تهامة الجندي عن التماسيح

رواية «التماسيح» ليوسف رخا: جاءت الثورة كقطار أخير وتركتنا على رصيف المحطة

wpid-img_4689-2013-04-1-01-36.jpg

«بعد عشرة أعوام أو أكثر – بينما حزب النور السلفي وحزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين يربحان الانتخابات التي بدأت، والأمن لا يزال يقتل وينهب في الشوارع، وفيالق الشرطة العسكرية من قواتنا المسلحة تسحل المتظاهرين وتجردهم من ملابسهم وتميتهم ضرباً، ثم تجر الجثث إلى أكوام الزبالة فضلاً عن قنصهم وتعذيبهم داخل المنشآت العامة – أصبحتُ أعرف أن الشر يبدأ من حيث يتصور الإنسان أنه بمعرفة أو عقيدة أو هوية، يمكنه أن يغيّر مجرى حياة سقطت على كتفه مثل حقيبة» (ص179).

Continue reading

عمر الباز: #نشتاء

تصبحون على وتن حر و شعب واعى #نشتاء

ولع شمروخ- ينشر حرية -(حاجة) زلام- يسقط نيزام #أرتراس

البحترية فى تنسيق مواطن السماحة فى ثوابت الأشياء التى لا تتقهقر بفعل الثورة و يتنامى عنها سلطة مرمرية تنام على افخاذ العذارى فى كوبا و يتشكل حولها عدة منمنمات مخملية تنساب فى جوارح الشعوب و يتجمع دمامل حول التنظيمات المستقرة دوريا و تتنامى هذه الظاهرة إلى التنظميات التى تسعى إلى سأسأة العمال فى مية الطحينة

Continue reading

عن الأناركية والعدمية ومقالات الرأي وحاجات تانية جميلة: تدوينة اعترافات

(١)

عندما أقرأ مقالات معارفي الذين يواظبون على النشر في الصحف المصرية ينتابني الشعور بأن بيني وبين الواقع الذي يتكلمون عنه فيلتر تلت مراحل، كأن المسافة من عندي إلى المجتمع عبارة عن “نو مانز لاند” بثلاث نقاط تفتيش.

وأحس أن معارفي من كتاب الرأي الشباب هؤلاء على تفاوت مهاراتهم ورؤاهم معلقون في نقطة التفتيش الثانية أو طافون في المرحلة المتوسطة من الفيلتر – يعني حتى هم بينهم وبين الواقع مرحلة – لكن يكون بيني وبينهم أيضاً نفس المسافة، الأمر الذي يضاعف من إحساسي بأني في المكان/الزمن الخطأ.

دائماً يبدو الكلام أكثر بديهية من أن تُكتب عنه مقالات في الجرايد، فيكون هناك إحساس بأن الكتاب مضطرون إلى تضييع وقتهم من أجل الاشتباك مع واقع وسخ. ويكون هناك شك في أنهم إذا وُجدوا في واقع أنظف لن يجدوا ما يقولونه.

Continue reading

دجاجة تجلس على بيضاتها: مشهد من الأسد على حق

رأيت في ما يرى المخبول باولو ونايف يرتدي كل منهما بذلة داكنة وربطة عنق أنيقة وقد جلسا إلى طرفي مائدة بيضاوية تشغل الحيز الأكبر من مستطيل يومض، أحدهما في مواجهة الآخر؛ يقلّبان أوراقاً لا تكاد تُسمَع خربشاتها من وراء. وفي منتصف المائدة، مواجهاً إياي، كان فيصل القاسم مقدم برنامج “الاتجاه المعاكس” على قناة الجزيرة مثل دجاجة ترقد على بيضاتها، هيكله أشبه بمثلث مقلوب وهو ينقل ثقله من كتف إلى كتف تباعاً ويلوّح بذراعيه إذ يخطب بتأنٍ فيما تبقى ملامح وجهه ثابتة. وكان باولو ونايف يصغيان ولو تظاهرا بالالتهاء في تصفح الأوراق صابرين على دورهما في الحديث.

Continue reading

بيت أروى: مهاب نصر عن الصدق والثورة

ليس أخطر ما أنتجته ثورة يوليو (أو انقلاب يوليو) هو ما يسمى بـ”حكم العسكر”، بل في كونها مثلت أو تسببت بوضوح في إحداث شرخ واسع في الضمير المصري. لأنها أولا أول سلطة “مصرية” تحتكر الحكم بلا منازع (فلا ملك ولا إنجليز)، ومن ثم فقد كانت تمهيدا لمواجهة الشعب لذاته وإن استغرقت هذه المواجهة عقودا خصيلتها ما يحدث الآن. ولأن هذه السلطة لم تحتكر الحكم باعتبارها سلطة منتخبة بل استثنائية، وهو ما جعل فكرة “الاستثناء” تتحول إلى قاعدة سياسية بشكل متناقض تماما مع طبيعتها. وهي ثالثا احتكرت تمثيل الضمير العام (المبرر  لهذه الاستثنائية) وبالتالي وضعت نفسها أمام شرط مستحيل وزائف.

Continue reading

هاني درويش: ميكانيزمات التفليل اليساري

wpid-img_8242-2012-12-14-20-50.jpg

للثورة خيارات أخري

بيان صاغه مجموعة من الناشطين والمسيسين في اللحظة التي تحتدم فيها معركة واسعة المجال ضد سلطة الاسلام السياسي الفاشي واليمين بامتياز

فماذا يقدم هذا البيان من خيارات او منطلقات لنحت موقف مختلف عما يجري في الشارع؟

الحقيقة ان المقدمة الرافضة لمجمل انفراد التيار الاسلامي واستبداده الوحشي تنطلق من نفس المقدمات التي ترفعها “جبهة الانقاذ الوطني” لكن محاولة القفز خارج مركبها ونحت مسار مختلق تبدو جلية

فالنتأمل سويا الفقرة الثالثة التي تقفز قفزا فوق الواقع ونصها كالتالي

“ورغم رفضنا لديكتاتورية جديدة في مصر إلا أننا نرى أن معركتنا لا ينبغي أن تصب أبدا في مصلحة قوى النظام السابق الذين يعارضون الرئاسة الحالية من مواقع معادية للثورة والثوريين. كذلك فإننا نرفض رفضا باتا تدخل المؤسسة العسكرية، في الشؤون السياسية بأي وسيلة من الوسائل.”

السؤال هنا من هي القوي المجيشة للثورة المضادة التي اخترقتنا (اخترقت جبهة الانقاذ في ضمير الكلمة) لتعارض الاخوان من موقع اعادة النظام السابق

 بسؤال بعض موقعي البيان كشفوا عن اسماء هي كالتالي: عمرو موسي ، سامح عاشور، السيد البدوي

ولمراجعة موقع هذه الاسماء او مايمثلنوها من تيارات سياسية لها الفعل الحقيقي في المشهد السياسي سنجد التالي

عمرو موسي ومحاولة تفليله هو ميكانيزم اخترعه منذ البداية الاخوان في لحظة التمهيد للرئاسة، وكانت اللحظة ايضا تراهن علي منافسته لسيئ الذكر ابو الفتوح

المدهش هو استسلامنا لتفليل شخص كان موظفا كبيرا في النظام السابق دون أي سند اقتصادي او اجتماعي آو سياسي مباشر، الا شخصه ودوره في ملفات خارجية لم يكن فيها هو المتحكم الحقيقي، فعمرو موسي لم يعرف عنه فسادا ماليا او ترابطا مصالحيا بشبكة النظام السابق المعروفة والمستقرة

كما لم يعرف عنه ظهير عميق كالمخابرات التي لو شاءت لآنجحته كما تخيل المخيال الثوري البكر في تلك اللحظة

الفلول الحقيقيون مولوا منذ اللحظة الاولي وساندوا بفجاجة احمد شفيق ، يمكن مراجعة تاريخ حملته التمويلية وصفحاته الداعمة، فتفليل عمرو موسي في الوعي الثوري كان موازيا لخدعة تثوير ابو الفتوح ، او افتراض عقلانية لشرائح الطبقة الوسطي الاسلامية ستدفعهم لما يمثله الاخير من كجولة اسلامية

الاخوان بالفعل هندسوا المخيلة الاولي ودفعونا دفعا لتفليل موسي وتحكيم برجماتية ابو الفتوح الافتراضية

المدهش أن الخيازات الجذرية للشعب المصري والتي وجهت صفعة لمنظري الاستقطاب الاولي لم تدفع هؤلاء لمراجعة نفسهم قيد انملة

بقي ابو الفتوح بملايين السلفية الثلاثة ثوريا وعمرو موسي بمليونه فلوليا

من اللحظة التي خرج فيها موسي من السباق السياسي ، هل يملك من يفللونه قرينة علي علاقته بالنظام السابق او فلوله؟

موقف سالف الذكر من الجمعية التأسيسية للدستور مسجل في ورقة من ١٥ نقطة باعتراضاته علي مسودة الدستور ، ومنها تركز السلطات الرئاسية وعدم استقلال السلطات ، وميل الدستور إلي فقدان مدنية الدولة بشكلها لديني والعسكري

لست هنا في مجال الدفاع عن عمرو موسي ، لكن السؤال سيبقي بأي معيار يمكن احتساب حزبه المسمي بالمؤتمر جزءا حقيقيا من حالة الاحتشاد العملية لقوي وتيارات كبري داخل جبهة الانقاذ؟ هل هو في حجم مساهمة التيار الشعبي أو الدستور أو الحزب الديمقراطي أو التحالف؟

هل يمكن تلويث جبهة وطنية واسعة ذات برنامج ديمقراطي مقاوم للاستبداد الديني السياسي بالوجود السياسي لعمرو موسي ؟

المستفز في هذا الموقف فعلا هو تحويل التفليل إلي تهمة لا زمنية ووصمة غير قابلة للتصحيح عبر المسار السياسي المضطرم بتحولات أكثر دراماتيكية لقوي أخري

الملفت أن يتم تبرير بلادة ولا حدية أو قطعية موقف مثل موقف حزب مصر القوية في حين يجري الصاق وصمة الفلولية المعلبة لموسي

الفلولي الحق في اعتبار هذا النوت نوعان:

الاول كل من مارس تدخلا سياسيا بالقرار أو بالعلاقات المباشرة او غير المباشرة لحماية نظام مبارك، هناك من دافع عنه مثلا حتي الرمق الاخير وهو رابض في احضان جماعته كآبو الفتوح حين قبل في تسجيل مصور مع الجزيرة وكان الناس لازالوا في الميدان بتقصير المواجهات عبر أختياز ملك الفلول أحمد شفيق رئيسا للوزراء

هناك من نقل ولاءاته بالازاحة من مبارك إلي مجلسه العسكري إلي اخوانه في دفاع عن موقع التسلط اينما كان ولحساب من كان

في هذا الاطار لعبت شخصيات عدت منتمية للجسد السياسي القديم والذي لايمكن وصمه فقط بالمدنية أو العلمانية بل بالرجعي الخادم للسلطة أدوارا في تبريرالتسلط

هذه الشخصيات لا تعبر عن تيار سياسي واضح، لو تحدثنا عن وفد السلمي والبدوي فلايمكن ان نتحدث عن خيانة تمت للثورة من قبلهم، هم اكسسوار تاريخي للتسلط غير مرتبط بطبقات اجتماعية او جماهير او شرائح مجتمعية، وحتي في اطار تأمل هذا الغثاء السياسي هل يمكن تفليل هؤلاء وترك فلولية الاخوان المتأصلة في كل مفاصل الثورة

دعم مبارك ببيان النصحية يوم ٢٤ يناير

الجري للقاء عمر سليمان والانسحاب من الميدان

الموافقة يوما بيوم علي تراجعات النظام كسقف آعلي

اختراع الاستقطاب يوم ١٢ مارس في تصريح العريان الاول السارق للثورة بوصفها ثورة اسلامية

المساهمة في انتاج التعديلات الدستورية واعادة تسميم خيال الثورة بالشعارات الطائفية

ثم > ثم > ثم

هل يمكن مسح الفلولية الاخوانية الاصيلة عبر الخطاب والممارسة الواضحة وتحميل فشل الثورة أو ضياع خياراتها علي تهاني الجبالي واحمد الزند وسامح عاشور؟

المصيبة الكبري أن دعم هذا التصور يأتي في مفارقة صادمة مع مسحه بفرشاة الخوف من تدخل الجيش

هنا يتحول الكذب إلي صنو عبادة في التحليل السياسي؟ أي جيش هذا الذي يتحدث البيان عن عودته أو عن اشواق سياسية مضمرة نحوه، الجيش الذي صفي الثورة بتحالفه مع الاخوان؟ الجيش المعينة كل قياداته الجديدة علي قسم بالمصحف في مكتب الارشاد؟ الجيش الذي حمي التأسيسية بالحضور ومكاسب مجلس امن قومي وسرية الحسابات وتأبيد عسكرة وزير دفاعه؟ أم الجيش المحتفي بمنحة مرسي في الضبطية القضائية؟

الكذب الفارغ من المضمون هو اعتبار تقبيل بعض متظاهري الاتحادية لضباط علي دبابات الحرس الجمهوري معيارا لشوق الجماهير أو استعداد الجيش للتدخل ضد الاخوان

الكلبية السياسية التي تنبح بإختراع خلاف بين العسكر والاخوان لمصلحة ضرب التحالف السياسي ضد الاخوان الان، لا تتجاوز حدود العقل السياسي بل تتتعدي تصورات جنونه

ان التهويم الفارغ بالعسكر للجري واحتضان الاخوان يبين كيف استطاع الاخوان تنويم قطاع يساري محترم تنويما مغناطيسيا لدرجة تصديق الدعاية الرخيصة التي يصدرها الاخوان عن مؤامرات تحاك ضدهم

مندهشون انتم من حجم الجماهير الكنباوية في مظاهرات الاتحادية، علموهم وارفعوا وعيهم بالقضية من منطقة كره الاخوان إلي منطقة العداء للتسلط، لكن ان تجروا من أمام الجماهير وتتحرروا من عبء مناقشتهم بتسكينهم هم الاخرون مسكن الفلولية لهو جبن اصيل

