حازم صاغية: نحن وأميركا وتشومسكي

ناس في الشوارع: صور يوسف رخا

This slideshow requires JavaScript.

*

حازم صاغية في الحياة؛ السبت ٣ نوفمبر ٢٠١٢

منطقة الشرق الأوسط ولاّدة لخرافات سياسيّة تؤمّن لنا اكتفاء ذاتيّاً، بل فائضاً، منها. أمّا أن نستورد، فضلاً عمّا نملك، خرافات من الخارج، فهذا كثير جدّاً.

اللغويّ والمفكّر والناشط السياسيّ الأميركيّ نعّوم تشومسكي، الذي يستولي على لبّه العداء لأميركا، قال في القاهرة، قبل أيّام، إنّ بلاده تناهض الديموقراطيّة في العالم العربيّ لأنّ الديموقراطيّة تناقض مصالحها. وعبارة كهذه، شأن كلّ عبارة من طينتها، سرت في ربوعنا كما تسري النار في الهشيم.

في سبيل مزيد من الدقّة، كان يمكن القول إنّ الولايات المتّحدة، إبّان الحرب الباردة، تآمرت حقّاً على تجارب ديموقراطيّة في إيران (مصدّق) وغواتيمالا (أربنز) في سياق صراع بين نفوذها ونفوذها الاتّحاد السوفياتيّ. وهذا الأخير كان، بدوره، معادياً للديموقراطيّة من ألفها إلى يائها. ثمّ بعد الحرب الباردة، ارتكبت الولايات المتّحدة خطأ شنيعاً في موقفها من الانتخابات في غزّة، ففشلت في امتحان من الصعب جدّاً النجاح فيه، بسبب تشابك الديموقراطيّة مع مسألة السلام الذي تتعهّده واشنطن، خصوصاً في ظلّ عدم اعتراف «حماس» بإسرائيل.

لكنّ التعميم على طريقة تشومسكي أقصر الطرق إلى التجهيل.

فأوّلاً وأساساً، هل كانت الديموقراطيّة، في الفترة الممتدّة منذ نشأة الكيانات العربيّة الحديثة حتّى 2005، مطروحة على جدول أعمال الفكر السياسيّ العربيّ؟ هل ظهر تيّار واحد قويّ وشعبيّ في العالم العربيّ يعتبر الديموقراطيّة قضيّته بحيث يمتحن ويتحدّى الموقف الغربيّ، والأميركيّ تحديداً؟ هل كانت القوى المؤثّرة في المنطقة، من الناصريّة إلى الخمينيّة مروراً بالثورة الفلسطينيّة، قوى تسعى إلى الديموقراطيّة؟ وهل كانت بُنى وتراكيب الأحزاب في العالم العربيّ، باليساريّ منها واليمينيّ، ديموقراطيّة؟ وما دام الأمر يتعلّق بالمصالح، فما هي الدول الكبرى التي تتّفق مصالحها مع قيام الديموقراطيّة في العالم العربيّ؟

في هذه الأسئلة يكمن الموضوع الأهمّ، والنتيجة المتحصّلة هنا هزيلة جدّاً. هذا حتّى لا نذكّر بأنّ بعض القوى الأكثر جماهيريّة في التجارب السياسيّة العربيّة، والأكثر عداء للغرب، إنّما وصلت إلى الحكم عبر الانقلاب السياسيّ على أنظمة شبه ديموقراطيّة.

وقد لا يكون من المبالغة القول إنّ التجربة اللبنانيّة، على قصورها، باتت، بعد الانقلابات العسكريّة العربيّة، التجربة الوحيدة القريبة من الديموقراطيّة. وليس الغرب هو الذي اغتال تلك التجربة التي كان يؤخذ عليها «عمالتها» للغرب!

الموضوع المركزيّ هذا هو ما تطرحه بطريقتها الثورات العربيّة الراهنة حين تباشر استعادة السياسة إلى دواخل البلدان، بدل أدغال الجيوبوليتيك العابر للحدود، مؤسّسةً الفرصة الذاتيّة الأولى لاحتمال ديموقراطيّ. غير ذلك يبقي الموضوع تائهاً جوّالاً، لا وظيفة له سوى إعفاء النفس من مسؤوليّاتها وإحالتها إلى أميركا. وكم هو معبّر أنّ أبطال إعفاء النفس من مسؤوليّتها باتوا، بعد تلك الفرصة الجديدة، أكثر جهراً بالعداء للديموقراطيّة «إذا كان هذا ما تعنيه»! (وكان هؤلاء بعد سقوط الاتّحاد السوفياتيّ قد بدأوا يرطنون بالديموقراطيّة رفعاً للعتب).

وفي الحالات كافّة، لا ينمّ أصحاب النزعة تلك إلاّ عن نباهة سياسيّة رفيعة حين يكون خطابهم الموجّه إلى أميركا هو التالي: «نحن نريد أن نحاربك ونضرب مصالحك ونقاتل إسرائيل. فهل أنتِ يا أميركا مع الديموقراطيّة التي لا نريد أن نبنيها؟».

أغلب الظنّ أنّ شبّاننا وصبايانا باتوا أقلّ استعداداً لسماع تلك العظات البليدة والتعميمات الساذجة حتّى لو صدرت عن نعّوم تشومسكي.

حازم صاغية

************************************************************

ملاحظة موازية عن صفحة يوسف رخا في فيسبوك

البلهاء جعلونا نصدق أن “الحراك الشعبي” وحده يمكن أن يحقق تقدماً؛ وحصروا التقدم المطروح في أسئلة سياسية/اقتصادية محسومة مسبقاً في حين أن الأسئلة الاجتماعية/الثقافية هي وحدها التي كان يمكن أن تفرق معنا. السؤال الآن: هل يمكن إحداث أي تغيير حقيقي في بلد عربي دون تحويل ذلك البلد إلى ساحة صراع طائفي وفتح حنفيات الدم والنزوح بلا طائل؟ لا يختلف أحد على بشاعة مافيا عائلة الأسد، مثلاً؛ لكن الثورة السورية، والتي ظُن خطأ أنها يمكن أن تستبدل تلك المافيا بنظام حكم ديمقراطي تعددي يحترم حقوق الإنسان ويتطلع إلى الكفاية والعدالة، ماذا حققت إلى الآن وماذا يمكن أن تحقق – حتى لو نجحت – وقد تحولت إلى حرب أصولية على النفوذ الشيعي؟ وهل وفر على مصر وتونس الدم والدمار سوى أن حكومتيهما عميلتان لـ”قوى الاستعمار” وبالتالي قادرتان على تسليم السلطة لفريق جديد من العملاء بسرعة نسبية؟ متى ندرك أن هذه ليست دولاً وإنما مستعمرات، وأن المسئول عن كونها وبقائها كذلك هو – قبل أي طرف آخر – سكانها أنفسهم، حيث الكلام عن التحرر ليس إلا ذريعة لمصالح من شأنها أن تنفي احتمالاته تلقائياً؟

.

