حوار بهيج وردة لمجلة “ارى” الإماراتية

wpid-00tamasih00-2012-01-25-19-15.jpg

ما هي خيوط الرواية الأبرز في التماسيح؟ وكيف بدأت فكرة الرواية تتبلور؟ وما دور الثورة المصرية وتداعياتها الحالية في الحالة الروائية التي تجسدها في “التماسيح“؟ الرواية خرجت، كعادة مشاريع الكتابة الطويلة، من خبرة شخصية مؤلمة جعلتني أعيد التفكير فيما يسمى بالوسط الثقافي بالقاهرة وبالأخص جيل التسعينات من الشعراء المصريين (وهي أشياء قاربتُ بعضها كذلك في مجموعة قصائد ”يظهر ملاك“-٢٠١٠ والتي لم أنشرها بعد إلا إلكترونياً عبر مدونتي، نتيجة الشعور بلا جدوى نشر الشعر في القاهرة خلال شهور من ثورة لم تكتمل. بدا لي أن شيئاً حدث سنة ٢٠٠١ (وهو أمر شخصي أيضاً لأن حياتي تغيرت في ذلك العام بعد موت أبي سنة ٢٠٠٠؛ أصابني ما يشبه الانهيار نتيجة الإفراط في الكيوف على خلفية اكتئاب وإحباط متزايد في الشأن العام وفي مسار الحياة العملية بالصحافة: بدت لحظة انهيار البرجين كأنها – كما يقول الراوية – ”ذروة ما، بداية أو نهاية“) وبعد عقد كامل، إثر قيام الثورة أو الانتفاضة خلال شهور من بدء كتابة التماسيح، خطر لي أن هذه اللحظة كانت مقدمة ما سيحدث بعد عشر سنين بالضبط، أنها كانت فعلاً بداية أو نهاية. في الرواية فكرتان أساسيتان إحداهما استعارة الأسد، وكانت هذه قد طاردتني منذ قرأت قصيدة ألن جينزبرج ”الأسد على حق“ في العام نفسه (٢٠٠١) لكن الفكرة الثانية – أن يكون الشعر شاهداً على انهيار الدولة الوطنية التي خلّفها الاستعمار في منتصف القرن العشرين أو أن تؤدي النزعة الفردية التي ظهرت في التسعينات إلى تحول اجتماعي يُعامل بوصفه حراكاً سياسياً – لم تتبلور هذه الفكرة حتى الشهور الأخيرة من ٢٠١٠. بوصفها تحركاً اجتماعياً، أعتقد أن الثورة كانت موضوع كتابة من قبل حتى أن تندلع: التماسيح بهذا المعنى هي حكاية الثورة، حكاية السنين العشر التي حملت إلينا يوم ٢٨ يناير ٢٠١١

  • أقتبس مقطعاً مما نشرت على موقعك: “موال لحكومة زين العابدين يسأل بنبرة استنكار: “هل أن الحل هو إحراق البلد؟ هل أن الحل هو إحراق البلد؟” الآن بعد سنة أو أكثر من اندلاع الاحتجاجات في مصر، أردد كلماته بشعور مختلف وصوته يرن في أذني بينما تصلني الأخبار: هل أن الحل هو إحراق البلد؟.” كيف يرى يوسف رخا الحراك العربي والثورة المصرية على وجه التحديد بعد مرور بضعة أشهر، أعلم أنها ليست بكافية لكن الحراك شديد الديناميكية ومن يده في النار ليس كمن يده في الماء؟

هذا السؤال شديد التعقيد يا صديقي، ولا أظنني أعرف له إجابة؛ سأقول لك ما أعرفه: إن الأزمة الكبرى لما سُمي بالثورة هي الصياغة السياسية للأحداث من جانب الجميع (حتى مفجريها أنفسهم) ومن أول لحظة، الأمر الذي حولها قسراً إلى صراع على السلطة، بينما أهميتها في اعتقادي هي أنها محاولة – مجهضة، للأسف الشديد – لتجاوز مفاهيم وأشكال السلطة السائدة بنية عبورها إلى كيانات تعكس ما تتطلبه الحياة التي نعيشها على الأرض من أجل أن تكون محتملة أو مجدية ومن أجل أن تيسّر الإبداع والتفاعل في شتى المجالات: أن لا يضطر أحد إلى تحمل بذاءات ومظالم الشرطة، مثلاً، من أجل أن يقوم بمهامه اليومية أو يستمتع بوقته قليلاً؛ وبالمنطق ذاته، أن لا يضطر الشرطي إلى ابتزاز الناس عوضاً عن دخل يضمن له عيشاً كريماً أو إهانتهم تعبيراً عن إحساس دفين بالدونية…

إن ما دفعني شخصياً إلى المشاركة والمخاطرة هو إيماني بضرورة تعميم الحقوق المدنية وتفعيل مفهوم المواطنة، فضلاً عن الأمل في تسريب آليات المساءلة والضمير إلى المؤسسات والعقول من أجل إنتاج محتمل – أنت تعلم أن الدول العربية لا تنتج شيئاً خلاف النفط الخام – وأكثر ما آلمني منذ ذلك الوقت هو أن أرى الحريات المنشودة تُنتهك من ناحية، ومن ناحية أخرى يتوارى سؤال ضرورتها الذي مات من أجله من مات وفقد بصره وأعضاءه من فقد خلف مهاترات عبثية، شأنها شأن كل جدل سياسي، ربما – هل يكون الحكم مدنياً أم إسلامياً، على سبيل المثال – إلى هامش ظل يضيق حتى اختفى أو كاد.

الصدق أن شيئاً مما يحدث في مصر الآن لا يعنيني كثيراً، ومثل هذه العزلة هي قدر الكاتب طالما أنه في مجتمع لا يقرأ، كما أنه قدر ”الناشط“ في مجتمع – وهو ما قد يجد الكثيرون صعوبة في الاعتراف به – لا يثور، أو ليس بوسعه الاستفادة من تضحيات أفراد قادرين على التضحية. أصبحت على يقين من أن الثورة حتى وإن قامت من جديد وتسلمت قرابين أخرى دامية، لن تكون كافية بحال. إنه مجتمع – أو ”شعب“، بخلاف ”ثواره“ – قادر على اختزال المشاركة السياسية في موالاة صاحب اللحية على حساب ”العميل الأمريكي“ حتى حين يكون الملتحي عميلاً و”العميل“ سياسياً مؤهلاً للقيام بدور، أو التنكر بتبجح لمن قُتل في وضح النهار لصالح قاتله الجالس على الكرسي، لا لشيء إلا لأنه – أقصد الشعب – غير مستعد لتحمل المسئولية الأخلاقية أو السياسية… لكنني أعود فأقول إن الذي يعنيني من الثورة هو محتواها الاجتماعي واعترافها الضمني بشروط العالم المعاصر ”الليبرالية“ من وسائل اتصال وحقوق إنسان وتعدد عقائد أو طوائف أو رؤى؛ أجنح إلى رؤية ما حدث باعتباره ليس نهاية الاستبداد ولكن بداية السقوط المدوي للوعي الخرافي الذي حكم حياتنا منذ الخمسينات – ليس بداية شيء حلو، أقصد، ولكن نهاية شيء قبيح – ويحزنني أن ذلك السقوط لم يكتمل ”بإحراق البلد“ على نحو أكثر جذرية. أحياناً – أصدقك القول – تبلغ بي خيبة الأمل حد تمني سقوط قنبلة نووية تأتي على البلد بما ومن فيها، لكنني أعود أتذكر أن ما يحدث هو خطوة على طريق أطول من أعمارنا، وأفرح بأن الكذب لم يعد ممكناً.

wpid-apossiblebarbaryliononcelivinginleipzigzoo_thumb3-2012-01-25-19-15.jpg

  • إلى أي حد يكون للثقافة مكان في زمن الثورة؟ وهل ترى أن الثورة المصرية تقدم كتابها الموالين، وتقصي معارضيها كما تفعل الأنظمة التي ثارت عليها؟

في ذلك استكمال لإجابة السؤال السابق: كان من شأن الثورة أن تكشف الخواء المفزع ”لدور المثقف“ بل وتَطابُق كثير من ”معارضي“ الوسط الثقافي مع رموز النظم المفترض أنهم يقاومونها؛ بالنسبة إلي كان بقاء وزارة الثقافة في حد ذاته إشارة واضحة إلى قصور الوعي وضعف الأخلاق عند الغالبية العظمى من المثقفين أو من يعرّفون أنفسهم بهذه الصفة: لم يكن باستطاعة أحد الاستغناء عن وصاية الدولة. كتبت في ذلك خلال الشهور السابقة أكثر من مقال ممتعض إجمالاً (هناك، على سبيل المثال، “مازالوا يدفعوننا على سلالم العمارات“). وتبقى الدولة مستلبة من جانب نظام فاسد… ”الثورة“ في مصر وتونس لم تستبتدل المؤسسات ولا حتى الأشخاص إلا على نحو إعلامي رمزي؛ لم يكن هناك مجال لتقديم كتاب بهذا المعنى.

في مصر كان أكثر ما اقترن بأحداث الثورة من أدب هو الشعاراتي الشعبوي والسطحي الجعجاع المنتشر من قبل اندلاعها؛ تعلق الكثيرون بالأحداث دون النظر إلى نتائجها حتى أن بعضهم ذهب إلى أن الأدب قد مات ولم يعد هناك مجال للكتابة عن شيء سوى ”المسار الثوري“ والتظاهرة التالية. تأسست جرائد وقنوات تلفيزيونية من أجل مشاهير ”المعارضين“ من متكلفي الإبداع على حس ”السياسة“، وهم لم يسكتوا لحظة منذ اندلاعها رغم أن كلامهم لم يؤثر في أحد أو شيء. من هذه الزاوية يمكنك أن ترى كيف فشلت الثورة فشلاً ذريعاً على الأرض بينما فتحت أو وسّعت مجالاً ”ثقافياً“ للاحتفال – الخرافي – بها. انتهى أو كاد الاهتمام بالكتب، وبدأ الكلام الرسمي يتضمن إشارات إلى ”الضغوط السلفية“ واستعداداً مجانياً للرضوخ لها وقد اكتسب ”الإسلاميون“ من أعلام الميديا مصداقية عبثية تماماً في ضوء أنهم لم يشاركوا في الثورة وكانوا أول من والى المجلس العسكري وبرر جرائم ”الطرف الثالث“ وتنازل عن حق الشهداء (لستُ من أنصار الإعدام ولا القصاص على أي نحو، لكن للشهداء حق معلّق).

