التماسيح

إبراهيم فرغلي: بين الطغرى والتماسيح

 المثقفون المبتسرون في دوائر الأوهام المشتركة

yrakha
حين انتحرت المثقفة اليسارية المصرية أروى صالح، أحد رموز الحركة الطلابية في السبعينات، بعد أن ألقت نفسها من شباك البيت، كان هناك ثلاثة شعراء مغمورين قرروا تأسيس جماعتهم الشعرية السرية التي اسموها “التماسيح“. ولكنهم لن يعرفوا بأمر انتحار أروى إلا في اليوم التالي، وسوف يستقبلون الخبر كعادة جيل التسعينات، بنوع من البرود، على حد وصف الراوي المدعو يوسف، أو “الفتيس”.

Continue reading

العالم الآخر لا علاقة له بالسحاب

رسالة نايف إلى باولو *
إلى هاني درويش (المتوفى يوم ٣٠ يوليو ٢٠١٣)
اسمع يا باولو من واحد في السماء. الصورة ثابتة في إطار النافذة، والطقس معتدل على الشاطئ. تتبّع الـ”آي بي” لتعرف: هذا الإيميل نازل من لا مكان. أخوك الميت على الطريق السريع قد وجد سكة إليك. بضحكاته المحبوسة في ألفاظ تلهو عبر صوت كالحديقة. بجريه عرياناً في الغيطان، والقفز بثيابه فوق كورنيش الزمالك. يا ولدْ. الضوء بين رجلي واحدة، سلّمْتَني إياه على ورقة سحرية. كان أبيض وأسود، بالأمارة. هل بقي شك فيمن يوجه لك كلاماً… بالحضن يا بن الزانية.
كيف حالك؟ أنا كما كنت يوم اقتتلنا، يمكن القول إني تمام. هنا كل شيء تحبه، لكن كل شيء يُبَدَّل. كأن العالم عبارة عن طيور تعبر أنفاقاً. تتفاوت الأحجام والأبعاد لكن المشهد قد ينقلب في أية لحظة. طيور تعبر أنفاقاً، هذا كل شيء. ولا أستطيع أن أسميه عقاباً لكنه ليس النعيم. خذ عندك: البرزخ أسانسير معطل، وجبريل يقود وفد إغاثة إلى المخيمات؛ ميليشيات الزبانية تطلق النار على ملتحين يهرّبون قسماً من الجنة إلى داخل جهنم، وشرطة الحدود توقف سبعة أشباح في طريقهم إلى الدنيا؛ من جديد، شعوب السماء الخامسة تواجه المبيدات…
أنا الآن على سلالم المترو. لا قطارٌ أهبط إليه، ولا حتى قضبانُ قطار. في الحُفَر البركانية حيث كانت منذ لحظة بوابات التذاكر فقط عجين النار والحمم الكهربية. أعرف أني لو صعدت سيُضرَب عنقي بسيف. وأعرف أن المشهد سيتغير، من تلقاء نفسه. كيف أشرح لك أن هذا حدث أو سيحدث، أن حدوثه ليس أكثر من أن أصفه أو أراه؟ إن رأسي يتدحرج على الأسفلت بنصف رقبة دامية وأنا على سلالم المترو، أو اللظى يلعق أطرافي حيث يجب أن تكون قضبان. عليك أن تموت حتى تدرك أن الوقت خدعة، لكن لعلمك نحن أيضاً متعبون. الوجع الذي تحسه الآن، لن ينتهي أبداً يا باولو.
هكذا تمكنت من إخبارك بأنه لا يكفي أن تصير ميتاً لتزول فجائعك البشرية. هنا نادراً ما نذكر أصلاً كوننا في الآخرة، تصدق؟ لقد عرفنا أن العالم الآخر لا علاقة له بالسحاب. ومنذ ذلك الحين يا باولو والجحيم أن تكون أنت. أن يكون العالم هو العالم ولا فرق، كل الحكاية أن الله يتفاوض على الخروج الآمن. أرجوك لا تسأل منذ متى أو إلى متى وهو يفعل. فقط لا خوف من الاحتباس الحراري. الصورة في النافذة والشاطئ والغيطان، ربما حتى في كورنيش الزمالك. ولتفهم أن ما أعرفه عنك في مستقبلي قبل موتي وربما في مستقبلك أنت أيضاً ليس شيئاً جديداً أو خفياً. من حيث أكتب لك الأشياء كالمرايا. اسمع وصدق ولا تكن كلباً حيث أنت. لقد حان وقت كلامنا بعد القطيعة، وسيصلني ردك وأنت لم ترسله.
* نايف (المتوفي سنة ٢٠٠١) وباولو (الذي تصله الرسالة في يوليو ٢٠١٣) شخصيتان في ثلاثية التماسيح للكاتب، وهما شاعران

