بالدونية والرعب إلى هذا الحد ربما كان المساحة الوحيدة الممكنة لاسترداد الفضاء العام بثورية براجماتية في مقابل الثورية المثالية التي تنتهي بصاحبها إلى ما يشبه الانتحار – علمني انطوائي وعزوفي عن الجموع والعنف غير المتكافئ أن مواصلة النشاط الاحتجاجي، داخل حدود “المجتمع الثوري” – الوحيد الذي يمكنني احترامه وسط مصر “كالايدوسكوبية” متعددة المجتمعات – أصبحتْ مثل تشجيع كرة القدم تماماً: شرطاً أصيلاً لشرعية وجودك أو حقك في الكلام؛ وحبذا لو استُشهدتَ أو فقدتَ بصرك لتؤطر بموتك أو عماك بشاعة الفريق المنافس، أو تبرر “الثورة” بلا حاجة إلى كلام.

.

تستثيرني في هذا السياق أسئلة صعبة ليس أولها احتقار الذات ولا آخرها احترام الحياة. الثورية نفسها تستثيرني، الثورية التي لا تنظر إلى نفسها بما يتيح رؤية عبثيتها، أو تُبطِن – مثل أدب “ألبير كامو” – كفراً بمعنى الحياة بل وجدوى تغييرها، التي لا تملك من الخيال أو الشجاعة ما يجعلها تتحول عن مسار أحادي ضيق مكرسة لنقيضها في الوقت ذاته. يستثيرني، مثلاً:

  • •أن القضية المطروحة حيال احتجاجات وزارة الداخلية التي اندلعت في أعقاب مجزرة تعرض لها “ألتراس أهلاوي” في ستاد بورسعيد هو ما إذا كان الألتراس أم غيرهم من يصرون على كسر “سلمية” الاحتجاجات بالاعتداء على المنشآت العامة (وكأن مباني “الدولة” أهم من أرواح المواطنين أو في صراع أونطولوجي معها، وكأننا لا نعرف أن فصائل من الداخلية والقوات المسلحة دبرت الاعتداء على المنشآت العامة من قبل لتوريط المتظاهرين)، أن دعاة “الاستقرار” من “مجتمع الكنبة” مازالوا يناصرون جهات كوزارة الداخلية لم يبق سوى أن تعلن عن أنها تعمل على إثارة “الفوضى”؛
  • •أن نساء يُعرَّض بهن بشكل ممنهج في “المجتمع الإسلامي” الذي بات مطابقاً لـ”المجتمع الديمقراطي” عملياً مازالن يحتضنّ الرصاص بحماس صادق بينما لا يخطر لهن خلع حجاب يلبسنه مكرهات منذ “العصر البائد”، وأن من صوتوا لمَوالي المجلس العسكري من الإخوان المسلمين وحزب النور على جثث ضحايا لم يرفع الموالي سبابة لنجدتهم هم أنفسهم من يهتفون بسقوط العسكر؛
  • •أن فترات مرت كان الألتراس وحدهم من يضطلعون خلالها بمواجهة الأمن المركزي والشرطة العسكرية إثر الاستفتاء الأول على تعديل الدستور، والذي أدى مبكراً جداً إلى احتكار عسكري للقرار مقابل صعود برلمان إسلامي لا أراهن على اختلافه عن برلمان الحزب الوطني؛ وكان ناشطون نجوم أمثال علاء عبد الفتاح قد صوتوا بنعم لصالح المجلس العسكري والإخوان في ذلك الاستفتاء…

أو أن أحداً، في المهاترات “السياسية” الدائرة، لا يأتي على ذكر “الدولة العميقة” التي لا أظن “إسقاطها” ممكناً قبل إسقاط الرأسمالية العالمية برمتها؛ وفيما تقتصر “المطالب” على استبدال أو إعدام أشخاص بعينهم – عن نفسي، لن أكون من أنصار عقوبة الإعدام أبداً؛ وأظنني سأفضّل حتى نظام مبارك سواء أعلى “المحاكم الثورية” التي يطالب بها بعض “الثوار” أو على “شرع الله” كما يستبصره السلفيون – تتحول التضحيات إلى وقود “دوري” يتنافس على سلطة هي ربما أكثر سفاهة بالنسبة إلي من مباريات الدوري الممتاز الذي تقرر إلغاؤه.

.

قال لي سائق التاكسي إنه يتمنى أن تصبح البلد “إسلامية” مستشهداً بتركيا كنموذج يجب احتذاءه، وأضاف: “عشان ولاد الرقاصة دول يتلمّوا!” كان يشير بذقنه الحليقة إلى امرأة شابة تعبر الطريق وفي عينيه شهوة يكرهها. لم تكن المرأة التي أشار إليها محتشمة فحسب ولكنها كانت أيضاً محجبة. نظر إلي ينتظر أن أثني على ما قاله، وحين وجدني أنفخ بتذمر مشيحاً بوجهي عنه إلى الشباك، تنهد ليس بخيبة أمل ولكن بخليط أعرفه جيداً من التحدي والتلون. “ولا إنت إيه رأيك على كده؟”

نظرتُ إلى سائق التاكسي في عينيه تماماً: “أصل أنا ابن رقاصة زيهم، فمش عارف بصراحة أقول لك إيه!” وتذكرتُ رجال منطقة بيوغلو في اسطنبول حين يطلعون على العالم في هيئة وثياب النساء؛ تذكرت قبلات الأحبة هناك في الحدائق المتاخمة للبوسفور، وروعة التحرر من عيون مثل عينيه. “بس عارف” – أضفت فجأة – “ما فيش أي مانع نبقى زي تركيا…”

.

أول ما خطر ببالي إثر وصول أخبار استاد بورسعيد في ذكرى “موقعة الجمل”: صبرا وشاتيلا. بدا لي أن علاقة الأمن بالبلطجية الذين اندسوا وسط مشجعي نادي المصري لعبور الملعب إلى ألتراس أهلاوي والإجهاز عليهم هي ذاتها علاقة إسرائيل بالقوات اللبنانية: التحكم في الإضاءة وفتح وإغلاق المعابر. كنت أفكر أن وجود إسرائيل لا يغفر للقوات إجرامهم وأن شيئاً عندنا لن يتقدم طالما توجد هذه الميليشيات الخفية متعددة الولاء.

والآن والجدل دائر حول “اقتحام وزارة الداخلية”، والأخبار تتوالى عن معارك على بوابات الأقسام بامتداد البلاد – بصراحة شديدة – أحس بالملل. أحس الكلام ممجوجاً والمواقف متوقعة بحذافيرها والنوازع، حتى النوازع معدومة الخيال. أشياء لا يملك الواحد حيالها إلا الغضب للمرة الألف، أو ربما زحزحة “الأحداث” إلى منطقة غائمة: إغلاق “الدُرج” عليها في مكتب العقل.

هل حقاً علينا أن نسأل من جديد إذا ما كانت الداخلية المصرية في حاجة إلى “إعادة هيكلة”؟ هل على المتظاهرين مرة أخرى أن ينفوا شبهة شيء قد يكون سبباً للافتخار؟

.

