الثورة

الثورة بجد: قصائد مختارة

Processed with VSCOcam with 5 preset

أولى أغاني قسمت

الجسم المنتفض الآن

على صدري

المتململ كأرنب

يسعه كله كفي

ذات يوم ستكون له رائحة امرأة

تكسر حفنة قلوب

وحينها فقط

سأغفر لكن جميعاً

يا بائعات العطور

Continue reading

استبدال جزم الثورة الآن وليس غداً

أو “تشنيف الآذان في الردح لداعمي الإخوان”

بيان “نخبوي” آخر منتشر على “فيسبوك” قال لك إن في المجتمع المصري الآن انقساماً بين فصيلين لا حَكَم بينهما إلا “الثورة”.

ومن غير ما يتعرض لحقيقة أن ثورته هذه لم تحترم المواطنة لحظة واحدة منذ قيامها وأنها اعتمدت في قلة احترامها على تفوق أخلاقي مفترض ودفق عاطفي جياش لا فائدة سياسية ولا مصداقية لهما بعد كل ما جرى، اعتبر البيان “مؤيدي الرئيس” أحد فصيلي الانقسام فلم يفرّق بين ناس مسالمة تريد أن تسترد هامش استقرار وحرية أو عقلانية كان موجوداً بالفعل رغم دينصورية النظام الساقط ومشروع التوريث وبين مهاويس معتوهين بأي مقياس، مستعدين لحمل السلاح دفاعاً عن الشريعة الإسلامية كما “الشرعية الديمقراطية”، ولا يُخفون رغبتهم في شطب هذا الهامش كلياً بين يوم وليلة. بين يديك إذن دليل إضافي على أن الطريق إلى أفغانستان مفروش بالنوايا “الثورية”.

وفي هذا السياق يصمم البيان شأنه شأن غالبية المعسكر الثوري على تزييف ما جاء به ٣٠ يونيو ٢٠١٣ من ارتداد صريح عن حراك غير مسئول غلّب الإخوان المسلمين وملحقاتهم فيراه “استمراراً” لـ ٢٥ يناير ٢٠١١، وبنفس أم الوقاحة التي كادت تأتي على الدولة وما فيها قال لك “الآن وليس غداً”…

Continue reading

باولو ومون في جلسة اعتراف: مقطع من رواية الأسد على حق

عندي علاقة خاصة جداً مع القط عتريس.

من وسط حوالي عشرة عرفتهم يا باولو، ستة كان مزاجهم الضرب؛ تخيل أني كنت أحب منهم الوجع، آه! ومع ذلك أفظع شيء أحبه من دين أمك هو الحنان والرقة، تخيل!

أبي مات وهو مصدق أنه إقطاعي لمجرد أنه كان عنده أرض في المنوفية في يوم من الأيام. موظف فقير في وزارة الأوقاف فاكر أنه إقطاعي. لدرجة أن حبي لعبد الناصر كان ثورة على احتقاره للفلاحين.

Continue reading

حتى المثقفين رغم كل ثقافتهم برضه ما بيشوفوش في الضلمة: تدوينة عن وزارة الثقافة

طيب، ولأنه أكتر من طرف عمل ملاحظات ممتعضة على انتقادي للاحتجاجات ضد وزير الثقافة وسخريتي من فكرة “أخونة الثقافة”، بما فيهم أمي شخصياً على فكرة (وأحيل المهتمين لمقال أحمد ناجي في المصري اليوم اللي هو صياغة مختلفة للفكرتين اللي عايز أقولهم هنا على سبيل الإيضاح):

أولاً التناقض السافر والمضحك في موقف “المثقفين” هو إنه موقف من شخص وزير الثقافة يتم التعبير عنه (سواء بدوافع حنجورية أو بدوافع السبوبة) كما لو كان ممكن يوجد وزير أفضل في ظل وزارة هشام قنديل بل كما لو كان ممكن للرئاسة الحالية (اللي هي النار ولا عار شفيق بالمناسبة) إنها تعيّن وزارة أفضل. ويبدو لي إن المطالبة بوجود وزير ثقافة “مثقف” أو يعني “طليعي” و”مستنير” داخل تركيبة السلطة الحالية هو إما عبط أو استعباط، لأن ما فيش بني آدم محترم على أي مستوى ممكن يقبل المنصب ده بالشروط دي ولو فيه بني آدم محترم نسبياً يعني أقل استعداداً لتنفيذ السياسات الأصولية لجماعة الإخوان داخل الوزارة آجلاً أو عاجلاً حيقال أو يستقيل.

Continue reading

تهامة الجندي عن التماسيح

رواية «التماسيح» ليوسف رخا: جاءت الثورة كقطار أخير وتركتنا على رصيف المحطة

wpid-img_4689-2013-04-1-01-36.jpg

«بعد عشرة أعوام أو أكثر – بينما حزب النور السلفي وحزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين يربحان الانتخابات التي بدأت، والأمن لا يزال يقتل وينهب في الشوارع، وفيالق الشرطة العسكرية من قواتنا المسلحة تسحل المتظاهرين وتجردهم من ملابسهم وتميتهم ضرباً، ثم تجر الجثث إلى أكوام الزبالة فضلاً عن قنصهم وتعذيبهم داخل المنشآت العامة – أصبحتُ أعرف أن الشر يبدأ من حيث يتصور الإنسان أنه بمعرفة أو عقيدة أو هوية، يمكنه أن يغيّر مجرى حياة سقطت على كتفه مثل حقيبة» (ص179).

Continue reading

عن الأناركية والعدمية ومقالات الرأي وحاجات تانية جميلة: تدوينة اعترافات

(١)

عندما أقرأ مقالات معارفي الذين يواظبون على النشر في الصحف المصرية ينتابني الشعور بأن بيني وبين الواقع الذي يتكلمون عنه فيلتر تلت مراحل، كأن المسافة من عندي إلى المجتمع عبارة عن “نو مانز لاند” بثلاث نقاط تفتيش.

وأحس أن معارفي من كتاب الرأي الشباب هؤلاء على تفاوت مهاراتهم ورؤاهم معلقون في نقطة التفتيش الثانية أو طافون في المرحلة المتوسطة من الفيلتر – يعني حتى هم بينهم وبين الواقع مرحلة – لكن يكون بيني وبينهم أيضاً نفس المسافة، الأمر الذي يضاعف من إحساسي بأني في المكان/الزمن الخطأ.

دائماً يبدو الكلام أكثر بديهية من أن تُكتب عنه مقالات في الجرايد، فيكون هناك إحساس بأن الكتاب مضطرون إلى تضييع وقتهم من أجل الاشتباك مع واقع وسخ. ويكون هناك شك في أنهم إذا وُجدوا في واقع أنظف لن يجدوا ما يقولونه.

Continue reading

بيت أروى: مهاب نصر عن الصدق والثورة

ليس أخطر ما أنتجته ثورة يوليو (أو انقلاب يوليو) هو ما يسمى بـ”حكم العسكر”، بل في كونها مثلت أو تسببت بوضوح في إحداث شرخ واسع في الضمير المصري. لأنها أولا أول سلطة “مصرية” تحتكر الحكم بلا منازع (فلا ملك ولا إنجليز)، ومن ثم فقد كانت تمهيدا لمواجهة الشعب لذاته وإن استغرقت هذه المواجهة عقودا خصيلتها ما يحدث الآن. ولأن هذه السلطة لم تحتكر الحكم باعتبارها سلطة منتخبة بل استثنائية، وهو ما جعل فكرة “الاستثناء” تتحول إلى قاعدة سياسية بشكل متناقض تماما مع طبيعتها. وهي ثالثا احتكرت تمثيل الضمير العام (المبرر  لهذه الاستثنائية) وبالتالي وضعت نفسها أمام شرط مستحيل وزائف.