.

باولو ومون في جلسة اعتراف: مقطع من رواية الأسد على حق

عندي علاقة خاصة جداً مع القط عتريس.

من وسط حوالي عشرة عرفتهم يا باولو، ستة كان مزاجهم الضرب؛ تخيل أني كنت أحب منهم الوجع، آه! ومع ذلك أفظع شيء أحبه من دين أمك هو الحنان والرقة، تخيل!

أبي مات وهو مصدق أنه إقطاعي لمجرد أنه كان عنده أرض في المنوفية في يوم من الأيام. موظف فقير في وزارة الأوقاف فاكر أنه إقطاعي. لدرجة أن حبي لعبد الناصر كان ثورة على احتقاره للفلاحين.

Continue reading

حسين بن حمزة: لا عزاء للتماسيح

سعادتي برواية التماسيح قد تفهم خطأ. أعتقد أن الفترة التي كتبت فيها – وخلالها توطدت علاقتي بيوسف رخا – كانت من أغنى الفترات في وقت بدا قاحلا ومربكا … الحوارات الشاقة مكسِرة الرأس على موجة الثورة العالية والهابطة إلى القاع هي التي حولت مشاعر كان من الممكن أن تبقى مجانية تماما إلى كلام. من منا لا يدين لشخص دفعه الى الكلام؟ – مهاب نصر يوم ٢٠١٢/٩/١٩

.

على خلفية إسقاط النظام المصري، تعيد رواية «التماسيح» (الساقي) كتابة محطات أساسية لـجيل التسعينيات الذي انتهت أحلامه بتغيير العالم إلى انهيارات شخصية حاولت أن تجد سلواها في الثورة المغدورة

«أحياناً وأنا أستعيد حواراتنا ومشاجراتنا وكل السُّبل المعقدة التي ربطتنا ثم حلّت الرّباط، يبدو لي أنّ الفشل كان القيمة الوحيدة المحرِّكة في الدائرة»، بهذا الاعتراف الذي سيتكرر في صفحات وسطور أخرى، يُنهي يوسف رَخَا (1976) روايته «التماسيح» (دار الساقي). الفشل لا يُقدم هنا كنتيجة نهائية، بل كاستعارة كبرى تختزل السياقات السردية للرواية التي تتحدث عن تجربة جيل التسعينيات في الشعر والكتابة، والعلاقة مع الجيل السابق ومع المؤسسات الثقافية.

Continue reading

عادل أسعد الميرى عن التماسيح، مع معرض افتراضي من خمس صور

«تماسيح» يوسف رخا: الصراع الخفىّ والعلنىّ بين الأجيال المختلفة للشعراء المصريين

نشر في جريدة التحرير 27/5/2013 . اقرأ أيضاً: تهامة الجندي، روجيه عوطة

wpid-img_0999-2013-05-27-16-15.jpg

«التماسيح» ليوسف رخا رواية جديدة فى الشكل والمضمون. أولًا من حيث الشكل أنت كقارئ مشدود من البداية للنهاية، إلى تلك الفقرات المتتالية التى تتكون منها الرواية، وتصل إلى نحو 400 فقرة مرقّمة، بعضها بطول صفحتين وبعضها الآخر بطول سطر واحد. الأحداث تظل تتحرك فى حالة جِيئة وذهاب طوال الرواية، بين الماضى والحاضر، الماضى فى السبعينيات والتسعينيات، والحاضر الذى يقع فى العام الأخير 2012.