أنا اعتقادي إن اللي حصل في مصر وتونس له علاقة أساسا بإن ما فيش حاجة حصلت، هامش حريات النظام العالمي ووجود المؤسسات جوة النظام ده بشكل أو بآخر سمح بإنه يحصل شو ضخم ومقنع لدرجة إننا نصدقة، وكان الضامن لده – بما فيه ما يسمى بالقانون والمؤسسات وحيادية قواتنا المسلحة الباسلة وبما فيه كمان استعداد قطاعات عريضة جداً للتعريص الممنهج واستعجال كل الأطراف على إن الشو يخلص و”السلطة تتسلم” – هو إن العمالة للمنظومة الرأسمالية السايدة واضحة وبسيطة وبالتالي فيها مساحة لإن الناس تبقى بتمثل في المسرحية وهي مش واخدة بالها إنها مسرحية (ويمكن العمالة بالمعنى ده شيء إيجابي في ضوء إن لا فيه قابلية على الإنتاج ولا مشروع عالمي بديل إلا إرهاب بيقدم نفسه باعتباره صحوة إسلامية وأموال بترول بتنتج وتدعم الإرهاب زي المقاول السكير اللي بيعمل في عمارته زاوية صلاة عشان يكفر عن ذنوبه وهو عمره ما سأل نفسه بجد إذا كان أصلاً مصدق في الدين)، بينما عمالة سوريا هي لجهات بتناهض المنظومة الرأسمالية ولو اسماً مش فعلاً وبالتالي بترفض هامش الحريات السياسية المطروح من قبل ما يتوجد فتبص تلاقي الشو بيقلب بجد. ما أظنش الطائفية ممكن تعمل منطق أسباب ونتائج أبداً في حد ذاتها، وبعدين ما فيش طوائف في ليبيا مثلا بس شوف اللي حصل في ليبيا. الطائفية مجرد لغة لتبرير العدمية في مجتمعات فشلت في خلق ثقافة معاصرة تخلي للحياة حد أدنى من المعنى عند عدد كافي من الناس، وطائفية النظم مش أكتر من انعكاس لده

Hipstamatic’s Claunch 72 “film” ☯ فيديو موظف الأرشيف – تحديثات الحالة

 

.

مصر
من أروع نتائج الزواج الاقتصادي بين الرأسمالية العالمية والإسلام السياسي وأكثرها إذهالاً على الإطلاق (في السياق المصري المعاصر): الحجاب حرية شخصية… الحجاب حرية شخصية و”أدعياء التحرر” ما لهمش الحق يتدخلوا فيه، بس السفور مش حرية شخصية، والرأي والعقيدة مش حرية شخصية، والمشي في الشارع في أمان مش حرية شخصية، والولاء غير الطائفي مش حرية شخصية… “وأبناء الأمة” دايماً ليهم الحق يتدخلوا فيه ويكفروا اللي مش عاجبهم بكل معاني التكفير (وده خطاب “نخبة” برضه عادي، وناس متعلمين و”أصحاب فكر” وكده)
.

سوريا
كيف ومتى أصبح كل ما هو ضد الإسلام السياسي السني معاد للربيع العربي ومناصر للنظام الذي قامت ضده الثورة السورية؟ بأي منطق تحولت آلاف التحالفات والعداءات العلمانية والدينية والرأسمالية واليسارية بكل تعقيداتها إلى طائفة هي الأمة وكل ما عداها – وأوله الإسلام السياسي الشيعي – عدو الأمة؟ هل مشكلة “الطغيان الأسدي” حقاً أنه علوي؟ هل لم تكن الدولة الصفوية مسلمة العقيدة؟ هل لم تمارس الأغلبية السنية في المنطقة على أصحاب العقائد الأخرى طغياناً قذراً طوال قرون؟ وهل لم تكن الأقليات هي الرئة الثقافية التي تتنفس من خلالها مجتمعات تخنقها “الشريعة”؟ هل كانت شيعة علي عشية الفتنة الكبرى أقل عروبة أو إسلاماً من بني أمية أو حتى الخوارج؟ هل قدمت حماس للقضية الفلسطينية أكثر مما قدم حزب الله وهل قدم أيهما أكثر مما قدمت منظمة التحرير “العلمانية”؟ وهل ما يوحّد الأقليات السورية حقاً هو الحقد المجاني على “الإسلام”؟ من أين وإلى متى، إلى متى؟
.

مصر
المؤلم في اللي بيحصل مش اللي بيحصل في حد ذاته – إن واحد كان شغال مع أمن الدولة يطلع يقول لك نعمل قانون يسقط الجنسية عن المسيئين مثلاً ويتاخد بجد، بينما فيه أطفال بتتحبس وأهالي بتتهجر لأسباب طائفية بمباركة القانون ودولته والناس كلها تعبانة اقتصادياً أكتر وأكتر؛ أو إن مهرجان حيتعمل في مكان عام يتلغي لدواعي أمنية، بينما جريدة زي أخبار الأدب بيتكتب فيها مديح في النبي محمد على لسان كارل ماركس واللي بيسموا نفسهم مثقفين في إفلاس مضطرد فكرياً واجتماعياً – لكن إن ناس بيتكلموا عن ثورة حقوق وحريات وعن حركة إبداع جماعي في الفضاء العام يكونوا سمحوا باللي بيحصل ده وشجعوا عليه ومهدوله الطريق وبعدين شافوه بيحصل ولسه برضه ما سكتوش، هو ده المؤلم؛ أو إن اللي بيحصل بأي حجة سماوية أو أرضية يتقدم باعتباره الاختيار السياسي المنحاز للشعب. المؤلم كمان إن المسار الديمقراطي في وجود ناس ده آخرهم مش هيفرز غير منده. لكن أكتر حاجة مؤلمة على الإطلاق هي إن دي الإرادة الوطنية فعلاً سواء اتسمت قومية أو إسلامية أو أي حاجة تانية: إن الأطفال تتحبس، والمهرجانات تتلغي، والمسيء تسقط عنه الجنسية

هل التطرف هو الفهم الصحيح للإسلام؟ أو هكذا تكلم بنو علمان: تدوينة طويلة حبتين عن ٢٣ و٢٤ أغسطس

wpid-ysf-2012-08-26-02-51.jpg

عموماً

في انتقادهم “الفكري” للإسلام السياسي، يزعم دعاة “المدنية” إن التيارات الوهابية والسلفية والجهادية ومن باب أولى طبعاً التوجه الإخواني بوصفه الجذر الحديث لكل ذلك إنما تُمثّل تطرفاً أو سوء فهم لـ”الشرع”. لكن من ملاحظاتي الانطباعية (الخارجة من منظور أدبي أرجو مع ذلك أن لا يكون “شاعرياً” أو حالماً)، يبدو لي أن هناك حقيقتين مبدأيتين يشيران إلى أن هؤلاء الدعاة مخطئون في زعمهم:

(١) أن القراءة الأصولية للشريعة مهما ابتعدت عن العقلانية والتسامح ومهما ناقضت الجوانب المشرقة من الحضارة الإسلامية بل ونقضت المفاهيم الأكثر تماسكاً للرحمة والوحدانية فتقاطعت بذلك مع “الشرك” و”الكفر” تظل أحد التعبيرات السائغة عن فحوى الإسلام في زمن لم ينجز “الإسلام” فيه أكثر من طرح نفسه كشعار هوية جامعة تحس بالغبن والدونية نتيجة اندحار ما تعلن عنه، وهو ما دعا بعضهم إلى قول إن السلفيين “حماة العقيدة” بلا سؤال عن طبيعة العقيدة التي يحمونها أو أثر اعتناقها. فكون الإسلام “أعلى من شأن المرأة” لا يعني أن لا “تنتقب” المسلمة حيث توجد مرجعيات مكرسة تؤكد ضرورة النقاب، وكون النبي قال “اطلبوا العلم ولو في الصين” لا يعني أن أحمد زويل أفضل عند الله من محمد حسان، فحتى “العلم” نفسه – نتيجة التباس تافه في الاصطلاح – قد يقتصر على الإلمام بالمعارف الشرعية الثابتة منذ القرن الثاني عشر؛

و(٢) أن الفرق الذي أشار إليه المرحوم نصر أبو زيد بين تدين البدو وتدين الحضر لا ينطبق في عمقه إلا على الخطابات والممارسات، فهو لا يمسّ “الدوجما” التي يصر عليها “مجتمع متدين” مثل مصر حيث “المسلم المستنير” لا يستطيع أن ينكر النوافل، دعك من الفروض/التكليفات، دون أن يكون قد خرج على الملة، وحيث الخروج على الملة يبرر القتل بمعطيات الملة ذاتها (أي فائدة عملية إذن لاجتهادات لن يقبلها المجتمع المعني، دعك من سلطاته الدينية، من قبيل القول إن التدخين لا يبطل الصيام أو إن وجوب أداء العمل بضمير أبدى من وجوب الصلاة في موعدها؟) فبينما المسلم المستنير مكبّل بـ”إيمانه” وأقصى ما يستطيعه هو الاعتذار عن ما يناقض قيم العصر بالتدليس حيناً و”الاجتهاد” المجهض سلفاً حيناً آخر، يفتخر المسلم المتخلف بالسلبيات نفسها ويقدّسها حيث أنها من عند الله. فالمسلم المتخلف – بل والمجرم بالمعايير الحديثة – لا يعيبه تخلفه في عقيدته (فهل سمع أحد عن واحد “راح النار” لأنه قهر المرأة أو تربح من الدين أو صادر كتاباً مفيداً أو استغل تفوقه العددي في العدوان على غير المسلمين؟) حتى القتل طالما له مبرر “شرعي” لا يُنقِص من بنك حظ الحسنات التي يظل “خيرها” الوحيد الحاصل هو مظاهر التدين وطقوسه والتجارة الملحقة بهما.

وبما أن المستنيرين أقل عدداً بما لا يقاس من المتخلفين، فلا التفات جدي إلى ما طرأ على العالم طوال أحد عشر قرناً إلا لتأكيد أنه ليس من صنع المسلمين ومن ثم يضرهم أو يظلمهم أو لا يتناسب و”أخلاقهم”. وبالتالي يمكنك الحديث عن “ما-بعد-مسيحي” و”مسيحي لا-ديني” بينما إلى اليوم لا يمكنك الحديث عن “ما-بعد-إسلامي” أو “مسلم لا-ديني”؛ فمن تجاوز “دوجما” الإسلام – حتى وإن فعل بهدف صلاح حال المسلمين – صار من “بني علمان” على الفور، والتحق من ثم بجحافل الضالين وأهل النار من “أدعياء العلم” لا العلماء؛ وهو قرار سياسي لا عقائدي وإن اعتمد منهجاً عقدياً، قوامه المزايدة على المستنير في دينه. وبمثل هذا القرار وقرارات مماثلة كثيرة يصبح “التطرف” مرادفاً لتسييس الدين (وإن نافى معطيات الشريعة في بعض تفاصيلها)، وتصبح الرغبة في قطع كل صلة بعالم لا يحكمه “شرع الله” بالفعل هي “الفهم الصحيح” للإسلام.

أقصد أنه، من الناحية السياسية، هذه الرغبة هي كل ما بقي من الإسلام بوصفه منظومة صواب وخطأ تجاوزها العالم بقرون (تماماً كما تجاوز الرق والسبي والرجم وقطع الأطراف)؛ منظومة ثواب وعقاب اعتمدت، شأن مثيلاتها، على التشبث بلحظة (مفترضة) ماضية أو صورة مثالية لم يعد لها دور خارج على الواقع العاطفي أو النفساني. فالفرق الجوهري بين لحظة “صدر الإسلام” ولحظة التنوير المسيحية (البروتستانتية) – المرجعية المركزية لدى بني علمان – هو أن اللحظة الأولى لم تساهم في إنتاج الحياة المعاصرة بشكل مباشر؛ الأمر الذي جعل المسلمين أيتام حضارة وبرر تقاعسهم عن كل ما عدا تأكيد أن لهم أباً وأماً متمايزين بقوتهما (وإن كانت مذمومة) في مكان ما من تاريخ الإنسان.

إن الإسلام المسيّس يعتمد على لحظة “بريئة” ولكن “بدائية” كطريقه الأوحد إلى الخلاص بما في الخلاص من “نهضة” دنيوية لا تعني الكثير إذا ما قورنت بنعيم الآخرة.

ولكن ألا يعتمد الإسلام “المدني” – الإسلام الذي لازال يستحي من كلمة “علماني” كلفظ حليف لخطابه، معتبراً إياها دليل عداء عقائدياً ومدعاة للاشتباك مع “تيارات” أخرى لها آراء معتبرة في المجتمع وفي منظومة المعارف الشرعية – ألا يعتمد الإسلام غير المسيس بالقدر نفسه وإن بمجهود مهدر في العقلنة والعصرنة على منظومة الحلال والحرام ذاتها التي لم تشتبك أبداً مع أسئلة العصر إلا في دور المتلقي النهم للمنجزات المادية والرافض في الآن ذاته للتطورات أو الوثبات العقلية والروحانية التي أنتجت تلك المنجزات؟

***

قبل أيام سألت أمي المتدينة “الوسطية” الكارهة حقيقة لحكم الإخوان (علماً بأنها مثل أكثرنا لا تستغني عن التكييف في الصيف): هل مخترع مكيف الهواء غير المسلم أفضل أم مسلم صالح لم يضف شيئاً للحياة ولكنه لم يقصر في أداء التكليفات والنوافل؟ قالت: هذه مسألة فقهية تستوجب مشورة العلماء، ولكن عندي أنا من قال “لا إله إلا الله” أفضل. كيف أو لماذا يصبح من قال “لا إله إلا الله” أفضل؟

***

يدفعني هذا السؤال إلى الذهاب أبعد قليلاً، فلعل التوجه “المدني” (متمثلاً في محمد عبده) محض تعديل للتوجه المتطرف ذاته، تعديل يبدّى الدنيا على الآخرة ويقتدي بـ”علمان” بدل أن يحاربه؛ وهي أمور لا تملك على الدين سلطة أكثر من سواها، أي أنها قراءات محتملة في الدين لا فضل ديني لها على القراءات الأصولية.