Continue reading

قرارات مرسي الأخيرة: إعلان موقف

“حماية الثورة”… قل ما تشاء يا رفيق: أنا فعلاً نادم على مشاركتي في الحماقة الكبرى التي تسمونها الثورة، ولم أشعر مثل اليوم بضآلتي ولا جداوي أنا وكل ما يمكن أن أمثله. كل ما في الأمر أنني تصورت خطأ أنني أعيش في مجتمع يمكن أن يدافع عن مصالحه، أو يعني مجتمع له طليعة تعرف تلك المصالح أو ترى أبعد قليلاً من بشاعة القمع اللحظي وأخلاقية الشعار. قاطعت الانتخابات البرلمانية وقاطعت انتخابات الرئاسة، وحاولت على مدى سنتين أن أستفز المعنيين لأذكرهم إلى أين نحن ذاهبون… الآن أحس أننا قد وصلنا، ولم أعد متأكداً من أن مصر ليست سوريا، ولا أشعر أن عندي أي شيء أقدمه. ليسقط الإسلام السياسي وليسقط التدين الذي أنتجه؛ لتسقط أكذوبة القومية العربية ومزحة التحرر الوطني؛ لتسقط ترهات النهضة ودعارات المقاومة؛ ليسقط الفساد والاستبداد… ولكن ليسقط كل من ساهم ولو بنفس شارد في ركوب شعوب وأوطان بأسرها على هذه الوحوش الورقية ومن ثم وصولنا إلى هنا. نحن يا رفيق لا نستحق الحياة.

ثمانية عشر

مرة أخرى أنوي الكتابة قبل الحدث فيأتي الحدث قبل الكتابة. لقد ابتعدتُ عنوة عن مواقع الكرامة والإثم، عن الاعتصام والمسيرة وعن أماكن التظاهر، حيث القمع الرسمي وأدواته غير الرسمية سواء أمِن المشتغلين في إمرة الضباط لقاء أجر أو المتطوعين تعلقاً بفكرة عن الوطن (كأكثر الأفكار العربية المعاصرة بما في ذلك “الإسلامي” منها) قادرة على إلغاء المواطن. ابتعدتُ عنوة عن دم القتيل الذي يُسمّى شهيداً، وعن الأسفلت الذي يصبغه هذا الدم. بنزق تنكّرتُ لبهجتي الأولي ونحيّتُ الأحداث لأبقيها حيث يجب أن تكون: في خلفية الغرفة التي نسميها حياتنا. كففتُ عن انتظار الأفضل بنفاد صبر ورغبة حارقة في أن أتغير – أنا – أو أفهم، على الأقل أن أفهم. لو كان العالم حقاً تغير كما اقتنعنا أو أقنعنا تطابق خيالنا لحظياً – وفجأة – مع وقائع لم نصدق من قبل أن حدوثها ممكن، فالمعنى الوحيد الوارد لتغير العالم هو أن أحس نفسي شخصاً جديداً. وبهذا المعنى – رغم تهمة التشاؤم التي لا يفتأ الرفاق يوجهونها إلي، رغم كل المصائب التي عايشتها في محيطها أو عبر وسائل الاتصال، ورغم أن رموز الثورة من “النشطاء” أنفسهم لا يبدو أنهم خرجوا من التجربة بنظرة مختلفة إلى الحياة – أظن الثورة نجحت في تغيير العالم.

أما الدليل إذا ذكرتُ الفهم صارت الصورة أوضح بالفعل، وصرت على استعداد أكبر لأن أصفها بأمانة… إنني، باستثناءات كأنها لم تحدث، لي عام أو أكثر لا “أنزل” مع “النازلين”؛ الأمر الذي لا يعبّر عن اليأس بقدر ما يضمر عزوفاً مقصوداً (حتى وإن كان في بداياته لاواعياً) عن الثورة كلحظة مصمتة، معزولة في قداستها، معادية للحياة؛ في مقابل الإقبال على الثورة كسبيل لممارسة أقل تأزماً للحياة نفسها بكل تفاهتها اليومية. إنه عزوف يحدوه السعي إلى اختبار ذلك الذي سميناه الثورة على مداه، بلا تدخل شخصي في مجرياته بعد لحظة خرق التوقعات التي أدت إلى سقوط مبارك – النجاح الأول و(إلى الآن) الأخير – يوم غرق ميدان التحرير في دموع الفرحة بينما كان كفار الثورة المعادون لنا طوال ثمانية عشر يوماً يخرجون صاخبين في أول إعلان رسمي عن إيمانهم، محتفين بما حققناه نحن آباء المؤمنين… بعبارة أخرى، أنا واحد من الناس لي عام أتفرج.

Continue reading

حوار ناصر أبو عون

wpid-france177-2011-06-23-06-10.jpg

الشاعر يوسف رخا من ميدان التحرير لـ(أصوات الشمال) حاوره : د. ناصر أبوعون

في مدونته (شمال القاهرة غرب الفيليبين2009) عن “دار رياض الريس”، تشم منهما رائحة التاريخ كما يراه هو من نافذة الجرح وصولا إلى رائعته الروائية (كتاب الطغرى: غرائب التاريخ في مدينة المريخ) الصادرة عن دار الشروق،٢٠١١وهو من مواليد (المحروسة/القاهرة) يوسف رخا صحافي وأديب مصري، درس منذ نعومة أظفاره في المملكة المتحدة، يشيد عمائر من النصوص، أبدع العديد من المدونات التي تنظم (الشعر والنثر) في سلك واحد تحت عنوان عريض يسمى (الأدب)، ويعمل في الصحافة العربية الصادرة بالإنجليزية / (الأهرام ويكلي)، وصدر له عن (دار العين) مؤخرا كتابه «كل أماكننا» شعري/ نثري، ويضم ديوانين صغيرين هما (اسم الوالد السعيد) و “قائم بأعمال السمك” تفصل بين زمن كتابتهما أكثر من عشر سنوات، إضافة إلى عدد من النصوص النثرية الطويلة والقصيرة. وقبل ذلك بسنوات خرج علينا بـ(أزهار الشمس) وهي مجموعة قصصية أعقبها بـسِفره الأقرب إلى أدب (سيرة المكان) البعيد كليا عن أدب الرحلة تحت عنوان (بيروت شي محل2006) ومُثنيًا بسرديته (بورقيبة على مضض2008) وقد التقيناه عبر الإنترنت ودار الحديث عن شعر الثورة وثورة الشعر وحلول ميدان التحرير (الرمز) في قصيدته وتطرق الحديث حول إشكاليات الحداثة وقصيدة النثر
• تعد الصورة الشعرية في نصوصك (بؤرة النص ومداره) ؛ بل تمثل فسيفساء تغطي مساحة النص وتطغى على بياض الورق ..هل هذه محاولة منك لاستبدال الإيقاع العروضي في القصيدة التقليدية بالصورة في نصوصك النثرية ؟
يوسف رخا
لم أسع إلى ذلك إلا في حدود شديدة الضيق. لا أستبدل الإيقاع ولا أحس بحاجة إلى استبداله. أحياناً يكون خلو النص من أي موسيقى – دعك من “الدَقّة” العروضية – أقوى تأثيراً. لتقسيم النص إلى سطور أو عدمه ولشكل الكلمات على الصفحة دور ربما، لكنني كما سبق لم أتبحر في هذا الجانب من جماليات الشعر أو أنتبه إليه كثيراً. الصورة كمعنى صرف أهم بالنسبة إلي من الاستعارة. المجاز لا غنى عنه لكنني أنشدّ إلى المعنى البدائي للمجاز، إلى كون اللغة كلها مجازاً. روعة الشعر بالنسبة إلي في اللحظة التي تشعر فيها أن الجملة تقال لأول مرة في تاريخ الإنسانية.