أن تعيدوا أختراع الاستقطاب لتفتيت حراك جماهيري جبهوي واسع يدخل شهره الاول> فيما آعدائكم يقتلون من الجميع ويبتزون الجميع ويحتقرون الجميع  لهو سلوك طابور خامس منظم ، يكاد ان يصيبه الفزع كلما شاهد جماهيرا، مدمنا وضعه الاقلوي النقاوي الكاذب

اعزائي : لدي اعلان مهم

الثورة بمنطق ٢٥ يناير وحساباتها انتهت

الثورة المشكلة الان هي المسار الطبيعي لاعادة الفرز العنيف في مواقع كل القوي السياسية

النضال والحراك الجماهيري هو جولة لآبطاء الانقضاض السريع الذي يمثله الاسلام السياسي علي ثورتكم التي لم تفهموا منها حرفا واحدا

ثورة لا طبقية . ثورة حقوق مدنية واجتماعية، ثورة حساسيتها الغالبة هي مقاومة الاستبداد

انتظروا عمالكم وفقراءكم المتوهمين في نهاية الطابور

لكن ارحمونا من تضليل الخيارات الاخري

لانها خيارات رخيصة لا تعترف بتاريخ الثورة القريب ، ولا تحمل من اليسارية حتي قيمتها الاهم:تحرر البشر من ربقة الاكاذيب

هاني درويش

قرارات مرسي الأخيرة: إعلان موقف

wpid-img_0822-2012-11-23-04-11.jpg

“حماية الثورة”… قل ما تشاء يا رفيق: أنا فعلاً نادم على مشاركتي في الحماقة الكبرى التي تسمونها الثورة، ولم أشعر مثل اليوم بضآلتي ولا جداوي أنا وكل ما يمكن أن أمثله. كل ما في الأمر أنني تصورت خطأ أنني أعيش في مجتمع يمكن أن يدافع عن مصالحه، أو يعني مجتمع له طليعة تعرف تلك المصالح أو ترى أبعد قليلاً من بشاعة القمع اللحظي وأخلاقية الشعار. قاطعت الانتخابات البرلمانية وقاطعت انتخابات الرئاسة، وحاولت على مدى سنتين أن أستفز المعنيين لأذكرهم إلى أين نحن ذاهبون… الآن أحس أننا قد وصلنا، ولم أعد متأكداً من أن مصر ليست سوريا، ولا أشعر أن عندي أي شيء أقدمه. ليسقط الإسلام السياسي وليسقط التدين الذي أنتجه؛ لتسقط أكذوبة القومية العربية ومزحة التحرر الوطني؛ لتسقط ترهات النهضة ودعارات المقاومة؛ ليسقط الفساد والاستبداد… ولكن ليسقط كل من ساهم ولو بنفس شارد في ركوب شعوب وأوطان بأسرها على هذه الوحوش الورقية ومن ثم وصولنا إلى هنا. نحن يا رفيق لا نستحق الحياة.

Alfred Infrared with Jimmy “Lens”-لا يعنيني

الحقيقة التي أكتشفها أنني لا يعنيني الأمر من قريب أو بعيد؛ لا تعنيني السيادة الوطنية ولا النصر الإلهي ولا الهوية القومية أو الطائفية ولا الحق في تقرير المصير، ولا تعنيني العقائد التي تجعل الناس أغبياء ومملين وتبرر المظالم والمجازر، سماوية أكانت هذه العقائد أو أرضية. الذي يعنيني – والذي شاركت في “الثورة” من أجله وارتددت عنها من أجله أيضاً – شيء أبسط وأعقد في الوقت نفسه هو وجود مساحة آمنة نسبياً من الناحية المادية وخطيرة نسبياً من الناحية المعنوية تمكنني من ممارسة الاتصال الإنساني بما تستلزمه المعرفة من إبداع ومن ثم التطور: خلق علاقات وأشياء لم تكن موجودة من قبل (وهو ما فعلته الديانات والثورات كلها لحظة بزوغها أو هكذا نفترض). لن يفرق على الإطلاق تحت أي مسمى، بأي انتماء قسري أو لون بشرة أو افتراضات ثقافية أو حتى بأي لغة تتوفر هذه المساحة

Hipstamatic’s Claunch 72 “film” ☯ فيديو موظف الأرشيف – تحديثات الحالة

 

.

مصر
من أروع نتائج الزواج الاقتصادي بين الرأسمالية العالمية والإسلام السياسي وأكثرها إذهالاً على الإطلاق (في السياق المصري المعاصر): الحجاب حرية شخصية… الحجاب حرية شخصية و”أدعياء التحرر” ما لهمش الحق يتدخلوا فيه، بس السفور مش حرية شخصية، والرأي والعقيدة مش حرية شخصية، والمشي في الشارع في أمان مش حرية شخصية، والولاء غير الطائفي مش حرية شخصية… “وأبناء الأمة” دايماً ليهم الحق يتدخلوا فيه ويكفروا اللي مش عاجبهم بكل معاني التكفير (وده خطاب “نخبة” برضه عادي، وناس متعلمين و”أصحاب فكر” وكده)
.

سوريا
كيف ومتى أصبح كل ما هو ضد الإسلام السياسي السني معاد للربيع العربي ومناصر للنظام الذي قامت ضده الثورة السورية؟ بأي منطق تحولت آلاف التحالفات والعداءات العلمانية والدينية والرأسمالية واليسارية بكل تعقيداتها إلى طائفة هي الأمة وكل ما عداها – وأوله الإسلام السياسي الشيعي – عدو الأمة؟ هل مشكلة “الطغيان الأسدي” حقاً أنه علوي؟ هل لم تكن الدولة الصفوية مسلمة العقيدة؟ هل لم تمارس الأغلبية السنية في المنطقة على أصحاب العقائد الأخرى طغياناً قذراً طوال قرون؟ وهل لم تكن الأقليات هي الرئة الثقافية التي تتنفس من خلالها مجتمعات تخنقها “الشريعة”؟ هل كانت شيعة علي عشية الفتنة الكبرى أقل عروبة أو إسلاماً من بني أمية أو حتى الخوارج؟ هل قدمت حماس للقضية الفلسطينية أكثر مما قدم حزب الله وهل قدم أيهما أكثر مما قدمت منظمة التحرير “العلمانية”؟ وهل ما يوحّد الأقليات السورية حقاً هو الحقد المجاني على “الإسلام”؟ من أين وإلى متى، إلى متى؟
.

مصر
المؤلم في اللي بيحصل مش اللي بيحصل في حد ذاته – إن واحد كان شغال مع أمن الدولة يطلع يقول لك نعمل قانون يسقط الجنسية عن المسيئين مثلاً ويتاخد بجد، بينما فيه أطفال بتتحبس وأهالي بتتهجر لأسباب طائفية بمباركة القانون ودولته والناس كلها تعبانة اقتصادياً أكتر وأكتر؛ أو إن مهرجان حيتعمل في مكان عام يتلغي لدواعي أمنية، بينما جريدة زي أخبار الأدب بيتكتب فيها مديح في النبي محمد على لسان كارل ماركس واللي بيسموا نفسهم مثقفين في إفلاس مضطرد فكرياً واجتماعياً – لكن إن ناس بيتكلموا عن ثورة حقوق وحريات وعن حركة إبداع جماعي في الفضاء العام يكونوا سمحوا باللي بيحصل ده وشجعوا عليه ومهدوله الطريق وبعدين شافوه بيحصل ولسه برضه ما سكتوش، هو ده المؤلم؛ أو إن اللي بيحصل بأي حجة سماوية أو أرضية يتقدم باعتباره الاختيار السياسي المنحاز للشعب. المؤلم كمان إن المسار الديمقراطي في وجود ناس ده آخرهم مش هيفرز غير منده. لكن أكتر حاجة مؤلمة على الإطلاق هي إن دي الإرادة الوطنية فعلاً سواء اتسمت قومية أو إسلامية أو أي حاجة تانية: إن الأطفال تتحبس، والمهرجانات تتلغي، والمسيء تسقط عنه الجنسية

نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي

قصائد اللغة الجديدة

wpid-262965676342777938_6860517-2012-08-24-18-47.jpeg

ما أطول “الزراعي”

دون أن نصوم (في العشر الأواخر) تركنا طنطا عبر شارع البورصة

قلنا منطقة تجارية أكيد فاضية—نصف ساعة زحف وسط أكداس المتسوقين

عرق البروليتاريا يمطرنا والسيارة تخرم عجين اللحمة واللحى والقماش

وعيون المتخمين لِتَوّهِم تطالعنا بكراهية الرعاع لنبلاء الباستيل

ظلمات ترشيد الكهرباء ونحن خندق محفور في المدافن نصرةً لإخوتنا في غزة

دعك من أن غزة الآن أبعد من أنتاركتيكا والإخوة نفسهم يسبون الدين

من هنا حتى قويسنا بهائم الأسفلت بالكاد تتفادى الحفاة والحمير وهكذا

؎

على هذه الأرض – جارية الأرض – لا شيء يستحق الحياة

أم العائشين أم الميتين تصدّرين القفا للصفع أملاً في لقمة طرية

وسواء أتغير لفظه أو استمر ضمن الذل المستحب يظل اسمك مسبة

؎

تخوم قليوب تبشر بالوصول لم يعلمنا أحد بأي عَطَلَة في السكة

كان قتلة المتظاهرين – الأهالي – سدوا الطريق مرة أخرى احتجاجاً

وبينما نلتحق بصف الهاربين إلى المدقات الجانبية حيث الفجاج والحجارة

تذكرتُ كيف قلبنا الدنيا بالرقاد على التراب ولأنهم يقتلوننا صدقنا أننا نضحي

لغاية ما تحقق مطلبنا العبيط رجعنا بيوتنا ليحلّوا محلنا هم نفسهم

وهكذا مكّنا العصابة الأولى من تسليم البضاعة للعصابة الثانية حين متنا

بلا كبير جهد تغوطنا اللحظة اعتلينا النخلة وأغوتنا العينان الخلابتان ولكن

؎

كيف لعينيك أن تكونا غابتي نخيل وهما على هذا القدر من البجاحة

وكل عام لا يعشب الثرى ولا نجوع ما مر عام وجعنا بما يكفي لنسعى

نحن الغربان تشبع والجراد يعوي على تطلعات ستبقى أسطورية

؎

كانت المدقات مشرشرة بالحفر والمياه مركبات صناعية معطلة في العتمة

موكب مناوري “الهايواي” مثل ثعبان خرافي طالع نازل فوق جرف

ورغم وجود متفرجين من أهل المصانع على الجانبين فكرتُ أننا في مجاهل

هذا الذي نخوض فيه ببطء فيل كليم هو ما أزحنا عنه الحجر يوم ثرنا

خندق نبلنا محفوف بالأهالي رعاع حاقدون ومحتجون قتلة ولا باستيل

هل كانت الشعوب تثور دائماً قبل أن تتوفر لها الخدمات الأساسية

بلا طريق لا يعترضه المحرومون من الكهرباء هل نعمل ثورة أم نمثّل فالآن

؎

احترق المسرح من أركانه للمرة الألف لكنكم أنتم يا حبيبي الممثلون

لم تكن فلسطين لكم لأنكم أولاد قحبة من قبل أن تفقدوها

لم تصلحوا لشيء إلا التجول بين صفوف المتفرجين لتنادوا: كاكولا-بيبس

؎

الرحلة تستغرق ساعة خمس ساعات حتى يلوح “المحور” مخضّباً بالمشاة

وكأنه عذاب القبر نعيش من أول وجديد عاماً ونصف أو عامين من إحباطاتنا

فقدنا الأمل ليس في الثورة فقط ولكن في المستقبل أيضاً في النشطاء السياسيين

ولا عزاء للمدفونين حولنا لراشفي الشاي على شط هذه البركة للعميان بفعل فاعل

لا عزاء لنا نحن أيضاً يوم نُقتل أو نُحتَجَز ها هنا في المجاري الرطبة نستنبح

حتى الغضب يتفثأ حيث حر الليل وأخبار انهيار محدّق في الركن الخلفي للدماغ

كل التفاصيل التي يناقشها الأصدقاء تغدو ذباباً يئز ويغبّش البربريز فعلاً

؎

الناس في بلادي جارحون ولكن كعقارب غير سامة ليس عندهم غناء

حشرات منزلية في مطابخ الإنسان يعملون أي شيء من أجل قبضتي نقود

وطيبون في التسول أغبياء في إيمانهم بأن القَدَر فقط وساخة القرون

wpid-262961651832592421_6860517-2012-08-24-18-47.jpeg

الأنبياء: رسالة نايف إلى مون*


إلى مهاب نصر

كان وقحاً بمنتهى الأدب يا مون؛


بمنتهى الدماثة، كان سافلاً


وهو يرص بذاءاتي صفاً على الحائط

ليضربها واحدة واحدة بالرصاص.

كان أحقر من كلاب السكك


وهو يحبس “الشخرة” في حلقي


قائلاً إن في كلمة “أحَّه” تبسيطاً مخلاً.


وعبر شبابيك غرف “مكمكمة” 
أضيق من أن تستوعب صراخك -


هل تذكرين فرحة الاشتمام الأول؟ 
هل تعرفين معنى الالتحام؟ -


كنت أتحاشى وجوهاً اقترنت قسماتها بالفساء


وأقيء لمشهد الكاتب المصري


متربعاً في خرائه.

؎

يوم بصقتُ في وجه محمود درويش،

حملوني في السيارة – وكنت معصوب العينين -

إلى نقطة بعيدة على طريق الواحات.


لم يذهب السواد حتى تأكدوا

أن لا شيء هناك سوى الحجر الأبيض.


وأجبروني أن أصلّي بهم في العراء


قبل أن يصمني الأذان بأنكر الأصوات


من مكبر صوت مختبئ في مكان ما.

ساعتها فقط 
اكتشفت أنني في حي عشوائي،

وأجمل جميلات “هوليود” وراء النقاب

يهرولن إلى المسجد من جنبي.

قال لي الخارج لتوه من السجن الحربي:

“العلق كان نفع نفسه”!