تقع أحداث الرواية فى مجموعة من الأماكن التى يتكرر ذكرها فى النص، مثل البيوت التى سكنها أبطال الرواية، والمقاهى التى كانوا يترددون عليها، والشوارع التى كانوا يمشون فيها، حتى نقترب بالتدريج من لحظة ظهور جسم الرواية قرب نهاية العمل.

Continue reading

تهامة الجندي عن التماسيح

رواية «التماسيح» ليوسف رخا: جاءت الثورة كقطار أخير وتركتنا على رصيف المحطة

wpid-img_4689-2013-04-1-01-36.jpg

«بعد عشرة أعوام أو أكثر – بينما حزب النور السلفي وحزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين يربحان الانتخابات التي بدأت، والأمن لا يزال يقتل وينهب في الشوارع، وفيالق الشرطة العسكرية من قواتنا المسلحة تسحل المتظاهرين وتجردهم من ملابسهم وتميتهم ضرباً، ثم تجر الجثث إلى أكوام الزبالة فضلاً عن قنصهم وتعذيبهم داخل المنشآت العامة – أصبحتُ أعرف أن الشر يبدأ من حيث يتصور الإنسان أنه بمعرفة أو عقيدة أو هوية، يمكنه أن يغيّر مجرى حياة سقطت على كتفه مثل حقيبة» (ص179).

Continue reading

حوار آية ياسر

wpid-photo-2012-12-31-04-38.jpg

Continue reading

روجيه عوطة يقرأ التماسيح

التماسيح ليوسف رخّا رواية برّ المجتمع الآسن وماء الشعر المغرِّق
روجيه عوطة
النهار، 2012-12-18

wpid-tamasih1-2012-11-11-18-36.jpg

***


في 20/6/1997، انتحرت المثقفة والمناضلة الطالبية رضوى عادل في أحد أحياء القاهرة. بعد ساعات قليلة على قفزها من الشرفة، ولد الشعر السري المصري بين مجموعة من الشباب الشعراء. تهجس رواية يوسف رخا، “التماسيح”، الصادرة عن “دار الساقي”، بالتوازي الزمني بين الحدثين، وتتساءل عن مدلول التلاقي بين انتحار أشهر أعلام الحركة الطالبية من جيل السبعينات، وولادة جماعة شعرية سرية، أطلق عليها إسم “التماسيح”، في تسعينات القرن الماضي. 
بينما يترقب الروائي، الذي كان واحداً من مؤسسي الحركة السرية، إلى جانب صديقيه نايف وباولو، استكمال ثورة 25 يناير بأخرى، تطيح الديكتاتورية العسكرية والإخوانية الناشئة، يفتح الملف الأول من “حاوية التماسيح”، وينشر مقاطعه السردية، متسائلاً عن تبدل الأحداث والوقائع المرتبطة بالشعراء “العشاق”.