ومع ذلك، للمواجهات التي باتت روتينية في محيط وزارة الداخلية نتائج إيجابية رغم كل شيء، نتائج لا أظنها أغلى من حياة من ماتوا ولكنها تصب في الاتجاه الإصلاحي الذي انبثقت عنه الثورة – وهو إصلاح، فيما ثبت لغاية الآن أن المعارضات على تنوعها ليست أقدر عليه من نظام لازال يحارب من أجل البقاء، لا يمكن أن نتوقعه من ثورة يناقضها بتعريفه، ثورة استخدمتها الدولة العميقة لاستبدال ديكتاتورية مبارك بديكتاتورية عسكرية مباشرة مع تهديد مضمر بثيوقراطية إسلامية تتحقق من خلال صناديق الاقتراع، إضافة إلى التلويح العلني باحتمال سواد نظام تسيير ميليشياوي:

  • •تحول الشعار الرئيس من “الشعب يريد إسقاط النظام” إلى “يسقط يسقط حكم العسكر”، وهو اعتراف “شعبي” تأخر أكثر مما ينبغي بوجوب سقوط منظومة يوليو كاملة لحظة “تخلي” مبارك عن سلطته للمجلس العسكري؛
  • •كشف الإسلاميون ليس فقط عن نيتهم في استغلال الثورة حسب الحاجة وإنما أيضاً عن استعدادهم لقمعها بالوسائل ذاتها التي استخدمتها “الجهات السيادية”، وقد تولوا مسئولية تعذيب “البلطجية” في ميدان التحرير ثم الاعتداء “الميليشياوي” على مسيرة إلى مجلس الشعب كما اتهموا مفجري الثورة وضحاياها بالعمالة لجهات أجنبية بعد أن كانوا أول من بادر بتسوية أوضاعه في واشنطن؛
  • •أثبتت السنة الماضية أن الثورة الأولى كانت بمثابة نزع السدادة عن القمقم وأن المارد بحلوه ومره قد خرج إلى العالم الواسع ولا سبيل إلى حبسه من جديد أو، بعبارة أخرى، ثبت أن الدولة العميقة مهما استحال إسقاطها أضحت مجبرة على التكيف مع الحقوق المكتسبة وأن أسلوبها المتبع إلى الآن في التعامل مع العصيان من شأنه أن يعرضها للمزيد منه.

الثورية تستثيرني إذن على نحو إيجابي كما تستثيرني على نحو سلبي، لكنها تستثيرني أكثر بصفتها الجوهرية لكونها طقس تضحية ضروري، ولأنها – بالتحديد – ثورية بجد؛ بمعنى أنها لا تنظر إلى الممكن ولا تسمح بالتوافق أو تكتفي بالإصلاح. من هذه الزاوية أراني جزء خفياً مما يحدث، من هذه الزاوية فقط.

.

نحن أموات منطقة الجزاء “كنبة” أكنا أو “بتوع تحرير”، ألتراس أو لا، أبناء شرعيين أو أولاد سفاح. إن لم نمت في ليل ٢ فبراير في بورسعيد فسنموت يوم ٣ فبراير في السويس أو مساء ٤ فبراير في شارع منصور وربما بعد شهر أو سنة على سلالم المترو؛ وحتى إن لم نمت على الإطلاق، فستطاردنا أشباح من ماتوا بما هو أبشع من رصاص القتلة مهما انتفى وعينا بذلك؛ لا فرق في هذا الصدد بين من يُقبل منا على النشاط الاحتجاجي ومن لا يفعل لأسباب لعلني أوضحت بعضها.

عن نفسي – وأظنه إيجابياً أن يكون بيننا مثلي كذلك – لست “ثورجياً” حقيقياً أو لم أعد، لكنني لست من “الفلول” ولا من “حزب الكنبة” ولا أنظّر – هنا – إلا لكي أفهم من أكون. ربما ليس عندي شجاعة أن أرى الناس تُقتل بلا هدف، وربما فقط لا أحب الصخب والزحام. لن “تدخل علي” حجة أن الإسلاميين فصيل له رؤية إصلاحية ولن يردعني عن رفضهم – ورفض القيم “الفلاحية” التي يسعون لتعميمها – الاتهام بأنني أمارس تعالياً طبقياً على الإسلاميين. لا أغفر لمن يعطي الإسلاميين مثل هذه المصداقية أكثر مما أغفر لمن يحابي المجلس العسكري وهو يقتل ويشعل الفتنة الطائفية ويحتجز ويعذب ثم ينكر مسئوليته. ولا أظن لموقفي هذا أهمية أكبر من أن أعرفه ويعرفه من أعنيه شخصياً. ومع ذلك في مصر مكان لي أيضاً، إلى الآن على الأقل، أنا ابن الرقاصة الذي يقول هذا الكلام. ربما حتى يكون المكان الذي أستحقه.

حوار بهيج وردة لمجلة “ارى” الإماراتية

wpid-00tamasih00-2012-01-25-19-15.jpg

ما هي خيوط الرواية الأبرز في التماسيح؟ وكيف بدأت فكرة الرواية تتبلور؟ وما دور الثورة المصرية وتداعياتها الحالية في الحالة الروائية التي تجسدها في “التماسيح“؟ الرواية خرجت، كعادة مشاريع الكتابة الطويلة، من خبرة شخصية مؤلمة جعلتني أعيد التفكير فيما يسمى بالوسط الثقافي بالقاهرة وبالأخص جيل التسعينات من الشعراء المصريين (وهي أشياء قاربتُ بعضها كذلك في مجموعة قصائد ”يظهر ملاك“-٢٠١٠ والتي لم أنشرها بعد إلا إلكترونياً عبر مدونتي، نتيجة الشعور بلا جدوى نشر الشعر في القاهرة خلال شهور من ثورة لم تكتمل. بدا لي أن شيئاً حدث سنة ٢٠٠١ (وهو أمر شخصي أيضاً لأن حياتي تغيرت في ذلك العام بعد موت أبي سنة ٢٠٠٠؛ أصابني ما يشبه الانهيار نتيجة الإفراط في الكيوف على خلفية اكتئاب وإحباط متزايد في الشأن العام وفي مسار الحياة العملية بالصحافة: بدت لحظة انهيار البرجين كأنها – كما يقول الراوية – ”ذروة ما، بداية أو نهاية“) وبعد عقد كامل، إثر قيام الثورة أو الانتفاضة خلال شهور من بدء كتابة التماسيح، خطر لي أن هذه اللحظة كانت مقدمة ما سيحدث بعد عشر سنين بالضبط، أنها كانت فعلاً بداية أو نهاية. في الرواية فكرتان أساسيتان إحداهما استعارة الأسد، وكانت هذه قد طاردتني منذ قرأت قصيدة ألن جينزبرج ”الأسد على حق“ في العام نفسه (٢٠٠١) لكن الفكرة الثانية – أن يكون الشعر شاهداً على انهيار الدولة الوطنية التي خلّفها الاستعمار في منتصف القرن العشرين أو أن تؤدي النزعة الفردية التي ظهرت في التسعينات إلى تحول اجتماعي يُعامل بوصفه حراكاً سياسياً – لم تتبلور هذه الفكرة حتى الشهور الأخيرة من ٢٠١٠. بوصفها تحركاً اجتماعياً، أعتقد أن الثورة كانت موضوع كتابة من قبل حتى أن تندلع: التماسيح بهذا المعنى هي حكاية الثورة، حكاية السنين العشر التي حملت إلينا يوم ٢٨ يناير ٢٠١١

  • أقتبس مقطعاً مما نشرت على موقعك: “موال لحكومة زين العابدين يسأل بنبرة استنكار: “هل أن الحل هو إحراق البلد؟ هل أن الحل هو إحراق البلد؟” الآن بعد سنة أو أكثر من اندلاع الاحتجاجات في مصر، أردد كلماته بشعور مختلف وصوته يرن في أذني بينما تصلني الأخبار: هل أن الحل هو إحراق البلد؟.” كيف يرى يوسف رخا الحراك العربي والثورة المصرية على وجه التحديد بعد مرور بضعة أشهر، أعلم أنها ليست بكافية لكن الحراك شديد الديناميكية ومن يده في النار ليس كمن يده في الماء؟