• لوحظ أنك تشتغل كثيرا على اللغة ؛ بل تمارس فعلك في اللغة بما يتوازى مع حركية الحياة الإنسانية .. هي (فعل يحيل إلى الواقع) ؛ كيف من وجهة نظرك أن تصبح اللغة مشاعا إنسانيا لاحتمالات التغيير ؟
يوسف رخا
** هذه مسألة شديدة الصعوبة وأظن لها علاقة بالأمانة، بأن لا نقول إلا ما نصدّقه ونريد بالفعل أن نقوله وبأن لا تستهوينا الشعارات. أعتقد أن الثقافة العربية المعاصرة تبالغ كثيراً في تصوراتها عن دور الشعر في تغيير المجتمع أو إمكانية أن يكون للشعر أثر مباشر على الحراك الاجتماعي. أعتقد أن المبالغة في تلك التصورات إنما تقوّض وتعهّر الشعر وتخطئه، كما تساهم في انعزال الشعراء. العثرة الأساسية في العالم العربي هي الأمية بكل تجلياتها، وكون الأدباء اعتادوا أن يخاطبوا السلطة لا الناس. رهاني “الثوري” يظل على التغيير التدريجي البطيء للوعي، وبينما أقوم بما علي لا أعول كثيراً على كسب الرهان.

• مطالعة إنتاجك النثري يؤكد أنك تدعو إلى انقلاب ثوري ينطلق من فكرة، ترى الشعر (كشفا ورؤيا)، أليس هذا غير منطقي ويعلو على الشروط الشكلية للشعر التقليدي؟
يوسف رخا
** أرى الكتابة كلها نوعاً من المعرفة، أراها معرفة أو تواؤماً مع الواقع كما أن كل معرفة تواؤم وإن لم تكن مصالحة ولا حتى بالضرورة فهماً. الفهم مجرد جزء من المعرفة. لكن الكتابة أيضاً منطق في الحياة أو طريقة بالمعنى الصوفي، وبهذه الصفة – بلا مبالغة أو تحوير – أنت تدخر لها كل شيء عن طيب خاطر، لأنها تمنح حياتك معنى أو جدوى بمعزل عن كل أسباب التحقق خارج النص، مادية أكانت أو معنوية. هي لا تغنيك عن الحياة من أجل تحقق مادي أو معنوي، لكنها تمنح السعي إليهما معنى وتجعل المعرفة غايته. كل الناس تعيش بالكلمات، الفرق أنك تصير واعياً بذلك. تعرف أنك تعرف. ولعل هذه ثورة في حد ذاتها: تلك المواجهة مع الكلمات والتي أظن أكثر الناس يتحاشونها بكل طاقتهم لأنها مؤلمة ومخيفة، لكن الكتابة تمكّنك من استمتاع معذّب بخوضها حتى وأنت تدفع ثمن متعتك من استغراب واستياء الآخرين ممن تكتب عنهم أو تفقدهم بمرور الوقت.

أرى الكتابة معرفة وأرى الشعر ببساطة درجة أصفى أو أكثر تكثيفاً لفعل الكتابة مما يكون عليه في أشكال أدبية أخرى، أصفى أو أحدّ ولكن ليس أرقى أو أقيم في حد ذاته. الشعر هو الكتابة في أشد صورها حدةً أو صفاءً، الأمر الذي يجعله معقداً بالمقارنة مع ما سواه من أشكال أدبية لكنه عندما يتحقق – وهذا هو أحد ألغاز الشعر – يصبح أسلس وأسهل مما سواه هكذا بلا مجهود إضافي. أعتقد أن نظرتي إلى الكتابة من واقع ممارستها منطقية تماماً، ولا أرى أنني منعزل عن امتدادها الزماني والمكاني في اللغة العربية. أنا لست معنياً بغير شروط واقعي كما أراه ولا ألتزم بالشروط الشكلية لأي شيء “تقليدي” فلماذا ألتزم بالشروط الشكلية للكتابة؟ في جانب منه يبقى الطموح كلاسيكياً لكن العلاقة بالتراث تأتي في عمق وتنوع ما يمكن أن يطرحه من أسئلة، ليس في استنساخ تقنياته. أنا شخص يرتدي القميص والبنطلون ويستعمل الموبايل واللابتوب، يقود سيارة ويحتسي المياه الغازية ولا يستطيع أن يعيش بلا إنترنت. ماذا يمكن أن يعنيني في الالتزام بشروط القديم أو إعادة إنتاجه؟

• كتابتك النثرية وخاصة في قصائدك المنشورة في مجلة (نزوى) تدعو إلي مزيد من الحرية، التي تجعل الشكل يمَّحي أمام أي قصد أو هدف، من أجل البحث في وظيفة الممارسة الشعرية التي تعتبر طاقة ارتياد وكشف تتجاوز في قدرتها الأشكال المؤسسة .. إلى أين يأخذ يوسف رخا القارئ في زمن الثورة على كل التقاليد العربية ومنها تقاليد الشعر؟
يوسف رخا
** الشكل شيء أساسي. لا أقصد النوع الأدبي وإن كان انتماء نص ما إلى نوع أدبي معين أو ادعاؤه أيضاً يؤثر على الشكل. الشكل هو من صلب النص وليست الحرية من دواعي اختلاله. وعليه فإنني أدعوك إلى اختيار أي جملة كتبتُها في أي سياق وسأستطيع أن أشرح لك كيف أنها جزء من بناء كُتبت بداخله ومن أجله، كيف أنها تساهم في تكوين شكل بقدر ما تعبر عن مضمون. أي جملة: أستطيع أن أشرح لك الوظيفة التي تؤديها لتحقيق الشكل الذي يحتويها، وإلام تستند من كتابات وأشكال كتابة سابقة على كتابتها. هذا أيضاً أمر مهم وإن لم يكن في صلب السؤال: أن لكل جملة تاريخ من الجمل المكتوبة قبلها من جانب آخرين قرأتَ لهم أو لم تقرأ؛ وحتى داخل اللغة الواحدة، بالرغم من التلاقح الدائم للغات، أنت عندما تكتب لا تقفز في الفراغ. أنت تعيد كتابة شيء قرأته أو كنت تود قراءته. من هنا أظنني أصاحب القارئ على دروب دائرية قد تقوده حتى إلى كتابة أقدم من كتابتي. لا أريد أن “آخذ” أحداً إلى مكان! أرى الكتابة طريقة للتواصل الصادق مع أناس لا أعرفهم، ولإعادة صياغة جمل لابد أنها صيغت من قبل لكنها لا تعنينا بالقدر نفسه قبل أن نعيد صياغتها. سأكتفي، رداً على عبارتك الأخيرة، بقول إن تقاليد الشعر تتجاوز عروض الخليل. ولو أن صياغتي للجمل التي أختارها تستلزم عدم الالتزام بالعروض، فذلك لا يعني أنني مقطوع الصلة بالمنجز الخلاب لأمثال أبي فراس الحمداني والنابغة الذبياني وأبي نواس والمتنبي وابن الفارض…