Continue reading

حوار عبد المنعم الشنتوف

يعتبر يوسف رخا واحدا من العلامات المتميزة في المشهد الإبداعي العربي المعاصر، ويتسم بتنوع منجزه النصي بين أدب الرحلة والقصة والرواية علاوة على التحقيق الصحافي. درس يوسف رخا بجامعة هال في بريطانيا قبل أن يعود إلى مصر ويحترف العمل الصحفي. يشتغل حاليا مسؤولا عن الملحق الأسبوعي لجريدة ‘الأهرام’ الصادر باللغة الإنجليزية. أصدر الكاتب عددا من الأعمال نذكر من بينها: ‘أزهار شمس’، ‘بيروت شي محل’، ‘غرب القاهرة شرق الفيليبين’،’ بورقيبة على مضض’ علاوة على ‘الطغرى’ و’التماسيح’.
تتميز التجربة الإبداعية للرجل باستثمارها الدال للتهجين على مستوى الأشكال التعبيرية علاوة على التوظيف الذكي لتنويع من السجلات اللغوية تتوزع بين العامية المصرية ولغة المصنفات التاريخية القديمة واللغات الأجنبية من قبيل الإنجليزية وهو ما نتمثله في رواية ‘الطغرى’ تحديدا. يمكن النظر إلى هذه الرواية ولاحقتها ‘التماسيح باعتبارهما تمثيلين قويين للأدب المعبر عن ثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك. في هذا السياق، إذن، يشكل الحوار مناسبة للاقتراب من العوالم الإبداعية لهذا الكاتب الذي يتميز بمفارقة تجربته الإبداعية للمألوف والسائد…

wpid-cairo-metro4-2012-05-15-04-59.jpg

Continue reading

حوار بهيج وردة لمجلة “ارى” الإماراتية


ما هي خيوط الرواية الأبرز في التماسيح؟ وكيف بدأت فكرة الرواية تتبلور؟ وما دور الثورة المصرية وتداعياتها الحالية في الحالة الروائية التي تجسدها في “التماسيح“؟ الرواية خرجت، كعادة مشاريع الكتابة الطويلة، من خبرة شخصية مؤلمة جعلتني أعيد التفكير فيما يسمى بالوسط الثقافي بالقاهرة وبالأخص جيل التسعينات من الشعراء المصريين (وهي أشياء قاربتُ بعضها كذلك في مجموعة قصائد ”يظهر ملاك“-٢٠١٠ والتي لم أنشرها بعد إلا إلكترونياً عبر مدونتي، نتيجة الشعور بلا جدوى نشر الشعر في القاهرة خلال شهور من ثورة لم تكتمل. بدا لي أن شيئاً حدث سنة ٢٠٠١ (وهو أمر شخصي أيضاً لأن حياتي تغيرت في ذلك العام بعد موت أبي سنة ٢٠٠٠؛ أصابني ما يشبه الانهيار نتيجة الإفراط في الكيوف على خلفية اكتئاب وإحباط متزايد في الشأن العام وفي مسار الحياة العملية بالصحافة: بدت لحظة انهيار البرجين كأنها – كما يقول الراوية – ”ذروة ما، بداية أو نهاية“) وبعد عقد كامل، إثر قيام الثورة أو الانتفاضة خلال شهور من بدء كتابة التماسيح، خطر لي أن هذه اللحظة كانت مقدمة ما سيحدث بعد عشر سنين بالضبط، أنها كانت فعلاً بداية أو نهاية. في الرواية فكرتان أساسيتان إحداهما استعارة الأسد، وكانت هذه قد طاردتني منذ قرأت قصيدة ألن جينزبرج ”الأسد على حق“ في العام نفسه (٢٠٠١) لكن الفكرة الثانية – أن يكون الشعر شاهداً على انهيار الدولة الوطنية التي خلّفها الاستعمار في منتصف القرن العشرين أو أن تؤدي النزعة الفردية التي ظهرت في التسعينات إلى تحول اجتماعي يُعامل بوصفه حراكاً سياسياً – لم تتبلور هذه الفكرة حتى الشهور الأخيرة من ٢٠١٠. بوصفها تحركاً اجتماعياً، أعتقد أن الثورة كانت موضوع كتابة من قبل حتى أن تندلع: التماسيح بهذا المعنى هي حكاية الثورة، حكاية السنين العشر التي حملت إلينا يوم ٢٨ يناير ٢٠١١

Continue reading