هذا السؤال شديد التعقيد يا صديقي، ولا أظنني أعرف له إجابة؛ سأقول لك ما أعرفه: إن الأزمة الكبرى لما سُمي بالثورة هي الصياغة السياسية للأحداث من جانب الجميع (حتى مفجريها أنفسهم) ومن أول لحظة، الأمر الذي حولها قسراً إلى صراع على السلطة، بينما أهميتها في اعتقادي هي أنها محاولة – مجهضة، للأسف الشديد – لتجاوز مفاهيم وأشكال السلطة السائدة بنية عبورها إلى كيانات تعكس ما تتطلبه الحياة التي نعيشها على الأرض من أجل أن تكون محتملة أو مجدية ومن أجل أن تيسّر الإبداع والتفاعل في شتى المجالات: أن لا يضطر أحد إلى تحمل بذاءات ومظالم الشرطة، مثلاً، من أجل أن يقوم بمهامه اليومية أو يستمتع بوقته قليلاً؛ وبالمنطق ذاته، أن لا يضطر الشرطي إلى ابتزاز الناس عوضاً عن دخل يضمن له عيشاً كريماً أو إهانتهم تعبيراً عن إحساس دفين بالدونية…

إن ما دفعني شخصياً إلى المشاركة والمخاطرة هو إيماني بضرورة تعميم الحقوق المدنية وتفعيل مفهوم المواطنة، فضلاً عن الأمل في تسريب آليات المساءلة والضمير إلى المؤسسات والعقول من أجل إنتاج محتمل – أنت تعلم أن الدول العربية لا تنتج شيئاً خلاف النفط الخام – وأكثر ما آلمني منذ ذلك الوقت هو أن أرى الحريات المنشودة تُنتهك من ناحية، ومن ناحية أخرى يتوارى سؤال ضرورتها الذي مات من أجله من مات وفقد بصره وأعضاءه من فقد خلف مهاترات عبثية، شأنها شأن كل جدل سياسي، ربما – هل يكون الحكم مدنياً أم إسلامياً، على سبيل المثال – إلى هامش ظل يضيق حتى اختفى أو كاد.

الصدق أن شيئاً مما يحدث في مصر الآن لا يعنيني كثيراً، ومثل هذه العزلة هي قدر الكاتب طالما أنه في مجتمع لا يقرأ، كما أنه قدر ”الناشط“ في مجتمع – وهو ما قد يجد الكثيرون صعوبة في الاعتراف به – لا يثور، أو ليس بوسعه الاستفادة من تضحيات أفراد قادرين على التضحية. أصبحت على يقين من أن الثورة حتى وإن قامت من جديد وتسلمت قرابين أخرى دامية، لن تكون كافية بحال. إنه مجتمع – أو ”شعب“، بخلاف ”ثواره“ – قادر على اختزال المشاركة السياسية في موالاة صاحب اللحية على حساب ”العميل الأمريكي“ حتى حين يكون الملتحي عميلاً و”العميل“ سياسياً مؤهلاً للقيام بدور، أو التنكر بتبجح لمن قُتل في وضح النهار لصالح قاتله الجالس على الكرسي، لا لشيء إلا لأنه – أقصد الشعب – غير مستعد لتحمل المسئولية الأخلاقية أو السياسية… لكنني أعود فأقول إن الذي يعنيني من الثورة هو محتواها الاجتماعي واعترافها الضمني بشروط العالم المعاصر ”الليبرالية“ من وسائل اتصال وحقوق إنسان وتعدد عقائد أو طوائف أو رؤى؛ أجنح إلى رؤية ما حدث باعتباره ليس نهاية الاستبداد ولكن بداية السقوط المدوي للوعي الخرافي الذي حكم حياتنا منذ الخمسينات – ليس بداية شيء حلو، أقصد، ولكن نهاية شيء قبيح – ويحزنني أن ذلك السقوط لم يكتمل ”بإحراق البلد“ على نحو أكثر جذرية. أحياناً – أصدقك القول – تبلغ بي خيبة الأمل حد تمني سقوط قنبلة نووية تأتي على البلد بما ومن فيها، لكنني أعود أتذكر أن ما يحدث هو خطوة على طريق أطول من أعمارنا، وأفرح بأن الكذب لم يعد ممكناً.

wpid-apossiblebarbaryliononcelivinginleipzigzoo_thumb3-2012-01-25-19-15.jpg

  • إلى أي حد يكون للثقافة مكان في زمن الثورة؟ وهل ترى أن الثورة المصرية تقدم كتابها الموالين، وتقصي معارضيها كما تفعل الأنظمة التي ثارت عليها؟

في ذلك استكمال لإجابة السؤال السابق: كان من شأن الثورة أن تكشف الخواء المفزع ”لدور المثقف“ بل وتَطابُق كثير من ”معارضي“ الوسط الثقافي مع رموز النظم المفترض أنهم يقاومونها؛ بالنسبة إلي كان بقاء وزارة الثقافة في حد ذاته إشارة واضحة إلى قصور الوعي وضعف الأخلاق عند الغالبية العظمى من المثقفين أو من يعرّفون أنفسهم بهذه الصفة: لم يكن باستطاعة أحد الاستغناء عن وصاية الدولة. كتبت في ذلك خلال الشهور السابقة أكثر من مقال ممتعض إجمالاً (هناك، على سبيل المثال، “مازالوا يدفعوننا على سلالم العمارات“). وتبقى الدولة مستلبة من جانب نظام فاسد… ”الثورة“ في مصر وتونس لم تستبتدل المؤسسات ولا حتى الأشخاص إلا على نحو إعلامي رمزي؛ لم يكن هناك مجال لتقديم كتاب بهذا المعنى.

في مصر كان أكثر ما اقترن بأحداث الثورة من أدب هو الشعاراتي الشعبوي والسطحي الجعجاع المنتشر من قبل اندلاعها؛ تعلق الكثيرون بالأحداث دون النظر إلى نتائجها حتى أن بعضهم ذهب إلى أن الأدب قد مات ولم يعد هناك مجال للكتابة عن شيء سوى ”المسار الثوري“ والتظاهرة التالية. تأسست جرائد وقنوات تلفيزيونية من أجل مشاهير ”المعارضين“ من متكلفي الإبداع على حس ”السياسة“، وهم لم يسكتوا لحظة منذ اندلاعها رغم أن كلامهم لم يؤثر في أحد أو شيء. من هذه الزاوية يمكنك أن ترى كيف فشلت الثورة فشلاً ذريعاً على الأرض بينما فتحت أو وسّعت مجالاً ”ثقافياً“ للاحتفال – الخرافي – بها. انتهى أو كاد الاهتمام بالكتب، وبدأ الكلام الرسمي يتضمن إشارات إلى ”الضغوط السلفية“ واستعداداً مجانياً للرضوخ لها وقد اكتسب ”الإسلاميون“ من أعلام الميديا مصداقية عبثية تماماً في ضوء أنهم لم يشاركوا في الثورة وكانوا أول من والى المجلس العسكري وبرر جرائم ”الطرف الثالث“ وتنازل عن حق الشهداء (لستُ من أنصار الإعدام ولا القصاص على أي نحو، لكن للشهداء حق معلّق).