فتوجه محمد عبده – شأنه في ذلك شأن التوجه “السياسي” (متمثلاً في محمد ابن عبد الوهاب) – لا يسمح لنفسه لحظة بتخطي موقع الضحية إلى طموح الندية الحضارية. وهو حيث يدلّس ويجتهد، يسهّل التحايل على الحقيقة الوحيدة المؤكدة: إن المسلمين كجماعة، فيما مُنِعوا أو امتنعوا عن المساهمة في صوغ الحضارة المعاصرة (فيما يُمنعون أو يمتنعون عن تقديس دوجما الرأسمالية ما-بعد-المسيحية وإرثها النهضوي التنويري كما يجب) قد اعتنقوا هذه الدوجما بالفعل؛ ولم يعد هناك محتوى لإسلامهم يتمسكون به سوى بعض التفاصيل الشكلية مضافاً إليها إرث التخلف أو الحاجة إلى الاعتذار عنه.

اعتنق المسلمون الحياة العصرية وهم ينكرون ذلك لدرجة تقديم أنفسهم باعتبارهم بديلاً عنها أو غريماً لها؛ اعتنقوها بالقدر الذي عاشوا به في العالم المعاصر تماماً، حتى أن “المتطرفين” منهم قد تبنوا كل مفاهيمها الهويتية واليوتوبياوية وحتى الليبرالية “الديمقراطية” في سبيل القطع مع ذلك العالم إن آجلاً أو عاجلاً، دون أن يدروا أو دون أن يعترفوا بأنهم يستخدمون أساليب العالم نفسه في التظاهر المفضوح بالقطع معه… وليس أمام “المستنيرين” عملياً سوى التدليل على أن الإسلام بوصفه خطابات وممارسات حاضرة هو موضوع عاطفي وشكلي زائد عن الحاجة؛ إنهم – المستنيرين – يفعلون ذلك بقصد أو بغير قصد عن طريق تأكيد بديهيات من شأنها أن تؤدي إلى الصدام مع نظرائهم المسيسين الذين أسقطوا البديهة كما أسقطوا العقلانية بل والحس الأخلاقي من أجل تطبيق حرفي لأوامر الله ونواهيه كما أُنزلت على النبي محمد في القرن السابع في الجزيرة العربية.

ومن ضمن هذه البديهيات إن التحريم دون علته والوجوب دون فائدته والنص دون تأويله كل هذا “تهريج” لا معنى له في هذا العالم.

ولكن – هنا سؤالي – إذا ما تم، على النقيض، اعتماد العلة والفائدة والتأويل التاريخي بشكل جدي وبالتالي التماهي مع معطيات العالم الموضوعية بلا تحفظ، على نحو غير مكبل بالهوية أو بأحكام السماء (أحكام الجزيرة العربية في القرن السابع)، فماذا سيبقى من الإسلام أياً كان دعاته؟

(شخصياً، أعتقد أن أشياء كالمعمار والأدب والتصوف وفنون الكتاب والتلاوة ستبقى، فضلاً عن مساهمات مسلمين من أمثال ابن رشد في إرث النهضة الأوروبية “العالمي”؛ لكن ما علاقة ذلك كله بالإسلام المعاصر؟ وهل حفظه لنا وعلمنا إياه في الحقيقة إلا “الاستعمار” المذموم لأسباب أخرى والمرفوضة معطيات الحضارة الفكرية لأنها جاءت من عنده وهو “نصراني كافر”؟)

إذا حدث ونهض المسلمون – بمعنى تبني موروث الحضارة الإنسانية بكل تنوعه واتساعه وبما يتيح المساهمة في مساره – هل لا يكون السلفيون حينئذ هم حقاً “حماة العقيدة”؟ حتى وإن كان – حتى هو – مشروطاً بالعصر ما-بعد-المسيحي (وهي المفارقة الكبرى في الإسلام السياسي إجمالاً)، أليس في الموقف الوهابي نوع من التماسك يفتقر إليه الموقف “الوسطي” المستنير؟

وكما في التجريد الموضوعي، كذلك على أرض الواقع. فلا “الاقتصاد الإسلامي” بديل عن الرأسمالية العالمية ولا في “الخصوصية الأخلاقية” للمسلمين سلوك أرقى من “انحلال الغرب” حيال الأسئلة الفلسفية الكبرى المتعلقة بالحب والخير والجمال؛ فالحقيقة أنها – هذه الخصوصية – هي الحجة المواتية دائماً لأبشع أنواع الوضاعة الأخلاقية بأي معيار معاصر، للكره والشر والقبح (ولا داعي لسوق أمثلة أو حجج لإثبات ذلك، سياسية أكانت أو أخلاقية؛ بالفعل لا داعي لإقناع شخص ينظر إلى كومة زبالة بأن ما ينظر إليه هو فعلاً زبالة).

وخصوصاً

اقترح علي مهاب نصر – المكتوبة هذه التدوينة بإيعاز منه – أن أوثّق الكلام بإيراد تضيمنات من نصوص الذين ذكرت أسماءهم أعلاه. وبينما سيكون من شأن ذلك إعطاء الملاحظات مصداقية “علمية”، الواقع أنني لا أرى البحث بهدف غير أدبي من اختصاصي، ولا أراني أضيف إلى الخطاب “الأكاديمي” أكثر أو أقل بتوثيق انطباعاتي على هذا النحو؛ وهو ما يستتبع، ربما، إيضاح مناسبة هذه التدوينة في سياق تطورات الشأن العام – وقفة المثقفين الاحتجاجية مساء ٢٣ أغسطس و”ثورة ٢٤ أغسطس” في اليوم التالي – ومن ثم الانتقال إلى ملاحظات تتسع مساحة تفاعلها مع ما يكتبه مهاب نفسه هذه الأيام ويسعدني حقاً بإرساله إلي.

كان تحرك “المثقفين” مدعاة للتأمل في حال “النخبة المثقفينية” التي أحسست بالانتماء إليها بدرجات متفاوتة قبل “ثورة ٢٥ يناير”: تأمل سياسي بالضرورة، في ضوء “فعاليات” اليوم التالي والتي أكد لي فشلها الذريع والمتوقع حقيقة حاضرة منذ شهور: إن أحداً لا يقاوم الإسلام السياسي سوى “النظام القديم”، وحتى من يرفض النظام القديم ليس أمامه حتى الآن خيار في مواجهة الإسلام السياسي إلا التحالف مع “الفلول” و”العسكر” إلى آخر هذه التصنيفات البلهاء. طلائع المجتمع “الثورية” ذاتها ليست مستعدة لحماية المثقفين من عدوان الحكام الجدد لأسباب عديدة أولها أنها – مثل دعاة الإسلام المدني تماماً – ليست مستعدة للقطع مع الهوية الدينية.

كان التحرك مدعاة للتأمل، أقول. ولا شك أنني لازلت أتضامن مع القيم المفترض أن النخبة المثقفينية تدافع عنها: حرية التعبير وحرية الإبداع والحقوق المدنية.