هكذا لم يكن تعاطي ”الثقافة“ مع الثورة في نظري سوى امتداد بالغ الجلاء لحال ”النخب“ في العالم العربي منذ أواخر الستينيات وبمعنى آخر منذ ”الاستقلال الأول“: إنها خطابات لا تعكس الواقع أو تشتبك معه – ولا تؤثر فيه – بقدر ما تستغل جوانب منه للتربح ”الجماهيري“ الآمن، مادياً أكان أو معنوياً. ومع كل ذلك، كانت فورة ”الغرافيتي“ وفنون الشوارع وإيماءات التحرر في صورة ”علياء المهدي“ وغيرها أيضاً من توابع الثورة أو التعبيرات الإيجابية – المبشرة – عن محتواها الاجتماعي. أعتقد أن الثورة قد تساعد على المدى الطويل في فرز الأفراد وتحديد مواقع الثقافة الحقيقية حاصلة أكانت أو كامنة، وأن هذه المواقع باتت خارج الدولة والإعلام (حتى الإعلام غير الرسمي) وخارج الوسط الثقافي ”اليساري“ المتقاطع بطبيعته مع الدولة من ناحية ومن ناحية أخرى مع أعراف أو تقاليد لم يعد هناك شك في أنها – حتى بما أفرزته من تدين ”متشدد“ أو معاد لمنظومة العولمة – ضد التغيير.

  • هل ترى تسييس الثورات وإلحاقها بركب الغرب وتصوير هذه الحراكات كأنها من صناعة آخر، جزءاً من مصادرة الثورة وفرض التنميط الذي تحاولون كسره كشباب ومثقفين في المرحلة الحالية؟

من شأن هذا السؤال أن يجرجرنا إلى حديث سياسي أفضّل تحاشيه لأنني لا أجد له أي جدوى، إلا أن الاتهام بالعمالة هو تكتيك ريفي قديم وهو أقذر ما تفتقت عنه قريحة السلطة الاجتماعية قبل السياسية في الستراتيجية القومية أو الوطنية – الفاشستية – منذ قيام دولة عبد الناصر. ركب الغرب هو ركب الحضارة المعاصرة بكل ما فيه من عيوب، لا أظن هناك شكاً في أن ”الغرب“ في هذا السياق يعني الحضارة بغض النظر عن التفاصيل. ولا أظن عاقلاً يريد لشعبه أن يلتحق بركب الثيوقراطية الإسلامية، إذا كان هذا هو البديل المطروح. المشكل أن الحركات، بينما لم تكن من صناعة آخر، كانت من صناعة أقلية مجتمعية – كما اتضح – لا تعبر عن وعي الغالبية العظمى، بدليل أن الغالبية العظمى صوّتت للإسلام السياسي وضاقت بالاحتجاجات منذ الوهلة الأولى، ثم سعت إلى الحفاظ على الوضع القائم. لذلك لا أظن ”الثورة“ كافية، ولأنني لستُ مؤمناً بالقمع حتى وإن كان قمعاً ثورياً… لكن أؤكد لك أننا جميعاً – في خطابات الوضع القائم – عملاء ومدسوسون بل وخونة وصهاينة فضلاً عن كوننا كفرة ومنحلين وكل ما يخطر لك من شتائم. ولا يزال هذا المنطق واضحاً في تبرير إبادة المحتجين بقول إنهم بلطجية أو توريطهم في العنف ثم التذرع بأفعالهم التخريبية…

wpid-8062904-2012-01-25-19-15.jpg wpid-dsc0029-2012-01-25-19-15.jpg wpid-bourguibacover-2012-01-25-19-15.jpg

  • عرفت بأدب الرحلة الذي تمزج فيه الشعر بالنثر مع التقرير الصحفي، هل كان هذا النمط نوعاً من التدريب على كتابة الرواية؟ وهل كتابة الرواية بالنسبة إليك نوع من النظر بمجهر إلى المجتمع وإمكانية توثيق للحراك الحقيقي في الطبقات السفلية وشوارعه الخلفية؟

لم يكن المقصود بأدب الرحلة أو كتابة المكان تدريباً على شيء؛ كان هرباً من القاهرة إليها وكان – كما اتضح أيضاً – هرباً من الأشكال السردية على سبيل الرجوع إلى تلك الأشكال. عندما استسلمت أخيراً للرغبة في الكتابة عن القاهرة، وجدتني في حاجة إلى الاختلاق والاستعارة بمعناها الأوسع. هذا هو ما يعرّف الرواية بالنسبة إلي: أن هناك جانباً مختلقاً بالكامل في مقاربة مكان أو زمن ما، الأمر الذي يفتح الخيال على ما هو غير ”واقعي“ فضلاً عن الواقعي ويضعك في مواجهة مع هويتك الاجتماعية فلا تعود مجرد صوت أو وعي جمالي طاف ولكنك تتحول كذلك إلى طرف في المنظومة التاريخية التي تتحدث عنها. الرواية هي ”باستيش“ خطابات، وهي بهذا المعنى تشبه كتابات الرحلة وإن كانت الأخيرة أقرب إلى ”الكولاج“ من الباستيش. الرواية توثق للحراك المجتمعي في مختلف طبقاته بالطبع، لكن ما يميزها أساساً هو أنها صياغة مكتملة لحالة إنسانية لها أول وآخر في الفضاء؛ أي أنها – بالتحديد – ليست أو ليست فقط كتابة ”انطباعية“. هذا وحده ما يجذبني إلى الشكل الروائي فيما أظن: إمكانية أن يكون الشيء مكتملاً أو صحيحاً رغم أنف تعدد خطاباته، وأن يتضمن فانتازياه أيضاً بلا مبالغة وقد انفتح على مصادر متباينة في الحياة.

في كتابة المكان هناك قيد مادي إن أردت، ورغم أنه باستطاعتك أن تنوع الخطابات وتقارب الموضوع الواحد من عدة زوايا، عليك أيضاً أن لا تكون طرفاً في المعادلة الفضائية التي ينتج عنها النص. عليك أن تحافظ على منهجك الصحفي بشكل ما؛ أما في الرواية فلا ضرورة لذلك.

  • ما الانطباع عن هذا النوع من الكتابة (الرحلة الانطباعية) لدى القراء – في العادة انت متشائم من هذه الناحية؟

أعتقد أن كتابة المكان وجدت رواجاً نسبياً عند قراء الأدب لكن لا يعني هذا أنها وجدت رواجاً. حدثتك من قبل عن قرائي السبعة. ربما زاد العدد الآن – بعد رواية ”كتاب الطغرى“ – إلى خمسة عشر. قلت إننا في مجتمعات لا تقرأ، والأصوب ربما أننا في مجتمعات تهمّش قراءها. لكنني لا أبالغ إذا قلت إن ما يعنيني هو أن يكون لي عدد مهما كان صغيراً من القراء العرب؛ أن يكون ذلك الصديق الافتراضي الذي يعرف اللغة نفسها (وبالمعنى الأصلي للصديق) موجوداً في الحياة مهما كان بعيداً أو تائهاً وسط جموع لا تفهم أو لا تتعاطف أو لا توجد. لا يمكن أن تكتب بلا قارئ، لكنه ليس ضرورياً وربما ليس مستحباً أن يكون القارئ جمهوراً كما هو حال الفيلم التجاري أو المحطة التلفزيونية؛ وتحت الظروف الحالية، نتيجة خبرتي المتواضعة، هو بالتأكيد ليس مستحباً أن يتطابق القارئ مع سلطة أدبية كناقد أو مطبوعة أو لجنة تحكيم. لا أريد جمهوراً، لا أريد تكريساً. أريد قارئاً لوجه الله وأظن أن الله قد منحني ذلك القارئ… في السنين الأخيرة، بالمناسبة، باتت مدونتي هي المجس الرئيسي لشيوع ما أكتبه بالعربية والإنجليزية في الأدب والصحافة، والحقيقة أن عدد الزيارات في ازدياد مطمئن منذ ٢٠٠٩.

  • خلطك للتصنيفات الأدبية في كتب رحلاتك هل يعود إلى علاقة مفتقدة في الأدب العربي لهذا النوع، أم أن الأمر يعود لرغبة في دمج أنواع أدبية لم يعتد تناولها بهذه الطريقة قبلاً؟

يعود أولاً إلى قناعة عميقة بأن الكتابة كتابة بغض النظر عن الشكل الأدبي، وإلى سؤال صادق عما إذا كان منجز دوستويفسكي ليختلف لو أنه كتب شعراً أو منجز رامبو ليختلف لو أنه كتب روايات، وإلى أي حد. تتقاطع هذه القناعة مع بعض صفات تراث الكتابة العربي، حيث نادراً ما تجد نصاً لا يمزج الشعر بالنثر أو لا يقدم المعرفة باعتبارها وجوهاً غير متجانسة. في نص كطوق الحمامة مثلاً تجد الشعر والنثر والشخصي والعام والرسمي وغير الرسمي رغم وحدة الموضوع. وتجد تعدداً وتبايناً ييسره السياق ”الأدبي“ عن طريق التقسيم التقليدي إلى أبواب وفصول. إنها مساحات جمالية ومعرفية مفقودة في الأدب الأوروبي إجمالاً، وهي تطرح أسئلة تعنيني عن معنى الكتابة كسبيل إلى المعرفة…

wpid-img_1319-2012-01-25-19-15.jpg

  • كيف يمكن أن تتحدث عن علاقتك بمن أثر بك من شعراء وكتاب؟ هل من الممكن أن تعتبرهم آباء، وما سر العلاقة الخاصة مع سركون بولس؟

كلهم أبنائي، ليسوا آباء ولا إخوة! القائمة تطول ولكن – باستثناء التراث القديم – ستكون الأسماء العربية فيها قليلة جداً، للأسف. أخص بالذكر ابن الفارض والجبرتي، وسعد مكاوي الروائي المصري العظيم. سركون يعيد اختراع اللغة ليجعلها تعيش، وهو متنبي القرن العشرين بلا مجد أو وطن. سركون هو ”جيل التسعينات“ وهو أبو العلاء وهو كل ما أحببته في الشعر الإنجليزي ولكن باللغة العربية. مهاجر فقير يعبد الحياة ويحاول أن يتقرب إليها بالكلمات، لا يقع لحظة في فخ السكون ولا فخ الأفكار المسبقة.