هكذا لم يكن تعاطي ”الثقافة“ مع الثورة في نظري سوى امتداد بالغ الجلاء لحال ”النخب“ في العالم العربي منذ أواخر الستينيات وبمعنى آخر منذ ”الاستقلال الأول“: إنها خطابات لا تعكس الواقع أو تشتبك معه – ولا تؤثر فيه – بقدر ما تستغل جوانب منه للتربح ”الجماهيري“ الآمن، مادياً أكان أو معنوياً. ومع كل ذلك، كانت فورة ”الغرافيتي“ وفنون الشوارع وإيماءات التحرر في صورة ”علياء المهدي“ وغيرها أيضاً من توابع الثورة أو التعبيرات الإيجابية – المبشرة – عن محتواها الاجتماعي. أعتقد أن الثورة قد تساعد على المدى الطويل في فرز الأفراد وتحديد مواقع الثقافة الحقيقية حاصلة أكانت أو كامنة، وأن هذه المواقع باتت خارج الدولة والإعلام (حتى الإعلام غير الرسمي) وخارج الوسط الثقافي ”اليساري“ المتقاطع بطبيعته مع الدولة من ناحية ومن ناحية أخرى مع أعراف أو تقاليد لم يعد هناك شك في أنها – حتى بما أفرزته من تدين ”متشدد“ أو معاد لمنظومة العولمة – ضد التغيير.

  • هل ترى تسييس الثورات وإلحاقها بركب الغرب وتصوير هذه الحراكات كأنها من صناعة آخر، جزءاً من مصادرة الثورة وفرض التنميط الذي تحاولون كسره كشباب ومثقفين في المرحلة الحالية؟

من شأن هذا السؤال أن يجرجرنا إلى حديث سياسي أفضّل تحاشيه لأنني لا أجد له أي جدوى، إلا أن الاتهام بالعمالة هو تكتيك ريفي قديم وهو أقذر ما تفتقت عنه قريحة السلطة الاجتماعية قبل السياسية في الستراتيجية القومية أو الوطنية – الفاشستية – منذ قيام دولة عبد الناصر. ركب الغرب هو ركب الحضارة المعاصرة بكل ما فيه من عيوب، لا أظن هناك شكاً في أن ”الغرب“ في هذا السياق يعني الحضارة بغض النظر عن التفاصيل. ولا أظن عاقلاً يريد لشعبه أن يلتحق بركب الثيوقراطية الإسلامية، إذا كان هذا هو البديل المطروح. المشكل أن الحركات، بينما لم تكن من صناعة آخر، كانت من صناعة أقلية مجتمعية – كما اتضح – لا تعبر عن وعي الغالبية العظمى، بدليل أن الغالبية العظمى صوّتت للإسلام السياسي وضاقت بالاحتجاجات منذ الوهلة الأولى، ثم سعت إلى الحفاظ على الوضع القائم. لذلك لا أظن ”الثورة“ كافية، ولأنني لستُ مؤمناً بالقمع حتى وإن كان قمعاً ثورياً… لكن أؤكد لك أننا جميعاً – في خطابات الوضع القائم – عملاء ومدسوسون بل وخونة وصهاينة فضلاً عن كوننا كفرة ومنحلين وكل ما يخطر لك من شتائم. ولا يزال هذا المنطق واضحاً في تبرير إبادة المحتجين بقول إنهم بلطجية أو توريطهم في العنف ثم التذرع بأفعالهم التخريبية…

wpid-8062904-2012-01-25-19-15.jpg wpid-dsc0029-2012-01-25-19-15.jpg wpid-bourguibacover-2012-01-25-19-15.jpg

  • عرفت بأدب الرحلة الذي تمزج فيه الشعر بالنثر مع التقرير الصحفي، هل كان هذا النمط نوعاً من التدريب على كتابة الرواية؟ وهل كتابة الرواية بالنسبة إليك نوع من النظر بمجهر إلى المجتمع وإمكانية توثيق للحراك الحقيقي في الطبقات السفلية وشوارعه الخلفية؟

لم يكن المقصود بأدب الرحلة أو كتابة المكان تدريباً على شيء؛ كان هرباً من القاهرة إليها وكان – كما اتضح أيضاً – هرباً من الأشكال السردية على سبيل الرجوع إلى تلك الأشكال. عندما استسلمت أخيراً للرغبة في الكتابة عن القاهرة، وجدتني في حاجة إلى الاختلاق والاستعارة بمعناها الأوسع. هذا هو ما يعرّف الرواية بالنسبة إلي: أن هناك جانباً مختلقاً بالكامل في مقاربة مكان أو زمن ما، الأمر الذي يفتح الخيال على ما هو غير ”واقعي“ فضلاً عن الواقعي ويضعك في مواجهة مع هويتك الاجتماعية فلا تعود مجرد صوت أو وعي جمالي طاف ولكنك تتحول كذلك إلى طرف في المنظومة التاريخية التي تتحدث عنها. الرواية هي ”باستيش“ خطابات، وهي بهذا المعنى تشبه كتابات الرحلة وإن كانت الأخيرة أقرب إلى ”الكولاج“ من الباستيش. الرواية توثق للحراك المجتمعي في مختلف طبقاته بالطبع، لكن ما يميزها أساساً هو أنها صياغة مكتملة لحالة إنسانية لها أول وآخر في الفضاء؛ أي أنها – بالتحديد – ليست أو ليست فقط كتابة ”انطباعية“. هذا وحده ما يجذبني إلى الشكل الروائي فيما أظن: إمكانية أن يكون الشيء مكتملاً أو صحيحاً رغم أنف تعدد خطاباته، وأن يتضمن فانتازياه أيضاً بلا مبالغة وقد انفتح على مصادر متباينة في الحياة.

في كتابة المكان هناك قيد مادي إن أردت، ورغم أنه باستطاعتك أن تنوع الخطابات وتقارب الموضوع الواحد من عدة زوايا، عليك أيضاً أن لا تكون طرفاً في المعادلة الفضائية التي ينتج عنها النص. عليك أن تحافظ على منهجك الصحفي بشكل ما؛ أما في الرواية فلا ضرورة لذلك.

  • ما الانطباع عن هذا النوع من الكتابة (الرحلة الانطباعية) لدى القراء – في العادة انت متشائم من هذه الناحية؟

أعتقد أن كتابة المكان وجدت رواجاً نسبياً عند قراء الأدب لكن لا يعني هذا أنها وجدت رواجاً. حدثتك من قبل عن قرائي السبعة. ربما زاد العدد الآن – بعد رواية ”كتاب الطغرى“ – إلى خمسة عشر. قلت إننا في مجتمعات لا تقرأ، والأصوب ربما أننا في مجتمعات تهمّش قراءها. لكنني لا أبالغ إذا قلت إن ما يعنيني هو أن يكون لي عدد مهما كان صغيراً من القراء العرب؛ أن يكون ذلك الصديق الافتراضي الذي يعرف اللغة نفسها (وبالمعنى الأصلي للصديق) موجوداً في الحياة مهما كان بعيداً أو تائهاً وسط جموع لا تفهم أو لا تتعاطف أو لا توجد. لا يمكن أن تكتب بلا قارئ، لكنه ليس ضرورياً وربما ليس مستحباً أن يكون القارئ جمهوراً كما هو حال الفيلم التجاري أو المحطة التلفزيونية؛ وتحت الظروف الحالية، نتيجة خبرتي المتواضعة، هو بالتأكيد ليس مستحباً أن يتطابق القارئ مع سلطة أدبية كناقد أو مطبوعة أو لجنة تحكيم. لا أريد جمهوراً، لا أريد تكريساً. أريد قارئاً لوجه الله وأظن أن الله قد منحني ذلك القارئ… في السنين الأخيرة، بالمناسبة، باتت مدونتي هي المجس الرئيسي لشيوع ما أكتبه بالعربية والإنجليزية في الأدب والصحافة، والحقيقة أن عدد الزيارات في ازدياد مطمئن منذ ٢٠٠٩.