• جيلك من شعراء قصيدة النثر (في التسعينيات من القرن العشرين) متهمون بأنكم مثل معظم تمثيلات الانتلجنسيا العربية ما زلتم تتعاطون مع مفهوم الحداثة من طريق القصر على الوسائل والأدوات دون تشرب حقيقي لفلسفتها، بما هي فكر وسلوك ونمط حياة. وحين تغدو الأفكار الجديدة انتقاء تتأبد أزمة المحاكاة والبرانية فماذا تقول ؟
يوسف رخا
** أولاً أنا لا أنتمي إلى جيل. في الآونة الأخيرة أعتقد أنني فهمت من أين أتى هذا المفهوم إلى دوائر الأدب العربي وماذا كانت ضرورته – في غياب أي دعم معنوي أو مادي لإنتاج الأدب كان لزاماً على من تقاربت أعمارهم وظروفهم الاجتماعية أن يتكتلوا لكي تحافظ الكتابة على الحد الأدنى من المصداقية أو هكذا ظن عدد كاف من الناس عبر موجات متلاحقة بامتداد القرن العشرين – لكن بشكل “موضوعي” لا أظن مفهوم الجيل ينطبق عليَّ. كان لي صلة سطحية بجماعة “الجراد” ربما وهي أحد “جيتوهات” الهامش الثقافي المفترض – لست مقتنعاً بثنائية الهامش والمتن التي استُغلت ببذاءة في هذا السياق، لكن لا يمكن وصف جماعات التسعينيات إلا بالجيتوهات – وبدا ما يكتبه أعلامها قريباً إلى ذائقتي أو فكرتي عن ما يجب أن يُكتب. لكنني لم أكن مجايلاً لهؤلاء ولا مشاركاً لهم في السلوك ونمط الحياة. كان ما يشدني إليهم في جزء منه على الأقل هو الشعور بأنهم يكتبون أشياء حاصلة في الواقع دون اللجوء إلى متكآت مفاهيمية كالحرية والعدالة والإخاء أو الحب والخير والجمال. كانوا يتحدثون عن الخبرة الروحية وخبرة المكان دون أن يقولوا قال الله وقال الوطن. ولم يكن خطابهم يعتمد على ذرائع جمالية أو سياسية. الآن فقط أعرف أن فردية “التسعينيين” لم تكن عاملاً في انجذابي إليهم، لأنهم ببساطة لم يكونوا فرديين. كان وجودهم في جيتو هو ما ينفرني، بالمقابل.

وخلاف أن يكون المقصود بكلمة حداثة هو تلك الفردية أو تجاوز المقدسات، أستطيع أن أقول بصدق إنني لا أعرف ماذا تعني الكلمة أو ماذا يُقصد بها في السياق العربي. من ذا الذي نحاكيه؟ هل تعلم مثلاً أن الكثير جداً من الشعر “الغربي” المعاصر موزون ومقفى؟ أين إذن الحداثة النثرية المفترض أنها وافدة إلى شعرنا؟ وبأي منطق تقابل أي “حداثة” محتملة مفهوم “الأصالة” أساساً؟ هل المبتغى أصالة مفاهيمية (أيديولوجية) أم أمانة فردية؟ بسبب تعليمي في إنجلترا واتقاني للإنجليزية منذ عمر مبكر، لا أظنني أدعي إذ أقول إنني “أعرف” الغرب. ولا أظن “هم” مختلفين عن “نا” أو متفوقين علينا أدبياً في أي شيء سوى درجة تغلغل الكتابة في المجتمع الذي ينتجها، والمدعومة بنسق رأسمالي عام يستلزم أنواعاً من “المهنية” ليست دائماً في صالح الأدب، لكنها بالطبع مدعومة أيضاً بنسب بتوفر أسباب القراءة الاقتصادية والتعليمية والسياسية بدرجات أعلى بما لا يقاس. أعتقد أن الإشكال عندنا يكمن في الجهل بالسياقات الغربية والافتراض المسبق أنه أفضل أو ما يشبه إحساساً ملازماً بالدونية ولذلك أسباب تاريخية واضحة، لكن قناعتي أن التفاعل أياً كان هو بتعريفه نشاط ندي. الكتابة فضاء ندي شئنا أم أبينا، وليس سؤال البرانية أو العصرية (المعاصرة) سؤالاً ثقافياً؛ أقصد أنه ليس سؤالاً يطرحه اختلاف ثقافة عن أخرى. قناعتي أنه سؤال أخلاقي، بمعنى أن الشعر تمثل لحقيقة ما داخل واقع ما من المفترض أن تلتزم بهما الكتابة ومن ثم تحفظ مصداقيتها. فهل تخرج الكتابة من احتياج صادق إليها وهل تُستقبل بنزاهة أدبية؟ أظن هذا هو المهم، ولا أظنه مرتبطاً لا بالحداثة ولا بالتطابق مع مصدرها.

• يقول بعض شعراء قصيدة النثر (لا توجد قاعدة ولا جمهور لقصيدة النثر) إذن لمن تكتب؟ أليس هذا إقرار بعجز قصيدة النثر عن التفاعل مع الجمهور ؟ هل تعلم أن قصيدة العامية والنمط الكلاسيكي والتفعيلي كان حاضرا ومتجاوبا ووسيلة من وسائل ثورة 25 يناير وسجلت قصيدة النثر انسحابا مخزيا كانسحاب قوات الشرطة من الميدان فانتصرت الثورة؟

** الكلام عن غياب الجمهور مهم جداً، أما مقارنة “قصيدة النثر” بانسحاب الشرطة فلا يعني شيئاً. يبدو لي أن سلطة التقليد ووضع شروط تقنية للممارسة الأدبية أقرب بكثير إلى نسق الدولة البوليسية منها إلى فعل الثورة؛ إن شرطة العروض هي التي انسحبت أمام ثورة النثر وإن كان أكثر الثوار غائباً عن الواقع الشعري بما يحجب عنه هذه الحقائق. يمكنني أن أدافع عن نصي في سياقه – وقد كتبت قصيدتين من داخل الأحداث وعنها (ملحق أدناه) – لكنني لن أدافع عن مفاهيم أو افتراضات مجردة؛ ولا أفهم الكلام عن نوع أدبي (هو الآخر مفترض) وكأنه كيان أحادي قائم بذاته في مواجهة كيانات منافسة. الحاصل منذ عشرين سنة على الأقل هو أن شعر النثر أكثر رواجاً في الدوائر الأدبية بما لا يقاس من الشعر الموزون؛ والدوائر الأدبية على علاتها تعنيني أكثر من التلفزيون على سبيل المثال.

أظنه أمراً مفروغاً منه أن لا نحكم على القصيدة بناء على ما إذا كانت تحقق لأناس غير معنيين بالشعر أفكاراً مجتزأة وقديمة عن طبيعة الخطاب الأدبي أو اختلافه عن خطاب التفاعل اليومي مثلاً. لكن المهم في كل ذلك هو أن الشعر بأي تعريف لا يمكن أن يكون وسيلة، ولا يمكن أن يكون وسيلة سياسية بالذات؛ الدعاية أو الشعارات وإن اتفقنا على ضرورتها ليست شعراً. يبدو لي هذا بديهياً، ولا أريد أن أخوض في الفرق بين الشعر والنَظم؛ لا أريد أن أدافع عن نص لمجرد أنه ليس عروضياً، أو أنجر إلى التعبير عن احتقاري الشديد للشعر الحر (التفعيلة) كحل تقني جبان لم يكن جذرياً بما يكفي ولم يساهم بما يكفي في عقد الصلة بين “جمهور” لا يزال يستسيغ الإيقاع من ناحية وتراث “عمودي” جبار من ناحية أخرى، بل أبقى الفرد معزولاً عن تراثه دون أن يمنحه حرية تجاوز ذلك التراث وكان تمثلاً جلياً لـ”نصف الثورة” التي قامت عليها نهضتنا التوافقية برمتها، مستنداً في مجمله – مثله في ذلك مثل كل أسباب النهضة – إلى سلطة الحكم والقوة لا سلطة المعرفة والذيوع… توجد قواعد وإن لم يمكن قياسها بالمسطرة كما هو حال قواعد العروض، ويوجد قارئ وإن لم يوجد جمهور.