  • كيف ينظر يوسف رخا الما بعد حداثوي بامتياز إلى “ألف ليلة وليلة”؟

لا أعرف معنى ”ما بعد الحداثة“ بدقة. أظنها طريقة في النظر إلى الأمور أو الاستفادة من أشياء متباينة وسابقة لصالح شيء متجانس وآني. المحزن في الثقافة العربية أن أهم نصوص التراث باستثناء القرآن الكريم وملحقاته الشرعية المدشنة – أقصد بأهم النصوص، على سبيل المثال، ابن عربي وابن خلدون وابن رشد، فضلاً عن ألف ليلة – رُدت إلينا من جانب المستعمر بعدما كنا فقدناها. وإذا كان ما بعد الحداثة يعتمد على التقاطع مع نصوص قديمة من عصور مختلفة، فإن ذلك يعني أن علاقتنا بهذه النصوص لا يمكن أن تكون فعالة إلا عبر الأدب الغربي بشكل أو آخر: إننا نقرأها بنظارات المستشرقين الذين نكره تطفلهم وتعاليهم أو تفوقهم علينا، ولذلك ربما لا نقرأها على الإطلاق (كان اكتشاف التراث بالنسبة إلي ”شغلانة“ صعبة فعلاً، لكنني أظن أنني تمكنت من البدء فيها بدرجة ما)؛ لذا أريد أن أتحدث عن ألف ليلة بشكل فردي كمتأدب أحياناً ما يصطحب بعض كشاكيلها إلى سريره ليقرأها قبل أن يخلد للنوم:

في ألف ليلة لغة وسطية (بين العامية والفصحى) دائماً ما تروق لي سلاستها، وفيها لبس خلاب بين المكان الحقيقي (القاهرة) والمكان المفترض (بغداد). في ألف ليلة كذلك مساحات للقراءة الفلسفية والنقدية العميقة والكلام الكبير بطبيعة الحال – الحكي بوصفه منجاة من موت محقق، مثلاً – لكن الأهم بالنسبة إلي أنها نموذج مبكر للأدب المستساغ: إنها نص ”مهضوم“ بكل المعاني المحتملة؛ وهي توظف الفانتازيا بسذاجة ”بيرختية“ إن أردت، الأمر الذي قد يجعلها مملة ولكنه يجعلها أيضاً مثل بيت متعدد الغرف ومليء بأشياء متوقعة ولكن مرتبة بأشكال مختلفة، تدخل من باب وتخرج من آخر كيفما اتفق لترى تنويعات على ما تعرف أنه هناك وربما تتعرف على جوانب من حقيقتك في الأثناء.

في ألف ليلة وليلة حشيش لا يشبه الحشيش وجنس لا يشبه الجنس وفيها ورع لا يشبه الورع أيضاً، وهي من هذه الزاوية مثل الكلام مع جدك الفلاح العجوز: إنها مخزون معرفي لم يمر بالمصفاة العقلانية ولا يختبر بمنطق المشاهدة والتدقيق، وهذا وإن كان من شأنه أن يحررك فهو أيضاً يفرض عليك نسقاً أفقر في التعاطي مع العالم. الجاحظ أصعب كثيراً لكنه أمتع في الكثير من الأحيان. وأنا لا أريد أن أطلق أحكاماً قطعية أو معقدة على نص يجب أن يكون – وهو فعلاً، بشكل أو آخر – كحليب الأمهات.

من أروع الجمل التي قرأتها في عمري بأي لغة جملة من ألف ليلة: ”وقد خطر ببالي السفر إلى بلاد الناس.“

wpid-387339_10151058911260473_805615472_22072982_949466011_n-2012-01-25-19-15.jpg

  • كيف ترى المشهد الروائي الزاخر في مصر​ ومن يلفتك من الروائيين حالياً؟

أي مشهد روائي زاخر؟ المشهد مشهد علاقات عامة وصفقات مصالح مادية أو معنوية لا علاقة لها بالكتابة والقراءة، والرواية بمعناها الذي أفهمه آخر ما ينتجه هذا المشهد؛ وقد خمد المشهد إلى حد بعيد منذ وصول ”الحاجّة ثورة“ قبل عام على كل حال. أقول لك بمنتهى الصدق إنني نادراً جداً ما أجد رواية عربية جديدة تستحق وقت قراءتها، دعك من تقييمها أدبياً، وعادة ما تكون تلك الرواية من خارج مصر. لذلك لن أذكر أسماء، وسأقول لك في الوقت نفسه، وبكل تواضع، إنني أحب أعمال يوسف رخا. خلاف ذلك الروائي، وباستثناءات تعد على أصابع اليد الواحدة، يبقى الأفق خالياً فيما أرى؛ ومع ذلك عندنا ”بيست سيليرز“ وعندنا روايات حائزة على جوائز ”عالمية“ وروايات مترجمة إلى ثلاثين لغة؛ أليس هذا مثيراً للفضول؟ هناك ”شعراء التسعينات“ – بعضهم يكتب روايات – وهناك جيل أو اثنان من الشباب، بينهم عدد صغير موهوب جداً ولكنهم بالكاد ينشرون أعمالهم وحين ينشرونها نادراً ما يلتفت إليها أحد. ليس هذا كلام الكاتب ذي القراء السبعة ولكنه كلام القارئ المحبط والمتابع الساخر للأحداث الثقافية. حقيقة المشهد فقيرة يا صديقي، ولا تصدق من يقول لك إن هناك شيئاً يحدث على صعيد الرواية.

  • هل من طقوس محددة تتبعها للكتابة؟ وهل تختلف بين كتابة الرواية والرحلة والشعر؟

لا تختلف الطقوس، ولا توجد طقوس. أكتب حين أكون وحدي أو بصحبة امرأتي وهي مشغولة عني في شيء. أحياناً أكتب في وجود زملائي في العمل. الحياة كلها طقس الكتابة.

  • إلى أي حد أثر عملك في الصحافة باللغة الانكليزية في طريقة كتابتك المختلفة؟

الصحافة بأي لغة تكسبك نوعاً من القابلية على الإنتاج والسرعة في الأداء وبالنسبة للأديب فإنها تعطيك آليات فعالة للبحث عن المعلومات واستقائها. علاقتي بالإنجليزية وتأثيرها على عربيتي قصة أخرى، لكن أعتقد أن اقتصار العمل الصحفي لسنين طويلة على لغة غير العربية حافظ عندي على طزاجة ما. أصبح ممكناً أن تستخدم مفردات شعرية في صياغة صحفية مثلاً، أو أن تترجم تعبيراً صحفياً إنجليزياً على نحو يجعل مدلوله واضحاً بالعربية فيتضح أنه أيضاً شعري

مجلة أرى

كتاب الطغرى: تغطيات

Image

رواية يوسف رخا لا تخشى شيئاً، ولماذا عليها أن تخشى أي شيء وقد تجاوزت ميتافيزيقا الكتابة، قد تجاوزت كل ثنائية ضدية؛ فما من حدث كبير أو صغير، ما من ماض أو حاضر، ما من شرق أو غرب، ما من بدن أو نفس… كتابة فالتة من كل إكراه وتضييق وأحكام مسبقة، تتركز في حجم صغير بالغ الإدهاش، في حجم الطغرى نفسها ربما، وفي لغة فاتنة كأقل وصف ممكن – أحمد يماني

 

قراءة مسموعة


رواية أولى (دار الشروق) أرادها المصري يوسف رخا تصويراً بصرياً أنتج خليطاً من وقائع وحكايات وإرهاصات ماضية، في نصّ مفتوح على مزيج العاميّة والفصحى، وتداخل الخاصّ بالعام. والرواية، إذ تنسج من المخيّلة أطراً للواقع وتفاصيله وتشعّباته، شكّلت تمريناً على كتابة تستمدّ من الأسلوب التاريخي شيئاً مفيداً لها، وتأخذ من السرد المفتوح ما يريح الفضاء الروائي في اشتغاله على الذات الفردية وعوالمها، وعلى حكايات المدينة وسط انبعاث روائح الأزقّة والقصص والتوهان داخل أزمنة مثقلة بالناس والرواة والأشياء.
السفيرـ يونيو ٢٠١١