  • خلطك للتصنيفات الأدبية في كتب رحلاتك هل يعود إلى علاقة مفتقدة في الأدب العربي لهذا النوع، أم أن الأمر يعود لرغبة في دمج أنواع أدبية لم يعتد تناولها بهذه الطريقة قبلاً؟

يعود أولاً إلى قناعة عميقة بأن الكتابة كتابة بغض النظر عن الشكل الأدبي، وإلى سؤال صادق عما إذا كان منجز دوستويفسكي ليختلف لو أنه كتب شعراً أو منجز رامبو ليختلف لو أنه كتب روايات، وإلى أي حد. تتقاطع هذه القناعة مع بعض صفات تراث الكتابة العربي، حيث نادراً ما تجد نصاً لا يمزج الشعر بالنثر أو لا يقدم المعرفة باعتبارها وجوهاً غير متجانسة. في نص كطوق الحمامة مثلاً تجد الشعر والنثر والشخصي والعام والرسمي وغير الرسمي رغم وحدة الموضوع. وتجد تعدداً وتبايناً ييسره السياق ”الأدبي“ عن طريق التقسيم التقليدي إلى أبواب وفصول. إنها مساحات جمالية ومعرفية مفقودة في الأدب الأوروبي إجمالاً، وهي تطرح أسئلة تعنيني عن معنى الكتابة كسبيل إلى المعرفة…

wpid-img_1319-2012-01-25-19-15.jpg

  • كيف يمكن أن تتحدث عن علاقتك بمن أثر بك من شعراء وكتاب؟ هل من الممكن أن تعتبرهم آباء، وما سر العلاقة الخاصة مع سركون بولس؟

كلهم أبنائي، ليسوا آباء ولا إخوة! القائمة تطول ولكن – باستثناء التراث القديم – ستكون الأسماء العربية فيها قليلة جداً، للأسف. أخص بالذكر ابن الفارض والجبرتي، وسعد مكاوي الروائي المصري العظيم. سركون يعيد اختراع اللغة ليجعلها تعيش، وهو متنبي القرن العشرين بلا مجد أو وطن. سركون هو ”جيل التسعينات“ وهو أبو العلاء وهو كل ما أحببته في الشعر الإنجليزي ولكن باللغة العربية. مهاجر فقير يعبد الحياة ويحاول أن يتقرب إليها بالكلمات، لا يقع لحظة في فخ السكون ولا فخ الأفكار المسبقة.

  • كيف ينظر يوسف رخا الما بعد حداثوي بامتياز إلى “ألف ليلة وليلة”؟

لا أعرف معنى ”ما بعد الحداثة“ بدقة. أظنها طريقة في النظر إلى الأمور أو الاستفادة من أشياء متباينة وسابقة لصالح شيء متجانس وآني. المحزن في الثقافة العربية أن أهم نصوص التراث باستثناء القرآن الكريم وملحقاته الشرعية المدشنة – أقصد بأهم النصوص، على سبيل المثال، ابن عربي وابن خلدون وابن رشد، فضلاً عن ألف ليلة – رُدت إلينا من جانب المستعمر بعدما كنا فقدناها. وإذا كان ما بعد الحداثة يعتمد على التقاطع مع نصوص قديمة من عصور مختلفة، فإن ذلك يعني أن علاقتنا بهذه النصوص لا يمكن أن تكون فعالة إلا عبر الأدب الغربي بشكل أو آخر: إننا نقرأها بنظارات المستشرقين الذين نكره تطفلهم وتعاليهم أو تفوقهم علينا، ولذلك ربما لا نقرأها على الإطلاق (كان اكتشاف التراث بالنسبة إلي ”شغلانة“ صعبة فعلاً، لكنني أظن أنني تمكنت من البدء فيها بدرجة ما)؛ لذا أريد أن أتحدث عن ألف ليلة بشكل فردي كمتأدب أحياناً ما يصطحب بعض كشاكيلها إلى سريره ليقرأها قبل أن يخلد للنوم:

في ألف ليلة لغة وسطية (بين العامية والفصحى) دائماً ما تروق لي سلاستها، وفيها لبس خلاب بين المكان الحقيقي (القاهرة) والمكان المفترض (بغداد). في ألف ليلة كذلك مساحات للقراءة الفلسفية والنقدية العميقة والكلام الكبير بطبيعة الحال – الحكي بوصفه منجاة من موت محقق، مثلاً – لكن الأهم بالنسبة إلي أنها نموذج مبكر للأدب المستساغ: إنها نص ”مهضوم“ بكل المعاني المحتملة؛ وهي توظف الفانتازيا بسذاجة ”بيرختية“ إن أردت، الأمر الذي قد يجعلها مملة ولكنه يجعلها أيضاً مثل بيت متعدد الغرف ومليء بأشياء متوقعة ولكن مرتبة بأشكال مختلفة، تدخل من باب وتخرج من آخر كيفما اتفق لترى تنويعات على ما تعرف أنه هناك وربما تتعرف على جوانب من حقيقتك في الأثناء.

في ألف ليلة وليلة حشيش لا يشبه الحشيش وجنس لا يشبه الجنس وفيها ورع لا يشبه الورع أيضاً، وهي من هذه الزاوية مثل الكلام مع جدك الفلاح العجوز: إنها مخزون معرفي لم يمر بالمصفاة العقلانية ولا يختبر بمنطق المشاهدة والتدقيق، وهذا وإن كان من شأنه أن يحررك فهو أيضاً يفرض عليك نسقاً أفقر في التعاطي مع العالم. الجاحظ أصعب كثيراً لكنه أمتع في الكثير من الأحيان. وأنا لا أريد أن أطلق أحكاماً قطعية أو معقدة على نص يجب أن يكون – وهو فعلاً، بشكل أو آخر – كحليب الأمهات.

من أروع الجمل التي قرأتها في عمري بأي لغة جملة من ألف ليلة: ”وقد خطر ببالي السفر إلى بلاد الناس.“

wpid-387339_10151058911260473_805615472_22072982_949466011_n-2012-01-25-19-15.jpg

  • كيف ترى المشهد الروائي الزاخر في مصر​ ومن يلفتك من الروائيين حالياً؟

أي مشهد روائي زاخر؟ المشهد مشهد علاقات عامة وصفقات مصالح مادية أو معنوية لا علاقة لها بالكتابة والقراءة، والرواية بمعناها الذي أفهمه آخر ما ينتجه هذا المشهد؛ وقد خمد المشهد إلى حد بعيد منذ وصول ”الحاجّة ثورة“ قبل عام على كل حال. أقول لك بمنتهى الصدق إنني نادراً جداً ما أجد رواية عربية جديدة تستحق وقت قراءتها، دعك من تقييمها أدبياً، وعادة ما تكون تلك الرواية من خارج مصر. لذلك لن أذكر أسماء، وسأقول لك في الوقت نفسه، وبكل تواضع، إنني أحب أعمال يوسف رخا. خلاف ذلك الروائي، وباستثناءات تعد على أصابع اليد الواحدة، يبقى الأفق خالياً فيما أرى؛ ومع ذلك عندنا ”بيست سيليرز“ وعندنا روايات حائزة على جوائز ”عالمية“ وروايات مترجمة إلى ثلاثين لغة؛ أليس هذا مثيراً للفضول؟ هناك ”شعراء التسعينات“ – بعضهم يكتب روايات – وهناك جيل أو اثنان من الشباب، بينهم عدد صغير موهوب جداً ولكنهم بالكاد ينشرون أعمالهم وحين ينشرونها نادراً ما يلتفت إليها أحد. ليس هذا كلام الكاتب ذي القراء السبعة ولكنه كلام القارئ المحبط والمتابع الساخر للأحداث الثقافية. حقيقة المشهد فقيرة يا صديقي، ولا تصدق من يقول لك إن هناك شيئاً يحدث على صعيد الرواية.

