هكذا تكلم ابن الرقاصة

هكذا تكلم ابن الرقاصة (أو أموات منطقة الجزاء): ٢ فبراير ٢٠١٢

“نهاية العام: عام النهايات…” – سركون بولص

أن لا تكون من مشجعي كرة القدم في مصر كأن تكون ولد سفاح تقريباً. لقد حان وقت الاعتراف بأنني، كشخص لا يرى في كرة القدم سوى حجة باهظة للسَفَه الممنهج، ابن غير شرعي في هذا العالم. لكنني كما اتضح ابن غير شرعي ليس فقط لمجتمع واسع يستلزم الولاء الفطري لملاحم “المستطيل الأخضر” ومآثر “الساحرة المستديرة” دون أن يقبل الإنجاب بلا زواج، وإنما أيضاً لمجتمع ضيق تقيمه مسيرات واعتصامات واشتباكات لم أعد أشارك فيها وإن لم أفقد حماسي لها إجمالاً (فقدت حماسي بدرجات تتفاوت حدتها للاحتفالي منها بالذات، لـ”الملوينية” والعَلَم والمنصة ولـ”الميدان” المخترق بلا دماء، وهو ما قد يساء فهمه في السياق الثوري)؛ أي أنني – فيما يخص “الثورة” – بت أُجلّ تضحيات لست على استعداد شخصي لتقديمها، ليس لأن لها جدوى ولكن لأنها تضحيات.

وكما علّمتني جماعات “الألتراس” من أبناء “المجتمع الكروي” الشرعيين حد الحراك المنظم أن لذلك السفه الممنهج فائدة رغم كل شيء – أن تشجيع كرة القدم في بلد مسكون بالدونية والرعب إلى هذا الحد ربما كان المساحة الوحيدة الممكنة لاسترداد الفضاء العام بثورية براجماتية في مقابل الثورية المثالية التي تنتهي بصاحبها إلى ما يشبه الانتحار – علمني انطوائي وعزوفي عن الجموع والعنف غير المتكافئ أن مواصلة النشاط الاحتجاجي، داخل حدود “المجتمع الثوري” – الوحيد الذي يمكنني احترامه وسط مصر “كالايدوسكوبية” متعددة المجتمعات – أصبحتْ مثل تشجيع كرة القدم تماماً: شرطاً أصيلاً لشرعية وجودك أو حقك في الكلام؛ وحبذا لو استُشهدتَ أو فقدتَ بصرك لتؤطر بموتك أو عماك بشاعة الفريق المنافس، أو تبرر “الثورة” بلا حاجة إلى كلام.

.

تستثيرني في هذا السياق أسئلة صعبة ليس أولها احتقار الذات ولا آخرها احترام الحياة. الثورية نفسها تستثيرني، الثورية التي لا تنظر إلى نفسها بما يتيح رؤية عبثيتها، أو تُبطِن – مثل أدب “ألبير كامو” – كفراً بمعنى الحياة بل وجدوى تغييرها، التي لا تملك من الخيال أو الشجاعة ما يجعلها تتحول عن مسار أحادي ضيق مكرسة لنقيضها في الوقت ذاته. يستثيرني، مثلاً:

  • •أن القضية المطروحة حيال احتجاجات وزارة الداخلية التي اندلعت في أعقاب مجزرة تعرض لها “ألتراس أهلاوي” في ستاد بورسعيد هو ما إذا كان الألتراس أم غيرهم من يصرون على كسر “سلمية” الاحتجاجات بالاعتداء على المنشآت العامة (وكأن مباني “الدولة” أهم من أرواح المواطنين أو في صراع أونطولوجي معها، وكأننا لا نعرف أن فصائل من الداخلية والقوات المسلحة دبرت الاعتداء على المنشآت العامة من قبل لتوريط المتظاهرين)، أن دعاة “الاستقرار” من “مجتمع الكنبة” مازالوا يناصرون جهات كوزارة الداخلية لم يبق سوى أن تعلن عن أنها تعمل على إثارة “الفوضى”؛
  • •أن نساء يُعرَّض بهن بشكل ممنهج في “المجتمع الإسلامي” الذي بات مطابقاً لـ”المجتمع الديمقراطي” عملياً مازالن يحتضنّ الرصاص بحماس صادق بينما لا يخطر لهن خلع حجاب يلبسنه مكرهات منذ “العصر البائد”، وأن من صوتوا لمَوالي المجلس العسكري من الإخوان المسلمين وحزب النور على جثث ضحايا لم يرفع الموالي سبابة لنجدتهم هم أنفسهم من يهتفون بسقوط العسكر؛
  • •أن فترات مرت كان الألتراس وحدهم من يضطلعون خلالها بمواجهة الأمن المركزي والشرطة العسكرية إثر الاستفتاء الأول على تعديل الدستور، والذي أدى مبكراً جداً إلى احتكار عسكري للقرار مقابل صعود برلمان إسلامي لا أراهن على اختلافه عن برلمان الحزب الوطني؛ وكان ناشطون نجوم أمثال علاء عبد الفتاح قد صوتوا بنعم لصالح المجلس العسكري والإخوان في ذلك الاستفتاء…

أو أن أحداً، في المهاترات “السياسية” الدائرة، لا يأتي على ذكر “الدولة العميقة” التي لا أظن “إسقاطها” ممكناً قبل إسقاط الرأسمالية العالمية برمتها؛ وفيما تقتصر “المطالب” على استبدال أو إعدام أشخاص بعينهم – عن نفسي، لن أكون من أنصار عقوبة الإعدام أبداً؛ وأظنني سأفضّل حتى نظام مبارك سواء أعلى “المحاكم الثورية” التي يطالب بها بعض “الثوار” أو على “شرع الله” كما يستبصره السلفيون – تتحول التضحيات إلى وقود “دوري” يتنافس على سلطة هي ربما أكثر سفاهة بالنسبة إلي من مباريات الدوري الممتاز الذي تقرر إلغاؤه.

.

قال لي سائق التاكسي إنه يتمنى أن تصبح البلد “إسلامية” مستشهداً بتركيا كنموذج يجب احتذاءه، وأضاف: “عشان ولاد الرقاصة دول يتلمّوا!” كان يشير بذقنه الحليقة إلى امرأة شابة تعبر الطريق وفي عينيه شهوة يكرهها. لم تكن المرأة التي أشار إليها محتشمة فحسب ولكنها كانت أيضاً محجبة. نظر إلي ينتظر أن أثني على ما قاله، وحين وجدني أنفخ بتذمر مشيحاً بوجهي عنه إلى الشباك، تنهد ليس بخيبة أمل ولكن بخليط أعرفه جيداً من التحدي والتلون. “ولا إنت إيه رأيك على كده؟”

نظرتُ إلى سائق التاكسي في عينيه تماماً: “أصل أنا ابن رقاصة زيهم، فمش عارف بصراحة أقول لك إيه!” وتذكرتُ رجال منطقة بيوغلو في اسطنبول حين يطلعون على العالم في هيئة وثياب النساء؛ تذكرت قبلات الأحبة هناك في الحدائق المتاخمة للبوسفور، وروعة التحرر من عيون مثل عينيه. “بس عارف” – أضفت فجأة – “ما فيش أي مانع نبقى زي تركيا…”

.

أول ما خطر ببالي إثر وصول أخبار استاد بورسعيد في ذكرى “موقعة الجمل”: صبرا وشاتيلا. بدا لي أن علاقة الأمن بالبلطجية الذين اندسوا وسط مشجعي نادي المصري لعبور الملعب إلى ألتراس أهلاوي والإجهاز عليهم هي ذاتها علاقة إسرائيل بالقوات اللبنانية: التحكم في الإضاءة وفتح وإغلاق المعابر. كنت أفكر أن وجود إسرائيل لا يغفر للقوات إجرامهم وأن شيئاً عندنا لن يتقدم طالما توجد هذه الميليشيات الخفية متعددة الولاء.