——————————————————————————

“لسعان” الجغرافيا والتاريخ.. أو كتاب الطغرى ليوسف رخا
ياسر عبد اللطيف

بعد أسابيع من اندلاع ثورة 25 يناير في مصر، وأيام قلائل من تنحي حسني مبارك، وبينما لاتزال شوارع القاهرة تغصُ بالمظاهرات، وفي وسط حالة من الانفلات الأمني اجتاحت البلاد بعد سقوط الشرطة المريع في 28 يناير، وفيما احتل الباعة الجائلين بالآلاف فضاء وسط المدينة الإسماعيلي، وإذ تُهاجم مجموعات غامضة من المجرمين المستشفيات الحكومية فتعتدي لأسباب مجهولة على المرضى والأطباء، وفي قلب هذا الكرنفال الدامي صدرت رواية “كتاب الطغرى” ليوسف رخا، لتمر على الواقع الأدبي المنشغل بتحركات الحياة السياسية مرور الكرام.. فالدوي السياسي للثورات وما تلاها يعلو صوته على صوت المعركة ذاتها.
“كتاب الطُغرى” أو غرائب التاريخ في مدينة المريخ، كما يقول العنوان الفرعي، وهو عمل ضخم يتجاوز الخمسمائة صفحة بقليل، يدشن به رخا بدايته الروائية، وهو يحمل طموحاً بشق المسار لمشروع روائي من النوع الصرحي. قبل الطغرى أصدر الكاتب مجموعةً قصصية بعنوان “أزهار الشمس” عام 1999، ثم أصدر في السنين التالية ثلاثة كتب في أدب الرحلة، عن مدن عربية كبيروت وتونس وابو ظبي، ثم ديوان للشعر بعنوان “كل أماكننا”.
ورواية كتاب الطغرى كما يقول الكاتب في بدايتها هي “أخبارالصحفي مصطفى نايف الشوربجي يوماً بيوم من 30 مارس إلى 19 أبريل 2007، كما رصدها بنفسه في الأسابيع التالية على هذا التاريخ، موجهاً كلامه، على طريقة الكتب العربية القديمة، إلى صديقه الطبيب النفساني راشد جلال السيوطي، المقيم في العاصمة البريطانية منذ 2001.” تبدأ المغامرة الشكلية في الرواية إذن بمحاكاة الكاتب للكتب العربية القديمة في لغة السرد. وتقفز إلى ذهنك على الفور نبرة ابن حزم في “طوق الحمامة” ؛ ولكن اللغة التي نحتها الكاتب نحتاً تستحق وقفةً هنا، فكأنه أقام جدلية بين الفصحى والعامية بملاحقة الأولى داخل الثانية والعكس بالعكس. ولا يستنكف السرد من دمج كلمات أجنبية أو أخرى مفرطة في عاميتها في جديلة تبدو فريدة، بلا تنصيص يكسر التدفق السردي؛ حتى أنك في لحظة تستشعر أن وحدة الحكي هي الكلمة وليست الجملة.
يبدأ خيط الحكاية بانهيار علاقة البطل مصطفي نايف الشوربجي بزوجته، فيغادر شقة الزوجية في حي المعادي عائداً إلى بيت أهله في منطقة الدقي. وكأن بانهيار زواجه ينهار العالم المحيط بالبطل، فيتجلى له من خلال منظور الهذيان. يقول الراوي متقمصاً تأثير عقار الـ(إل إس دي) المهلوس: “إية رأيك تعتبر الدنيا دي عمارة (…) تسيح حيطانها وأسقفها، سلالمها وممراتها وأبوابها وأنت جوة إحدى الشقق والشقة بدأت تسيح(…) في قلبي من هذا العالم مرض يشبه العيش في هذه العمارة”.
ويتبدى العالم المهشم للبطل كأول ما يتبدى في “المدينة”، وهي هنا القاهرة. التي تجمعه بها علاقة عشق وتدله، وكره في نفس الوقت. فهو يتغزل من حيث لا يدري في شوارعها وجسورها وأنفاقها بينما هو يعبرها حانقاً أثناء السرد؛ لكنها تظهر له في حالة من التنافر الحضري والتشرذم لاتنفصل عن حالته الذهنية، فيحاول الراوي بعد عودته إلى بيت أهله أن يعيد تشكيل المدينة في وعيه، برسم خريطة لحركته فيها وذلك من باب “برنامج إصلاح الذات الذي وضعته لنفسي نصف واع” يقول مصطفى. كما تندمج بنية الحكي ببنية المدينة في هذيان آخر يحاول دمج جغرافيا المدينة بطبوغرافيا السرد لتُستكمل المغامرة الشكلية؛ فبخلاف رسم الخرائط هناك محاولات سردية تشكيلية من قبيل أن يكون طريق “محور 26 يوليو عبارة عن علبة صفيح مقفلة. وهو ضوء سارح في قعرها المموج بمطبات الأمان (…) لماذا إذن يتخيل المنظر، في الرسم كأنه صفحة كتاب؟ صفحة ملآنة على آخرها، والطريق قطع مستطيل يقسمها بالعرض”. مع تضمين رسومات بخط اليد لمثل تلك المغامرة التي قد تغني النص أو تثقله بحسب الزاوية التي تراها منها.
ويبدو انهيار الزواج، حال كونه غطاءًا اجتماعيا يحمي الفردية داخل قوقعته، كنوع من موت الأب، فتضطر الذات لمواجهة العالم عارية بدون غطاء، وهوهنا ما يدفعها لرؤيته وقد ضربه الجنون: “يموت الأب فيطلع ميتين الواحد ويختلط طلعان ميتينه بحالة طلعان الميتين العمومية التي في القاهرة”.
وفي أول عطلة أسبوعية بعد انفصاله الزوجي، يخرج مصطفى في نزهة مع زميله في الجريدة “أمجد صلاح” بأحد مراكز التسوق خارج المدينة،  فيدفعه شيء قدري لشراء خاتم فضي يحمل نقشاً إسلامياً، سيتبين لاحقاً أنه رمز أو “طغراء” آخر سلاطين العثمانيين. والنقش في رسمه يتطابق مع رحلة مصطفى داخل القاهرة وفقاً للخريطة التي كان قد رسمها. ويفتح أمجد صلاح أمام مصطفى أول أبواب تفسير المؤامرة الكونية التي هو بصددها؛ أمجد صلاح، المختل عقلياً الذي يتخيل مؤامرة كونية تدفعه للإصابة بالجنون، يتشارك فيها زملاء لهم بالجريدة.
وتضم الجريدة التي يعمل بها مصطفى أنماطاً عجيبة من البشر؛ فهذا المكتب :” نموذج مصغر لشيء شامل وجبار، شيء مثل طلعان الميتين من قبورهم يوم القيامة”. وفضلاً عن أمجد صلاح، هناك الفقي وحيد الدين، الشخص المعزول الهامشي الذي لا يكلم أحدا، والذي يأتي للجريدة ليلاُ بهيئته الرثة بعد أن ينصرف الآخرون. وهو من ستتجلى عبره شخصية السلطان العثماني الأخير وحيد الدين لمصطفى ذات ليلة في المكتب، لتفسر له حدود المؤامرة، ومعاني الرموز التي قابلته طوال الأيام السابقة على ذلك. ويخبره، أنه أي مصطفى، واحد من سبعة أشخاص موجودين في أنحاء مختلفة مما كان يعرف بالإمبراطورية العثمانية، مكلفين بالعثور على رقاع سبعة جلدية تحتوي على سورة مريم القرآنية كاملة مخطوطة بالكاليغراف العربي. وهذه الرقاع كانت بصحبة السلطان الأخير، وقد فقدت منه أثناء ترحيله إلى المنفى. إن “العثور على سورة مريم الضائعة ولم شتات رقوقها المبعثرة هو الخطوة الأولى على طريق إحباط المؤامرة الكونية المحاكة ضد المسلمين”. ويؤكد له شبح السلطان أن في حياته الشخصية وأزمته “ترميزاً وافياً لجوانب المؤامرة نفسها، فكأن هذه الأشياء أنموذج مصغر لمسرح التاريخ”.
وهناك أيضاً بين الزملاء “يلدز” صاحبة الاسم التركي التي يتعرف خلالها إلى شقيقتها كلودين، وعبر ما أسماه علاقة توراتية (أي علاقة متقاطعة مع شقيقتين) يُضاف بعدٌ إيروتيكي للمتن في الفصلين السابع والثامن. وتكتمل الرموز حين يعثر في بيت كلودين على أنموذج للرق الجلدي الذي يبحث عنه، وبالتالي الخيط الذي سيقوده للبدء في إنجاز المهمة التاريخية، بالسفر إلى بيروت.
وتبدو الرحلة وكأنها الغاية من وراء الحكاية بأكملها، بدايةً من الانفصال الزوجي أو الطلاق، فالشعور بالخطر المقرون بالفرح، وحتى الإنطلاق ليجلس في النهاية يكتب كل ذلك لصديقه من على مقهي مواجه للبحر في بيروت
ولكن لمَّ الخلافة العثمانية تحديداً يجدها النص خلاصاً من أزمة العالم الإسلامي؟ يجيب الكاتب على هذا السؤال حين يقول على لسان الفقي/السلطان وحيد الدين إنها: “للمرة الأولى منذ علو نجم آل عباس، في دار الإسلام، توحدت السلطة الزمنية مع السلطة الروحية” وبالأحرى أنها كانت المرة الأخيرة. وفي ظنّ مصطفى الشوربجي إن عودة الدولة العلية قد يعيد ما للإسلام من قيم جمالية فقدها عبر قرون الاضمحلال، لصالح كل ما هو متشدد ومتخلف وتحريمي. ففي قلبه من هذا العالم مرضٌ “شفاؤه الرحيل إلى عالم آخر، أو أن لا يكون الواحد  ـ في هذا العالم ـ مسلماً عربياً…” وفي موضع آخر يقول: “أن تولد مسلماً في هذا العصر يعني أنك بالضرورة شخص ثان. تكوينك التاريخي ليس نتيجة منطقية للحالة التي أنت عليها”. وكإنها ليست حالة كل من لم ينتم عرقياً للحداثة الأوروبية.
تبدو هذه الرواية وكأنها تقدم أطروحة في سؤال الهوية العربية والإسلامية، وهو هنا طرحها المخادع؛ فإنما يكمن ثقلها في المغامرة الشكلية ببناء غير مسبوق. فقد اعتمد الكاتب “الطغراء” كأعقد تصاميم الخط العربي نواة مركزية لبنيه الرواية محاولاً أن يضاهيها بعالمه المحدود بحركته في المدينة، وبدرجة أوسع بأزمة الحضارة الإسلامية في التاريخ، وهو بذلك يضع الطغرى أيقونةً يحاول أن يضفي من خلالها المعنى على فوضاه الشخصية والمدينية والحضارية؛ وهي ليست بالتأكيد رمية ستصيب هدفها. ومن هنا هي مغامرة شكلية وإن كنا في نفس الوقت لا نستطيع فصلها تماما عن سؤال الهوية المعني. وكأن بالكاتب يعود للسؤال القديم في محاولة تأصيل الشكل الروائي عربياً وإسلامياً..
ويحسب للكاتب القدرة على استنطاق لحظات ميته، وسردها بذلك النوع من الوعي المجروح؛ وهو ما يولد شعرية المناخ العام للرواية. كما نجح في إقامة شبكة علاقات متماسكة ترسم خريطة المؤامرة وراء انهيار زواج مصطفى ووراء تدهور القاهرة واضمحلال الحضارة الإسلاميه، وكذلك ملامح الخطة المضادة.
ولنا أن نأخذ عليه إثقال السرد بكثير من النصوص الموازية وقصائد النثر والتكرارات التي من دونها كان يمكن أن يهبط حجم الرواية إلى ثلاثة أرباعها؛  وخضوع مفاصل السرد أحيانا لقانون الصدفة (كالعثور على الرق الجلدي في شقة كلودين)، وهوما يضعفها دراميا؛ ولكن في بنية تحايثها البارانويا ونوع من الهوس الديني (الهوياتي هنا) يمكن أن تعبُر تلك المصادفات من باب الأسباب التي يجعلها كيان أعلى مفترض خلف “المؤامرة” والخطة المضادة لها
——————————————————————–

الطُّغرَى .. جغرافيا (يوسف رخا)
نهايةٌ البلاغة .. نهايةُ الجغرافيا .. وأشياء أخرى!

محمد سالم عبادة

مع اعترافي الكامل بأنَّ Angel Clair الآتي من Tess of the d’Urbervilles
هو بطلي المفضَّل، وأنّي أكثرُ ما أكونُ تماهيًا فمع روايةٍ للمرحوم (توماس هاردي)، حيث هو دائمًا مُتَّسِقٌ مع ذاتِهِ، وقضاياه الأساسيةُ مبسوطةٌ كالأرضِ قبلَ إثباتِ كُرَوِيَّتِها، وبأنَّ ما اصطُلِحَ على تسميتِهِ (الأدبَ السِّيس) هو تياري المفضَّل، إلا أني مؤمنٌ بأنَّ (كتاب الطُّغرَى .. غرائب التاريخ في مدينة المرّيخ) لصاحبها (يوسف رخا) روايةٌ عظيمة ..