• يرى هنري ميشونيك بأنه إذا تغيرت نظرية الإيقاع تغيرت معها نظرية اللغة بأكملها .. ونحن في ظرف استثنائي الآن حيث فشلت قصيدة النثر في إقرار قواعد راسخة لها بل مازالت تسميتها عاجزة عن التأصيل .. هل ترى بصيص أمل في أن تستطيع قصيدة النثر ممارسة الفعل الثوري وتغيير نظرية اللغة؟

** ليس في النثر إيقاع، هذا ما يجعله نثراً! علينا أن ننظر إلى “القصيدة” باعتبارها شكلاً أدبياً وكفى. كما سبق وذكرت، القواعد تتبع الممارسة لا تسبقها، في الأدب وفي اللغة على حد سواء. وبعد أن انعزلنا عن الأشكال التراثية ثم أعدنا اكتشافها، بعد أن استهلكنا الأشكال المستوردة دون أن نقتع بالأفكار التي أنتجتها، علينا أن نبتدع أشكالنا. علينا أن نبتدع أشكالاً يأتي من بعدنا نقاد ومدرسيون يستشفون منها القواعد ليحددوها فتتأسس وتسود إلى أن يتم التمرد عليها مجدداً. ولا أعرف ما هو الفعل الثوري في هذا السياق. أعتقد أن الكتابة كلها ثورة بمعنى ما، ثورة ذهنية وأخلاقية وهذا – الأمر الذي يتضح لنا أكثر فأكثر في مصر الآن في أعقاب الأحداث الأخيرة – أهم بكثير من الثورة السياسية. كل كتابة تأسيسية هي إعادة اختراع للغة وتعديل على نظريتها. نحن نعيش بالكلام أكثر بكثير مما نعيش بأي شيء آخر، وبحسب عمق هذا الكلام وتفرده يكون عمق وتفرد حياتنا.

• كان الشعر بحضرتك (ليلة 28 يناير) وعبر (مسيلة للدموع) جاء المشهد فادحا وجنونيا…

** ( كان يسقط ماء من عيونهم.. من نظراتهم المصممة وحناجرهم.. قبل أن يرتموا على ظهورهم.. متشنجين فوق سلالم العمارات.. مفزوعين باحتقان وجوههم.. بالفراغ الذي لم يعد ينتج أكسوجينْ.. حيث لكل واحد منهم ألف نسخة مطابقة.. تفتح عيونها بالخارج.. كانوا يغيّرون وجهتهم ويركضون.. وبينما يحتمون بأبواب العمارات.. كان يسقط من عيونهم ماء.. يبرق بين أقدام اللاحقين)

• في (مساء ١١ فبراير)‬ جاءت (صلاة شكر) لتختصر المشهد في لقطات مجازية وتركت القارئ يقوم بعملية (المونتاج) يحذف ويضيف ويقص ويستخدم فنيات الإضاءة الذاتية ويعيد مشاهدة المسرح على طريقته..

** (بريق اللافتات. والصاخبون. والذين تركتُهم مطمئناً. وللمرة اﻷولى منذ اجتمعنا. والمخيمات التي يسكنونها. وطعم الهواء خلف الحواجز. والذين تركوا أشغالهم ليجمعوا الزبالة. وبائعو اﻷعلام مع بائعي التسالي. ولينظمونا صفوفاً في الدخول والخروج. والذين “عزّلوا” بعائلاتهم. والنائمون تحت الدبابة. علامة النصر باﻹصبعين. والذين يفتشونك ويعتذرون. والنائمون في العراء. وكذب المحطات الرسمية. وفي أحضان الله. والكلام المقيّئ. والذين يقبّلون الجنود. والخيانة على صفحات الجرائد. والخيانة بلا أجندات. وحاملو اﻷرغفة والفواكه. الشاي في الكوب البلاستك. والسيجارة المشتعلة من سيجارة. وصورة تذكارية مع الدبابة. الذاهب واﻵتي. و“مرحباً باﻷبطال“. ومَن راح حسه وهو يهتف. والخوذة المرتجلة في النار. والكوكاكولا لغسيل الوجه. وفي الطوب والحوافر والعصي. الجري ثم الرجوع. وأحضان الثكالى. والمتليف جلده بالشظايا. أوجع قلبه ما حدث لهم. والكوكاكولا بثلاثة جنيهات. ومع علبة كشري صغيرة. ولا يجد حرجاً أو غضاضة. ولن يقبل اﻹملاءات اﻷجنبية. ويقولون إننا مضللون. حاملو الجرحى عبر المداخل. وخراطيم المياه على الساجدين. والساجدون على اﻷسفلت. والذقن والشعر واﻷحذية. ويقولون إنه على كلٍ رئيسنا. سائق التاكسي الخائف. ورافعو الصليب المقدس. وسائق التاكسي الخجول. والذين دهستهم العجلات. صورة الرئيس مع الحذاء. ومشيعو اﻷجساد واحداً بعد واحد. والذي مات قابضاً على الطلقة التي أخرجها من عنقه الطبيب. والذي اختطفوه وأحرقوا وجهه بالسجائر. والذي مات في المرة الثانية. من يهتف لا يمت. والقنص من فوق أسطح الفنادق. والقنص تحت ستار الليل. والشعارات في الرصاص. والذي واجه المدرعة لوحده. والقلق على البلد ككلام المأجورين. وتحت غطاء الليل. أكثر من معنى لجبهة. واستغاثات اﻷطباء. والنازفون على السلالم. وخسّة الشرطي. ومَن حمل القنبلة وقذفها عليهم. ومِن وسط دخان التشنج. ومن حل محلهم وهم يركضون. والذي منع زميله من ضربهم بالحجارة. والنيل ليلاً. والجندي الذي قال لي: كيف أضربكم وأخي بينكم. وضابط الجيش الذي غمرني بذراعه. والشعب يريد إسقاط النظام. ودقات الطبول إيذاناً بشيء. والكارثة. والساحات المدمدمة كالمناحل. ودقات لتنغيم الشعار. الانتظار والذراع مرفوع بالبطاقة. ومن كان شرطياً سيُذبَح. والجلوس على الرصيف. والموت ضرباً. والموت بالنهار. والمطر على الجباه. الشعب يريد محاكمة الرئيس. وعيون الخارجين من المساجد. وأطفال العشوائيات. وما يبقى من السيارة بعد أن تحترق. والانفلات اﻷمني. والرشاش في المرحاض. وأفواج اﻵتين بعد أن يأمنوا. واﻵتون مع أصدقائهم. واﻵتون مع أقاربهم. واﻵتون لوحدهم. ويسقط مبارك‫)

الريفييرا والدبابات

مارس

هؤلاء ناس يستطيعون أن يقولوا لك بكل صفاقة هناك شمسان في السماء أو لا يوجد سمك في البحر… اسمع: الوطنية هي المواطنية… الوطن مرسوم على جلد كل مواطن – “منصف المرزوقي” لـ”فيصل القاسم” في ديسمبر 2009

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150510629010473.660013.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150474434730473.657482.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150469070440473.655775.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150464841930473.654285.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150463256240473.653652.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150453434945473.650395.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150448478250473.648825.805615472