الجديد أنني، وعبر خبرة السنتين الماضيتين، أدركت أن هناك اهتمامات سابقة على الاهتمامات المباشرة للكاتب أو الفنان الفرد – أن يكتب ما يريد ويبدع كما يريد – لم يهتم أحد بتأكيدها أو التأسيس لها سواء أكان هذا الأحد في “المتن” التابع للسلطة الحاكمة أو على “الهامش” الموالي، المتحول قسراً إلى متن مواز على القدر نفسه من الانعزال عن “المجتمع والناس” حتى لو تحدث إليهم أو باسمهم. فلا معنى لحرية التعبير مثلاً في غياب حرية العقيدة: لا معنى لأي بحث معاصر في العلوم الإنسانية بلا تحرر معلن وغير مشروط من الدوجما الدينية (هذه حقيقة يؤكدها كل من اضطلع بالعلوم الإنسانية في جامعات العالم المعتبرة). ولا معنى للحقوق الفردية في غياب حقوق المواطنة – كيف نتكلم عن المساكنة ونحن محرومون من الزواج المدني؟ ولماذا نتكلم عن المساكنة في العلن بينما لا نذكرها لأهالينا؟ – وبالمنطق نفسه، هذا ما أوصلني إليه التفكير على خلفية إحباطاتي المتكررة في نتائج “الثورة”: لا معنى لـ”الثقافة” التي يتحدث عنها أصدقائي ويناصرون استمرارها جماعياً في غياب مجتمع مستعد لاستهلاكها ومن ثم دعم إنتاجها تلقائياً على نحو مستدام.

هكذا خلال السنتين الأخيرتين انتبهت ليس إلى “هامشية” النخبة وضعف مساهمتها في المجتمع الواسع بما يساعد على تطويره ولكن إلى أسباب تلك الهامشية أو نتائجها: الدائرة المفرغة التي أظنها قائمة بأشكال مختلفة منذ عهد محمد علي الكبير.

بشكل غير مسبوق أدركت عبثية أن تقتصر الثقافة على خطابات وممارسات – شأنها في ذلك شأن الدين كما أحاول توصيفه أعلاه – لا يكون لوجودها مبرر سوى تأكيد تمايز أصحابها عن عالم أوسع وأشطر وأقوى بما لا يقارن، وإن لم يكن (في حالة الدين، يعني) أكثر تحضراً من “يوتوبيا الهوية المثقفينية”. لكن أهم ما في الأمر أنني انتبهت إلى علاقة تلك العبثية بفراغ المشهد السياسي الجديد من أي “قوى” غير إسلامية؛ حتى الليبرالوين (الوفد، ائتلافات الثورة) واليساروين (كفاية، ٦ أبريل، الاشتراكوين الثوروين) – إما عن انسحاق أمام الأقوى أو عن إدراك للاجدوى الوقوف منفردين – سارعوا بانتحارية بادية بالانضمام إلى الصف الإسلامي.

“اليسار” المتقاطع مع “النخبة الثقافية” تحديداً ما لبث، وقد تسنى له الدفاع عن مصالحه الأصيلة للمرة الأولى في الذاكرة التاريخية، أن والى الإخوان المسلمين بدعوى أنهم في صراع مع المجلس العسكري وملحقاته القائمة على “دولة عميقة” تسعى – كما ادُعي – إلى إجهاض ثورة بدت من ثم كأنها لم تحدث؛ وكأن الإخوان ليسوا هم أنفسهم دولة عميقة بصدد تقويض الثورة بالدرجة نفسها، وكأنهم لم “يفاوضوا” السلطة السياسية قبل سواهم، أو كأنهم لا يمثلون تهديداً أكبر للقيم التي يدافع عنها المثقفون واليسار على حد سواء؛ وفي إعادة إنتاج أكثر مصداقية لمشهد المعارضة المدجنة المألوف في “النظام السابق” (ظاهرة المثقف المدافع عن حرية التعبير وهو يعمل ليس فقط لدى الدولة ولكن أيضاً لدى “أمن الدولة”) ساهمت القوى “الثورية” نفسها في “تمكين” ستبدأ في الشكوى منه قريباً إن لم تكن قد بدأت بالفعل، كأنه لم يحدث بإراتها “الحرة النزيهة” وتحت عينيها مباشرة…

الثورة تفترض وجود “نظام” متماسك القوام، لكن أحداث السنتين الماضيتين أثبتت أن الموجود لم يكن أكثر من صورة دولة يتاجر بها من يخدم السلطة ومن يقاومها على حد سواء.

بالمنطق نفسه، بدا لي أن الثقافة قبل أن تنتج هوامش أو بدائل لابد أن يكون لها متن متجذر في مجتمع مديني مفتوح على سواه من المجتمعات. يمكننا أن ننتج أعمالاً ثقافية تستفيد من خبراتنا الحياتية العامة كما الخاصة بشكل فردي في أي مكان، ويمكننا الدفاع عن الحق في إنتاج هذه الأعمال؛ ولكن لن يكون لنا ولا لأعمالنا قيمة كبيرة طالما لا أحد سوانا نحن يستهلك هذه الأعمال؛ والدليل أن القوى القمعية لا تلتفت إجمالاً إلا إلى من يطلع في التلفزيون لتجعل منه فريسة لها. بدا لي أن السبب في أن أحداً سوانا لا يستهلك أعمالنا الثقافية – وهو نفسه السبب في انتصار الإسلام السياسي، والسبب في تحول كل مستهلك محتمل للمنتجات الثقافية إلى منتج لها و”أقلية” في محيطه المجتمعي – ليس الجهل والفقر والقمع السياسي بقدر ما هو كون مصر، بالتحديد، “مجتمع متدين”، مجتمع الوسطية والاعتدال، الوطنية الآمنة والخير المقنن، واتباع التعاليم دون النظر إلى محتواها. إن أحداً لا يستهلك أعمالنا لأننا مجتمع قروي بلا ثقافة (ولا أقول ذلك بنبرة المتعالي على القرويين بقدر ما أقوله بنبرة الساخر من “مثقف القرية” أو الساخر من نفسه).

السبب هو كون مصر مجتمع متدين. فما يجري على الإسلام وتسييسه وبداوته يجري على المسيحية المصرية باختلاف طوائفها والاشتراكية-الشيوعية والقومية العربية-الناصرية والوطنية الساداتية الموالية للنظام العالمي كذلك، وهو يجري – قبل كل شيء – على “العادات والتقاليد” و”العيب والحرام” وغير هذا من الشعارات التي سممت وجودنا و”بشنقت” عقولنا وأرواحنا قبل أجسادنا: إنها منظومة الصح والغلط المعادية للعالم في حقيقته المعاصرة وتجلياته المتعددة، المعتمدة في عدائها على هوية لا معنى لها في هذا العالم، المنكرة لأبسط الحقوق والحريات؛ حيث لا فرق بين التحرر والفضائحية ولا ضرورة أبداً لأن تعني الكلمة ما تقوله… بدا لي أن السبب في فشلنا الذريع هو كون مصر لا تزال أكذوبة الحضارة والعراقة في زمن لم يعد يقبل هذا النوع من الأكاذيب، أو كونها أسرة محافظة تكرّس الطبقية والطائفية والسلطوية والانتهازية – أسرة تبيح لبناتها ممارسة كل أنواع الجنس في السر كالمجرمات طالما يحافظن في الوقت نفسه على غشاء بكارتهن في انتظار “جوازة كويسة” ويتعاملن مع ما يفعلنه كما لو كان إجراماً بالفعل – كون مصر أكذوبة لا تسمح بأي عمل جماعي يتطلع إلى تغيير السلطة ما لم يستند هذا العمل إلى شيء بزيف وبلاهة ورخص ولا جدوى التدين… ليس الدين.