·       نهايةُ البلاغة: في معرضِ حديثي مع أكثر من صديقٍ عن الروايةِ (أثناءَ قراءتِها) كنتُ كثيرًا ما أعربُ عن اعتقادي في أن الروايةَ تؤسِّسُ لبلاغةٍ جديدة .. استندتُ في هذا الاعتقاد إلى ملاحظاتٍ ساذجةٍ شديدة الجزئية ، أتصوَّرُ أنه يمكن إجمالُها في عدة مجموعات:
أ‌-                 الصور الجزئية المتناثرة في سياق الرواية وفي القصائد النثرية التي كتبها (مصطفى الشوربجي)، والتي تشبهُ اكتشافًا مدهشًا ومثيرًا للضحِكِ في آن .. مثالُ ذلك قول (الشوربجي) في القسم الأول: “الأملُ يلاعبُني مثلَ اليويو” .. طرافةُ الصورة ممتزجةٌ بسخريةٍ ضمنيةٍ مُرَّةٍ لا تدعُكَ تفغرُ فاكَ مستحسنًا لما يزيد عن جزءٍ من الثانية، فأنتَ مضطرٌّ أن تنهارَ ضاحكًا .. فقط أدرِكْ تحوُّلَ الأمل من خصيصةٍ إنسانيةٍ مرنةٍ لَدنةٍ إلى آلةٍ جامدةٍ تستدعي بحضورِها طفولةً بلهاءَ هي الياي/اليويو على طريقة (هنري برجسون) لتغيبَ في نوبةِ الضَّحِك .. خذ مثالاً آخر في القسم السادس حيث يقول الراوية: “شيءٌ مثل عمارة ما كدتَ تعيشُ في إحدى شققِها حتى ساحت عواميدُ الأساس.” متحدِّثًا عن اعتناق (أمجد صلاح) للمذهب السَّلفِي بعد ظهور السلطان له كما يتصور (الشوربجي) .. هو يرى أن هذا التحول في شخصية (أمجد) كان بحثًا عن الارتياح من القرار، لكنَّه في هذه اللحظة البلاغيةِ لم يكن بحثًا بالمعنى الدارجِ الذي يتطلبُ حضور الوعي .. إنه بمثابة انهيار (سَيَحان) لأساساتِ دماغ الرجل .. طزاجةُ الصورة الأسمنتيةِ ملطَّخةٌ هنا باختيار مفردةٍ بعينِها: (ساحت) مستدعيةً شريطًا من الصُّوَر عن سياقِ الكارثة النووية و(انصهار/سيَحان) الأشياء أكثرَ من انهيارِها .. هنا أنتَ مدفوعٌ باختيار المفردَةِ داخلَ الصورةِ إلى اكتئابٍ أبوكالبسيٍّ محتَّم ..
ب‌-           استيرادُ أبنيةِ الجُمَل الإنجليزية وتعريبُها ، كما في اختيار المؤلف في كثيرٍ من المواضعِ للسؤال التذييليِّ المختصر للتقرير: “لا؟” بدلاً من “أليسَ كذلك؟” .. من المؤكَّد أن ازدواجية لغة المؤلف مسؤولةٌ بشكلٍ كبيرٍ عن هذا الاختيار .. لكنَّهُ يظلُّ اختيارًا في النهايةِ ، أي أنه مقترنٌ بقصديةٍ لا تخفَى، ربَّما لإحالةِ القارئ العربيِّ مزدوجِ اللغةِ إلى إنجليزيتِهِ لإثارة سؤال الهُوِيَّةِ حتى على مستوي الـtag question!!
ت‌-           الإحالاتُ المعرفيةُ المُضمَرَة .. أعني بذلك الجُمَلَ البسيطةَ التي تردُ في سياقٍ ما، وتُحيلُ قارئها إلى وعيِهِ بحقلٍ معرفيٍّ بذاتِه .. من أمثلة ذلك قول (الشوربجي) في القسم الأول كذلك واصفًا حالَهُ في أيام انهيار زواجِهِ وابتعاد زوجته عنه جسديًّا: “هكذا أقولُ لنفسي، وأستمتعُ بالتَّبَرُّزِ أكثر مما ينبغي”. إحالةً إلى تصوُّر (فرويد) عن مراحل النمو الجنسي في الإنسان، وتحديدًا لما أسماه بالمرحلة الشرجية .. هذا الارتداد المُحزِن يُفترَضُ أن يثيرَ شكلاً من أشكال التعاطف لدى القارئ الذي يعي ذلك التصور ..
ث‌-           تفصيح و(ترسيم) ما هو دارجٌ كاستبدال الجمل الاعتراضية التي تردُ دعاءًا للمُخاطَب في الرسائل التراثية مثل (فاعلم – أصلحكَ اللهُ – أنَّ …) بعبارةٍ وحيدةٍ هي (قشطة عليك) .. يحدثُ هذا بشكلٍ عرَضِيٍّ عند الجميع، كوسيلةٍ لاختراق هيبة النَّصِّ وإحداثِ قدرٍ من تغريب المتلقي على استحياء .. لكنَّ (رخا) يستخمه بشكلٍ منهجيٍّ مقصودٍ لذاتِهِ، فيضرب عدةَ عصافير بطلقةٍ واحدة، فهو يسخر من الأبنية التراثية المتجذرة في وعينا الجَمعِيِّ وينسفها، ويصالحُنا على ما نقولُهُ خارجَ الصفحة بشكلٍ ما أو بآخَر، ويضعُ القارئ على أرجوحةِ الإيهام وكَسرِهِ بطول الرواية.

آه! هناك المجموعةُ الخامسةُ الأبرز على الإطلاق، لكنَّها كانت كفيلةً بأن تقلبَ وحدَها إدراكي للموقف البلاغي للرواية من (تأسيسٍ لبلاغةٍ جديدةٍ) إلى (نهايةٍ للبلاغة) .. أعني بذلك .. أعني .. أعني ……!
ربَّما دارت البلاغةُ الحديثةُ كلُّها حولَ مغازلةِ المُحرَّم/التابُو .. لا يفعل (يوسف رخا) كالآخرين .. إنه يخترقُ التابُو إلى نهايته .. لا توجدُ كلمةٌ نابِية .. كلُّ الكلماتِ أدواتٌ متاحةٌ، فلنقتَرِفها معًا جميعا .. في عزِّ اللغةِ التراثية التي يعتمدُها لفقراتٍ بأكملِها، يفاجئني بكلمةٍ كان مفترضًا أنها (تابُو) فيما قبل، فأقعُ في فخ (هنري برجسون) الذي لا فِكاكَ لي منه مُجدَّدًا، وأدركُ تحوُّلَ اللغةِ إلى آلةٍ غبيَّةٍ يبدو أنها تتعطَّلُ رغمًا عن أنفِها، فأموتُ من الضحك.
ما أريدُ أن أخلُصَ إليه هو أنه بالتوسُّعِ المُمَنهجِ في هذا الاستخدام للغة ، لا يعودُ هناك مكانٌ لما يُسمَّى في الاصطلاح الإنجليزيّ Euphemism وهو تلك الكنايةُ (أو ربَّما هو الفألُ الحسنُ في سياقٍ ما) التي تحلُّ محلَّ كلمةٍ لا نحبُّ ذِكرَها ، وتعتمدُ إزاحةً دلاليةً بعينِها لكلمةٍ أخرى .. فعضوُ الأنثى التناسلي في الأقسام الأخيرةِ من الروايةِ ليسَ إلا اسمَهُ كما يقولُهُ المصريون والشوامُ في جلساتهم المتحررة .. ليس مِهبَلاً ولا عَجانًا ولا إنسانًا ولا غيرَ ذلك مما يمكنك أن تفكرَ فيه .. ليس ذلك فحَسبُ، وإنما هو يأتي مُشكَّلاً بالتشكيل العربي الرصين، كخطوةٍ أولى في سبيل اعتمادِهِ لفظةً رسمية!! كيف يمكن أن تبحثَ اللغةُ بعد ذلك يا عم (يوسف) عن كنايةٍ أو يوفيميزم؟؟ من الآنَ فصاعِدًا ستُقترفُ الإزاحاتُ الدلاليةُ عن اختيارٍ فضفاضٍ، كما فعل (الشوربجي) نفسه حين سمَّى عُضوَ (كلودين): (الباشمهندس) ..! صحيحٌ أننا نستخدم كمصريين هذا اللقبَ للإشارة إلى فصيلٍ غير متجانسٍ واسعٍ من الأشياءِ والأحياء، إلا أن (الشوربجي) اكتشفَ مبرراتِهِ البَعديةَ لهذه التسمية لاحِقًا، فعضوُها هندسَ له عالَمَهُ المُنهارَ في الفترة التي تلت اكتشافَهُ لمهمته المقدسة وأضفى معنىً ما على حياتِهِ، بالإضافةِ إلى أنَّهُ يشبهُ أباهُ في تضمُّخِهِ بعطرٍ خاصٍّ جدًّا، هو المسكُ الأبيضُ في حالة أبيه المهندس، والرائحةُ الحميمةُ لـ(كلودين) في حالة عضوِها!
هاه؟! هل الاختيارُ مسؤولية؟؟ يبدو أننا في المرحلة القادمة من الأدب على أبوابِ اختيارٍ غير مشروطٍ على الإطلاق .. هل نحنُ أمامَ تجلٍّ آخرَ لمفهومِ (سارتر) عن الأدب الملتزم والمسؤولية المبنيةِ على الاختيار المُطلَق؟؟ رُبَّما .. الأكيدُ هو أن الكناية صارت اختيارًا حُرًّا، نركبُها أو نتركُها، وليست حتميةً كامنةً في اللغة لا مفرَّ منها كما هو الحالُ قبل (الطُّغرَى) ..

·       أرجوحةُ التغريب والإيهام: بين (خُطبة الكتاب) التراثية و خاتمته التراثية كذلك، وإجمالهما لتغيُّر راوي الأحداث من شخصٍ أول هو البطلُ (مصطفى الشوربجي) في الأقسام الأول والثاني والرابع والخامس والسابع، وراوٍ آخرَ غير معيَّنٍ يتكلمُ في الأقسام الثالث والسادس والثامن والتاسع، تتمثَّلُ الأرجوحةُ القاسيةُ التي تطرحُ المتلقي في بئر الوهم الأدبي على مخملٍ ناعمٍ كما في حُلم (مصطفى الشوربجي) الذي يعاودُهُ كثيرًا ويمثلُ معادلاً موضوعيًّا ما لعدةِ أشياءٍ ((بينها هذا الأمرُ وبينها اكتشافه لجسد (كلودين يوسف) وبينَها الطريقُ المخمليُّ في قصر السلطان والذي يشبهُ إرهاصاتِ الكارثة))، ثم تعودُ تنتشلُهُ من هذا البئر، فيقول الراوي نصف العليم في الأقسام الأخيرةِ (من كوكبِنا نحنُ) حين يرصُدُ أحداثَ الأيامِ الأخيرةِ للشوربجي قبل سفره إلى بيروت. شبهُ الجملةِ الافتتاحيُّ هذا بحدِّ ذاتِهِ يمثل جهدًا جبّارًا في محاولة فصل ذاتِ الكاتب عن مجرى الأحداث ليرصُدَها برؤيةٍ مختلفة .. لكنَّهُ يتماهَى في النهايةِ مع (الشوربجي) كما يعترف بذلك في خاتمة الكتاب، عن طواعيةٍ تنتصرُ لمركزية الذاتِ في العالَم ..
ربَّما يتصلُ الأمرُ برؤيةِ (يوسف رخا) لدَور الروائي .. أرَّقني هذا الهاجسُ وأنا في منتصف الرواية تقريبًا .. هل على الروائيِّ أن يكون راصِدًا محايدًا تدور الأحداثُ من حولِهِ وليس له إلا أن يروي ويُبدي دهشتَهُ في بداية الرواية ونهايتِها كما فعل (دوستويفسكي) في (الإخوة كارامازوف)، أم يُفترضُ أن يشاركَ في صنع الواقع الروائيِّ وينقلَ إلينا رؤيتَه طول الوقت؟؟ أم أنَّ هذا السؤال قديمٌ وعفا عليه الزمنُ ولا مجالَ لفتحه لأنه موغلٌ في السذاجة؟!!
المهمُّ أن هذه التقنية الأرجوحيةَ تسهمُ بقدرٍ ما في إثارةِ وعي المتلقي .. تكشفُ بقدر ما تحجُب .. هل .. هل يمكن أن تقفَ على الموقف الأيديولوجي للمؤلفِ مثلاً بعد قراءة الرواية؟ نعم ، الراوي يتفق مع (الشوربجي) – كما يتبين في خاتمة الكتاب- على التماهي مع رؤيته والكتابة بطريقته، لكنَّ (الشوربجي) يبدأ الأحداثَ حائرًا ممزَّقًا (طلعان ميتينه – كما يحب أن يقول)، ويُنهيها حائرًا باحثًا عن حلّ .. هل سيجدُ حلاًّ ما لأزمة وجوده؟ لا أتصوَّرُ أنه بإمكان أحدهم أن يجزم بذلك، إلا أن يقول أن الرحلةَ بذاتِها/ السَّفر هو الحل (إشكالية رواية ساحر الصحراء لكويليو) !!