السموات الخلابة. المثقلة بآفاقها. كأنها الخلفية الجاهزة للوحة تصور حقول “الميموزا”. والمقننة بالـ”فوتوشوب”. الزاحفة على زجاجة سدادتها جليد. بلا عمود فقري. سموات لـ”وليام ووردزورث” إثر رجوعه من “الباستيل”. وسموات “الحنجرة” القديمة. التاريخ تحت إبطها ورصيدها الائتماني لا يكفي فنجان قهوة على الشاطئ. سموات هي الأسقف الخلابة للشاطئ. والتي تغمض على درجات الرمادي تحت زوايا مثلثاتها المتفصدة بالبخار. والتي ليست زوايا. سموات تضع أفيونة تغيير العالم تحت لسانها ثم تنحني لليخوت. أقرب إلى البنفسجي من الأصفر. ورغم أنف زهرة الميموزا. السموات التي هي سلالم موسيقية للنظر. جعلت من الله عصفوراً (كما يقول “وديع سعادة”) ولم تدعه يزقزق للشعوب. السموات المنتهَكة. المؤثرة رغم ابتذالها. المبتهجة بالغيم. “ليه يا بنفسج بتبهج”. وتهدُّج “عبد الحليم حافظ” على الوطن والعيون السود. سموات الشِعر الرومانتيكي. رموشهم ليل. ولا مكان لـ”عبد الناصر”. الحالمة بتغيير العالم. التي تثقلها آفاقها. الأفيونة لا تفارق لسانها فيما الشعوب تنتظر الزقزقة. سموات الحرية. سموات المساواة. سموات الإخاء. التي حين تأتي الشمس تشيح بقسم من وجهها عن القمم الغائصة في الزبد فيفوح الصنوبر أخضر وقريباً من الأمواج. الدين للثورة المضادة والوطن للمصطافين. وسموات الأمواج أيضاً. المبحرة بلا شوارع. الباقية بعيداً. والزرقاء رغم أنفها. الزرقاء بلا دماء. الزرقاء بحق الاحتجاج السلمي. والزرقاء بالأبيض وأسود كذلك. الزرقاء بالليل.

*

في هذا الوقت من العام يمتلئ الهواء بالتراب. يومان من التراب ثم يهبط، ثم يعود يملأ الجو مرة ثانية. منذ الجمعة 28 يناير، في القاهرة، أي شيء يحترق يستدعي الغاز المسيل للدموع. عندما يهبط التراب، يأتي دخان الحرائق الصغيرة.

لا ترى هذه الحرائق، فقط يأتيك دخانها؛ لوهلة، تحس كأنك استنشقت الغاز. تبدأ الأعراض في التداعي إلى أن تدرك أنه مجرد حريق.

في الأيام التالية على إعلان “تخلي” مبارك عن منصبه (11 فبراير)، زاد عدد النساء في مقاهي شارع شمبليون بطريقة تُفرِح (وأين، منذ 25 يناير، كان السلفيون؟) الشباب يعزفون ويغنّون على الرصيف لأطول وقت ممكن قبل حظر التجول الذي يبدأ مع موعد رجوع سندريلا والذي فرضه المجلس العسكري بعد أن أنشأ صفحة على “الفيسبوك” وبدأ “يهيب” بنا في رسائل نصية قصيرة. يهيب بـ”المواطنين الشرفاء” أن، وأن. لكي تتعطل أو تتوقف الاعتصامات. ويطمئن الناس على الفيسبوك. حتى أن إحدى الرسائل كان نصها: من الجلس الأعلى للقوات المسلحة، انتظرنا ثلاثين عاماً فلا مانع من الانتظار قليلاً فالقادم أفضل.

ماذا والنبي يمكن أن تعني هذه الرسالة؟

*

ليلة ذهبتُ أقابل “شعير” (17 فبراير)، كان شيء رائق في محيط وسط البلد لا يزال. لكن الناس قليلة، تتحرك بخفّة وتحمل أكياساً. أوقفني واحد ليشعل سيجارته من سيجارتي. لا أحد حولنا؛ معه صديق، ولوهلة خطر لي أنه “سيثبّتني” بالسلاح ليأخذ ما معي ويذهب. كيف لو ثبتني تثبيتاً؟ فجأة أفقت على ابتسامته وكانت ابتسامته ساحرة. أنا أيضاً تأثرت بأجواء انتشار الجريمة في غياب الشرطة؟

الحقيقة أن كل شيء أأمن في غياب الشرطة – وخطة أن تولّد السلطات فتناً وجرائم وتنشر شائعات لكي يخاف الناس من الفوضى والأذى والأجانب فيعادوا الثورة ويحتموا بالأمن، كيف “تَخِيل”؟ – حتى التنفس في التراب يا أخي أسهل بلا شرطة.

ثلاث مرات قبل 25 يناير تعرّضتُ للجريمة شخصياً لكنني لم أفكر أبداً في اللجوء إلى الشرطة. ولا أذكر حادثة واحدة رأيتها أو سمعت بها تصدى فيها البوليس لجناية ضد مواطن أو قام لنجدته. الواحد يتجنّب البوليس تماماً كما يفعل مع المجرمين: على الأقل المجرم سيتركك ليهرب؛ الشرطي قد لا يتركك.

قال شعير: الثورة المضادة الآن من خلال الإخوان المسلمين وهذا في حد ذاته يسعدني (لا يقصد الثورة المضادة ولكنْ خوف الناس من حكم الإخوان). قلت له إن التحرش بالبوليس ضرورة وعلينا أن نُسقط مباحث أمن الدولة كما أسقطنا الأمن المركزي. كأنني أسمع أحد الأصدقاء يقاطعني (الآن في رأسي دائماً أصوات الأصدقاء): ششش، اسكت! ألا تعرف أن الثورة المضادة الآن من خلال التحرش بالبوليس؟

*

اليوم (28 فبراير)، شاهدتُ على الفيسبوك فيديو لرجل قصير يؤدّب بضعة شباب في فناء مسكن نائب حزب وطني، كما سيتضح، يُدعى “مختار رشاد”. القصير من خُدّام ذلك النائب، وفي النهاية يظهر مختار باشا شخصياً بهيكله الجسيم ويقول شيئاً لم أفسّره للمذنبين. الخادم يكرر على أسماعهم: لازم تبوسوا رجله عشان تروّحوا. واضح أن المسكن يقع وسط منطقة نائية، ربما زراعية؛ هناك أناس في جلابيب يسدون أحد المنافذ. المذنبون في وجوههم جروح منمنة، تظهر عليهم علامات الفزع والخنوع؛ لأحدهم لحية طويلة على الطريقة السلفية، في ظَهْر قميصِه بقع دم مشعشة بالماء.

يبدأ الفيديو بخروجهم من المكان الذي كانوا يُضرَبون فيه أو بعد ذلك بقليل، والقصير يسوقهم كخراف متخبطة إلى طلمبة مياه وراء سور واطئ ليغسلوا وجوههم ويعودوا من أمامه. لا يبدو مختلفاً عن أي “شرطي شريف” يؤدي وظيفته، ما يبرر الألفاظ النابية والقسوة المتعمدة في الأداء. واحداً واحداً يدير الشباب المذنبين إثر انتصابهم واقفين بصعوبة ويأمرهم بالثبات. وبمطواة صغيرة في يمناه، بعد أن ينزع البنطولن عن المؤخرة جزئياً، يحفر جرحاً عميقاً في إحدى الإليتين. ثم يدفعهم إلى الوقوف في صف وأيديهم وراء ظهورهم في انتظار مجيء الباشا. يتقدمون بخطى عرجاء ومضحكة بعض الشيء.

*

في هذا الوقت من العام يمتلئ الهواء بالتراب. أمام مكتبة “الشروق” مساحة مفروشة بشعارات الثورة. ورغم أن المكتوب على اللافتات أكثر تعقيداً وأخف دماً من الهتافات، الهتافات هي التي تتردد في رأسي: “حرية” و”آه” و”يا رب”، “ثورة ثورة حتى النصر، ثورة ف كل شوارع مصر”، “باااطل”، “ارررحل”، و”يا جمال قل لأبوك المصريين بيكرهوك”، “يا مبارك يا جبان يا عميل الأمريكان”، فضلاً عن “الشعب يريد إسقاط النظام”.

كان مع اللافتات بعض صور الذين قتلهم الجنود والضباط والمجرمون العاملون لدى الداخلية والحزب الوطني ورجال أو كلاب أو أبالسة أمن الدولة. “إحنا آسفين يا ريس”؟

“آسفين يا ولاد الوسخة”!