الثقافة – قبل أن تكون دواوين قصيدة نثر ومسرحاً تجريبياً وأعمالاً مجهزة – هي نظرة للحياة متفق عليها بدرجة أو أخرى عبر طبقات مجتمع كامل، نظرة تتضمن قيماً قابلة للتطوير؛ وبهذا المعنى قد نقول إن ثقافة مصر “إسلامية” بالفعل: إنها هويتية ويوتوبياوية وانتهازية كالإسلاميين، لكنها “وسطية” ومحبة للحياة أيضاً كمن يقول لك: “حأخطف الضهر وأجيلك.” ليست ثقافة قادرة على الالتزام بطقس أدركت أن لا معنى حقيقي له في حياتها، لكنها ليست ثقافة قادرة على إسقاط هذا الطقس من حساباتها.

وتعليقاً على “ثورة ٢٤ أغسطس” التي كانت في حاجة إلى مجتمع كامل بيسار حقيقي ونخبة مثقفينية حقيقية: ليس مهماً أن ندافع عن ثقافة يهددها الإخوان، المهم أن نخلق ثقافة تضع الإخوان في مكانهم الضيق جداً، التافه جداً، داخل أي مجتمع له ثقافة.

wpid-untitled-2012-08-26-02-51.jpg

“ستيتوسات” متصلة

الثقافة هي فعلاً “حائط الصد الأخير” في مواجهة “الأخونة” وسواها من أوجه التخلف عندما تكون الثقافة طريقة مجتمع في التعامل مع الحياة (وهو ما اتضح منذ ٢٠١١ أنه معدوم تماماً في مصر)، ليس عندما تكون مجرد مهنة أو سبيلاً إلى التمايز والتقوقع. الثقافة بمعناها الدارج – مجموعة من القراء/الكتاب/الفنانين/محبي الفن منزوعي الصلة بالمجتمع يجلسون معاً على المقهى – ليست حائط صد في مواجهة أي شيء.

.

هي إيه حكاية كرامة الرئيس من كرامة بلده دي؟ جبتوها منيني داهية يعني؟ اللي بيشتم في ساركوزي وقت ما كان رئيس فرنسا كان بيشتم في فرنسا؟ ولا اللي اتعمل في دابليو بوش أيام حرب العراق ده كان إساءة للقومية الأمريكية؟ ليه أي عبارة غبية بتتردد بتتحول لحقيقة مسلم بيها وهي في الحقيقة ما لهاش أي معنى؟ وبافتراض إن فيه معنى لـ”كرامة بلد” أصلاً، والبلد دي جمهورية – جمهورية يا بهايم – الكرامة دي تبان في حرية المواطنين إنهم يقولوا اللي يعجبهم ولا في التعامل مع رئيس الجمهورية باعتباره “ذات” منزهة؟

.

وبالرجوع إلى يوتيوب (بالساعات يعني)، توصلنا أيضاً إلى النتائج التالية: رغم كل الملاحظات المحتملة عليه شكلاً وموضوعاً، توفيق عكاشة تعبير حقيقي عن النخبة المصرية؛ مع كل التقدير لجهوده في قدح الإخوان، السلفي المرتد محمد أبو حامد مخبول تماماً؛ عبد الحليم قنديل مكانه الأوقع تحت كوبري الدقي لابس جلابية مقطعة وماسك قزازة براندي مكسورة وبيغني “واللي هيبعد م الميدان، اللي هيبعد م الميدان… عمره ما هيبان في الصورة”.

.

أفرجوا عن قتالين القتلى وسابوا شباب الثورة الطاهر في السجون. جابوا حكومة وقيادات صحفية من الإسلاميين والفاسدين الموالين لهم حديثاً جداً وهمشوا الكفاءات في الإدارة والإعلام زي ما كان حاصل قبل كده بالظبط إن ما كانش أكتر. أمنوا المسئولين عن الإجرام في الجيش والداخلية وكرموهم، واستبدلوا القيادات بذوي الميول الإسلاموية واللي تحت إيديهم. صادروا وسائل الإعلام وشيطنوا معارضيهم وإدوا غطا للإرهاب وهما بيلعبوا نفس اللعبة الوسخة مع إسرائيل بس بتعاطف أكبر مع حماس وملحقاتها. حولوا صراع الحريات الشخصية والاجتماعية لصراع طائفي بينهم وبين بقية المجتمع بما فيه الأقباط والعلمانيين وغيره، وزودوا على الأمراض الشعاراتية من قبيل التخوين والتشهير مرض التكفير. خلوا موضوع الحقوق السياسية موضوع ولاءات وذلل جوة نفس المنظومة المركزية الاستبدادية… وكل ده في أقل من شهر، بس برضه لازم نديهم فرصة!

.

الحقيقة إنه تهريج، ببساطة. كل اللي بيحصل ده تهريج وكإن التهريج اللي حصل من ستين سنة ما كفاناش فقررنا نبتدي نهرج تاني. ثورة تهريج ودين تهريج وسياسة تهريج والوحيد المستفيد هو اللي بيهرج ويكسب من ورا تهريجه. الحقيقة إن الواحد بيغالب حزن ما حسوش أبداً قبل كده وهو بيتفرج، واللي بيحزنه أكتر من التهريج نفسه إنه يشوف حد مصدق إنه بيتكلم جد وسط التهريج ويا إما مصدق المهرجين يا إما فاكر إنه هيقدر عليهم. بعد شوية مش هنلاقي حاجة نتكلم فيها إلا أزمة الكهربا أو المياه أو المعايش، وإزاي تمشي جنب الحيط عشان ما نتئذيش أكتر ما إحنا مأذيين من الحاجات دي.

.