؎


أمس عبر ستائر الأخبار والافتتاحيات -

ذلك “الساتان” المنقوش برسم كالذباب -


لمحت شاباً مُستَأجراً في سمته كل الدلائل


سوى أنه ملتح و”الزبيبة” في قورته
”يتقصّع” بصحبة اثنين عاديين؛


شاهدتهم يستمنون معاً بـ”فُجر” راقصة درجة ثالثة

وهم يتحسسون رأس عجل آخر مهمهمين بروعته.

في اليوم التالي كان علي أن أسافر.


قعدتُ أكتب لك والجدران مشرعة على سطح المكتب -


نقرة واحدة ويهطل “البيضان” -

لكنني رجعت تذكرت أن ملاكاً وسط السديم


يحتاج “حنيّتي”،
وقفزت من أوسع نافذة في البيت

فاتحاً جناحي للتراب الساكن.

؎


لا يا مون، لم أقع؛

حلّقتُ إلى سجادة ومخدتين.

كانوا يتكلمون عن الوسطية والاعتدال

لكن أصواتهم ظلت تبتعد حتى سكتت.


وعرفت أن الشعب الذي يحب الله


لن يخذل الفرحة كما فعل الواقف وراء الزجاج

يتحسس المشهد نفسه براحتيه
ويرتعد ما إن أومئ له أن تعال يا أخي،

يا صديقي؛ تعال نقلع “هدومنا” ونجري؛

ربما يتغير ترتيب الشواهد،

أو يصحو ميت ليخبرنا
بشيء جديد. يا أخي، يا صديقي،


كم نحن بحاجة إلى السباب.


وليس سوى دمعتين على ذقنه بلا كلام.

؎


جاءت العاصفة وكنا كبرنا على تعلّم نوع جديد من السباحة؛


الطريقة التي عمنا بها طول عمرنا لا تنفع مع هذه المياه.


وهكذا أيها الابن “الصايع” كان علينا أن نكتم شهادتنا

في اللحظة التي تحولنا فيها إلى مخلوقات ترى المستقبل.

*نايف ومون شخصيتان في رواية “التماسيح” (دار الساقي، ٢٠١٢) للمؤلف

wpid-262904804408826453_6860517-2012-08-24-18-47.jpeg

الثورة بجد

عن قصيدة “الأسد على حق” لألن جينسبرج:

“ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني”

أرجع من الإسكندرية عبر طنطا لأجد الثورة أسفل سريري

ومَثنيَّ الجذع على ضوء أبجورة الكومودينو، وجهي بمحاذاة المُلّة

أتبين الملايين تركض وتدافع عن نفسها بالحجارة، كل واحد عقب سيجارة لا يزال مشتعلاً

يرفعون لافتات كالطوابع ويحفرون شعارات أكبر من أجسادهم على الباركيه، أتسمّع هتافهم

؎

وكأس الفودكا الأخيرة لم تتبخر من جمجمتي منذ واحد سكندري لم يُعمَل في “رشدي”

عظمي المخمور يقرقع وأنا أغالب البكاء ممزِّقاً ملابسي في الشباك:

الثورة حصلت يا أولاد القحبة، الثورة حصلت بجد!

؎

وقد تركتُ حبيبتي في شارع بن الفارض عند بتاع المخلل تستقبل الفلول

مفتقداً لا الواحد ولا البحر، لا وجه أمها المترمل منذ ساعات ولا أباي الميت قبل عشر سنين

ولا خلف مقهى الأحمدية ولياً كان ذَكَرُه – ضمن الكرامات – أكبر من هراوات الشرطة العسكرية

بل أذني التي ابتلت في “الأظاريطة” لأن دموعها كانت تقطر من سماعة الموبايل

؎

ألطّخ ملابسي بالحبر الأحمر وأُسرع إلى العمل لأرقد على عتبة المدير

لم تكن الثورة مع الزملاء ولا في المترو ولا حتى في حناجر شهداءٍ يُبعَثون بلطجيةَ أمنٍ مركزي

هائماً في ملكوت سكك حديد مصر كيف لم أضبطها حتى هربتْ إلى غرفتي؟

؎

مضعضعاً بعدما نمت ليلتي في حمام المصلحة أوشوش عامل البوفيه: بلا ثورة، الحياة لا تُحتَمَل

هل تعرف أن ابن الفارض قال إن موت العاشق حياة والقتل أفضل من الهجر

المؤسف أنه كما أن لا تغيير بلا مذابح كذلك لا زمن بلا انتظار، هل تعرف الملائكة…

الملائكة؟ يسألني متهكماً وهو يتحسس صلعة كالجلمود ويطالعني بشفقة، يقرضني خمسة جنيه

؎

أسعى إلى إحدى اللبؤات أسداً يحمل كشكولاً لأخبرها بأن الثورة ليست في ميدان التحرير

ومحتسياً فرابيه من مؤخرة سموذي بعد ثالث دابل إسبريسو في أحد فروع سيلانترو

أزعق في كاتوليكي مراهق من فوق شاشة اللابتبوب: لا شيء اسمه الغيرة القضيبية!

؎

من الدقي إلى التحرير مرات عديدة صحبة شاعر شاب هو الآخر من طنطا

أتأكد من فشل الجهود حين لا ترد حبيبتي على الموبايل وهي ثكلى

وإذ جلس زيزو مع فتاة أردنية ليلة جاءني التليفون، هل كان مصابها المفاجئ عقد ارتباطنا؟

؎

عندما ترد أخيراً أقنع صاحبي الشاعر أن اعتصاماً بجد في غرفتي، ننطلق بلا سلاح

وزاحفاً ورائي على ركبتيه من جنب الكومودينو بشورته البرميودا كمندسّ يتلصّص

جموع المحتجين حول كعكة حجرية هي عبارة عن نعل قديم، مثلما كنا تماماً

الدبابات علب ثقاب والإف-١٦ كالدبابيس وغوغائيون سفلة، بين المُلّة والمرتبة قناصون بالليل

؎

نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي

أتخيل حبيبتي راكعة أمامي ببلوزتها السوداء، فجيعتنا الفردوسية وأنا أقذف في حلقها

وحين توقظنا أمي في الصباح لا أقاوم، أرى الخادمة ومكنستها الكهربائية عليها ختم النسر

أرى العَلَم يرفرف في أيدي مخلوقات فضائية وأعرف أننا لن نهزم إسرائيل

يغتاظ صاحبي والقذى في عينه حين يمتد خرطوم المكنسة تحت السرير

مع ظهور الخيش والصابون أمنعه عن الخادمة بصعوبة: لا فائدة من اغتصابها!

الآن ليس سوى صوت المكنسة وهو يبكي، لا دم ولا حديد يعود باركيه الغرفة نظيفاً وخالياً

وحيث كانت الدواوين على الرفوف زجاجات ديتول وبليدج، إسفنجات وخرق منمقة

فجأة يشهق سريري على صوت السرينة، تشتعل الملاءات وتنفجر المرتبة

يتفصد الكومودينو عن أسد هصور يزأر ويختفي صاحبي والكتابة على الحيطان:

سنوري حين يمارس الجنس يقذف كل عشرين دقيقة ولسانه أخشن من ورق الصنفرة

؎

أيتها الحبيبة المنتحبة يا مانحتي الأورجازم النهائي لقد انعقدت حياتانا بالموت

لقد رأيتُ الآتين والغادين قبّلت ذوي اللحى وجريت من شاهري السنجة على سلالم المترو

حملتُ “سيدي مجاهد” إلى ظلمة القبر لأُطمئن أباك ونعست مقرفصاً بين مقصورتين

لقد وجدتُك أسفل سريري وجيش أمي في الغرفة، سلّمت رقبتي لفم الأسد.

(هذه القصيدة تزامنت مع رواية “التماسيح” وترجمة قصيدة “جينزبرج” المتضمنة في الرواية)

***

wpid-262960712576931862_6860517-2012-08-24-18-47.jpeg

الخطاب السلفي والمحاكمات العسكرية هي ما تفتقت عنه دولة “الوسطية” و”الاحتكام إلى القانون”: تدوينة

wpid-403932_208997505893772_522692575_n-2012-08-14-00-02.jpg

(١)

يظل كل ما هو ضد الإسلام السياسي إيجابياً من الناحية النظرية – لأن “النهضة” المطروحة مشروع كارثة بأي مقياس – لكن، وكـ”قوى علمانية” (وضروري استخدام لفظة “علمانية” ضد “طائفية” الإسلام السياسي)، الواقع أننا لن نتقدم خطوة حتى ندرك أن الإخوان هم الامتداد المنطقي والصورة الأوضح لـ”النظام” الذي “أسقطناه” في فبراير ٢٠١١ (كما أن الخطاب السلفي والمحاكمات العسكرية هي بالضبط ما تفتقت عنه دولة “الوسطية” و”الوحدة الوطنية” و”الاحتكام إلى القانون”): في الانبطاح للنظام العالمي وفي الاقتصاد الإقصائي وفي الفساد الإداري وفي الاستبداد السياسي، “الإخوان والسلفيين” (كما سيتضح أكثر فأكثر مع مرور الوقت) ليسوا سوى “لجنة السياسات فرع المعاملات الإسلامية”. وبالتالي علينا أن ندرك أن من يستعين بالمجلس العسكري و”الفلول” على الإخوان (من يدافع عن ماسورة صرف صحي قناة “الفراعين” مثلاً) إنما يخدم مصالح الإسلام السياسي على المدى الطويل، لأنه يؤكد خلو المجتمع من أي بديل فعال سوى ما تمت الثورة عليه – ومن البديهي أن الحركة هنا في اتجاه واحد – بكل ما في “النظام البائد” من “استعباط” لم يكن الإسلام السياسي أصلاً إلا تنويعاً عليه. فمن يقول لا للإخوان عليه أولاً وبنفس الحدة أن يقول لا للمجتمع الذي أنتج الإخوان

(٢)

الناس ليه مش قادرة تتجاوز فكرة إن الإخوان في مقابل العسكر والعسكر في مقابل الإخوان (وكإن قبل ٢٥ يناير ما كانش فيه إرهاصات إسلامية، وكإن الفاشية العسكرية اللطيفة هي اللي هتحقق تطلعات الحقوق والحريات، أو كإن العاطفة الإسلامية مش متفشية داخل مؤسسات الدولة قد ما هي متفشية خارجها)؟ الإخوان عندهم مصالح وكذلك العسكر: الخلافات اللي “الثوار” بوسع طيازهم شاركوا فيها لصالح الإخوان مجرد تفاصيل إن ما كانتش تمثيليات، والقيم اللي بتعبر عنها قناة الفراعين هي نفسها القيم اللي خلت الإخوان بملحقاتهم هما البديل الوحيد للفاشية العسكرية الشغالة بقالها ستين سنة. لو ركزت على نتايج التطورات و”المواقف” هتكتشف قد إيه ثورتك كلها ما كانتش أكتر من مناورة سياسية لاستبدال شلة حاكمة بشلة شبهها هتحكم بنفس الطريقة وتعبر عن نفس القيم

ثمانية عشر

١٨

مرة أخرى أنوي الكتابة قبل الحدث فيأتي الحدث قبل الكتابة. لقد ابتعدتُ عنوة عن مواقع الكرامة والإثم، عن الاعتصام والمسيرة وعن أماكن التظاهر، حيث القمع الرسمي وأدواته غير الرسمية سواء أمِن المشتغلين في إمرة الضباط لقاء أجر أو المتطوعين تعلقاً بفكرة عن الوطن (كأكثر الأفكار العربية المعاصرة بما في ذلك “الإسلامي” منها) قادرة على إلغاء المواطن. ابتعدتُ عنوة عن دم القتيل الذي يُسمّى شهيداً، وعن الأسفلت الذي يصبغه هذا الدم. بنزق تنكّرتُ لبهجتي الأولي ونحيّتُ الأحداث لأبقيها حيث يجب أن تكون: في خلفية الغرفة التي نسميها حياتنا. كففتُ عن انتظار الأفضل بنفاد صبر ورغبة حارقة في أن أتغير – أنا – أو أفهم، على الأقل أن أفهم. لو كان العالم حقاً تغير كما اقتنعنا أو أقنعنا تطابق خيالنا لحظياً – وفجأة – مع وقائع لم نصدق من قبل أن حدوثها ممكن، فالمعنى الوحيد الوارد لتغير العالم هو أن أحس نفسي شخصاً جديداً. وبهذا المعنى – رغم تهمة التشاؤم التي لا يفتأ الرفاق يوجهونها إلي، رغم كل المصائب التي عايشتها في محيطها أو عبر وسائل الاتصال، ورغم أن رموز الثورة من “النشطاء” أنفسهم لا يبدو أنهم خرجوا من التجربة بنظرة مختلفة إلى الحياة – أظن الثورة نجحت في تغيير العالم.

wpid-img_2507-2012-05-2-09-33.jpg

© Youssef Rakha

أما الدليل إذا ذكرتُ الفهم صارت الصورة أوضح بالفعل، وصرت على استعداد أكبر لأن أصفها بأمانة… إنني، باستثناءات كأنها لم تحدث، لي عام أو أكثر لا “أنزل” مع “النازلين”؛ الأمر الذي لا يعبّر عن اليأس بقدر ما يضمر عزوفاً مقصوداً (حتى وإن كان في بداياته لاواعياً) عن الثورة كلحظة مصمتة، معزولة في قداستها، معادية للحياة؛ في مقابل الإقبال على الثورة كسبيل لممارسة أقل تأزماً للحياة نفسها بكل تفاهتها اليومية. إنه عزوف يحدوه السعي إلى اختبار ذلك الذي سميناه الثورة على مداه، بلا تدخل شخصي في مجرياته بعد لحظة خرق التوقعات التي أدت إلى سقوط مبارك – النجاح الأول و(إلى الآن) الأخير – يوم غرق ميدان التحرير في دموع الفرحة بينما كان كفار الثورة المعادون لنا طوال ثمانية عشر يوماً يخرجون صاخبين في أول إعلان رسمي عن إيمانهم، محتفين بما حققناه نحن آباء المؤمنين… بعبارة أخرى، أنا واحد من الناس لي عام أتفرج.