·       توتُّرُ القيمة: هل كان ضروريًّا أن ينخرط (مصطفى الشوربجي) في علاقةٍ (آثمةٍ) مع (كلودين) ويعبُرَ (باشمهندسَها) لكي يصِلَ إلى مكان رقٍّ من رقوق سورة (مريم) الموعودة؟! يبدو أنَّ هذا مقصودٌ بوعيٍ قاسٍ هو الآخَر .. ربَّما اختيرت سورةُ (مريم) لأنَّها تعبر – كما يقول السلطان أو الشوربجي في ذلك المشهد ، لا أذكر – عن تسامح الدولة (العَلِيَّةِ) العثمانيةِ إزاء (النصارَى) .. رُبَّما .. فهل كان اختيارُ عضو (كلودين) مَعبرًا إلى السورةِ سابقًا أم لاحقًا على اختيار السورة؟؟ أعني أن شخصيةَ السيدة (مريم) (العذراء) هي المعادلُ الموضوعيُّ للعذرية والاحتفاء بها في الإسلام (الهوية المطروحة للبحث والمناقشة بطرقٍ مختلفةٍ في الرواية)، فماذا الآن؟!!
المدهشُ أنَّ (الشوربجي) يتساءلُ وهو أمام عضو (كلودين) عن سرِّ انطباقِهِ على بعضه وخجلِهِ العذريِّ ، وهو الذي تخيلَهُ شَبِقًا منفتحًا على الدنيا باعتبار أنها زوجةٌ وأمٌّ لأكثر من طفلٍ منذ عددٍ من السنين .. ثُمَّ هو في النهاية شبهه بزهرة تيوليب (خزامَى)، وأخيرًا بزهرتَي تيوليب فوق بعضهما، ثم رسم الزهرتَين أعلى إحدى صفحات الكتاب!
إلى هذا الحدِّ يمتزجُ الإثم والبراءة؟ ربَّما اختيرت سورةُ (مريم) دون بقيةٍ سور القرآنِ للإشارةِ إلى شيءٍ أعمقَ من مجرد تسامح العثمانيين مع المخالفين في الدين .. إنه تسامح واستيعابُ الهوية المفتقدَة نفسِها للإثم وخرق المحظور .. أتصوَّرُها رسالةً ضمنيةً في الروايةِ تستحقُ البحثَ والتوقفَ عندها ..

·       روايةُ المؤامرة؟!: أو بالأحرى رواية التهكم على المؤامرة .. هل الروايةُ فتحٌ في أدب المؤامرة باللغة العربية؟!! تبدو كذلك لوهلةٍ عند منتصفِها .. السلطانُ العثمانيُّ الأخيرُ يتلبَّسُ جسدَ صحافيٍّ ضئيلٍ يمثلُ في عينَي (الشوربجي) الصورةَ الحيةَ لانهيار المجتمع المدني .. السلطان العثمانيُّ الأخيرُ مهديٌّ منتظَرٌ بديل .. السلطانُ العثمانيُّ الأخيرُ مسيحٌ بديلٌ للمسيح المفترضِ عودتُهُ للأرض في الإسلام السلفي (الأرثوذكسي كما يحب الشوربجي أن يسميه) .. والسلطان (محمد وحيد الدين خان بن عبد المجيد) يعيشُ حياةً برزخيةً ذاتَ طابعٍ خاصٍّ كالتصور الإسلامي الشائع عن المسيح، والتصور الاثنَي عشريِّ الشيعي عن المهدي المنتظَر .. يكتب السلطان سورةَ (مريم) في سبعة رقوقٍ تضيعُ منه كلُّها لتتبعثَرَ في أركان الأرض .. أوه! نحن أمامَ (مريم مجدلية) موازية لتلك الموجودة في (شفرة دافنتشي)! والعثورُ على هذه الرقوق السبعةِ مقدمةٌ لابُدَّ منها – بطريقةٍ غامضةٍ تهكميةٍ مقدسةٍ غيبيةٍ في آنٍ – لعودة الخلافة واستئنافِ الهوية الإسلامية .. يرحلُ (الشوربجي المختارُ) في نهاية الرواية إلى بيروت سعيًا وراء (معروف شالجي) الخطّاطِ العراقيِّ صديق والد (كلودين) الذي وجدَ نسخةً بخطه من أحد الرقوق به أولُ سورةِ (مريم) عند (كلودين) .. الخطّاط هو الآخرُ شخصيةٌ حاضرةٌ غائبةٌ في الرواية .. شخصيةٌ عبقريةٌ مرسومةٌ بأستاذية .. ذلك البدين الذي له لهجةُ المواصِلَةِ الخَشِنَةُ المتقاطعةُ مع لهجة الحلبيين بالشام، والذي يُفَضِّلُ أن يُنادى (معروف أفندي) كالسلطان الذي لا يحكم .. شخصيةٌ جديرةٌ بروايةٍ لها وحدها!! رغم أنَّ القصدَ واضحٌ في النهايةِ المفتوحةِ الحائرةِ، إلا أن جزءًا ثانيًا من الروايةِ ليس احتمالاً مستحيلا .. الله؟! وهل هناكَ احتمالٌ مستحيل؟!
الخلاصةُ أن (يوسف رخا) يطرحُ نظريةَ المؤامرةِ بشكلٍ ما في منتصف الروايةِ ، ثُمَّ يطرحُها من جديدٍ في نهايتها لكنَّهُ يطرحُها (أرضًا) هذه المرةَ ، حين يُعربُ على لسان الراوية غير المعيَّنِ عن تفضيله لأتاتورك على مائة وحيد الدين خان .. رغم أنه ليس موقفًا أيديولوجيًّا واضحًا حتى الآنَ، إلاً أنه كفيلٌ بأن يبصُقَ في وجهِ المتلقّي المسكين ويقول له: “أنت مسؤولٌ وحدكَ عمّا أنت فيه – قشطة عليك” !!
·       سوء التفاهم وإشكاليةُ التأتأة!!: لا يُنسَى الفلاش باك المروِيُّ على لسان (ألدو مزيكا) للفقي (وحيد الدين) وهو يتمتمُ بعباراتٍ ملتبسةٍ لم تفهم منها أمُّ (ألدو) الساحرةُ الأفريقيةُ إلا (سولتان لئيم) لتُصَدِّرَ لابنِها فكرةَ أنَّ اغتصاب (وحيد الدين) نجحَ في إخراج الجنِّ الذي يلبسُهُ .. المؤلِمُ هو وعي (الشوربجي) بأنَّ ما قاله (وحيد الدين) في ذلك الموقف بعد أن أفاقَ من إغماءته هو غالبًا (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وأنَّ الساحرةَ لم تفهم لأنها ببساطةٍ لا تجيدُ العربية !!
أحالتني هذه الحالةُ الضَّبابيةُ إلى Benjy أو Benjamin الأخِ المتخلفِ عقليًّا في رواية فوكنر The Sound & The Fury ، والذي يروي الفصلَ الأولَ بالكاملِ من الرواية بتأتأتِهِ وجمله المبتورة القصيرة التي لا تفيدُ معنىً متكاملاً ولا تحيلُ إلا إلى ذاتها .. من المؤكَّدِ أنَّها كانت مغامرةً مدهشةً من (فوكنر) .. مغامرةُ (يوسف رخا) أضيقُ من مغامرةٍ (فوكنر) لكنَّ قسوتَهُ في معاملةِ نموذجهِ الانهياريِّ (وحيد الدين) أبشعُ من قسوة فوكنر/الزمن في معاملة Benjamin !! في هذا المشهد، يُفيقُ (وحيدُ الدين) على الدمِ متفجرًا من شرجِهِ بعد أن يغتصبَهُ (ألدو مزيكا) الذي يُباهي دائمًا بحجم قضيبِهِ، امتثالاً لأمرِ أمه الساحرة وخوفًا من غضبِها عليه !! ما أقسى هذا .. في الجنوب الأمريكيِّ تكفلت الخادمةُ الزنجيةُ الطيبةُ برعاية (بنجامين) بشكلٍ ما وسطَ (الصوت والصخب) ، لكنَّ الساحرةَ الزنجيَّةَ وابنها الصحافيَّ اغتصبا (وحيدَ الدين) الصحافيَّ المسكينَ في قلب القاهرة بعد بداية القرن الحادي والعشرين بعدَّة سنوات .. لا مجال للتأتأة .. لا مجالَ لسوءِ التفاهم ..