  • هل من طقوس محددة تتبعها للكتابة؟ وهل تختلف بين كتابة الرواية والرحلة والشعر؟

لا تختلف الطقوس، ولا توجد طقوس. أكتب حين أكون وحدي أو بصحبة امرأتي وهي مشغولة عني في شيء. أحياناً أكتب في وجود زملائي في العمل. الحياة كلها طقس الكتابة.

  • إلى أي حد أثر عملك في الصحافة باللغة الانكليزية في طريقة كتابتك المختلفة؟

الصحافة بأي لغة تكسبك نوعاً من القابلية على الإنتاج والسرعة في الأداء وبالنسبة للأديب فإنها تعطيك آليات فعالة للبحث عن المعلومات واستقائها. علاقتي بالإنجليزية وتأثيرها على عربيتي قصة أخرى، لكن أعتقد أن اقتصار العمل الصحفي لسنين طويلة على لغة غير العربية حافظ عندي على طزاجة ما. أصبح ممكناً أن تستخدم مفردات شعرية في صياغة صحفية مثلاً، أو أن تترجم تعبيراً صحفياً إنجليزياً على نحو يجعل مدلوله واضحاً بالعربية فيتضح أنه أيضاً شعري

مجلة أرى

مهاب نصر: ربيع أم خريف عربي؟

من ثقافة الاستبداد.. إلى ثقافة {الحرام}

مهاب نصر

wpid-441794483-2011-12-18-23-40.jpg

قبل أن تتمكن الأحزاب ذات المرجعية الدينية من الوصول الى مقاعد الحكم في تونس والمغرب، وربما ليبيا، وتتنافس بقوة محتكرة المشهد الانتخابي في مصر مع الكثير من الجدل والصراع، بل الصراخ، والكثير من التخوفات والاتهامات المتبادلة أيضا، نشرت القبس تحقيقا حول أثر صعود المد الاصولي على الثقافة، وعلى قضايا حرية التعبير، خاصة أن الثورات التي هبت في المنطقة بما صار يعرف بكليشيه «الربيع العربي»، كان أحد أسسها هو الحريات، وتحطيم النظام الأبوي ليس على المستوى السياسي فحسب، بل على مستوى الأفكار والعلاقات الانسانية، وإعادة الاعتبار بالمعنى الواسع لروح ظلت في حال احتضار طويل على فراش الاستبداد، بمحاليل مسكنة من ثقافة مبتورة، ووعي موجّه.

تحذير سابق

كان تحذير أدونيس الذي لقي هجوما واسعا، وتضمن عدم اعتباره لما يدور في العالم العربي على أنه «ثورات»، كان تحذيره من كون هذه «الاحتجاجات» لا تحمل مشروعا فكريا تحرريا بديلا، تخوف من الطائفية، ومن المرجعية الأصولية، وهو أمر يتصل بمجمل مشروعه كله. وبغض النظر عن دوافع أدونيس ومدى جدية طرحه، فان الأيام جاءت بما كان يتخوف منه.

لكن لماذا يتخوف المثقف من الصعود «الأصولي»؟ اليس لكل فريق الحق في أن تكون له أيديولوجيته التي يدافع عنها؟ أم أن التخوف من أن الأيديولوجية الأصولية هي اقصائية بطبيعتها؟

قضية الشحات

حادثة «عبد المنعم الشحات»أحد أبرز الوجوه السلفية في مصر، التي أعلن فيها أن روايات نجيب محفوظ هي تحريض على الدعارة، كانت مثار هجوم عنيف من فئات واسعة، امتلأت صفحات الفيسبوك بمقاطع من أحاديثه والتعليق الساخر عليها، وتواترت الدعوات الى اسقاطه في الانتخابات، حيث اعتبر البعض فوزه، وهو ما لم يحدث، اهانة لكل انجاز حضاري.

سقط الشحات في الانتخابات بفارق كبير، لكن المشكلة لم تحل. والصراع لم يبدأ بعد.

في مؤتمر انتخابي للسلفيين بمدينة الاسكندرية، تمت تغطية أحد التماثيل المنصوبة في الميدان، كأنه وثن.

وفي المشروع الانتخابي لأحد الأحزاب التابعة للجماعة الاسلامية جاء فيما يتعلق بالثقافة أمران أحدهما يناقض الآخر: فهو من جهة يؤكد على الهوية الاسلامية للمجتمع، ولكنه من جهة أخرة وفي فقرة تالية يؤكد على أن إحدى مهامه توجيه وتأهيل المجتمع «اسلاميا».

ولكن أليس معنى هوية المجتمع «اسلامية» أن هذه هي ثقافته التي تشكل العنصر المشترك؟ فما معنى اذن تأهيل المجتمع لتقبلها؟

ثم ألا يعني هذا التأهيل السيطرة على منابع المعرفة والتعليم، بأسلوب توجيهي دعائي لا يختلف عن الأنظمة المستبدة التي قامت الثورات من أجل محوها؟.

كيف نفرح؟

في أحد الأعراس التي كان يقيمها الاخوان المسلمون، كان ثمة منشدون يؤدون أغنية تقول:

قد جاءنا في الآثار

عن النبي المختار

أن المنجي من النار:

لا اله الا الله

اللافت أن لحن الأغنية كان مأخوذا برمته من أغنية لبنانية شهيرة بعيدة كل البعد عن هذه الروح، يعرف مطلعها الكثيرون وهو «آه يا أم حمادة»، ولحن الأغنية اللبنانية كان بدوره منقولا عن أغنية داليدا «دارلا در لادادا»، وصحيح أن الفنون تتجاور وتتلاقح. لكن الحادثة التي رأيتها بنفسي كانت ذات دلالتين.

الأولى التحرج في أغنية للعرس من ذكر مشاعر الفرح بالحب واللقاء وعلاقة الرجل بالمرأة، والثاني هو هذا الفقر الشديد في القدرة على ابداع فن «اسلامي» وهو ما تفتأ الجماعات الأصولية في ترديده بوهم أن لها «رؤية حضارية».

كيف تنبني رؤية حضارية على التحرج، كيف تنبني على الحذر والتخوف من «الحلال والحرام»، اليس هذا اختزالا للتجربة الانسانية برمتها في صورة الصواب والخطأ، ومشاعر التأثم؟ هل يعيش الانسان فقط مترصدا حالة «الذنب»؟

تدريجيا تبدو الرؤى الاصولية كما تجلت في ممارسات أصحابها مبنية على ما يمنع، لا على ما يبدع: تظاهرات ضد نشر كتاب هنا، وتهديدات بالقتل لهذا المؤلف أو ذاك، وبلاغات الى السلطة، التي ينكرون شرعيتها أصلا، من أجل منع فيلم، أو مصادرة مؤلف يختلفون معه في الرأي.