لكن على نقيض ما يعتقده أكثر الثوار بناء على كلامهم، أظن فرجتي هذه أهم من مواصلة النشاط الاحتجاجي في حد ذاتها؛ فبينما ذلك النشاط هو تكرار جماعي وقسري لشكل الثورة من أجل تأكيد استمرارها – ذلك الاستمرار الذي صَمّت آذاننا الدعوة إليه دون أن يتوقف الداعون لحظة ليسألونا أو أنفسهم عن معناه – الفرجة هي سؤال فردي وحر عن مضمون الثورة. لأن في الفرجة وحدها (وبكل نزقها ولا أخلاقيتها) احتمال النظر إلى الثورة وقد تجاوزت لحظة الخرق الأولى أو الموت: فورة التوهج والتوحد والذوبان التي نَحنّ إليها جميعاً. فهل انتبه الثوار أم ليس بعد إلى أن الوقت قد حان ليتحول خوفهم على الثورة من أن يسرقها “فلول” باتوا يشبهونهم حد التطابق إلى خوف على البلد من فقدان آخر الرتوش الخابية التي مكّنته، طوال ثلاثين أو ستين عاماً، من تمثيل دور دولة؟ هل لازالوا يظنون الخوف على البلد – كما ظنوه وأنا معهم قبل ثمانية عشر شهراً – هو الخيال العاجز لأمة مفطورة على تحجر الأشكال وتحلل المضامين؟

***

أم أنهم – هم: الثوار، وقد برزت إلى السطح حدود مثاليتهم ونوازع “الاسترجال” والاستبداد والانتقام (الذكورية والأحادية والعين بالعين) في منظومتهم القيمية… ثم افتقارهم هم إلى أي خيال يتجاوز الاعتصام والمسيرة وأماكن التظاهر – أم أن الثوار يتحولون إلى أوعية حجرية جديدة لا تحمل سوى شعارات ممجوجة ومعزولة عن واقع الناس سيكون على أجيال أخرى، وأخرى خوض معارك “ثقافية” لا نهاية لها لمحو أثرها عن العقول والممارسات؟ فلا شك أن انتصار الثورة كان هو الآخر شكلياً. بكل ما فيه من موت أو استشهاد لم يكن انتصارنا في الثورة – على الصعيد السياسي أو الاجتماعي – سوى حجة سفيهة لتمكين “التيار الإسلامي”.

لماذا؟

(هذا هو المهم.)

لأن ثورتنا كما صنعناها أو كما كنا نفهمها لم تعبر عن قيم ولا إمكانات ولا حتى رغبات أي شيء يمكننا أن نسميه شعبنا أو وطننا، فيما أثبتته ثمانية عشر شهراً الآن…

وبالفعل، كما أصبح خطاب الثوار متمحوراً كله حول الموت في الشوارع من أجل الحق والشعب والوطن في وقت خاصمهم فيه القطاع الغالب من الناس بحدة غير مسبوقة، موالياً الطائفية الدينية في أقذر تجلياتها وباحثاً عن الثبات واليقين – الحق – في كذب وقوة العصابة المسلحة (الطغمة العسكرية) نفسها التي تقمعهم وتسمح عبر الصفقات “السياسية” المعتادة بحضور تلك الطائفية على مسرح الأحداث، العصابة المسلحة التي لم يبق من أمارات “مؤسسية الدولة” سواها… أصبحت الثورة – مثل “النظام” من قبلها – شكلاً متحجراً ينطوي على مضمون سائل كالكحول الآخذة في التبخر.

وكان من شأن ذلك أن يضمحل “الواقع الثوري” ويُختزل في نشاط احتجاجي ما أجمل أن ينتهي بالموت ذبحاً كخرفان الضحية على يد “مدنيين” يحملون السيوف على قارعة الطريق. سنصور هؤلاء “الخونة” في خلسة من رصاص “جيشنا الباسل” لننشر صورهم على الإنترنت، بالطبع، ونطالب “شرفاء هذا الوطن” بملاحقتهم… ليثبت لنا الشرفاء مرة بعد مرة أنهم إما راضون عن ما فعلوا أو غير معنيين بما يكفي ليغامروا بحياتهم في غياب مجريات العدالة المؤسسية؛ وهل بيننا حقاً من يلومهم؟

كان الواقع الثورى ينعزل عن واقع “الفترة الانتقالية” أو “التحول الديمقراطي” السائد كذلك عن طريق الذوبان في ذلك الأخير. وكأن الثورة التي هي ثورة ليست سوى أحد الآراء “الوطنية” المطروحة التي لا “تختلف على الثوابت” ولا يُقبِل عليها الشعب – للأسف – نتيجة وعيه السياسي القاصر أو نتيجة أنه متدين وهناك من يتاجرون بالدين. أما الحقيقة البسيطة فهي أن الشعب لم يعش أي ثورة: لم تحدث للشعب ثورة، دعك من أن “يعملها” بيديه. ومع ذلك فنحن كثوار ورغم توجهاتنا الشعبوية ورغم الفاشستية السفيهة التي تستتبعها هذه التوجهات بل ورغم مثاليتنا الغبية… نحن “سياسيون” نؤمن بالديمقراطية، أليس كذلك؟

ومن ثم فالثورة لا تقاطع الانتخابات البرلمانية المقامة تحت الحكم العسكري بالتزامن مع تصفية الثوار في شارع محمد محمود، ولا يُطرح حق الدفاع (المسلح) عن النفس كوسيلة لـ”استكمالها” إلا بوصفه كسراً مذموماً لـ”سلمية” تُعد (إذا ما وُضعت حتمية الممارسات القمعية التي يباركها القطاع الغالب في الاعتبار) تصريحاً لـ”رجالة” و”جدعان” الثورة بالانتحار الممنهج؛ وبلا أي مردود لموتهم وفجيعة أهاليهم سوى المزيد من “الانتقال” والتأسلم، أو بضعة جنيهات يصرفها “المشير” تعويضاً مثل رب يمن على رعاياه… حتى حين لا يكون الدافع على الاعتصام إلا نقض القانون الذي قبلته الأغلبية الساحقة من أجل مرشح سياسي محتمل يرى فيه قطاع من الناس ليس فقط الزعيم (الطاغية) وإنما المسيح المخلص… وحتى حين يكون هذا الشخص السمين الجاهل، كما ثبت، كذاباً وجباناً. الآن صار الثوار يمثل بحثثهم في الشوارع من أجل حازم أبو إسماعيل.

***

إن ما حدث في محيط وزارة الدفاع اليوم (٢ مايو) إنما يبلور المسافة التي طالما حدستُ بوجودها بين واقع اعتصام الثمانية عشر يوماً في التحرير وواقع الحياة المحيطة به. كان الخطأ الأكبر أننا نسينا، خلال أيام الاعتصام؛ نسينا الدنيا التي نعرفها ومضينا في نسياننا حتى تصورنا أن الدنيا الجديدة التي خلقناها في “الميدان” (وبالفعل ما كان لنا أن نخلقها على الأرجح – للمفارقة – بغير حماية الجيش) إنما هي دنيا سيمكننا تعميمها وتقنينها خلال شهور أو سنين من تحقق “مطلبنا”. وفي بلد سبق أعضاء طبقتها العاملة ضباط الجيش إلى التبول على المعتصمين من فوق الكباري جراء استيائهم من تعطل “الحياة” – في بلد كان يُكلّف المجند فيها بالعمل خادماً لضابط الشرطة قبل أن يُكلّف بالتنكر لنحر المواطنين – ظننا أن اعتصام التحرير يمثل الشعب المصري أو أننا كـ”طليعة” قادرة على الفعل والتضحية سننشر الوعي الجديد بطرح نموذج جذاب ومتحضر وسلمي لقلب نظام الحكم، أو إسقاطه.

هناك واقع أقوى من واقع الثورة (كما كان هناك دائماً)، وهو واقع تحركه اللاعقلانية ولا خلاف فيه على منظومة الأخلاق المحافظة نفسها القائمة على الأحادية والطاعة والثبات؛ والتي جعلت خرتيتاً مثل مبارك هو “الأب الشرعي” لأكثر من ثمانين مليون معظمهم يعيشون خارج التاريخ. إنه الواقع القادر على نقض القوانين فعلياً بالتعامل كما لو لم تكن موجودة، وتوفير جنود غير نظاميين يقتلون الناس مقابل وجبة أو سيجارة فضلاً عن الجنود النظاميين الذين يقتلونهم لأنهم “ينفذون الأوامر” ولا يفهمون أصلاً معنى الاحتجاج. وفي هذا المعنى لا أظن هناك جدوى كبيرة للتفريق ما بين جنود النظام وبلطجيته و”الأهالي” الموالين له خوفاً أو جهلاً أو لأي سبب آخر: كلهم قادرون على التحول إلى ميليشيات سيجابهها المحتجون بميليشيات مثلها إذا ما استمروا في التصميم على الاحتجاج بلا هدف؛ وساعتها لن يبقى من الثورة حتى ذكراها… فهل تستفيد الثورة من أحداث العباسية؟

لقد راحت صدمة وطزاجة الفعل ولم يبق إلا ردود الفعل والانفعالات التي باتت جاهزة مثل تعبير وجه ممثل يؤدي المشهد نفسه على خشبة المسرح نفسها لليلة الألف. قد يكون الممثل بارعاً فينقل التعبير على نحو مقنع، إلا أنه يعلم كما يعلم المشاهد أن المسرحية مثلت من قبل بحذافيرها؛ وأنهما يحتاجان إلى مسرحية جديدة بخيال مغاير إذا ما أرادا أن يعيشا أو يواجها حقيقة الحياة.

شارع ابن الفارض – طنطا، ٢-٣ مايو

………………………………………

هكذا تكلم ابن الرقاصة

هكذا تكلم ابن الرقاصة (أو أموات منطقة الجزاء): ٢ فبراير ٢٠١٢

“نهاية العام: عام النهايات…” – سركون بولص

أن لا تكون من مشجعي كرة القدم في مصر كأن تكون ولد سفاح تقريباً. لقد حان وقت الاعتراف بأنني، كشخص لا يرى في كرة القدم سوى حجة باهظة للسَفَه الممنهج، ابن غير شرعي في هذا العالم. لكنني كما اتضح ابن غير شرعي ليس فقط لمجتمع واسع يستلزم الولاء الفطري لملاحم “المستطيل الأخضر” ومآثر “الساحرة المستديرة” دون أن يقبل الإنجاب بلا زواج، وإنما أيضاً لمجتمع ضيق تقيمه مسيرات واعتصامات واشتباكات لم أعد أشارك فيها وإن لم أفقد حماسي لها إجمالاً (فقدت حماسي بدرجات تتفاوت حدتها للاحتفالي منها بالذات، لـ”الملوينية” والعَلَم والمنصة ولـ”الميدان” المخترق بلا دماء، وهو ما قد يساء فهمه في السياق الثوري)؛ أي أنني – فيما يخص “الثورة” – بت أُجلّ تضحيات لست على استعداد شخصي لتقديمها، ليس لأن لها جدوى ولكن لأنها تضحيات.

وكما علّمتني جماعات “الألتراس” من أبناء “المجتمع الكروي” الشرعيين حد الحراك المنظم أن لذلك السفه الممنهج فائدة رغم كل شيء – أن تشجيع كرة القدم في بلد مسكون بالدونية والرعب إلى هذا الحد ربما كان المساحة الوحيدة الممكنة لاسترداد الفضاء العام بثورية براجماتية في مقابل الثورية المثالية التي تنتهي بصاحبها إلى ما يشبه الانتحار – علمني انطوائي وعزوفي عن الجموع والعنف غير المتكافئ أن مواصلة النشاط الاحتجاجي، داخل حدود “المجتمع الثوري” – الوحيد الذي يمكنني احترامه وسط مصر “كالايدوسكوبية” متعددة المجتمعات – أصبحتْ مثل تشجيع كرة القدم تماماً: شرطاً أصيلاً لشرعية وجودك أو حقك في الكلام؛ وحبذا لو استُشهدتَ أو فقدتَ بصرك لتؤطر بموتك أو عماك بشاعة الفريق المنافس، أو تبرر “الثورة” بلا حاجة إلى كلام.

.

تستثيرني في هذا السياق أسئلة صعبة ليس أولها احتقار الذات ولا آخرها احترام الحياة. الثورية نفسها تستثيرني، الثورية التي لا تنظر إلى نفسها بما يتيح رؤية عبثيتها، أو تُبطِن – مثل أدب “ألبير كامو” – كفراً بمعنى الحياة بل وجدوى تغييرها، التي لا تملك من الخيال أو الشجاعة ما يجعلها تتحول عن مسار أحادي ضيق مكرسة لنقيضها في الوقت ذاته. يستثيرني، مثلاً:

  • •أن القضية المطروحة حيال احتجاجات وزارة الداخلية التي اندلعت في أعقاب مجزرة تعرض لها “ألتراس أهلاوي” في ستاد بورسعيد هو ما إذا كان الألتراس أم غيرهم من يصرون على كسر “سلمية” الاحتجاجات بالاعتداء على المنشآت العامة (وكأن مباني “الدولة” أهم من أرواح المواطنين أو في صراع أونطولوجي معها، وكأننا لا نعرف أن فصائل من الداخلية والقوات المسلحة دبرت الاعتداء على المنشآت العامة من قبل لتوريط المتظاهرين)، أن دعاة “الاستقرار” من “مجتمع الكنبة” مازالوا يناصرون جهات كوزارة الداخلية لم يبق سوى أن تعلن عن أنها تعمل على إثارة “الفوضى”؛
  • •أن نساء يُعرَّض بهن بشكل ممنهج في “المجتمع الإسلامي” الذي بات مطابقاً لـ”المجتمع الديمقراطي” عملياً مازالن يحتضنّ الرصاص بحماس صادق بينما لا يخطر لهن خلع حجاب يلبسنه مكرهات منذ “العصر البائد”، وأن من صوتوا لمَوالي المجلس العسكري من الإخوان المسلمين وحزب النور على جثث ضحايا لم يرفع الموالي سبابة لنجدتهم هم أنفسهم من يهتفون بسقوط العسكر؛
  • •أن فترات مرت كان الألتراس وحدهم من يضطلعون خلالها بمواجهة الأمن المركزي والشرطة العسكرية إثر الاستفتاء الأول على تعديل الدستور، والذي أدى مبكراً جداً إلى احتكار عسكري للقرار مقابل صعود برلمان إسلامي لا أراهن على اختلافه عن برلمان الحزب الوطني؛ وكان ناشطون نجوم أمثال علاء عبد الفتاح قد صوتوا بنعم لصالح المجلس العسكري والإخوان في ذلك الاستفتاء…

أو أن أحداً، في المهاترات “السياسية” الدائرة، لا يأتي على ذكر “الدولة العميقة” التي لا أظن “إسقاطها” ممكناً قبل إسقاط الرأسمالية العالمية برمتها؛ وفيما تقتصر “المطالب” على استبدال أو إعدام أشخاص بعينهم – عن نفسي، لن أكون من أنصار عقوبة الإعدام أبداً؛ وأظنني سأفضّل حتى نظام مبارك سواء أعلى “المحاكم الثورية” التي يطالب بها بعض “الثوار” أو على “شرع الله” كما يستبصره السلفيون – تتحول التضحيات إلى وقود “دوري” يتنافس على سلطة هي ربما أكثر سفاهة بالنسبة إلي من مباريات الدوري الممتاز الذي تقرر إلغاؤه.