والآن والجدل دائر حول “اقتحام وزارة الداخلية”، والأخبار تتوالى عن معارك على بوابات الأقسام بامتداد البلاد – بصراحة شديدة – أحس بالملل. أحس الكلام ممجوجاً والمواقف متوقعة بحذافيرها والنوازع، حتى النوازع معدومة الخيال. أشياء لا يملك الواحد حيالها إلا الغضب للمرة الألف، أو ربما زحزحة “الأحداث” إلى منطقة غائمة: إغلاق “الدُرج” عليها في مكتب العقل.

هل حقاً علينا أن نسأل من جديد إذا ما كانت الداخلية المصرية في حاجة إلى “إعادة هيكلة”؟ هل على المتظاهرين مرة أخرى أن ينفوا شبهة شيء قد يكون سبباً للافتخار؟

.

ومع ذلك، للمواجهات التي باتت روتينية في محيط وزارة الداخلية نتائج إيجابية رغم كل شيء، نتائج لا أظنها أغلى من حياة من ماتوا ولكنها تصب في الاتجاه الإصلاحي الذي انبثقت عنه الثورة – وهو إصلاح، فيما ثبت لغاية الآن أن المعارضات على تنوعها ليست أقدر عليه من نظام لازال يحارب من أجل البقاء، لا يمكن أن نتوقعه من ثورة يناقضها بتعريفه، ثورة استخدمتها الدولة العميقة لاستبدال ديكتاتورية مبارك بديكتاتورية عسكرية مباشرة مع تهديد مضمر بثيوقراطية إسلامية تتحقق من خلال صناديق الاقتراع، إضافة إلى التلويح العلني باحتمال سواد نظام تسيير ميليشياوي:

  • •تحول الشعار الرئيس من “الشعب يريد إسقاط النظام” إلى “يسقط يسقط حكم العسكر”، وهو اعتراف “شعبي” تأخر أكثر مما ينبغي بوجوب سقوط منظومة يوليو كاملة لحظة “تخلي” مبارك عن سلطته للمجلس العسكري؛
  • •كشف الإسلاميون ليس فقط عن نيتهم في استغلال الثورة حسب الحاجة وإنما أيضاً عن استعدادهم لقمعها بالوسائل ذاتها التي استخدمتها “الجهات السيادية”، وقد تولوا مسئولية تعذيب “البلطجية” في ميدان التحرير ثم الاعتداء “الميليشياوي” على مسيرة إلى مجلس الشعب كما اتهموا مفجري الثورة وضحاياها بالعمالة لجهات أجنبية بعد أن كانوا أول من بادر بتسوية أوضاعه في واشنطن؛
  • •أثبتت السنة الماضية أن الثورة الأولى كانت بمثابة نزع السدادة عن القمقم وأن المارد بحلوه ومره قد خرج إلى العالم الواسع ولا سبيل إلى حبسه من جديد أو، بعبارة أخرى، ثبت أن الدولة العميقة مهما استحال إسقاطها أضحت مجبرة على التكيف مع الحقوق المكتسبة وأن أسلوبها المتبع إلى الآن في التعامل مع العصيان من شأنه أن يعرضها للمزيد منه.

الثورية تستثيرني إذن على نحو إيجابي كما تستثيرني على نحو سلبي، لكنها تستثيرني أكثر بصفتها الجوهرية لكونها طقس تضحية ضروري، ولأنها – بالتحديد – ثورية بجد؛ بمعنى أنها لا تنظر إلى الممكن ولا تسمح بالتوافق أو تكتفي بالإصلاح. من هذه الزاوية أراني جزء خفياً مما يحدث، من هذه الزاوية فقط.

.