الحياة بالسلب

صارت «الهوية» فزاعة للتخويف، لا مصدر إلهام. الغريب أنها فزاعة تتفق تماما مع النظام الاستبدادي الذي لا يريد للشعوب الا أن تظل أسيرة وعيها المحلي الضيق، وتجربتها الملتبسة، بل حتى اختزال هذه التجربة. فالمعركة التي دارت حول كتاب الف ليلة وليلة، وهو أحد أهم الذخائر العربية الاسلامية، أظهرت الطبيعة الاختزالية لثقافة «الحرام».

الاختبار الحقيقي لأي تيار مهما كانت مشاربه، اذا كان يصدق فعلا أنه يريد التغيير والحرية والكرامة للناس، هي في قدرته على ابتكار منظومة ابداعية، تكون برهانا على أن «الهوية» لا تساوي «الحياة بالحذف» بل بالاضافة.

جريدة القبس

عقل العويط: انتفاضة داخل الانتفاضة

wpid-2011-11-20t155550z_01_amr13_rtridsp_3_egypt-protests-2011-11-27-21-52.jpg

أكثر ما يحزّ في نفوسنا أن يكون الذين ينادون بالثورات العربية، طلباً للخروج الى عهود الحرية والديموقراطية والأنسنة في العالم العربي، والذين ينخرطون فيها، استشهاداً، أو نزولاً الى الشارع، أو “تحريضاً” ثقافياً خلاّقاً، منذ استشهاد البوعزيزي التونسي، هم أشدّ الناس حرجاً وقلقاً مما يمكن أن تؤول إليه بعض هذه الثورات. في ضوء ما يجري في مصر خصوصاً، من محاولات الاستيلاء الديكتاتوري الوقح على الثورة، عسكرياً وإسلاموياً، هنا دعوة الى الانتفاض على الانتفاضة.

ثمة “مصلحة خبيثة عظمى” في كل بلد عربي ثائر، أو في طريقه الى الثورة، لإجهاض الحراك الثوري، أو تثميره في غير الوجهة التغييرية التي يتوق إليها. يكفي أن نرى كيف تطلّ الخديعة الخبيثة برأسيها العسكريتاري والديني الإخواني – السلفي، في مصر خصوصاً، كما في تونس وليبيا، وغيرها من البلدان العربية، كي نضع أيدينا على قلوبنا، وندعو الى اليقظة الثقافية. في سياق هذه “العلامة” المخيفة، لا يسعني إلاّ أن أوجّه أنظاري نحو مصر المتنوّرة المدنية تحديداً، لأسألها كمواطن عربي، أن تواصل ثورتها السلمية بكل قوة وإلحاح وتصعيد، ضدّ ديكتاتورية العسكر وديكتاتورية الاتجاهات الدينية الظلامية على السواء، وأن تضع حداً تاريخياً فاصلاً لحكم المجلس العسكري المتواصل منذ ستين عاماً، وأن تمتشق دورها التاريخي، الذي وحده ينقذ مما قد يكون يحضَّر لمنطقتنا العربية.

لماذا مصر تحديداً، وخصوصاً؟ لأننا، كعرب، محتاجون إلى هذه المصر الطليعية. محتاجون إليها دائماً وأبداً. محتاجون إلى مصر تنويرية، متمردة، منتفضة، مدنية، متنوعة، ساهرة على الثورات والأحلام، تستوعب كل التناقضات، وتكون رائدة الخيارات الثقافية والديموقراطية المتقدمة في عالمنا العربي. محتاجون إليكِ يا مصر، أكثر من أي وقت مضى. محتاجون مجدداً إلى ميدان تحريركِ، والى مثقفيكِ وشبابكِ التنويريين، المتألقين، الخلاّقين، القادرين على جرف الانزياحات المريبة، العسكريتارية والدينية – السلفية، وامتصاصها.

بدون مصر هذه، بدون شباب ميدان التحرير، بدون عزائمهم الهائلة، واستماتاتهم، ستأكلنا المطامع الظلامية الدفينة، النائمة، المستيقظة. وستأكلنا الديكتاتوريات والسلفيات اللابسة لبوسها الجديد أو المقنّع.

نخاطب مصر لأنها أمّنا جميعاً. ولأنها بيتنا الكبير.

ليس لدولة إقليمية سواها، عربية أم غير عربية، أن تحلّ محلّ مصر. عبثاً تحاول تركيا العلمانية و/أو الإسلامية. عبثاً تحاول إيران الملالي. عبثاً تحاول دول عربية أخرى، صغيرة أم كبيرة، إمارات أم ممالك، أم حتى جمهوريات.

عبثاً يحاول الغرب الأميركي – الأطلسي قهرنا بتصنيع صورة لمصر تخالف حقيقتها ودورها. عبثاً يصنع لنا الغرب بقوة التزوير والتشويه والفرض، مصراً باردة، حيادية، مدجّنة، ومنزوعة الأظفار.

لا أحد يحلّ محلّ مصر الحرّة والرائدة. هذا هو سرّنا الاستراتيجي العربي، السياسي والمجتمعي والثقافي والحضاري. لهذا السبب نناديها. ننادي شبابها، ثوّارها، ومثقفيها، ونستحثّهم على مواصلة الكفاح المدني، وعلى السهر والنضال، لعدم تفويت الفرصة التاريخية.

هاكم المشهد المصري: مماطلات العسكر ومطامعهم وحساباتهم واضحة ووقحة. الرغبات الإخوانية، الإسلاموية والسلفية، جامحة ومفترسة. هذه وتلك، أي المماطلات والرغبات، لا تحتملان الجدال والتأويل. في المقابل، ثمة حكومة مستقيلة، مسحوبة الروح، فاقدة الشرعية، معدومة البطولة، لم تستطع أن تقف على رجليها، ولا أن تؤسس لمرحلة التغيير الديموقراطية الجديدة، لأن العسكر يريدون أن يحكموا هم، وأن تكون هي، أو بديلتها المحتملة، محض واجهة مدنية لاستمرار الوضع القائم منذ عقود.

بسببٍ من ذلك، أكتب هذا المقال، مستنجداً بشباب ميدان التحرير، وبمثقفيه، بقواهم المدنية الحيّة والديناميكية، داعياً إياهم للانتفاض على الانتفاضة، للثورة على الثورة، وللعودة الى مقارعة “المستحيل” الديموقراطي الذي يجب أن يظل ممكناً. بل الذي يجب أن يتحوّل أمراً واقعاً.

مع الثورات والانتفاضات الجارية، قد يكون العالم العربي على قاب قوسين من إسدال الستار الفعلي على خمسين عاماً من الديكتاتوريات. لكن من أجل أن ينفتح أيّ مسرح، يكون بديلاً من هذه الديكتاتوريات؟ هذا ما يجب أن يضعه الثوّار والمتنوّرون والمدنيون والديموقراطيون على الطاولة، وهذا ما ننبّه إليه، فندعو مصر أولاً، وجميع التائقين الى التغيير تالياً، الى محاذرة الوقوع في الخديعة السلفية، الدينية والعسكرية، المبطّنة حيناً والعلنية أحياناً. وإذا كانت هذه الخديعة السلفية الدينية تحاول أن تطل برأسها اللئيم في ليبيا وتونس، فإنها ستؤذي، ولا بدّ، الثورتين الوليدتين هناك. إلاّ أن احتمالات نجاح الخديعة المزدوجة الرأس في مصر أو عدم نجاحها، هي التي إما ستقصم ظهر الحرية وإما ستجعله مستقيماً، وتحسم مستقبل القضية العربية سلباً أو إيجاباً.