وكان مراهق يبيع “ستيكرز” على شكل لوحة سيارة أرقامها 25 وحروفها ي ن ا ي ر. قبل أن أذهب قال لي: مش عايز كارت الشهداء يا باشا؟ لم أنتبه إلا لاحقاً إلى المكتوب أسفل صور الشباب على خلفية ألوان العلم: الشعب والجيش والشرطة إيد واحدة. في شارع قصر النيل أردت أن أمزّق الكارت، أن أنزع عن وجوههم هذه العبارة. لم أستطع أن أخرج الكارتون من غطائه البلاستك.

باتجاه مؤسسة الأهرام الصحفية، في الصباح التالي، كان المرور مستحيلاً. من شباك السيارة سمعت بائع ستيكرز ينادي: خمسة وعشرين يناير بجنيه.

*

الدبابات واقفة في الميادين وأنا أضحك من الذين لم ينزعوا شارات الداخلية عن “الملّاكي”؛ أكثر من مرة فكرت في الصياح: وإنت فاكر النسر ده هينفعك؟ لكن الذين يبروزون طواقي الشرطة في الزجاج الخلفي لسياراتهم، استبدلوها بسترات للجيش على الشبابيك.

ألاحظ أنك اليوم كلما أبديتَ اعتراضاً على سلوك حتى أكثر الناس تورطاً مع الكذب والقتل لحماية الفساد، يقال لك بثقة شديدة ونبرة مجروحة: لا تزايد علي. زايد يزايد مزايدة: الكلمة الأعلى مبيعاً في ربيع هذا العام.

أكثر من زميل في الأهرام يتحدث عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة بوصفه الكيان الحاكم، وحيث كان الرئيس مبارك في الأخبار الرسمية يفعل، ويفعل، المشير طنطاوي هو من يفعل الآن. آلاف لم يتعودوا على الحياة بلا أصنام والذي لم يعد يعرف مَن يعرّس عليه يمكنه أن يعرس على المجلس العسكري – أو “الشهداء”.

في المصعد تذكرتُ أن بائع المخبوزات الجائل هو الآخر كان يزعق: رحمة على الشهداء.

*

أكتب الآن من الريفييرا الفرنسية. حيث يجري الناس بمحاذاة الشاطئ للتريض – ولأن الشوارع نظيفة وبها حارة للدراجات… حركتها منظمة، لأن الهواء صاف والصحة حاضرة – كل الكلام مؤقت. كل ما قلتُه أو سأقوله عن الثورة والشعب (الثورة المضادة والبلطجية)، عن الإسلاميين والمثقفين (المتدينين واللا-دينيين) وعن الأشياء المفرحة (“الأحداث المؤسفة”) التي حصلت من ميدان التحرير وإليه بطول ثلاثة أسابيع كانت فعلاً كالأحلام… كل شيء – في أعقاب الاستفتاء على التعديلات الدستورية (19 مارس) – سيصبح مؤقتاً.

لعل فكرة الكتابة كلها هي أن تتفرج على الحياة دون أن تُفْرط في التركيز على نفسك. لكن هناك واجباً أخلاقياً يحتم عليك أيضاً أن تعيش. أن تعيش وأنت تتفرج يعني أن تركز على نفسك. هذا إذن هو تحدي الكتابة: كيف لا تركز على نفسك دون أن تهمل الواجب الأخلاقي القائل بأن لا تكف عن ممارسة الحياة.

ومع ذلك… حيث يجري الناس بدلاً من أن يدخنوا ويحتسون نبيذاً طيباً في المساء، ليس سوى نصف كلام أو لا-كلام أو كلام إلى حين.

*

اليوم (3 مارس)، أقيلت حكومة أحمد شفيق فريق الجيش “الشيك” ووزير الطيران المدني – الفاسد هو الآخر، طبعاً، وإن بدرجة أقل – والذي عيّنه مبارك رئيساً لوزارة جديدة استبدل فيها “حبيب العادلي” بواحد أوسخ يدعى “محمود وجدي” وأبقى على “أحمد أبو الغيط” و”عائشة عبد الهادي”، تلك المرأة “الدون” التي لفتت الأنظار بتقبيل يد “سوزان مبارك” في إحدى المناسبات. إلى آخر لحظة كانت تأتي الأخبار عن أن شفيق يطمئن على صحة مبارك تليفونياً بشكل يومي وقد زاره مرة في شرم الشيخ.

أمس أطلقوا عليه “علاء الأسواني” ومعارضين آخرين في حلقة من برنامج تلفزيوني على المحطة المملوكة لـ”نجيب ساويرس”، رجل الأعمال الأقرب إلى الثورة. علاء الأسواني كالثور الهائج وشفيق فرخة مسلوخة وسط الصياح؛ لن تمر الليلة حتى تُعلَن استقالته لتأتي حكومة “عصام شرف” الصورية؛ والناس الذين يدافعون عن رجال الشرطة وكانوا يدافعون عن مبارك، سيقولون إن شفيق رجل محترم وعيب على الأسواني أن يهزّئه هكذا.

أمس فكرت أن مختار رشاد نفسه لو ظهر على التلفزيون سيكون مثل شفيق مؤدباً وهادئاً وعلى نفس درجة “الشياكة”؛ وسيقول أولئك بنبرة مجروحة إنه رجل محترم وعيب على الأسواني قلة أدبه معه.

*

من حيث أكتب يخطر لي أن “التخلي” مكان “التنحي” مثل “النكسة” مكان “الهزيمة”، وأن هذا ليس غريباً على أعراف البلاد.

*

اليوم (6 مارس) أفقت من كابوس: الأمن المركزي تبدّل بالجيش وديناصور السنين رجع من شرم الشيخ لا ليُحاكَم بل ليَحكُم إلى أن يسلّم السلطة لابنه “جمال”. صحته جيدة. وقيادات الأهرام يقفون على رؤوسهم ليقولوا إن رجوعه شيء جيد وعظيم وليس أفضل منه تأميناً للاستقرار والسلام.

أشباح برتقاليو اللون يفرّقون “المليونية” القائمة في وجه عودة آل مبارك إلى الحكم بالعصي الكهربائية كما فعل الجيش مع المعتصمين ليلة السبت 26 فبراير؛ العصي في الأيادي الفوسفورية كأنها طائرة في الهواء. و”عمر سليمان” رئيس المخابرات السابق ثم نائب مبارك الوفي إثر اندلاع الثورة، بعد أن يشرف على إغلاق معبر رفح المفتوح منذ التنحي، يعلن حملة إبادة العملاء والإرهابيين المسئولين عن “فتنة 25 يناير”.

لم أكن أعرف أن الكابوس سيتحقق.

*

الدبابات واقفة وكثيراً ما تراودني شهوة الإبادة. الإبادة الجماعية حل رائع لأزمة المكان. الذي يخيفني من الحرب الأهلية أنني أجدني مستعداً للقتال.