دلوقتي الإخوان لما يستدعوا رؤساء تحرير “معارضين” لمحكمة أمن الدولة (وعلينا أن لا ننسى إن من التلاتة واحد عايز يرّجع اقتصاد القطاع العام المركزي بتاع عبد الناصر والتاني معرص برخصة من أيام السادات) هما في الحقيقة “بيطبقوا القانون”، وده هو هو نفس القانون اللي كان بيتكلم عنه أبو الفتوح في حملته الانتخابية على فكرة: القانون اللي حكم بتفريق نصر أبو زيد عن مراته وأمر بمصادرة كل كتاب اتعرضله نائب إخواني “محظور” طول فترة فاروق حسني مثلاً… (ألا مش ملاحظين صحيح إن الفيلق “المدني” اللي ما هواش لامؤاخذة إسلاموفوبيك – بما فيه حتى بعض قطاعات الألتراس – بقت شغلته يمسك الفوطة للسلطة الجديدة؛ وناس من الوساخة و/أو الغباء لدرجة إنها تكلمك عن إن دي النتيجة المرجوة من الثورة عادي يعني)…

القانون اللي بيبدأ بدستور إن ما كتبوش ياسر برهامي يفرضه على أمك لواءات جيشك الوطني الباسل بمنطق المرجعيات الوطنية على طريقة ما فيش مسيحي يقدر يطلق مراته ورواية أولاد حارتنا ما تطبعش في مصر، واللي هدفه الأسمى إن ما كانش “الأمن القومي” يبقى “الشرع الإلهي” والمواطن ياكل خرا في الحالتين عادي برضه… نفس القانون اللي عمره لا إداك الحق في حرية العقيدة ولا سمحلك تمشي في الشارع من غير ما يطنحر عليك أي عرص ممسكينه سلاح ومفهمينه إنه “باشا” يعمل في الناس اللي يعجبه في مقابل إنهم ما يدوهش فلوس (والعرص ده ما فيش أي مانع إنه يُستبدل ببهيم مركب دقن وضارب زبيبة برضه)…

هو ده القانون، وهو بيتطبق دلوقتي على مزاج اللي إيدهم واصلة زي ما كان بيتطبق قبل كده بالظبط لإن مصر دولة قانون… ولإن المواطن المصري “الوسطي” حتى لو ضد الإخوان من طبيعته احترام “الشرعية”، فيعني الجنازة حارة والميت – وهو ميت من زمان قوي على فكرة – أي كلب جربان معدي.

.

المساكنة أم تعدد الزوجات، النهي عن المنكر أم احترام إرادة الغير، حرية الاعتقاد أم حد الردة، الزكاة والصدقة أم (إعادة) توزيع الدخل، الحجاب أم العفة، الإجهاض أم الرجم، الحبس أم قطع اليد، السجن مدى الحياة أم ضرب العنق، الطب الحديث أم الطب النبوي، استلام أموال البترول أم استخراجه وتكريره: أسئلة يطرحها الإسلام السياسي عن الإسلام.

wpid-220722357319768433_6860517-2012-08-26-02-51.jpeg

من مجمل الحديث: محمد أركون

الإسلام والديمقراطية

wpid-mg2008-2011-12-8-18-33.jpg

العلمانية هي الحل

دُعيتُ إلى المساهمة بشيء عن الثقافة والإسلاميين – بعد وصولهم إلى الحكم، كما قيل، ديمقراطياً – فوجدتُ عندي كلمتين أقولهما في هذا الشأن: إن هناك العالم، وهناك الهوية؛ وإنهما – فيما يفرضه الطرح “الإسلامي” سلفياً كان أو جهادياً أو إخوانياً أو حتى إيرانياً شيعياً – متناقضان. كمسلمين بالولادة (وبغض النظر عن اقتناعنا بالعقيدة)، حقنا أن نعيش في العالم بهويتنا؛ أن تكون لنا حقوق الآخرين وما لهم من رفاه دونما نضطر إلى إسقاط تلك الهوية. والحاصل أن حقنا مسلوب – بدرجة أو أخرى – منذ انتصرت هوية أخرى؛ إلى هنا نتفق. لكن هل يوجد مخرج من هذا المأزق التاريخي؟

المشكل أن الهوية الأخرى هذه، بانتصارها، إنما صاغت العالم الذي نشارك أصحابها العيش بشروطه، شئنا أم أبينا: شروطهم. ولم يعد في هويتنا عملياً سوى اسمها، إضافة إلى بعض المميزات المعنوية المذمومة إجمالاً، كالطائفية والطغيان والهوس الجنسي والاستهانة بالحياة. فهل يسعى الإسلام السياسي إلى إعادة صياغة العالم كلياً بما يبرر أو ينشر هذه الصفات؟ لأنه بالتأكيد لا يسعى إلى مناهضة الرأسمالية العالمية ولا المساهمة في الحضارة كما نعرفها حتى نحن في العصر الذي نعيش فيه… فهل يسعى إلى فرض هوية لا يميزها سوى أنها، في مساحة منفصلة عن كل أسباب الحياة بما فيها الأخلاقي منها، غير متسقة مع العصر – وهل هناك من يعتقد أن هذا ممكن؟ – أم أن الإسلام السياسي، بينما يكتفي بقمع حريات من شأنها أن تجعلنا أنداداً لمن صاغوا عالمنا (العقلانية والعلم والإبداع، المواطنة وحقوق الإنسان وتداول أو تجاوز السلطة)… أم أن الإسلام السياسي، أقول – بينما يكتفي بقمع الحريات – يختزل فكرتنا عن الهوية في طقوس ومظاهر وخطابات لا يفصلها عن الحياة العصرية ذاتها سوى أنها تعتذر عن الصفات سالفة الذكر وتتخذ من الهزيمة التاريخية سبباً للوجود أو العداء؟

الشريعة الإسلامية لازالت لم تحرم الرق ولا التجارة في أجساد النساء بدعوى تعدد الزوجات، ولا حتى قطع أيدي ورؤوس المذنبين أو رجمهم حتى الموت (مجرد أمثلة)؛ البيعة ليست انتخاباً والشورى ليست ديمقراطية، كما أن الإلحاد ليس كفراً بالضبط ولا غير المسلمين من سكان البلاد ذات الأغلبية الإسلامية أهل ذمة… لا أظن التصور “الإسلامي” لحياتنا يمكن أن يتسع للثقافة حتى في تقاطعها مع الإسلام بمعناه التاريخي أو الحضاري، ولا أظن المضطلعين بالثقافة على استعداد لممارستها في ظل ذلك التصور. لكن – هكذا أعود فأتساءل – ما دخل الإسلام بالسياسة المعاصرة أصلاً، دعك من الثقافة المعاصرة على خلفية سياسية؟

أيها المتجهمون فوق حيطان المزابل
المستعيضون عن الأخلاق بلحية
الخائفون من وجوه النساء
تعبئّون الله في أجولة
وتهيلونه على الأحياء
أنا العلماني الكافر
أنا المرتد العميل
سأبقى إلى آخر جسد تدفنونه
أقض مضاجعكم بالخيال