أيها الثوّار الديموقراطيون في القاهرة وطرابلس وتونس ودمشق وصنعاء وبغداد وعمان والرياض والكويت والرباط والجزائر وعواصم النفط الخليجي، أنتَ خصوصاً يا شباب ميدان التحرير، لا تترك الوديعة الديموقراطية تفلت من بين يديك. ففي هذا المعنى، وديعتكَ وديعتنا جميعاً، ونحن كلّنا مصر، ونحن كلّنا أنت. فوزكَ فوزنا. سقوطكَ سقوطنا. فلا تتركنا نسقط في هذا الفم الجهنمي المخيف. واصلْ عودتك الى الشارع الديموقراطي، واصلْ عودتك الى الوضوح، على قول سمير قصير، وانتفض على الانتفاضة من داخل الانتفاضة، واسحب البساط من تحت أرجل الخديعة العسكرية والإسلاموية. فبعد قليل قد “نُعاد” جميعنا الى بطون الديكتاتوريات الجديدة القديمة، إن لم تنتزع المستقبل بأيديك، بأظفارك، بالأسنان، وبالأجساد القوية التي تفوح من مسامها دساتير الحرية والديموقراطية والدولة المدنية.

هذه “التباشير” العسكريتارية – الدينية التي تهلّ أهلّتها في أكثر من مكان عربي ثائر، يجب أن تجبهها، على الفور، وتمتصها، ثقافة مدنية طليعية، ديموقراطية في الضرورة، يحملها في عيونهم وعقولهم وإراداتهم التطبيقية، شبّان أشاوس، أحرار وديموقراطيون في الضرورة، وعلمانيون إذا شاؤوا، من أجل أن تظل الانتفاضات انتفاضات والثورات ثورات، لا أن تزهق فتنضمّ الى كنوز الحرية والديموقراطية المنهوبة منذ عقود في هذا العالم العربي الكئيب. بعد أيام، اذا ذهب المصريون الى صناديق الاقتراع، فلتربح مصر المدنية المتنورة، رهانها الديموقراطي هذا، ولينكفئ العسكر الى ثكنهم، والإسلامويون والسلفيون والدينيون جميعاً الى دور عباداتهم، مرةً واحدة، والآن. هكذا تربح مصر ذاتها، وتستعيد روحها. بل أرواحنا جميعاً.

عقل العويط

akl.awit@annahar.com.lb

حازم صاغية: سوريّة والعروبة

wpid-syria-protests-human-rights-2011-6-2-2011-11-27-11-40.jpg

حازم صاغيّة

أن يقال إنّ الإيديولوجيا آخر هموم النظام السوريّ ليس اكتشافاً. وهذا التعرّي من الايديولوجيا إنّما نما مع الزمن، لا سيّما مع الانتقال من جيل الآباء، والآباءُ كانوا عقائديّين في شبابهم، إلى جيل الأبناء الورثة. وقد توازى الانتقال هذا مع تراجع أصاب الحزب لمصلحة أجهزة الأمن، ثمّ أصاب «الاشتراكيّة»، أخت «الوحدة» في اللغط البعثيّ، لمصلحة اقتصاد السوق غير المصحوب بالقوانين

لكنّ العروبة، مع هذا، يصعب التخلّي عنها في سوريّة كما لو كانت عظْمة كلب ميّت. فالوريث لا يقطع، من حيث المبدأ، قطعاً كلّيّاً مع لغة الموروث، وإلاّ اختلّت عمليّة التوريث نفسها. ثمّ إنّ سوريّة «قلب العروبة النابض»، وهي، منذ 1961، جمهوريّة «عربيّة سوريّة»، بغضّ النظر عن حقيقة أنّ الأكراد عُشر سكّانها، وهي نسبة تزيد حين يضاف إليها الأشوريّون وأقليّات صغيرة أخرى غير عربيّة. وأهمّ من هذا وذاك أنّ العروبة يتطلّبها الدور الإقليميّ الذي يتيح لدمشق أن تتدخّل في لبنان وفي سياسات الفلسطينيّين، كما في الأردن والعراق، ناهيك عن تمثيل «العرب» في ظروف التوسّط السابق مع إيران (ولو توازى ذلك مع تمثيل إيران في التوسّط مع «العرب»).

وعلى عمومها كانت هذه الوظائف تستجيب تطلّباً في اللاوعي السياسيّ والجمعيّ للسوريّين العرب، مفاده أنّ «العروبة» تكبّر سوريّة، فتوحّد بها، ولو رمزيّاً، بلداناً تقول الأسطورة القوميّة إنّها فُصلت عنها.

غنيّ عن القول إنّ النفعيّ والوظيفيّ في تلك الأسباب هو ما احتفظ به النظام من العروبة البعثيّة، متلهّياً بالإيديولوجيّ منها على نحو سينيكيّ. بيد أنّ اللغة التي بدأت تظهر في الأيّام الأخيرة، وتحديداً منذ تعليق عضويّة سوريّة في الجامعة العربيّة، تشبه إعلان المكبوت الذي كانت المصالح تستدعي كبته.

فالعرب صاروا، بين ليلة وضحاها، «عرباناً» و «بدواً» وأهل «رمل» وجِمال»… وهذه العنصريّة الصريحة كثيراً ما تجهر بطلب «قوميّة سوريّة» ضاربة، على ما يمضي الزعم، في آلاف السنين.

وكان التاريخ السوريّ الحديث قد شهد عيّنتين على ردّ الفعل هذا، واحدتهما انفجرت مع «انفصال» 1961 الذي أنهى «الاستعمار المصريّ والفرعونيّ»، والثانية حصلت بعد انسحاب الجيش السوريّ من لبنان إثر اغتيال رفيق الحريري. بيد أنّ العيّنتين هاتين، اللتين دلّتا على خصوبة الاستعداد لتشكيل الوطنيّة السوريّة سلبيّاً وضدّيّاً، بقيتا أصغر بلا قياس ممّا يجري اليوم.

فالحاصل الآن أنّ أصوات النظام في دمشق وبعض حلفائه في بيروت يرفعون «القوميّة السوريّة» إلى مصاف الإيديولوجيا الرسميّة، وفي الآن نفسه يجعلونها إحدى صرخاتهم في الحرب التعبويّة.

ولن يكون من الصعب التدليل على جذور دينيّة ومذهبيّة يصدر عنها هذا النزوع المستجدّ. إلاّ أنّ أكثر ما يستوقف، والحال هذه، أنّه لم تعد هناك مصالح عربيّة للنظام تستدعي منه العروبة، ولو بحدّها الأدنى.

ولئن ألقى التحوّل هذا مزيداً من الضوء على مدرسة عريقة، تتعدّى سوريّة، في استخدام العروبة وتوظيفها، فإنّه دلّ أيضاً على مأساة النظام القاتلة. ذاك أنّ الأخير حين يخسر مصالحه العربيّة، أي «أوراقه» الإقليميّة، وحين يتخلّى تالياً عن بقايا غطائها الإيديولوجيّ، يكون قد خسر كلّ شيء.

(الحياة، السبت, 26 نوفمبر 2011)

مسيل للدموع: فيديو

كان يسقط ماء من عيونهم

من نظراتهم المصممة وحناجرهم

قبل أن يرتموا على ظهورهم

متشنجين فوق سلالم العمارات

مفزوعين باحتقان وجوههم

بالفراغ الذي لم يعد ينتج أكسوجين

حيث لكل واحد منهم ألف نسخة مطابقة

تفتح عيونها بالخارج

كانوا يغيّرون وجهتهم ويركضون

وبينما يحتمون بأبواب العمارات

كان يسقط من عيونهم ماء

يبرق بين أقدام اللاحقين

ليلة الجمعة، 28 يناير

***

(صوت: هبة النحاس)

لتحميل يظهر ملاك