·       اختيار قالَبِ الرسالة التراثي: حنينٌ إلى ماضٍ يسكن الأوراقَ الصفراء؟ استغاثةٌ خجلَى بشخصٍ ما غير موجود؟ رُبَّما .. يمتدُّ سؤالُ الهويةِ الممزقةِ إلى مسألة اختيار القالَب هنا فيما أتصوَّر .. ليس ذلك فحَسبُ، وإنما في نحت الاسم الذس يُفترضُ أن توجَّهَ إليه الرسالة .. (راشد جلال السيوطي) .. ما أسهلَ أن يحيلَ الاسمُ إلى (جلال الدين السيوطي) أحد أبرز شخصيات العلوم الإسلامية في تاريخ الإسلام ، بجمعه بين التفسير وعلوم اللغة وكتابة المقامات وكل تلك الخصائص اللصيقة بفن الكتابة العربي التراثي الإسلامي .. ربَّما في هذا بحثٌ كذلك عن هويةٍ ضائعة .. استغاثةٌ مكتومةٌ مفضوحةٌ ضاحكةٌ باكيةٌ بمن كتبَ قديمًا، علَّ من يكتبُ الآنَ يصلُ إلى حلٍّ لمعاناته، ونهايةٍ لوضعية الـ(زومبي)!!
·       نهايةُ الجغرافيا: أخيرًا، لا يمكنُ أن ننسى انبهارَ (الشوربجي) بالخارطةِ العربيةِ القديمة بألوانها الحنونة وثرائها، في مواجهة الخارطة الأوربية الحديثة المصمتة .. كان مهمًّا أن يختزل (الشوربجي) علاماتِ قاهرتِهِ في طغراءِ آخر السلاطين العثمانيين حتى تعودَ له القاهرة وحتى تكتملَ بين يديه .. المدينةُ التي نُسِبَت إلى المِرِّيخِ وقتَ بنائها بالخطأ كما يروي هو من كتب التراث في بداية الروايةِ لا ذاكرةَ لها كما يُورِدُ في نهاية الرواية .. كان عليه أن يبتكرَ رسمًا يحفظُها له .. حتى لو كان هذا الرسمُ محورَ حياتِهِ هو .. حتى لو تشخصنت القاهرةُ فيه فأصبح الدقي (جسرَ المنامِ) ، والمعادي (درب الكلب) وكوبري الدقي (النيل الناشف) وكارفور (خانَ السِّرّ) ووسط البلد (باب الدنيا) .. عليه أن يهبَها ذاكرةً من نسجه ، ويا حبَّذا لو كان للرَّسم معنىً ما من قبلِهِ لتكونَ له هيبةُ وحصانةُ القديم .. إنه ختمُ الهُوِيَّةِ الضائعة .. ختمُ الهويةِ المُفتقَدَة .. جغرافيا مقياس الرسم والألوان المتدرجة والمرتفعات والطرق وما إلى ذلك ليست كافية .. فلتذهب هذه بحماقتِها وسًخفِها وإحالتِها إلى ذاتِها .. فلتذهب إلى غير رجعة .. ولتكن هناك جغرافيا جديدةٌ خطِّيَّةٌ من طغرَى آخر السلاطين .. طغرى (يوسف رخا).

يوســـف رخــــا‮: ‬ اخترعت قاهرتي الشخصية

30/07/2011 أخبار الأدب

نائل الطوخي

صحفي مدمر عاطفياً،‮ ‬فقد زوجته ويسترجع علاقتهما المسمومة سوياً‮ ‬طول الوقت،‮ ‬وفجأة يظهر له شبح السلطان العثماني الأخير ليقنعه بأنه في مهمة لإعادة الخلافة العثمانية‮. ‬من هنا يبدأ الصحفي،‮ ‬واسمه مصطفي الشوربجي،‮ ‬في تأمل القاهرة،‮ ‬بوصفها القاهرة العثمانية،‮ ‬وتتحول حياته تماماً‮ ‬ونهائياً‮ ‬من بعدها‮. ‬هذه هي فكرة رواية‮ “‬الطغري‮”‬،‮ ‬بكثير من الاختزال والتبسيط بالطبع،‮ ‬للكاتب يوسف رخا‮. ‬يوسف،‮ ‬الذي عرفه القراء كاتباً‮ ‬في أدب الرحلات،‮ ‬وشاعراً،‮ ‬يتحول في عمله الأخير إلي الرواية‮. ‬
الرواية تحوي الكثير من الخيوط المضفرة سوياً‮. ‬أسأله عن أول خيط منها،‮ ‬أو كيف بدأت فكرة الرواية لديه؟ فيقول ببساطة إن أول خيط لم يكن هو ظهور السلطان العثماني،‮ ‬وإن كان هذا هو الخيط الأبرز،‮ ‬وإنما أزمته الشخصية لدي طلاقه الشخصي،‮ ‬تزامن هذا مع سؤاله عن المجتمع المصري الذي كان قبل الثورة‮: ‬لماذا يتحتم أن يكون هذا هو الشكل الوحيد للمجتمع،‮ ‬بكل النفاق فيه،‮ ‬وبفشله وعجزه عن الإنجاز؟ تزامن هذا أيضاً‮ ‬مع لحظات متعددة في المجتمعات العربية،‮ ‬منها لحظة سقوط نظام صدام حسين،‮ ‬واغتيال الحريري وحملة ترشيح مبارك في العام‮ ‬2005،‮ ‬كل هذا أدي إلي نوع من التصالح المعقد لديه مع الإسلام السياسي،‮ ‬تولد لديه تفهم لبحث الناس عن هوية أخري‮ ‬غير الهوية القومية والعروبة وحتي الهوية الوطنية‮. ‬فكرة البحث عن الخلافة الإسلامية جاءت من هنا،‮ ‬جاء هذا مصحوباً‮ ‬باهتمام شخصي لديه بتاريخ الإسلام،‮ ‬وبالخلافة العثمانية بوصفها آخر خلافة إسلامية‮. ‬طوال الوقت كان يوسف معجباً‮ ‬بالمعمار العثماني،‮ ‬وأول علاقة له بمعمار مسجد كان المسجد الأزرق في اسطنبول‮..‬
قصة الطلاق يحكيها يوسف بنبرة فيها الكثير من الشكوي والإحباط،‮ ‬كيف نظر إلي هذه النبرة،‮ ‬هل يمكن أن تكون تلك النبرة محركاً‮ ‬أساسياً‮ ‬في السرد الجديد؟
المحرك الأساسي للنص لم يكن الإحباط وإنما الحبكة الدرامية الخاصة بظهور السلطان‮. ‬بالإضافة إلي أن طموحي لم يكن أن أكتب شيئاً‮ ‬لم تتم كتابته من قبل وإنما أن أجاور بين خطابات الأبطال وبعضها البعض‮. (‬يبتسم‮) ‬وارد جداً‮ ‬أن تقرأ صديقاتي البرجوازيات هذا الجزء الذي تتحدث عنه ويكون هو أكثر ما أعجبهن‮. ‬من الأشياء التي أحبها هي الكتابة الاعترافية،‮ ‬والشكوي جزء من هذا،‮ ‬ولكن الموضوع لا يتوقف عنده‮. ‬الإنجاز الرئيسي أنه كانت هناك حبكة و”حدوتة‮” ‬وخيال يظل مقنعاً‮ ‬ولا يتعارض مع الإحساس الحميمي،‮ ‬ولكن مع هذا فمن الأشياء التي يمكن أن أنتقدها في نفسي هي الإفراط في الاعتراف‮.‬
يبدو لي أن هناك تناقضاً‮ ‬بين الاعتراف والشكوي‮. ‬الاعتراف ينصب فيه الاتهام علي الذات،‮ ‬أما الشكوي فينصب الاتهام فيها دائماً‮ ‬علي الآخرين،‮ ‬بدا لي في الرواية أنك تشكو دائما من الآخرين لكنك لم تتأمل ذاتك بالقدر الكافي؟
ما أقصده بالاعتراف هو المعني الواسع،‮ ‬المعني الذي يمكن وفقاً‮ ‬له أن يعد كتاب‮ “‬المبتسرون‮” ‬لأروي صالح كتاباً‮ ‬اعترافياً‮. ‬بالإضافة لهذا فهناك افتراض ضمني في‮ “‬الطغري‮” ‬أن الراوي‮ ‬غير متزن نفسياً،‮ ‬هو مريض بنفس القدر الذي يتخيل أن الآخرين مرضي به‮. ‬المشكلة أنه لم يكن منطقياً‮ ‬أن يحكي بموضوعية،‮ ‬ولكن واضح إنه جزء من عدم الاتزان النفسي‮. (‬يصمت قليلا)علي العكس من سؤالك،‮ ‬فأنا أعتقد أن التصالح مع الآخرين هو ما يجعل الموضوع شخصياً‮ ‬وذاتياً،‮ ‬يجعلك مغلقا علي نفسك‮. ‬جزء من العمق هو انتقاد الآخرين الذي يحتوي ضمنياً‮ ‬انتقاد نفسك‮. ‬بالإضافة لهذا فهناك انتقاد وجه لي في الرواية وهو عدم حضور شخصية الزوجة،‮ ‬عدم السماح لها بالحديث،‮ ‬وهذا كان جزءا من خطتي،‮ ‬كنت قد قررت أن الزوجة تموت في الرواية بشكل أو بآخر‮.‬
بالنسبة للغة،‮ ‬كان لدي يوسف رخا مشروعه،‮ ‬كان واضحاً‮ ‬أنه يحاول المزج بين العامية والفصحي،‮ ‬الجديد أنه لم يحاول أن يفعل هذا بأسلوب يوسف إدريس الذي سعي لمواءمة اللهجتين ببعضهما،‮ ‬وإنما بالعكس،‮ ‬كان يسعي لإحداث تصادم بينهما،‮ ‬ما أدي لإحساس بالنتوء لا ينكره ولا ينكر تعمده‮. ‬وارد عند يوسف أن تكون هناك لحظات تشعر فيها بأن اللغة مستكينة ولحظات أخري تشعر بها متمردة‮: “‬أصدقائي الذين كان لديهم تصور يقول بأن الكتابة لابد أن تكون عفوية وتلقائية انزعجوا من هذا التعمد‮. ‬كانوا معتادين علي قراءة إما الفصحي أو العامية،‮ ‬ولكن ليس مزيجا بينهما‮. ‬ومن الملاحظات المثيرة أن أصدقائي‮ ‬غير القراء بالأساس لم ينتبهوا إلي الفارق بين اللغتين‮. ‬المدربون علي القراءة فقط هم من انتبهوا‮”.‬