.

قال لي سائق التاكسي إنه يتمنى أن تصبح البلد “إسلامية” مستشهداً بتركيا كنموذج يجب احتذاءه، وأضاف: “عشان ولاد الرقاصة دول يتلمّوا!” كان يشير بذقنه الحليقة إلى امرأة شابة تعبر الطريق وفي عينيه شهوة يكرهها. لم تكن المرأة التي أشار إليها محتشمة فحسب ولكنها كانت أيضاً محجبة. نظر إلي ينتظر أن أثني على ما قاله، وحين وجدني أنفخ بتذمر مشيحاً بوجهي عنه إلى الشباك، تنهد ليس بخيبة أمل ولكن بخليط أعرفه جيداً من التحدي والتلون. “ولا إنت إيه رأيك على كده؟”

نظرتُ إلى سائق التاكسي في عينيه تماماً: “أصل أنا ابن رقاصة زيهم، فمش عارف بصراحة أقول لك إيه!” وتذكرتُ رجال منطقة بيوغلو في اسطنبول حين يطلعون على العالم في هيئة وثياب النساء؛ تذكرت قبلات الأحبة هناك في الحدائق المتاخمة للبوسفور، وروعة التحرر من عيون مثل عينيه. “بس عارف” – أضفت فجأة – “ما فيش أي مانع نبقى زي تركيا…”

.

أول ما خطر ببالي إثر وصول أخبار استاد بورسعيد في ذكرى “موقعة الجمل”: صبرا وشاتيلا. بدا لي أن علاقة الأمن بالبلطجية الذين اندسوا وسط مشجعي نادي المصري لعبور الملعب إلى ألتراس أهلاوي والإجهاز عليهم هي ذاتها علاقة إسرائيل بالقوات اللبنانية: التحكم في الإضاءة وفتح وإغلاق المعابر. كنت أفكر أن وجود إسرائيل لا يغفر للقوات إجرامهم وأن شيئاً عندنا لن يتقدم طالما توجد هذه الميليشيات الخفية متعددة الولاء.

والآن والجدل دائر حول “اقتحام وزارة الداخلية”، والأخبار تتوالى عن معارك على بوابات الأقسام بامتداد البلاد – بصراحة شديدة – أحس بالملل. أحس الكلام ممجوجاً والمواقف متوقعة بحذافيرها والنوازع، حتى النوازع معدومة الخيال. أشياء لا يملك الواحد حيالها إلا الغضب للمرة الألف، أو ربما زحزحة “الأحداث” إلى منطقة غائمة: إغلاق “الدُرج” عليها في مكتب العقل.

هل حقاً علينا أن نسأل من جديد إذا ما كانت الداخلية المصرية في حاجة إلى “إعادة هيكلة”؟ هل على المتظاهرين مرة أخرى أن ينفوا شبهة شيء قد يكون سبباً للافتخار؟

.

ومع ذلك، للمواجهات التي باتت روتينية في محيط وزارة الداخلية نتائج إيجابية رغم كل شيء، نتائج لا أظنها أغلى من حياة من ماتوا ولكنها تصب في الاتجاه الإصلاحي الذي انبثقت عنه الثورة – وهو إصلاح، فيما ثبت لغاية الآن أن المعارضات على تنوعها ليست أقدر عليه من نظام لازال يحارب من أجل البقاء، لا يمكن أن نتوقعه من ثورة يناقضها بتعريفه، ثورة استخدمتها الدولة العميقة لاستبدال ديكتاتورية مبارك بديكتاتورية عسكرية مباشرة مع تهديد مضمر بثيوقراطية إسلامية تتحقق من خلال صناديق الاقتراع، إضافة إلى التلويح العلني باحتمال سواد نظام تسيير ميليشياوي:

  • •تحول الشعار الرئيس من “الشعب يريد إسقاط النظام” إلى “يسقط يسقط حكم العسكر”، وهو اعتراف “شعبي” تأخر أكثر مما ينبغي بوجوب سقوط منظومة يوليو كاملة لحظة “تخلي” مبارك عن سلطته للمجلس العسكري؛
  • •كشف الإسلاميون ليس فقط عن نيتهم في استغلال الثورة حسب الحاجة وإنما أيضاً عن استعدادهم لقمعها بالوسائل ذاتها التي استخدمتها “الجهات السيادية”، وقد تولوا مسئولية تعذيب “البلطجية” في ميدان التحرير ثم الاعتداء “الميليشياوي” على مسيرة إلى مجلس الشعب كما اتهموا مفجري الثورة وضحاياها بالعمالة لجهات أجنبية بعد أن كانوا أول من بادر بتسوية أوضاعه في واشنطن؛
  • •أثبتت السنة الماضية أن الثورة الأولى كانت بمثابة نزع السدادة عن القمقم وأن المارد بحلوه ومره قد خرج إلى العالم الواسع ولا سبيل إلى حبسه من جديد أو، بعبارة أخرى، ثبت أن الدولة العميقة مهما استحال إسقاطها أضحت مجبرة على التكيف مع الحقوق المكتسبة وأن أسلوبها المتبع إلى الآن في التعامل مع العصيان من شأنه أن يعرضها للمزيد منه.

الثورية تستثيرني إذن على نحو إيجابي كما تستثيرني على نحو سلبي، لكنها تستثيرني أكثر بصفتها الجوهرية لكونها طقس تضحية ضروري، ولأنها – بالتحديد – ثورية بجد؛ بمعنى أنها لا تنظر إلى الممكن ولا تسمح بالتوافق أو تكتفي بالإصلاح. من هذه الزاوية أراني جزء خفياً مما يحدث، من هذه الزاوية فقط.

.

نحن أموات منطقة الجزاء “كنبة” أكنا أو “بتوع تحرير”، ألتراس أو لا، أبناء شرعيين أو أولاد سفاح. إن لم نمت في ليل ٢ فبراير في بورسعيد فسنموت يوم ٣ فبراير في السويس أو مساء ٤ فبراير في شارع منصور وربما بعد شهر أو سنة على سلالم المترو؛ وحتى إن لم نمت على الإطلاق، فستطاردنا أشباح من ماتوا بما هو أبشع من رصاص القتلة مهما انتفى وعينا بذلك؛ لا فرق في هذا الصدد بين من يُقبل منا على النشاط الاحتجاجي ومن لا يفعل لأسباب لعلني أوضحت بعضها.

عن نفسي – وأظنه إيجابياً أن يكون بيننا مثلي كذلك – لست “ثورجياً” حقيقياً أو لم أعد، لكنني لست من “الفلول” ولا من “حزب الكنبة” ولا أنظّر – هنا – إلا لكي أفهم من أكون. ربما ليس عندي شجاعة أن أرى الناس تُقتل بلا هدف، وربما فقط لا أحب الصخب والزحام. لن “تدخل علي” حجة أن الإسلاميين فصيل له رؤية إصلاحية ولن يردعني عن رفضهم – ورفض القيم “الفلاحية” التي يسعون لتعميمها – الاتهام بأنني أمارس تعالياً طبقياً على الإسلاميين. لا أغفر لمن يعطي الإسلاميين مثل هذه المصداقية أكثر مما أغفر لمن يحابي المجلس العسكري وهو يقتل ويشعل الفتنة الطائفية ويحتجز ويعذب ثم ينكر مسئوليته. ولا أظن لموقفي هذا أهمية أكبر من أن أعرفه ويعرفه من أعنيه شخصياً. ومع ذلك في مصر مكان لي أيضاً، إلى الآن على الأقل، أنا ابن الرقاصة الذي يقول هذا الكلام. ربما حتى يكون المكان الذي أستحقه.

مهاب نصر: الثورة .. هل يمكن أن تكون ضد الشعب؟

wpid-tahrirmap2-large-2011-12-6-00-16.jpg

سحابات من كآبة خفيفة يمكن أن تمر بالميدان الآن، يفرك تحتها المعتصمون أو من تبقى منهم ايديهم، برودة الخذلان تقرص العروق، والشتاء ما زال في أوله.

من حق الجالس على الرصيف الآن أن يفكر، ان كان يسعه ذلك، في هذه الساحة الملعونة، مكان ثورته وحصاره في الوقت نفسه، بعيدا عن الحمية التي كانت تطقطق مثل الحطب المتوهج، كلما احتدم الصراع بين الميدان وخارجه مستعيدة ببصيص أقل، ببصيص يائس ربما، اللحظة الجماعية المثالية، لجظة الفرح التي عصفت بالخوف وأسياده، والتي كانت أشبه بسعادة طرد الأب من البيت مصاحبا بالأحذية، والشعور الملتبس بالاثم، لأرواح مازال تحررها مشدودا الى الانتقام، لذلك تصخب الى حد الهذيان الجماعي.

هل كان يعرف ذلك؟ هل كان يتوقعه؟ أعني أن الملايين التي خرجت معه أو وراءه وأحاطت به لم تكن ثائرة حقا، كانت محرومة من بهجة الاحساس الجماعي، كانت تحتفل بأول عيد لها صنعه التنادي من شارع الى آخر ومن بيت الى بيت. كانت مبتهجة جدا، كمن يطوح حقيبة الدراسة في السماء ويجري، دون أن يدري الى أين؟

الآن جاء وقت اقتسام التركة، وكما يحدث في الأفلام الرديئة، يظهر ابن العم الغائب، والابن الانتهازي غير الشقيق، منتظرين “نهاية الليلة” بفارغ الصبر.

ربما يتساءل الثائر، أو من بقي ثائرا، من أين تأتي الخيانة؟ ولكن هل كانت هناك حقا ثورة حتى تكون هناك خيانة؟

من أكبر أخطاء “الثورة”، الثقة المبالغ فيها في الجموع، في أن مليونا أو بضعة ملايين تملأ الشوارع هي التعداد الحقيقي للثائرين، وهي المؤشر الاحصائي للقاعدة الشعبية. لأن لحظة الحشد هي دائما لحظة استثنائية، لحظة تركب أجسادنا فيها روح أعمق من الادراك والوعي، وتصبح هي القائد الأعمى لخطوتنا؟ لحظة مهما تمكنا من السيطرة عليها حتى لا تذهب الأمور الى حد الانتحار الجماعي، وقدمنا فيها مطالب على أوراق حتى تعيد الينا قراءتها احساسنا الموضوعي والطبيعي بالحياة، وفزنا حتى من خلال الضغط المباشر بخطوة الى الأمام هنا أو هناك، تبقى عرضة للانتكاس بقوة. لأن الرهان على الشعور رهان غير آمن، والرهان على أن دما جديدا يراق قد يعيد الناس الى الشارع غير مأمون دائما، واللعب بالميدان كورقة ضغط قد ينقلب ليصبح لعنة.

يتساءل أحدهم كيف نسي الناس موتاهم، كيف يسيرون اليوم الى لجان انتخابهم، فوق أرواح لم تبرد،  دون أن تتعثر اقدامهم من الحياء. ولكن من قال ان المصريين الآن يحترمون موتاهم.

على العكس تماما، المصري يريح نفسه من تانيب الضمير فيقول “هو عمره كدة بقى”، “نشوف مصالحنا.. الحياة لازم تمشي.. الحي ابقى من الميت” مع أن العكس قد يكون صحيحا أيضا أعني أن يكون “الميت أبقى من الحي”. وهي مسألة فقط تتوقف على ما نعنيه بالموت وبالحياة.

ولا تعني كلمة “الحي أبقى من الميت” حرصا حقيقيا على الحياة، هذا اذا كان معنى هذه الكلمة مفهوما، بل تكريسا للواقع. انه كأن تقول: الحياة أفضل من الموت لأنها الأمر الواقع. والموت خارج الواقع.

هل لهذا علاقة بالايمان؟

بالعكس.. له علاقة بعدم الايمان، أو بالأصح بنوع حقير من الالحاد العاجز، يحتقر هؤلاء حياتهم الى أبعد حد، ولايجدون لها مبررا سوى أنها هنا، أنها ليست الموت.

انهم لا يحزنون على الميت بقدر حزنهم على أنفسهم، وبطريقة ما يغيظهم موته فيصرخون بقوة، لأنه يحدث ثغرة هائلة في جسم حياتهم الواقعي بالذات. انهم يعاقبون موتاهم بالنسيان، لأنهم يعتبرونهم مسؤولون عن ذلك، عن هذه الثغرة التي تركوها دون اجابة.

الموتى متروكون عندنا للمقابر القذرة، للتراب الذي يغطي احذيتنا ونحن محيطين بحفرتهم، لل”تربي” الذي سيبيع  الجثامين بالجملة، أو بحسب الطلب، لقارئ القرآن الأمى الذي يتلوى كديدان الأرض ونحن نستقبل العزاء منهكين.

هذه جموع لم تتذكر شهداءها ولا ضحاياها، الا بطريقة تستبعدهم من الحساب، تحولهم الى شعارات، لكي تساوم بهم، لا الى أفكار تصحبها معها الى عزلتها. تكرس من خلال موتهم حياتها الزائفة، لتضفي عليها قداسة تحميها من السؤال، كشارة حداد على صندوق للقمامة..