مِن المحتجين مَن أجبرهم ضباط جيش على الهتاف بحياة مبارك بعد سقوطه بشهر تحت تهديد الضرب وهم على بطونهم في مجلس الوزراء. وبعد شهر ونصف، قوانين ضد البلطجة ستطال المتظاهرين سلمياً (بل وقوانين ضد الاحتجاج والتظاهر سيتم تمريرها أيضاً، فيما يبدو)، والبلطجية المنوطون بتفريق اعتصامات التحرير ما بعد إعلان الحكومة الجديدة – على كلام “فادي” الذي كان هناك – نقلتهم سيارات قوات مسلحة. الشباب يُعتقلون ويُعذّبون ويتعرضون لمحاكمات عسكرية (بل ويُكشف على بكارة المتظاهرات الشابات في معسكر الهايكستب بعد صعقهن بالكهرباء واعتقالهن، هكذا سأعرف بعد أن أغادر. لماذا يكشف على بكارة المتظاهرات؟ ماذا يُفعل بمن يتضح أنها فقدت بكارتها قبل أن تتظاهر؟)

وبدلاً من لحن الوفاء الذي يتفنن “المناضلون” في عزفه تأكيداً لكذبة أن المجلس العسكري هو الثورة أو أن سطوته هي الواقع الوحيد الممكن، أجدني أتساءل لماذا لم يقصفنا الجيش من أول يوم؟ لماذا سمحت قياداته باستمرار العصيان؟

*

ذات ليلة أثناء العودة من ميدان التحرير – هذا أيضاً أريد أن آخذ نفساً عميقاً لأذكره – مررت من جنب كهل “غلبان” يخاطب أحد المارين في خروجه:

ما فيش جواسيس ولا فلوس ولا حاجة م اللي بيقولوا عليها دي خالص. بس ناس طيبين يعني بيوزعوا أكل من عندهم عشان الولاد اللي قاعدين في الميدان بيبقوا جعانين وكده. ما إدونيش غير كباية شاي ولقمة جبنة، وفيه جماعة تانية إدوني حتة حلاوة أهي (وأخرج اللفافة من جيبه ليشهد من يخاطبه)، ده أنا حتى قلت أشيلها للعيال.

وكما أن “المصريين البسطاء”، ملح الأرض (يعني ولاد البلد، يعني الجدعان قوي، يعني الأصالة الريفية) كانوا يسبون معتصمي التحرير ويبصقون في وجوههم لأن الاعتصام عطّل أشغالهم بعض الشيء (سمعتُ بأذني أكثر من سائق وأكثر من عامل بوفيه وأكثر من بائع جائل يقول إن “شباب التحرير” أولاد قحبة وإن مبارك لم يخطئ في غير بخله على الناس: بس هو يدينا فلوس بس ويبقى يكمع بعد كده زي ما هو عايز)، انضم إلى الاعتصام “بلطجية” العشوائيات ممن لم يسعدهم الحظ بنائب حزب وطني مثل مختار رشاد أو مأمور قسم يغدق عليهم مقابل ترويع الأحياء السكنية أو قتل الثوار.

خالتي “فايزة” المستاءة من اضطراب المرور وتعطّل ماكينات الصرف قالت: كنا عايشين في أمان، إيه يعني بيسرق! وأضافت بصوت باك: مش زي أبوهم ده اللي عمالين يشتموه ده؛ عيال قلالات الأدب! والنبي يا أختي صعبان عليَّ قوي. لكن أمي حملت إلى قلالات الأدب هؤلاء أكياس الشاي والسكر وبكت وهي تشاركهم الصراخ.

*

هنا حان وقت الاعتراف بأن حب مصر لا يعنيني. لا القومية من قناعاتي ولا “الوطنية” قيمة في ذاتها. لكنني كما أكره كل ما جاءت به “ثورة يوليو”، لا أحب علم الجمهورية ولا النسر الذي يتوسطه. من 25 يناير إلى 11 فبراير كان العلم رمز نظام مبارك بقدر ما كان راية وطن الثوار. لم أنس لحظة أنه لم يكن موجوداً قبل انقلاب الضباط الأحرار، قبل الزحف العلماني ما بعد الاستعماري، وقبل الاستقلال ذاته الذي جاء بنا إلى هنا. ويوم بدأ العلم في الظهور بكثافة وسط لافتات ميدان التحرير، انتابتني أول شكوك الثورة المضادة.

الدبابات في الميادين – أظنها لا تزال – وأنا، في الريفييرا، بصدد أمور حلمية. لا أقصد كون الحياة هنا بعيدة عن اليقظة المألوفة (وإن كانت فعلاً كذلك): الخضرة والخلاء والمعمار البمبي في ظل شاتو هو بحسب مخيلتي مسكن أحد نبلاء العصور الوسطى؛ لا ينقص سوى سرج مرصع ثم، على رخام الممر، صهلة عاتية. الفيلا التي أسكنها محروماً من التدخين محاطة بالشجر، وهناك طعام بديع ونبيذ طيب؛ خلاف ملعب جولف قيل لي إنه الأقدم على ساحل اللازورد ثم بضع كافيهات، لا أحد أو شيء.

يوم غاص حذائي وأنا أصوّر الأمواج من خلف أقواس الحجر وإلى يميني تلة سوداء كأنها السنم الناتئ لجمل عملاق لم يسعه البحر يوم غرق – كان النبات قد استوطن محجراً ضحلاً في الجانب الأقرب إلي – أو يوم نقّت الشمس لون المياه (“ياسين عدنان” رفيقي الوحيد هنا كتب: كأنه أحمر)، أو حين بدت تدرجات الأخضر في حديقتنا الصغيرة من العمق وهي على أكثر من ارتفاع بحيث شعرتُ، ذات ظهيرة غائمة، بأنني تائه وسط غابة يعلوها طريق – “وحدي في غابة،” هكذا كتب سركون بولص، “والغابة أنا؟” – أو صعوبة التدخين في البرد وحين يتواصل المطر، أو على البحر – “كأنه أخضر” – أو المطر…

*

أكتب الآن من باريس. نهاية هدنتي الفرنسية مع الواقع. وبينما أستكشف امتداد وإيقاع المدينة التي لم تكف عن إلهام الناس، يخطر لي أن السبب في استمرار الواقع – استمراره، أقصد، وليس قبولنا به – هو أنه يمنحنا ما ينافيه دورياً، عن طريق منام أو حدث يشبه المنام، بالوهم أو بطاقة اللحظة، بسوء الفهم، بحب أو خداع الذات؛ ولا يعدو اعترافنا بأنه واقع أو خضوعنا لذلك أن يكون انتظاراً للمنحة الـ(غير) محتملة، باليأس أو بالأمل: انتظاراً لما لا يشبه ما عرفناه.

أكتب ويخطر لي أنه عن طريق صدفة كالمعجزة، دورياً، يتفتت واقعنا من داخله ومعه معرفتنا، يعيد تكوين نفسه أو ينهار تكوينه كما يحدث في فيلم “ذا ميتريكس” فينزاح عن ما يبدو كأنه واقع آخر أو مواز أقرب إلى رغبتنا لكنه على الأرجح لا شيء.

هل لهذا السبب، حتى في أسعد لحظاتنا، تكون التعاسة قريبة إلى هذا الحد؟

المهم أن الواقع يتبدل، هذا ما يخطر لي وأنا أكتب. ينزاح عن شيء رائع ويظهر ملاك (هكذا يفتتح سركون بولص أحد نصوصه وهو ما سرقته عنواناً لمجموعة نصوصي الأخيرة: يظهر ملاك). يظهر ملاك بـ(احتمال) الغرام أو يظهر الله بـ(احتمال) الثورة. وكالحلم أو السموات، نرحب به ونعتنقه. نعتنقه بمعنى أننا لا نتكئ عليه، لأنه لا يمكننا أن نتكئ على شيء مناف للواقع؛ ووقت نسعى إلى ذلك نصير شخصيات تراجيدية تبعث على ضحك البراجماتيين.

*

الآن ومن قلب الثورة المضادة لم يعد هناك مجال للتشكيك في اعتمادنا على متكآت من الواقع غير قادرة على توفير السند الضروري، على عكس الملائكة التي ننتظرها دون أن ندري أو الله. متكآت كالعائلة والعمل والدواء: قرية ظالمة نحملها معنا ونسميها الواقع لكي نعرف من نحن، وربما لو ما حملناها لكُنا فعلاً آخرين.

لكن ليس سواها في غياب المنحة التي تبدينا حقيقيين وخلابين مثل سموات الريفييرا وتلوّح لنا بحدود أوسع وأعمق لما تعلمنا أن نسميه الإمكان.

 أخبار الأدب

Enhanced by Zemanta