مع كل هذا،‮ ‬فيحسب لهذا المشروع أنه أنهي سؤال الازدواجية اللغوية لدي يوسف‮: “‬خلاص،‮ ‬انتهيت من التجريب في هذه المنطقة،‮ ‬لم أعد مشغولاً‮ ‬بها،‮ ‬مثلما انتهيت من الانشغال بالسؤال حول كيفية كتابة الإيروتيكا‮”.‬
ما يهم يوسف في موضوع الإيروتيكا وعمله عليها،‮ ‬في هذا المشروع،‮ ‬هو استخدامه لكافة الدلالات الإيروتيكية،‮ ‬بالإضافة لاستخدامه أيضاً‮ ‬للألفاظ الجنسية الصريحة‮. ‬يعتقد أن الإفراط في الكتابة عن الجنس يكون أحياناً‮ ‬طريقة لتحاشي قول أي شيء مهم عن الجنس‮: “‬حرصت علي استخدام أسماء الأعضاء الأنثوية كما نعرفها،‮ ‬في سياق الحب وليس في سياق الشتائم،‮ ‬وبالتالي تسترد هذه الألفاظ المحتوي الفضائحي الأصلي لها‮”.‬
في الرواية،‮ ‬يعيد يوسف اختلاق القاهرة،‮ ‬المعادي تصبح‮ “‬درب الكلب‮” ‬بحسب الراوي المهووس باسترداد الخلافة العثمانية‮. ‬جزء من هذا كما يقول يرجع إلي اهتمامه بكتاب‮ “‬اسطنبول‮” ‬لأورهان باموق،‮ ‬الذي يعيد فيه اكتشاف المدينة ولكن كفضاء للذات ليس أكثر‮. ‬أراد يوسف تجريب نفس الشيء مع القاهرة،‮ ‬فكرة أن تصبح المدينة شأناً‮ ‬ذاتياً‮ ‬بدون أن تفقد عموميتها‮. ‬القاهرة التي يعرفها الراوي،‮ ‬من مكان عمله لمكان بيته لمكان لقاء أصدقائه،‮ ‬هي البطل هنا،‮ ‬مع تسميتها بأسماء مأخوذة من طريقة تسمية العثمانيين للأماكن،‮ “‬الدرب‮” ‬و”الخان‮” ‬وغيرها‮. ‬ترافق هذا مع إكليشيه الطغري،‮ ‬الذي جاء متماثلا مع خريطة القاهرة الشخصية لدي الراوي‮. ‬والذي انتهي به الأمر إلي أن يري القاهرة كلها وكأنها إعادة رسم لختم السلطان‮. ‬أما إعادة رسم القاهرة كلها،‮ ‬فلم يكن طموح الكاتب‮: “‬قد يكون هذا مشروعاً‮ ‬تشكيلياً‮ ‬موازياً‮ ‬للطغري‮”. ‬
تنتهي الراوية بعثور الراوي علي‮  ‬صديقته يلدز،‮ ‬الذي يعني اسمها بالتركية‮ “‬النجمة‮”‬،‮ ‬وعثوره علي النجمة هي أولي خطوات عثوره علي الرق المختفي الذي سيعيد الخلافة العثمانية كما كانت،‮ ‬بالإضافة إلي تعلقه بكلودين أخت يلدز،‮ ‬التي بدا إنه سيطور معها علاقة‮ ‬غرامية كاملة‮. ‬علي الرغم من أن النهاية تبدو ظاهرياً‮ ‬سعيدة،‮ ‬إلا أن شيئا ما فيها يعطل هذا الإحساس‮. ‬كأنها كابوس استيقظ منه المرء ليجد نفسه‮ ‬غارقاً‮ ‬في كابوس آخر‮: “‬لا أري أن النهاية سعيدة،‮ ‬رأيت أنه من المناسب إغلاق النص علي حدث‮ ‬غير حزين بدون الإشارة إلي أن هناك أي تغير للأفضل قد حدث‮. ‬كان هذا جزءاً‮ ‬من البنية الدائرية للرواية‮. ‬الراوي يفقد زوجته ليجد كلودين،‮ ‬يفقد المدينة ثم يجد مدينة أخري علي هيئة القاهرة العثمانية،‮ ‬يشعر أنه بلا أهمية ثم ينشغل في مشروع جبار لإعادة الخلافة الإسلامية،‮ ‬هناك حالة تحول دائمة من الفراغ‮ ‬للامتلاء،‮ ‬ولكن يغيب معها أي إيحاء بالتحقق أو السعادة‮”. ‬

———————————————————————————-

يوسف رخا.. في “تسخير” انهيارات القاهرة الحديثة

إيمان علي

القاهرة ـ إيمان علي

غالبا، لا يهم توقيت صدور كتاب أو رواية. فأي معنى وراء الانشغال بأمر كهذا منزوع الدلالة إلا من اعتبارات السوق، والحديث عن تأثيره على عمليتي إنتاج العمل وتلقيه يكون من قبيل البحث عن “الكماليات”؟! لكن في مصر الآن، بدا بإمكان هذا السؤال الإفصاح عن إجابات أخرى ليست من بينها الاستهانة بعامل الوقت في العمل الإبداعي. مع رواية يوسف رخا الأولى “كتاب الطغرى.. غرائب التاريخ في مدينة المريخ” (دار الشروق)، أضفت التغييرات الأخيرة في مصر التي صاحبت صدور الرواية طابعا خاصا على طريقة استقبالها وتناولها؛ طابعاً لا يدري رخا نفسه إن كان في صالح عمله أم بحسب تعبيره “سوء حظ تاريخي”. على أية حال كان موضوع الرواية نفسه المحفز الأكبر لهذا اللبس.
الحرج الذي شعر به رخا الكاتب المصري (وهو أيضا صحافي بجريدة “الأهرام ويكلي”) مع صدور “الطغرى” – الختم العثماني على الفرامانات – ولم يمر أسبوع على تنحي الرئيس المصري السابق حسني مبارك، لم يمنعه من ثقته وهو يشرح بأن: “ما حصل لم يغير ما قبله، ولا يقتضي مني مراجعة أو إعادة الكتابة”. كتب بالبريد الإلكتروني للصحافة: “ولا مبرر لبجاحتي سوى أن الرواية نفسها هي صورة للمدينة التي أنتجت الثورة قبل ثلاثة أعوام من حدوثها”. اختصر رخا فكرة العمل في حفل التوقيع للرواية في مغزى واحد هو “السقوط”. فالتحللات التي حدثت للقاهرة الإسلامية وتحدث للقاهرة المعاصرة هي معادل تاريخي للانهيار على المستوى الشخصي ومخاض لفعل التثوير في آن، يقول: “اضطراب البطل مصطفى الشوربجي نتيجة لاضطراب المجتمع وخلله من حوله، بكل تداعياته: الإسلام السلفي مجسدا في شخصية أمجد صلاح، الطائفية، التوجه القومي، التربية الأزهرية، المجتمع الأبوي، وفي كل هذا الطبقة الوسطى”. ثم يعلق على تساؤل بطل الرواية “هل المصيبة في الانتماء؟” بأن: “سؤال “الطغرى” الأساسي في معنى أن تكون مسلما في هذا الزمن”! ربما يقصد “لعنة” أن تكون مسلما!
بدت رحلة مصطفى الشوربجي بطل رواية الطغرى للشعور بالأمان ومحاولة الفهم تجسيدا رمزيا للفعل الثوري في أكثر من صيغة: السخط من وضع قائم في محيط عمله وحياته الشخصية وانهيار زواجه بعد عام، ثم استبصار مؤامرة ما تحفزه على البحث وتربيط قطع “البازل” (يساعده تجلي شبح السلطان محمد وحيد الدين آخر خليفة عثماني)، لكي يصل أخيرا إلى هوية تناقض الواقع وتدفع الثمن في نفس الوقت. مصطفى صحافي متذمر وساخر من الأوضاع حوله، يقف على الجوانب الطريفة في أداء وفكر ولغة من يعرفهم، أسلوبهم وطريقتهم في تعاطي الحياة والدين، كلها كانت أدواته لتسخير متناقضات تغدو في كثير من الأحيان كوميديا مزعجة بالنسبة إلى قدرة البطل والراوي (القرين) الاستيعابية.
لكن مصطفى في أحداث الطغرى يحول مناسبة تعيسة هي “الطلاق” إلى نقطة انطلاق محفزة، رغم ألمها وقسوتها تصير تلك الحادثة طريقا ممهدة لمصطفى للتأمل واجتياز رحلة (مادية وفكرية) في الحياة والتاريخ والذات. في محاولة لاستعادة الأمان وإعادة اكتشاف وتسمية الأشياء واسترداد تاريخ مسلوب للقاهرة وهويتها الإسلامية، لم يكن مهما بالنسبة ليوسف رخا الوصول بالقارىء إلى نتيجة محددة قاطعة لهذا الاسترداد، يوضح: “الاسترداد يأتي باكتشاف المؤامرة، سواء بمعناها الواسع أو تلك التي أفشلت مشروع القاهرة الإسلامية والخلافة العثمانية، إذن الاسترداد ذاته فقد على مستوى ثان، لكن فيه جزء استيعاب”.
كانت النهاية الفانتازية لرحلة مصطفى لرسم خريطة خاصة بقاهرته “المنهكة” ملائمة لعبثية وتناقض اليوميات والتجارب ومغامرات الحب والجنس التي يحكيها الشوربجي في رسالة – من تسعة فصول – إلى صديقه “راشد السيوطي”. وكان يعايشها في مكتبه “القفس” بالجريدة الاقتصادية (يستفيد رخا كثيرا من حكايات وشخصيات محيطه الواقعي) وفي بيت الزوجية بالمعادي ثم عند أمه في الدقي، أو بين جلسات الزملاء في المقاهي و”مشاوير” السيارة ذهابا وإيابا بين كل تلك الأماكن. هل تعتبر محاولة يوسف رخا الروائية اكتشافا لسبل خيالية لاسترداد وطن على أعتاب ثورة؟ هذا التفسير أثار جدلا في حفل التوقيع، حسمه إجماع أغلب الحاضرين من أصدقاء الكاتب وكتاب شباب بأن “كل كتابة ثورية”، وأن “الثورة حالة واحدة فيما الرواية بطانة لحالات أوسع”، و”الكتابة حل أدبي مثلما كانت الثورة المصرية حل سياسي أو مجتمعي”. أما رخا فيعلق متهكما بأن روايته بـ”سبع أرواح”، تلقفت الخلافة العثمانية والإسلامية موضوعا وبإمكانها بذلك التعاطي بحذق مناسب للشغب العنيف الذي تتصدر به الجماعات السلفية المشهد السياسي المصري ما بعد الثورة.
في هذه الرواية، لم يتخل يوسف رخا كعادته عن خلط الشعر بالنثر والخطابات الأدبية المختلفة والاقتباسات في نص واحد، مما يجعله نموذجا معجونا “بالجنون الأدبي”. يفسر: “الفكرة في تجاور المقال والقصة والقصيدة من دون أن يكون الكتاب كتابين، وفي نفس الوقت مخالفة الفرامانات الستينية ضد المباشرة في الرواية”. إلى جانب الأسلوب الذي يسرد الأحداث داخل الرواية ويحاكي طريقة تأليف وتصنيف الكتب التاريخية القديمة، تكتمل ثورية يوسف رخا باللغة التي كتب بها “الطغرى”، فهو ينحت معادلا معاصرا لكتابات المؤرخين، تحديدا الجبرتي وابن إياس، بطريقة ينتشي رخا نفسه من تكرار التأكيد على أنها تختلف عن طريقة الروائي المصري جمال الغيطاني الذي يكتفي في رواياته التاريخية بإعادة إنتاج اللغة القديمة كما هي.
يبدو أن صاحب “الطغرى” مصر على استمرار اختراع طقوس الثورية الأدبية الخاصة به برواية يكتبها حاليا عنوانها “التماسيح”، وهي بحسب ما يخبرنا تحكي عن جيل التسعينات في الأدب وتبحث عن معنى أن تكون مثقفا أو شاعرا في هذا الزمن، يفضح يوسف رخا هذه المرة بعضا من الأحداث والتجارب الحقيقية ويجرب لغة فصحى صرفة هي أقرب إلى لغة شعر النثر.

Continue reading