باختصار هذه جموع لا تحترم الموتى.. ومن الحماقة اعتبار ذلك مجرد خذلان أخلاقي. أما الثورة فلها شأن آخر.

مهاب نصر

حازم صاغية: سوريّة والعروبة

wpid-syria-protests-human-rights-2011-6-2-2011-11-27-11-40.jpg

حازم صاغيّة

أن يقال إنّ الإيديولوجيا آخر هموم النظام السوريّ ليس اكتشافاً. وهذا التعرّي من الايديولوجيا إنّما نما مع الزمن، لا سيّما مع الانتقال من جيل الآباء، والآباءُ كانوا عقائديّين في شبابهم، إلى جيل الأبناء الورثة. وقد توازى الانتقال هذا مع تراجع أصاب الحزب لمصلحة أجهزة الأمن، ثمّ أصاب «الاشتراكيّة»، أخت «الوحدة» في اللغط البعثيّ، لمصلحة اقتصاد السوق غير المصحوب بالقوانين

لكنّ العروبة، مع هذا، يصعب التخلّي عنها في سوريّة كما لو كانت عظْمة كلب ميّت. فالوريث لا يقطع، من حيث المبدأ، قطعاً كلّيّاً مع لغة الموروث، وإلاّ اختلّت عمليّة التوريث نفسها. ثمّ إنّ سوريّة «قلب العروبة النابض»، وهي، منذ 1961، جمهوريّة «عربيّة سوريّة»، بغضّ النظر عن حقيقة أنّ الأكراد عُشر سكّانها، وهي نسبة تزيد حين يضاف إليها الأشوريّون وأقليّات صغيرة أخرى غير عربيّة. وأهمّ من هذا وذاك أنّ العروبة يتطلّبها الدور الإقليميّ الذي يتيح لدمشق أن تتدخّل في لبنان وفي سياسات الفلسطينيّين، كما في الأردن والعراق، ناهيك عن تمثيل «العرب» في ظروف التوسّط السابق مع إيران (ولو توازى ذلك مع تمثيل إيران في التوسّط مع «العرب»).

وعلى عمومها كانت هذه الوظائف تستجيب تطلّباً في اللاوعي السياسيّ والجمعيّ للسوريّين العرب، مفاده أنّ «العروبة» تكبّر سوريّة، فتوحّد بها، ولو رمزيّاً، بلداناً تقول الأسطورة القوميّة إنّها فُصلت عنها.

غنيّ عن القول إنّ النفعيّ والوظيفيّ في تلك الأسباب هو ما احتفظ به النظام من العروبة البعثيّة، متلهّياً بالإيديولوجيّ منها على نحو سينيكيّ. بيد أنّ اللغة التي بدأت تظهر في الأيّام الأخيرة، وتحديداً منذ تعليق عضويّة سوريّة في الجامعة العربيّة، تشبه إعلان المكبوت الذي كانت المصالح تستدعي كبته.

فالعرب صاروا، بين ليلة وضحاها، «عرباناً» و «بدواً» وأهل «رمل» وجِمال»… وهذه العنصريّة الصريحة كثيراً ما تجهر بطلب «قوميّة سوريّة» ضاربة، على ما يمضي الزعم، في آلاف السنين.

وكان التاريخ السوريّ الحديث قد شهد عيّنتين على ردّ الفعل هذا، واحدتهما انفجرت مع «انفصال» 1961 الذي أنهى «الاستعمار المصريّ والفرعونيّ»، والثانية حصلت بعد انسحاب الجيش السوريّ من لبنان إثر اغتيال رفيق الحريري. بيد أنّ العيّنتين هاتين، اللتين دلّتا على خصوبة الاستعداد لتشكيل الوطنيّة السوريّة سلبيّاً وضدّيّاً، بقيتا أصغر بلا قياس ممّا يجري اليوم.

فالحاصل الآن أنّ أصوات النظام في دمشق وبعض حلفائه في بيروت يرفعون «القوميّة السوريّة» إلى مصاف الإيديولوجيا الرسميّة، وفي الآن نفسه يجعلونها إحدى صرخاتهم في الحرب التعبويّة.

ولن يكون من الصعب التدليل على جذور دينيّة ومذهبيّة يصدر عنها هذا النزوع المستجدّ. إلاّ أنّ أكثر ما يستوقف، والحال هذه، أنّه لم تعد هناك مصالح عربيّة للنظام تستدعي منه العروبة، ولو بحدّها الأدنى.

ولئن ألقى التحوّل هذا مزيداً من الضوء على مدرسة عريقة، تتعدّى سوريّة، في استخدام العروبة وتوظيفها، فإنّه دلّ أيضاً على مأساة النظام القاتلة. ذاك أنّ الأخير حين يخسر مصالحه العربيّة، أي «أوراقه» الإقليميّة، وحين يتخلّى تالياً عن بقايا غطائها الإيديولوجيّ، يكون قد خسر كلّ شيء.

(الحياة، السبت, 26 نوفمبر 2011)

٢٦ سبتمبر – إضراب النقل العام

في بداية كتاب الطغرى، بينما هو يقود السيارة في طريقه من “بيت الزوجية” إلى “بيت الأسرة” إثر انفصاله النهائي عن زوجته، يلاحظ مصطفى الشوربجي بطل الرواية (بلغته الوسطية التي تجمع بين العامية والفصحى): “على الدائري وقفت السكة دقيقة – يحصل هذا كثيراً على الكباري، زي ما أنت عارف، من غير سبب: أظن أنه صدفة انحراف عدد معين من العربيات عن حاراتها بدرجة معينة في وقت واحد، إضافة إلى استعجال الجميع – وكما يحصل في كل مرة، انطلقت الكلكسات.”

وفي موقع لاحق يصف النزول عن كوبري أكتوبر في ميدان الإسعاف: “من فوق، كتلة العربات المرقطة بالمشاة كأنها يوم القيامة. فأتذكر طلوع الميتين من قبورهم والتعبير الدارج: (أنا طلْعان ميتيني). وأحس أن الدنيا كلها طلعان ميتينها…”

تقع أحداث الرواية خلال ثلاثة أسابيع بين مارس وأبريل ٢٠٠٧، قبل أحداث يناير-فبراير ٢٠١١ بأقل قليلاً من أربع سنوات. وليس خافياً أن المصريين صاروا يقولون، سواء أعن المرور أم عن سواه، إننا “قبل الثورة” كنا نظن الأشياء لا يمكن أن تزداد سوءً، وها نحن “بعد الثورة” نرى، على العكس، أن الأسوأ كان ممكناً. (شخصياً لا أظن التردي راجعاً إلى ضعف أداء المجلس الأعلى للقوات المسلحة في إدارة الدول، مع أنه مستحيل إنكار ذلك الضعف، وإنما – ربما حتى بالأكثر – أظنه راجعاً إلى ما أخفته “الثورة” عن نفسها كما عن “الثورة المضادة”: إن الشعب ذاته الذي تحركتْ باسمه ضد وزارة الداخلية متورط في القمع والفساد، وإن الصلاة لـ”مصر” – ذلك الإله الزجاجي – لا تقود إلى الجنة.) نظراً إلى أن مصطفى يشبه مؤلفه إلى حد كبير على كل حال، أعتقد أنه كان سيشاركني القول بالمرارة ذاتها:

الأسوأ ممكن بدليل ما يحدث لي اليوم – يوم قيامة وطلوع ميتين لم يكن لدى كاتب ما بعد تسعيني من “التشاؤم” أو الوقاحة ما يسمح بتخيله قبل الانتهاء من كتابة الطغرى، سنة ٢٠١٠ – وهو ما كان يحدث لمصطفى بدرجة أهون لأن موظفي وزارة الداخلية، منذ ١١ فبراير ٢٠١١، وجدوا في “عداء الشعب” مبرراً للامتناع عن أداء مهامهم المدنية، ولأن حرية التظاهر النسبية التي اكتسبها للجميع آلاف ماتوا أو أصيبوا ولم يعد أحد منهم حاضراً أو ذكراه – والتي خلّفت احتجاجات نفعية لا آخِر لها دونما تحقق ذلك الذي مات وجُرح من أجله من اكتسبها – اتخذت، اليوم، شكل إضراب في جهاز النقل العام…

هذا، بالطبع، فضلاً عن أن هوس الناس بقطع الطريق بعضهم على بعض في معرض “السواقة” الدموية دائماً – صدفة انحراف عدد لا نهائي من “العربيات” عن حاراتها بجنون، إضافة إلى الاستماتة على كسب سباق مفترض لا خط نهاية له، ولا “ميداليات” – ليس سوى صورة أخرى لهوس السلطات بقطع الطريق على التغيير بأسرع وأعنف سبيل ممكن، الأمر الذي لا يفسّر فقط إعلان حالة الطوارئ بلا اعتراض سياسي أو شعبي يُذكر وإنما أيضاً يدل على أن الشعب أنتج حكامه بدرجة أو أخرى، بشكل أو آخر، في زمن أو مكان ما.

لعل بقية المشهد تعليق على “الثورة” بقدر ما هو تعليق على انفصال مصطفى عن زوجته: “خلال الدقيقة هذه بالذات تمثّلت التلوث السمعي أوركسترا لا يطلع من آلاتها إلا ضراط، من أرفع نوع إلى أثخن نوع، من الطويل الحزايني إلى المتقطع المرح. وشعرت بمتعة عجيبة وأنا أسمع سيمفونية عفوية تعكس حياتي في هذه المدينة الواسعة ذات العشرين مليون إنسان. كأن حياتي لحد الآن فيلم عربي سخيف ومقطوعة الضراط هذه هي الموسيقى التصويرية المصاحبة للمشهد الختامي.”

حازم صاغية: أسئلة لا جواب عنها

الحياة، الثلاثاء, 25 أكتوبر 2011

wpid-larg1272114088-2011-10-25-20-49.jpg

حازم صاغيّة

محمّد حسنين هيكل والذين يتأثّرون به يريدون ثورات تقوم بها شعوب. حسناً، هذه ثورات قامت وتقوم بها شعوب. وهو أيضاً، ومعه من معه، يريدون لهذه الشعوب أن تنتصر وأن تنتصر بها الثورات. وهذا مطلب استطاعت بعض الشعوب أن تخدمهم فيه، على ما حصل في تونس ومصر، لكنّ شعوباً أخرى فعلت وتفعل كلّ ما تستطيع وقد لا تنجح في أن تلبّي لهم رغباتهم. ما العمل في بلدان كليبيا وسوريّة واليمن؟

بمعنى آخر، ماذا إذا ثارت الشعوب ولم تستطع بذاتها أن تحقّق الانتصار الصافي صفاء اللبن الأبيض كما يتمنّون؟

الجواب المتوافر لديهم: يجب ألاّ يحدث تدخّل أجنبيّ. حسناً. لكنْ ما الذي يجب أن يحدث في حال العجز عن حسم الصراع مع النظام؟

الجواب الوحيد المضمر الذي يمكن تقديره: التراجع عن الثورة أو الانسحاب منها وترك الفرصة للنظام كي يفتك بالشعب. وهذا، كما نعلم، من شيم الأنظمة المعنيّة.

هذا كلام واقفٌ على رأسه تغيب عن أصحابه (؟) معلومات مدرسيّة بسيطة من نوع أنّ صدّام حسين حكم العراق، نائباً للرئيس ثمّ رئيساً، من 1968 حتّى 2003، وأنّ القذّافي حكم ليبيا من 1969 حتّى 2011، فيما حكم حزب البعث سوريّة منذ 1963، وبعد سبع سنوات بدأ آل الأسد حكمهم المديد.

شعوب هذه البلدان لم تقف مكتوفة الأيدي في هذه الغضون. حاولت ولم يُكتب لها النجاح، ولا تزال تحاول بنجاح متفاوت. الانتفاضات والتمرّدات تلاحقت وسُحقت في معظم البلدان. في ليبيا، جاءت التجربة الأخيرة التي لا تزال طريّة، بليغة الدلالة: القذّافي كاد يطحن الثورة وأهلها ويقضي تماماً عليها وعليهم إلى أن كان تدخّل الناتو. أرقام الضحايا في سوريّة تتزايد نوعيّاً، والشيء نفسه يصحّ في اليمن.

wpid-18-09-10-415132878-2011-10-25-20-49.jpg

مشكلة هذه الطريقة في التفكير التي لا تريد أن ترى هذا كلّه تنقسم ثلاثة أجزاء:

الأوّل، أنّ أصحابها يحبّون الاستراتيجيا والجيوبوليتيك وحساباتهما أكثر ممّا يحبّون الشعوب وحرّيّاتها وخياراتها. مرّة أخرى نحن أمام صياغة أخرى للنظريّة السوريّة الشهيرة في تجميع «الأوراق».

الثاني، أنّهم يكرهون أميركا أكثر ممّا يحبّون الشعوب. نعم، يمكن الخلاف مع أميركا في فلسطين والاتّفاق معها في ليبيا… اللهمّ إلاّ إذا كنّا حيال نزاع مطلق شامل يشبه النظرة الدينيّة إلى العالم ويستوحيها.

الثالث، أنّهم غير معنيّين إطلاقاً بتركيب مجتمعاتهم وقدراتها. هناك، في رأيهم، مجرّد «بيادق» على «رقعة شطرنج»، وهناك مؤامرات تهبّ علينا من كلّ حدب وصوب. لا الثقافة السائدة مهمّة. لا العصبيّات. لا تاريخ العلاقات والنزاعات الدينيّة والطائفيّة والإثنيّة. لا الأحقاد التي فاقمها الكبت والقمع… هذا كلّه اختراع مستشرقين يقف على رأسهم «الجنرال» برنارد لويس!

ينجم عن ذلك تفكير بائس يطرح الكثير من الأسئلة التي لا إجابات عنها… لكنّه لا يطرح أيّ سؤال واحد على النفس يكون موضوعه المسؤوليّة بما فيها شقّها الأخلاقيّ!

لهذا ليس من المبالغة القول إنّ مؤيّدي الثورات بشروط تعجيزيّة (انتصروا وإلاّ…)، هابطة من الفضاء على الأرض، حلفاء للأنظمة التي تشاركهم الانتماء إلى منظومة واحدة في الفكر والسلوك وإلى الحقبة البائدة إيّاها.