الأهم فالمهم: الغربة

هذا وصفُ غريب نأى عن وطنٍ بُني بالماء والطين، وبَعُد عن ألأّف له عهدهم الخشونة واللين. ولعله عاقرهم الكأس بين الغُدران والرياض، واجتلى بعينه محاسن الحَدَق المراض. ثم إن كان عاقبة ذلك كله إلى الذهاب والانقراض، فأين أنت من قريب قد طالت غربته في وطنه، وقلّ حظه ونصيبه من حبيبه وسكنه؟ وأين أنت من غريب لاسبيل له إلى الأوطان، ولا طاقة به على الاستيطان… لا يتمنى إلا على بعض بني جنسه، حتى يفضي إليه بكامنات نفسه، ويتعلّل برؤية طلعته، ويتذكر لمشاهدته قديم لوعته، فينثر الدموع على صحن خده… – أبو حيان التوحيدي

wpid-p1020464-2011-10-4-20-11.jpg

الأهم فالمهم. أمر عادي ربما أن تشعر بالغربة حيث تعيش، أن تلح عليك المغادرة طلباً في “وطن” مفارق. غير العادي أن لا يَنتج هذا الشعور عن خيبة أمل في حياتك أنت، في الدائرة التي تشغلها، بل عن إدراك – مفاجئ بالضرورة – للا جدوى انتمائك إلى جماعة بشرية يُفترض أن تعطي حياتك معنى. للضجر صبغة حين ترى الأكاذيب والعبث، ووجودك وسط العبث والأكاذيب يجعلها صبغة مضجرة. صحيح أن الغربة تحدث إثر تحول في الشأن العام، لكنْ صحيحٌ أيضاً أن التحول لا يصنع غربة بغير وعي خاص ويومي بفحواه يكشف تواطؤك مع نتائجه السلبية. لحظة نادرة وشخصية ولا علاقة لها بالمعارك: أن تصبح أنت بزيك تجسداً للوطن المهزوم. لم تعد وحدك كما كان الحال من قبل، ولا هزيمة الوطن معزولة عنك كما هُيئ لك سنوات. لعلك لست إنساناً أصلاً، لست جزء من شعب يستحق أن يكون له وطن؛ على الأقل ليس كما يجب أو تريد. وفي إدراك لا جدواك منتمياً، يتراءى الدافع إلى إعادة صياغة الواقع بالكلام أو، على حد روبيرتو بولانيو، “الكتابة بدلاً من الانتظار”. بلا إعادة صياغة للواقع، حتى المغادرة، الهجرة نفسها لا ترحم من الانتظار. في الغربة: الكتابة بدل الانتظار. والحب أيضاً، العشق طلباً لوطن منمنم يسكنه شعب “ملّاكي” لا يعذبك الانتماء إليه؛ شرط أن تكون – عكس البطاركة القبليين – مستعداً لأن لا تسوق وحدك، لأن تغادر موقع “القائد الضرورة” متى اقتضت الحاجة وأن تعطي قدر ما تأخذ من أسباب الفرح بالحياة… لكن هذه، في النهاية، تفريعة ثانية.

وكما سيرد أو يدلل عليه في هذه الرسالة اللاحقة على “كتاب الطغرى”، والمؤرخة أكتوبر ٢٠١١:

عاش قريني مصطفى نايف الشوربجي لحظة إدراك لا جدوى انتمائه على الورق سنة ٢٠٠٧؛ لكنه كان يعيشها في رأسي، أو أنا أعيشها، طوال النصف الثاني من العقد الأول بعد ألفية الميلاد المجيد. بين أول ٢٠٠٥ وآخِر ٢٠١٠، كنتُ أعيشها؛ وكان اختراع قرين في ذاته جانباً من عيشها حتى وأنا لم أنتبه بعد إلى مدى اتصالها بما يحدث في الشأن العام ولا إلى أن ما يحدث في الشأن العام قد يكون تَحوُّلاً. سنة ٢٠٠٥، فجأة، عدتُ إلى الكتابة بالعربية إثر أولى زياراتي لبيروت، والتي تزامنت مع “ثورة الأرز” في عز انتصارها: انسحاب القوات السورية أخيراً من لبنان… وفيما بدا أنه تصالح كاتب “ما بعد تسعيني” مع فكرة إدراج الأمور السياسية في الأدب – فعند التسعينيين أن “الأيديولوجيا”، عملياً، حرام – كان التحول باتجاه البلوتقراطية البذيئة لحكم “جمال مبارك” قد بدأ يظهر عبر صياغة الواقع عن طريق مقارنة بيروت بالقاهرة في سياق أدبي كما في الواقع. (بالبلوتقراطية أقصد: حكم الأغنياء؛ وبذاءتها في عهد “لجنة سياسات” الحزب الوطني راجعة إلى أنهم أغنياء حروب لم تقم، ورثة الاشتراكية والقومية من “فهلوية” الجشع والسلام المحوَّطين لهم عقود بِرياء “فلاحي” مُقيّئ لعله أقنعهم أنهم يتفضلون على الوطن فعلاً أو أنهم، في مجلسهم، فعلاً يمثّلون الشعب. كانت بلوتقراطيتهم، على طرف النقيض من نموذج الليبرالية الرأسمالية الذي يدّعون التطلع إليه، تعتمد على دولة الطوارئ القائمة منذ زعم عبد الناصر أنه سيحرّر فلسطين ويجابه الاستعمار ويوحّد الأقطار العربية.) أذكر أن أكثر ما كان ينفرني في القاهرة بينما أكتشف بيروت ثم تونس عبر الكتابة عنهما هو سفالة الإنسان الفرد والتي اتخذت من التوريث وكذبة “النمو الاقتصادي في ظل الاستقرار” – الكسب غير المشروع على نحو مقنن، شرط الثبات وتجنّب المخاطرة – اتخذت منهما أماثل للنشاط الإنساني حتى في الإسلام السياسي (حيث تحول التيار “الجهادي” إجمالاً إلى تيار “سلفي” أقبح)، والحقيقة التي لا تُذكر أنه لا محتوى للخطاب ولا إنتاج؛ حتى لو وُجد عمل، وهو أمر نادر، لا مقاييس للجودة أو ضمير. لا إنتاج.

وسعياً إلى استشراف مخرج، كانت قد اكتملت الطغرى. كان لابد من حدوث شيء، لكن ربما – مثل ثورة الأرز – كان لابد أن يكون، في التحليل الأخير، بلا جدوى. أواخر ٢٠١٠، قبل الأحداث مباشرة، قال لي صديق شاعر إن الثقافة العربية “عَرَض” أكثر منها حقيقة، يقصد الثقافة بمعى الفن والأدب إلخ، وأوصلنا الأخذ والرد إلى أن الموجود في المجالات كلها فضلاً عن مجالنا نحن، حيث يفترض أن يكون هناك أفراد يبحثون عن حقيقة (أخلاقية أو اجتماعية أو سياسية أو حتى مهنية)، بأوسع وأبسط معاني البحث عن الحقيقة، أوصلنا الحديث إلى أن الموجود هو “جماعة صِيّع”، أو “شلّة واقفة على الناصية واللي معانا يتكلم زينا”. الآن فقط يذكرني حديثنا بما كنا نتندر به أنا وراشد جلال السيوطي قبل أن يهاجر، من أن الحياة في مصر عبارة عن أوضاع ومناظر… وهو التعبير الذي تمدد معناه وتكاثر منذ ابتدعناه سخرية من عنوان كتاب رأيناه صدفة على أحد أرصفة “باب الدنيا” كما يسمي مصطفى وسط البلد: “شخصيات ومواقف”. منذ ١١ فبراير وأنا أتابع، فضلاً عن العبث واللغط والكذب، ردود أفعال “النخب” حيال الأحداث ومبرراتها المفترضة: الآراء والرؤى. أظن أنني وصديقَي، بينما لم نكن على حق حين لم نتوقع أن يحدث شيء في المستقبل المنظور، كنا على حق تماماً في تصورنا غير المعلن عن ما يمكن أن يفضي إليه شيء حدث.

wpid-img_2166-2011-10-4-20-11.jpg