نحن أموات منطقة الجزاء “كنبة” أكنا أو “بتوع تحرير”، ألتراس أو لا، أبناء شرعيين أو أولاد سفاح. إن لم نمت في ليل ٢ فبراير في بورسعيد فسنموت يوم ٣ فبراير في السويس أو مساء ٤ فبراير في شارع منصور وربما بعد شهر أو سنة على سلالم المترو؛ وحتى إن لم نمت على الإطلاق، فستطاردنا أشباح من ماتوا بما هو أبشع من رصاص القتلة مهما انتفى وعينا بذلك؛ لا فرق في هذا الصدد بين من يُقبل منا على النشاط الاحتجاجي ومن لا يفعل لأسباب لعلني أوضحت بعضها.

عن نفسي – وأظنه إيجابياً أن يكون بيننا مثلي كذلك – لست “ثورجياً” حقيقياً أو لم أعد، لكنني لست من “الفلول” ولا من “حزب الكنبة” ولا أنظّر – هنا – إلا لكي أفهم من أكون. ربما ليس عندي شجاعة أن أرى الناس تُقتل بلا هدف، وربما فقط لا أحب الصخب والزحام. لن “تدخل علي” حجة أن الإسلاميين فصيل له رؤية إصلاحية ولن يردعني عن رفضهم – ورفض القيم “الفلاحية” التي يسعون لتعميمها – الاتهام بأنني أمارس تعالياً طبقياً على الإسلاميين. لا أغفر لمن يعطي الإسلاميين مثل هذه المصداقية أكثر مما أغفر لمن يحابي المجلس العسكري وهو يقتل ويشعل الفتنة الطائفية ويحتجز ويعذب ثم ينكر مسئوليته. ولا أظن لموقفي هذا أهمية أكبر من أن أعرفه ويعرفه من أعنيه شخصياً. ومع ذلك في مصر مكان لي أيضاً، إلى الآن على الأقل، أنا ابن الرقاصة الذي يقول هذا الكلام. ربما حتى يكون المكان الذي أستحقه.

المقامة الحاكمية أو المنتحر 20

حدّث راشد جلال السيوطي قال:

أن تفتح كبّوت عربتك بعدما تقف منك على الطريق، فتجد جثَّةً منطويةً في وضع جنيني مكان الموتور، تخيل! ليس هذا ما حصل بالضبط، لكنْ قياسًا إلى أن هذه أول زيارة أعملها للقاهرة من ثلاث سنين، ما حصل كان على نفس درجة الغرابة.

بعد ذلك، بعدما أعرف بالذي مرَّ به صديق عمري مصطفى نايف الشوربجي، وجعله يغادر القاهرة قبل وصولي بأسبوع – أنا لن أعرف حكاية مصطفى لحد ما أرجع لحياتي الطبيعية كطبيب احتياط في مستشفى بيثنال غرين، شرق لندن، حين يبعث لي بالإيميل “پي-دي-إف” مخطوطة ضخمة دوّن فيها انفصاله عن امرأته وما تلاه، مع سطر واحد في شبّاك الرسالة يتساءل إن كنت بعدما أقرأ المرفقات سأظنُّه مجنونًا*، سيتأكد لي أني لم أخترع تلك الليلة على طريق صلاح سالم، تحت ضغط مشروع زواجي أنا، والإكثار من التفكير في أكبر عقبة أمامه. يعني أنا أسكن جوار عملي في بيثنال گرين، ومن وقت انتقلت إلى هناك سنة 2005، قبل سنتين تقريبًا، وأنا أعيش مع زميلة درزية أحبّها وكان زماني تزوجتها لولا أن أهلها مستحيل أن يخلّوها تتزوج غير درزي، فلما طلع لي شبح المنتحر لحمًا ودمًا يقول إنه التجسًد رقم 19 لروح الإمام الحاكم بأمر الله الذي يؤلّهه الدروز، شككت بأني أهلوس نتيجة التفكير في ذلك والقراءة عن تلك الديانة المجهولة،  وأن هذا سبب حرماني من تأسيس أسرة مع حبيبتي. أصلًا ساعات ينتابني الفزع من أن أكون، بعلاقتي مع البنت هذه، فعلًا تعديت على حرمة ما أو قداسة. ومع أن المكتوب في “پي-دي-إف” مصطفى ما كان يمكن أن يخطر لي أثناء وجودي في القاهرة، فطنت بعد مكالمتي الثانية لوالدته – الشخص الوحيد الباقي لمصطفى صلة حقيقية به هناك – إلى أن ما جرى له قد يشبه ما رأيته أنا في الليلة تلك.