***

wpid-ace734fa31864c232044b907c210b547-2011-10-25-20-49.jpg

علم الوحدة العربية

هل أثبتت “الثورة” أننا كنا مخطئين في عدم توقعها؟

أواخر ٢٠١٠ قال لي صديق شاعر إن الثقافة عندنا “عَرَض” أكثر منها حقيقة، يقصد الثقافة بمعى الفن والأدب إلخ، وأوصلنا الأخذ والرد إلى أن الموجود في المجالات كلها فضلاً عن مجالنا نحن، حيث يفترض أن يكون هناك أفراد يبحثون عن حقيقة (أخلاقية أو اجتماعية أو سياسية أو حتى مهنية)، بأوسع وأبسط معاني البحث عن الحقيقة: الضمير، أوصلنا الحديث إلى أن الموجود هو “جماعة صيع”، أو “شلة واقفة على الناصية واللي معانا يتكلم زينا”. الآن فقط يذكرني حديثنا بما كنا نتندر به أنا وصديق عمري – الطبيب النفسي – قبل أن يهاجر، من أن الحياة في مصر عبارة عن أوضاع ومناظر… وهو التعبير الذي تمدد معناه وتكاثر منذ ابتدعناه سخرية من عنوان كتاب كنا قد رأيناه صدفة على أحد أرصفة وسط البلد: “شخصيات ومواقف”. منذ ١١ فبراير وأنا أتابع، فضلاً عن العبث واللغط والكذب، ردود أفعال “النخب” حيال الأحداث ومبرراتها المفترضة: الآراء والرؤى. أظن أنني وصديقَي، بينما لم نكن على حق حين لم نتوقع أن يحدث شيء في المستقبل المنظور، كنا على حق تماماً في تصورنا غير المعلن عن ما يمكن أن يفضي إليه شيء حدث.

wpid-img_1163-2011-09-12-05-40.jpg

بينما تزقزقين في “رُبع غير معلوم الحال” (هكذا تُعَنوَن الأماكن المجهولة على الخرائط القديمة)، صارت كلمة “التنين” تُستخدم بغرض المبالغة، كأن يُقالَ – بدلَ “حزن شديد”، مثلاً – “حزن التنين”. وخطر لي لأول مرة إثر سماعها أنه لابد من طريقة أخرى لخرق المتاريس. كنتُ على بوابة مرقص غادرتُه جرياً منذ خمسة عشر عاماً. وبعد خمسة عشر عاماً، والموسيقى نفسها تسحبني – مع أنني لست راقصاً ولا أحب الرقص – كانت عيني تنسل إلى الأضواء اللفّافة بالداخل. هذه المرة أيضاً لن يذهب اللقاء أبعد من عتبةٍ “كعبلتني” وأنا أخطو إلى الوراء مذعوراً بينما الراقص الوحيد الباقي ينفث في وجهي النار. وفكّرتُ أنه على الأرجح من طول احتمائي ضد عوامل التعرية والتعرض أنْ صار يسحرني الجلد الأخضر لزواحف الشوارع، تلك المخلوقات المفرّغة: أخالني في الدنيا لأملأها. عليك أن تدركي أنني لم أنس زقزقتك لحظة وإن قبلت بلغة تجعل من المخلوق الخرافي أداة توكيد. والآن أيضاً سأجري بعيداً عن بوابة المرقص، وستغفرين لي شرودي إلى هناك بأن تبصقي حزناً لا يركب على بهجة شفتيك. هل تعرفين كم كنتُ أبكي ابتسامتك وأنا أصارع التنين؟

يظهر ملاك

حوار ناصر أبو عون

wpid-france177-2011-06-23-06-10.jpg

الشاعر يوسف رخا من ميدان التحرير لـ(أصوات الشمال) حاوره : د. ناصر أبوعون

في مدونته (شمال القاهرة غرب الفيليبين2009) عن “دار رياض الريس”، تشم منهما رائحة التاريخ كما يراه هو من نافذة الجرح وصولا إلى رائعته الروائية (كتاب الطغرى: غرائب التاريخ في مدينة المريخ) الصادرة عن دار الشروق،٢٠١١وهو من مواليد (المحروسة/القاهرة) يوسف رخا صحافي وأديب مصري، درس منذ نعومة أظفاره في المملكة المتحدة، يشيد عمائر من النصوص، أبدع العديد من المدونات التي تنظم (الشعر والنثر) في سلك واحد تحت عنوان عريض يسمى (الأدب)، ويعمل في الصحافة العربية الصادرة بالإنجليزية / (الأهرام ويكلي)، وصدر له عن (دار العين) مؤخرا كتابه «كل أماكننا» شعري/ نثري، ويضم ديوانين صغيرين هما (اسم الوالد السعيد) و “قائم بأعمال السمك” تفصل بين زمن كتابتهما أكثر من عشر سنوات، إضافة إلى عدد من النصوص النثرية الطويلة والقصيرة. وقبل ذلك بسنوات خرج علينا بـ(أزهار الشمس) وهي مجموعة قصصية أعقبها بـسِفره الأقرب إلى أدب (سيرة المكان) البعيد كليا عن أدب الرحلة تحت عنوان (بيروت شي محل2006) ومُثنيًا بسرديته (بورقيبة على مضض2008) وقد التقيناه عبر الإنترنت ودار الحديث عن شعر الثورة وثورة الشعر وحلول ميدان التحرير (الرمز) في قصيدته وتطرق الحديث حول إشكاليات الحداثة وقصيدة النثر
• تعد الصورة الشعرية في نصوصك (بؤرة النص ومداره) ؛ بل تمثل فسيفساء تغطي مساحة النص وتطغى على بياض الورق ..هل هذه محاولة منك لاستبدال الإيقاع العروضي في القصيدة التقليدية بالصورة في نصوصك النثرية ؟
يوسف رخا
لم أسع إلى ذلك إلا في حدود شديدة الضيق. لا أستبدل الإيقاع ولا أحس بحاجة إلى استبداله. أحياناً يكون خلو النص من أي موسيقى – دعك من “الدَقّة” العروضية – أقوى تأثيراً. لتقسيم النص إلى سطور أو عدمه ولشكل الكلمات على الصفحة دور ربما، لكنني كما سبق لم أتبحر في هذا الجانب من جماليات الشعر أو أنتبه إليه كثيراً. الصورة كمعنى صرف أهم بالنسبة إلي من الاستعارة. المجاز لا غنى عنه لكنني أنشدّ إلى المعنى البدائي للمجاز، إلى كون اللغة كلها مجازاً. روعة الشعر بالنسبة إلي في اللحظة التي تشعر فيها أن الجملة تقال لأول مرة في تاريخ الإنسانية.

• لوحظ أنك تشتغل كثيرا على اللغة ؛ بل تمارس فعلك في اللغة بما يتوازى مع حركية الحياة الإنسانية .. هي (فعل يحيل إلى الواقع) ؛ كيف من وجهة نظرك أن تصبح اللغة مشاعا إنسانيا لاحتمالات التغيير ؟
يوسف رخا
** هذه مسألة شديدة الصعوبة وأظن لها علاقة بالأمانة، بأن لا نقول إلا ما نصدّقه ونريد بالفعل أن نقوله وبأن لا تستهوينا الشعارات. أعتقد أن الثقافة العربية المعاصرة تبالغ كثيراً في تصوراتها عن دور الشعر في تغيير المجتمع أو إمكانية أن يكون للشعر أثر مباشر على الحراك الاجتماعي. أعتقد أن المبالغة في تلك التصورات إنما تقوّض وتعهّر الشعر وتخطئه، كما تساهم في انعزال الشعراء. العثرة الأساسية في العالم العربي هي الأمية بكل تجلياتها، وكون الأدباء اعتادوا أن يخاطبوا السلطة لا الناس. رهاني “الثوري” يظل على التغيير التدريجي البطيء للوعي، وبينما أقوم بما علي لا أعول كثيراً على كسب الرهان.

• مطالعة إنتاجك النثري يؤكد أنك تدعو إلى انقلاب ثوري ينطلق من فكرة، ترى الشعر (كشفا ورؤيا)، أليس هذا غير منطقي ويعلو على الشروط الشكلية للشعر التقليدي؟
يوسف رخا
** أرى الكتابة كلها نوعاً من المعرفة، أراها معرفة أو تواؤماً مع الواقع كما أن كل معرفة تواؤم وإن لم تكن مصالحة ولا حتى بالضرورة فهماً. الفهم مجرد جزء من المعرفة. لكن الكتابة أيضاً منطق في الحياة أو طريقة بالمعنى الصوفي، وبهذه الصفة – بلا مبالغة أو تحوير – أنت تدخر لها كل شيء عن طيب خاطر، لأنها تمنح حياتك معنى أو جدوى بمعزل عن كل أسباب التحقق خارج النص، مادية أكانت أو معنوية. هي لا تغنيك عن الحياة من أجل تحقق مادي أو معنوي، لكنها تمنح السعي إليهما معنى وتجعل المعرفة غايته. كل الناس تعيش بالكلمات، الفرق أنك تصير واعياً بذلك. تعرف أنك تعرف. ولعل هذه ثورة في حد ذاتها: تلك المواجهة مع الكلمات والتي أظن أكثر الناس يتحاشونها بكل طاقتهم لأنها مؤلمة ومخيفة، لكن الكتابة تمكّنك من استمتاع معذّب بخوضها حتى وأنت تدفع ثمن متعتك من استغراب واستياء الآخرين ممن تكتب عنهم أو تفقدهم بمرور الوقت.

أرى الكتابة معرفة وأرى الشعر ببساطة درجة أصفى أو أكثر تكثيفاً لفعل الكتابة مما يكون عليه في أشكال أدبية أخرى، أصفى أو أحدّ ولكن ليس أرقى أو أقيم في حد ذاته. الشعر هو الكتابة في أشد صورها حدةً أو صفاءً، الأمر الذي يجعله معقداً بالمقارنة مع ما سواه من أشكال أدبية لكنه عندما يتحقق – وهذا هو أحد ألغاز الشعر – يصبح أسلس وأسهل مما سواه هكذا بلا مجهود إضافي. أعتقد أن نظرتي إلى الكتابة من واقع ممارستها منطقية تماماً، ولا أرى أنني منعزل عن امتدادها الزماني والمكاني في اللغة العربية. أنا لست معنياً بغير شروط واقعي كما أراه ولا ألتزم بالشروط الشكلية لأي شيء “تقليدي” فلماذا ألتزم بالشروط الشكلية للكتابة؟ في جانب منه يبقى الطموح كلاسيكياً لكن العلاقة بالتراث تأتي في عمق وتنوع ما يمكن أن يطرحه من أسئلة، ليس في استنساخ تقنياته. أنا شخص يرتدي القميص والبنطلون ويستعمل الموبايل واللابتوب، يقود سيارة ويحتسي المياه الغازية ولا يستطيع أن يعيش بلا إنترنت. ماذا يمكن أن يعنيني في الالتزام بشروط القديم أو إعادة إنتاجه؟

• كتابتك النثرية وخاصة في قصائدك المنشورة في مجلة (نزوى) تدعو إلي مزيد من الحرية، التي تجعل الشكل يمَّحي أمام أي قصد أو هدف، من أجل البحث في وظيفة الممارسة الشعرية التي تعتبر طاقة ارتياد وكشف تتجاوز في قدرتها الأشكال المؤسسة .. إلى أين يأخذ يوسف رخا القارئ في زمن الثورة على كل التقاليد العربية ومنها تقاليد الشعر؟
يوسف رخا
** الشكل شيء أساسي. لا أقصد النوع الأدبي وإن كان انتماء نص ما إلى نوع أدبي معين أو ادعاؤه أيضاً يؤثر على الشكل. الشكل هو من صلب النص وليست الحرية من دواعي اختلاله. وعليه فإنني أدعوك إلى اختيار أي جملة كتبتُها في أي سياق وسأستطيع أن أشرح لك كيف أنها جزء من بناء كُتبت بداخله ومن أجله، كيف أنها تساهم في تكوين شكل بقدر ما تعبر عن مضمون. أي جملة: أستطيع أن أشرح لك الوظيفة التي تؤديها لتحقيق الشكل الذي يحتويها، وإلام تستند من كتابات وأشكال كتابة سابقة على كتابتها. هذا أيضاً أمر مهم وإن لم يكن في صلب السؤال: أن لكل جملة تاريخ من الجمل المكتوبة قبلها من جانب آخرين قرأتَ لهم أو لم تقرأ؛ وحتى داخل اللغة الواحدة، بالرغم من التلاقح الدائم للغات، أنت عندما تكتب لا تقفز في الفراغ. أنت تعيد كتابة شيء قرأته أو كنت تود قراءته. من هنا أظنني أصاحب القارئ على دروب دائرية قد تقوده حتى إلى كتابة أقدم من كتابتي. لا أريد أن “آخذ” أحداً إلى مكان! أرى الكتابة طريقة للتواصل الصادق مع أناس لا أعرفهم، ولإعادة صياغة جمل لابد أنها صيغت من قبل لكنها لا تعنينا بالقدر نفسه قبل أن نعيد صياغتها. سأكتفي، رداً على عبارتك الأخيرة، بقول إن تقاليد الشعر تتجاوز عروض الخليل. ولو أن صياغتي للجمل التي أختارها تستلزم عدم الالتزام بالعروض، فذلك لا يعني أنني مقطوع الصلة بالمنجز الخلاب لأمثال أبي فراس الحمداني والنابغة الذبياني وأبي نواس والمتنبي وابن الفارض…

• جيلك من شعراء قصيدة النثر (في التسعينيات من القرن العشرين) متهمون بأنكم مثل معظم تمثيلات الانتلجنسيا العربية ما زلتم تتعاطون مع مفهوم الحداثة من طريق القصر على الوسائل والأدوات دون تشرب حقيقي لفلسفتها، بما هي فكر وسلوك ونمط حياة. وحين تغدو الأفكار الجديدة انتقاء تتأبد أزمة المحاكاة والبرانية فماذا تقول ؟
يوسف رخا
** أولاً أنا لا أنتمي إلى جيل. في الآونة الأخيرة أعتقد أنني فهمت من أين أتى هذا المفهوم إلى دوائر الأدب العربي وماذا كانت ضرورته – في غياب أي دعم معنوي أو مادي لإنتاج الأدب كان لزاماً على من تقاربت أعمارهم وظروفهم الاجتماعية أن يتكتلوا لكي تحافظ الكتابة على الحد الأدنى من المصداقية أو هكذا ظن عدد كاف من الناس عبر موجات متلاحقة بامتداد القرن العشرين – لكن بشكل “موضوعي” لا أظن مفهوم الجيل ينطبق عليَّ. كان لي صلة سطحية بجماعة “الجراد” ربما وهي أحد “جيتوهات” الهامش الثقافي المفترض – لست مقتنعاً بثنائية الهامش والمتن التي استُغلت ببذاءة في هذا السياق، لكن لا يمكن وصف جماعات التسعينيات إلا بالجيتوهات – وبدا ما يكتبه أعلامها قريباً إلى ذائقتي أو فكرتي عن ما يجب أن يُكتب. لكنني لم أكن مجايلاً لهؤلاء ولا مشاركاً لهم في السلوك ونمط الحياة. كان ما يشدني إليهم في جزء منه على الأقل هو الشعور بأنهم يكتبون أشياء حاصلة في الواقع دون اللجوء إلى متكآت مفاهيمية كالحرية والعدالة والإخاء أو الحب والخير والجمال. كانوا يتحدثون عن الخبرة الروحية وخبرة المكان دون أن يقولوا قال الله وقال الوطن. ولم يكن خطابهم يعتمد على ذرائع جمالية أو سياسية. الآن فقط أعرف أن فردية “التسعينيين” لم تكن عاملاً في انجذابي إليهم، لأنهم ببساطة لم يكونوا فرديين. كان وجودهم في جيتو هو ما ينفرني، بالمقابل.

وخلاف أن يكون المقصود بكلمة حداثة هو تلك الفردية أو تجاوز المقدسات، أستطيع أن أقول بصدق إنني لا أعرف ماذا تعني الكلمة أو ماذا يُقصد بها في السياق العربي. من ذا الذي نحاكيه؟ هل تعلم مثلاً أن الكثير جداً من الشعر “الغربي” المعاصر موزون ومقفى؟ أين إذن الحداثة النثرية المفترض أنها وافدة إلى شعرنا؟ وبأي منطق تقابل أي “حداثة” محتملة مفهوم “الأصالة” أساساً؟ هل المبتغى أصالة مفاهيمية (أيديولوجية) أم أمانة فردية؟ بسبب تعليمي في إنجلترا واتقاني للإنجليزية منذ عمر مبكر، لا أظنني أدعي إذ أقول إنني “أعرف” الغرب. ولا أظن “هم” مختلفين عن “نا” أو متفوقين علينا أدبياً في أي شيء سوى درجة تغلغل الكتابة في المجتمع الذي ينتجها، والمدعومة بنسق رأسمالي عام يستلزم أنواعاً من “المهنية” ليست دائماً في صالح الأدب، لكنها بالطبع مدعومة أيضاً بنسب بتوفر أسباب القراءة الاقتصادية والتعليمية والسياسية بدرجات أعلى بما لا يقاس. أعتقد أن الإشكال عندنا يكمن في الجهل بالسياقات الغربية والافتراض المسبق أنه أفضل أو ما يشبه إحساساً ملازماً بالدونية ولذلك أسباب تاريخية واضحة، لكن قناعتي أن التفاعل أياً كان هو بتعريفه نشاط ندي. الكتابة فضاء ندي شئنا أم أبينا، وليس سؤال البرانية أو العصرية (المعاصرة) سؤالاً ثقافياً؛ أقصد أنه ليس سؤالاً يطرحه اختلاف ثقافة عن أخرى. قناعتي أنه سؤال أخلاقي، بمعنى أن الشعر تمثل لحقيقة ما داخل واقع ما من المفترض أن تلتزم بهما الكتابة ومن ثم تحفظ مصداقيتها. فهل تخرج الكتابة من احتياج صادق إليها وهل تُستقبل بنزاهة أدبية؟ أظن هذا هو المهم، ولا أظنه مرتبطاً لا بالحداثة ولا بالتطابق مع مصدرها.

• يقول بعض شعراء قصيدة النثر (لا توجد قاعدة ولا جمهور لقصيدة النثر) إذن لمن تكتب؟ أليس هذا إقرار بعجز قصيدة النثر عن التفاعل مع الجمهور ؟ هل تعلم أن قصيدة العامية والنمط الكلاسيكي والتفعيلي كان حاضرا ومتجاوبا ووسيلة من وسائل ثورة 25 يناير وسجلت قصيدة النثر انسحابا مخزيا كانسحاب قوات الشرطة من الميدان فانتصرت الثورة؟

** الكلام عن غياب الجمهور مهم جداً، أما مقارنة “قصيدة النثر” بانسحاب الشرطة فلا يعني شيئاً. يبدو لي أن سلطة التقليد ووضع شروط تقنية للممارسة الأدبية أقرب بكثير إلى نسق الدولة البوليسية منها إلى فعل الثورة؛ إن شرطة العروض هي التي انسحبت أمام ثورة النثر وإن كان أكثر الثوار غائباً عن الواقع الشعري بما يحجب عنه هذه الحقائق. يمكنني أن أدافع عن نصي في سياقه – وقد كتبت قصيدتين من داخل الأحداث وعنها (ملحق أدناه) – لكنني لن أدافع عن مفاهيم أو افتراضات مجردة؛ ولا أفهم الكلام عن نوع أدبي (هو الآخر مفترض) وكأنه كيان أحادي قائم بذاته في مواجهة كيانات منافسة. الحاصل منذ عشرين سنة على الأقل هو أن شعر النثر أكثر رواجاً في الدوائر الأدبية بما لا يقاس من الشعر الموزون؛ والدوائر الأدبية على علاتها تعنيني أكثر من التلفزيون على سبيل المثال.

أظنه أمراً مفروغاً منه أن لا نحكم على القصيدة بناء على ما إذا كانت تحقق لأناس غير معنيين بالشعر أفكاراً مجتزأة وقديمة عن طبيعة الخطاب الأدبي أو اختلافه عن خطاب التفاعل اليومي مثلاً. لكن المهم في كل ذلك هو أن الشعر بأي تعريف لا يمكن أن يكون وسيلة، ولا يمكن أن يكون وسيلة سياسية بالذات؛ الدعاية أو الشعارات وإن اتفقنا على ضرورتها ليست شعراً. يبدو لي هذا بديهياً، ولا أريد أن أخوض في الفرق بين الشعر والنَظم؛ لا أريد أن أدافع عن نص لمجرد أنه ليس عروضياً، أو أنجر إلى التعبير عن احتقاري الشديد للشعر الحر (التفعيلة) كحل تقني جبان لم يكن جذرياً بما يكفي ولم يساهم بما يكفي في عقد الصلة بين “جمهور” لا يزال يستسيغ الإيقاع من ناحية وتراث “عمودي” جبار من ناحية أخرى، بل أبقى الفرد معزولاً عن تراثه دون أن يمنحه حرية تجاوز ذلك التراث وكان تمثلاً جلياً لـ”نصف الثورة” التي قامت عليها نهضتنا التوافقية برمتها، مستنداً في مجمله – مثله في ذلك مثل كل أسباب النهضة – إلى سلطة الحكم والقوة لا سلطة المعرفة والذيوع… توجد قواعد وإن لم يمكن قياسها بالمسطرة كما هو حال قواعد العروض، ويوجد قارئ وإن لم يوجد جمهور.

• يرى هنري ميشونيك بأنه إذا تغيرت نظرية الإيقاع تغيرت معها نظرية اللغة بأكملها .. ونحن في ظرف استثنائي الآن حيث فشلت قصيدة النثر في إقرار قواعد راسخة لها بل مازالت تسميتها عاجزة عن التأصيل .. هل ترى بصيص أمل في أن تستطيع قصيدة النثر ممارسة الفعل الثوري وتغيير نظرية اللغة؟

** ليس في النثر إيقاع، هذا ما يجعله نثراً! علينا أن ننظر إلى “القصيدة” باعتبارها شكلاً أدبياً وكفى. كما سبق وذكرت، القواعد تتبع الممارسة لا تسبقها، في الأدب وفي اللغة على حد سواء. وبعد أن انعزلنا عن الأشكال التراثية ثم أعدنا اكتشافها، بعد أن استهلكنا الأشكال المستوردة دون أن نقتع بالأفكار التي أنتجتها، علينا أن نبتدع أشكالنا. علينا أن نبتدع أشكالاً يأتي من بعدنا نقاد ومدرسيون يستشفون منها القواعد ليحددوها فتتأسس وتسود إلى أن يتم التمرد عليها مجدداً. ولا أعرف ما هو الفعل الثوري في هذا السياق. أعتقد أن الكتابة كلها ثورة بمعنى ما، ثورة ذهنية وأخلاقية وهذا – الأمر الذي يتضح لنا أكثر فأكثر في مصر الآن في أعقاب الأحداث الأخيرة – أهم بكثير من الثورة السياسية. كل كتابة تأسيسية هي إعادة اختراع للغة وتعديل على نظريتها. نحن نعيش بالكلام أكثر بكثير مما نعيش بأي شيء آخر، وبحسب عمق هذا الكلام وتفرده يكون عمق وتفرد حياتنا.

• كان الشعر بحضرتك (ليلة 28 يناير) وعبر (مسيلة للدموع) جاء المشهد فادحا وجنونيا…

** ( كان يسقط ماء من عيونهم.. من نظراتهم المصممة وحناجرهم.. قبل أن يرتموا على ظهورهم.. متشنجين فوق سلالم العمارات.. مفزوعين باحتقان وجوههم.. بالفراغ الذي لم يعد ينتج أكسوجينْ.. حيث لكل واحد منهم ألف نسخة مطابقة.. تفتح عيونها بالخارج.. كانوا يغيّرون وجهتهم ويركضون.. وبينما يحتمون بأبواب العمارات.. كان يسقط من عيونهم ماء.. يبرق بين أقدام اللاحقين)

• في (مساء ١١ فبراير)‬ جاءت (صلاة شكر) لتختصر المشهد في لقطات مجازية وتركت القارئ يقوم بعملية (المونتاج) يحذف ويضيف ويقص ويستخدم فنيات الإضاءة الذاتية ويعيد مشاهدة المسرح على طريقته..

** (بريق اللافتات. والصاخبون. والذين تركتُهم مطمئناً. وللمرة اﻷولى منذ اجتمعنا. والمخيمات التي يسكنونها. وطعم الهواء خلف الحواجز. والذين تركوا أشغالهم ليجمعوا الزبالة. وبائعو اﻷعلام مع بائعي التسالي. ولينظمونا صفوفاً في الدخول والخروج. والذين “عزّلوا” بعائلاتهم. والنائمون تحت الدبابة. علامة النصر باﻹصبعين. والذين يفتشونك ويعتذرون. والنائمون في العراء. وكذب المحطات الرسمية. وفي أحضان الله. والكلام المقيّئ. والذين يقبّلون الجنود. والخيانة على صفحات الجرائد. والخيانة بلا أجندات. وحاملو اﻷرغفة والفواكه. الشاي في الكوب البلاستك. والسيجارة المشتعلة من سيجارة. وصورة تذكارية مع الدبابة. الذاهب واﻵتي. و“مرحباً باﻷبطال“. ومَن راح حسه وهو يهتف. والخوذة المرتجلة في النار. والكوكاكولا لغسيل الوجه. وفي الطوب والحوافر والعصي. الجري ثم الرجوع. وأحضان الثكالى. والمتليف جلده بالشظايا. أوجع قلبه ما حدث لهم. والكوكاكولا بثلاثة جنيهات. ومع علبة كشري صغيرة. ولا يجد حرجاً أو غضاضة. ولن يقبل اﻹملاءات اﻷجنبية. ويقولون إننا مضللون. حاملو الجرحى عبر المداخل. وخراطيم المياه على الساجدين. والساجدون على اﻷسفلت. والذقن والشعر واﻷحذية. ويقولون إنه على كلٍ رئيسنا. سائق التاكسي الخائف. ورافعو الصليب المقدس. وسائق التاكسي الخجول. والذين دهستهم العجلات. صورة الرئيس مع الحذاء. ومشيعو اﻷجساد واحداً بعد واحد. والذي مات قابضاً على الطلقة التي أخرجها من عنقه الطبيب. والذي اختطفوه وأحرقوا وجهه بالسجائر. والذي مات في المرة الثانية. من يهتف لا يمت. والقنص من فوق أسطح الفنادق. والقنص تحت ستار الليل. والشعارات في الرصاص. والذي واجه المدرعة لوحده. والقلق على البلد ككلام المأجورين. وتحت غطاء الليل. أكثر من معنى لجبهة. واستغاثات اﻷطباء. والنازفون على السلالم. وخسّة الشرطي. ومَن حمل القنبلة وقذفها عليهم. ومِن وسط دخان التشنج. ومن حل محلهم وهم يركضون. والذي منع زميله من ضربهم بالحجارة. والنيل ليلاً. والجندي الذي قال لي: كيف أضربكم وأخي بينكم. وضابط الجيش الذي غمرني بذراعه. والشعب يريد إسقاط النظام. ودقات الطبول إيذاناً بشيء. والكارثة. والساحات المدمدمة كالمناحل. ودقات لتنغيم الشعار. الانتظار والذراع مرفوع بالبطاقة. ومن كان شرطياً سيُذبَح. والجلوس على الرصيف. والموت ضرباً. والموت بالنهار. والمطر على الجباه. الشعب يريد محاكمة الرئيس. وعيون الخارجين من المساجد. وأطفال العشوائيات. وما يبقى من السيارة بعد أن تحترق. والانفلات اﻷمني. والرشاش في المرحاض. وأفواج اﻵتين بعد أن يأمنوا. واﻵتون مع أصدقائهم. واﻵتون مع أقاربهم. واﻵتون لوحدهم. ويسقط مبارك‫)