“ومن أقرّ أن ليس له في السماء إله معبود، ولا  في الأرض إمام موجود، إلا  مولانا الحاكم جلّ ذكره، كان من الموحدين، الفائزين”.
من نص عهد الدعوة الدرزية لحمزة بن علي المعروف بـ”ميثاق ولي الزمان”.

ليلتها عرفت أن اختفاء سادس وأغرب أئمة بني عبيد الله (الفاطميين) – ذلك الطاغية المتقشّف الذي حرّم على الناس أكل الملوخية، وألزم النساء البيوت، ثم عمل “جينوسايد” صغير في مدينة مصر القديمة (كان يقوم بتصفية كلِّ من تقرَّب إليه) – اختفاء هذا المجنون الملهم لم يكن إلا انتحارًا تلى ظهور الدعوة الدرزية، التي قالت إنه التجسُّد البشري للإله الواحد. أن توقن بأنك أنت الله – هكذا قال لي المنتحر – لا بد أن يؤدي ذلك إلى الانتحار، فكيف يعيش الله بين الناس حتى لو كان إمامهم؟ والانتحار هذا – شرح لي – يتكرّر مرّةً كلَّ خمسين عامًا منذ حدوثه الأول سنة 1021 تكون روح الحاكم حلَّت بشخص عادي له جذور في القاهرة المعزِّيَّة، وبعد أن ينتحر بدوره يتجلى لوريثه، ويكون مرَّ على انتحاره خمسون سنة بالتمام، ليخبر ذلك الوريث أنَّه التالي في الترتيب. تذكَّرْت ساعتها أن أبي وأمي ولدا وعاشا عمرهما كلَّه إلى أن تزوَّجا غير بعيد من جامع الحاكم، ذي المئذنة التي تشبه ذَكَرًا مختونًا منتصبًا يطل وراء حائط مفرود كالملاءة، وأن جدي لأبي كان يدَّعي أنه من نسل شيخ حارة برجوان (ذلك المكان المسمى على اسم أشهر خصيان الحاكم، وأحد ضحاياه) فيقول الرجل العجوز نصف مازح إن تاريخنا في المنطقة يعود لأيام المماليك.. هكذا في أول زيارة بعد غياب ثلاث سنين إلى مسقط رأسي وأحلى أيَّامي – وأنا عاشق درزيَّة – كان علي أن أتخيَّل نفسي أموّت نفسي بسيف الإمام العزيز بالله، أبي الحاكم، بصفتي (ويا خرابي) المنتحر 20.

ثم استطرد راشد السيوطي يتذكر حديث المنتحر:

الذي يموت وحده، لا يعرف، لا يرجف بالمفاجأة أو يعميه البريق. (هذا ما قاله لي المنتحر 19 في طريق الرجوع، لما وقفت العربة، كأن كهرباءها فصلت على طرف الطريق بموازاة القرافة، وكان مكانًا مظلمًا، لكني شددت الفرامل وخرجت أفتح الكبوت فإذا بضوء السماء يتغير لحظيًا، كأن الصبح طلع لمدة ثانية ثم غاب، برقت خلالها حجارة جبل المقطَّم من فوقي كأنها أصبحت فوسفورية، وشيء ككفِّ اليد يخزني في كتفي، لما نظرت حولي لم أجد له أثرًا. حين عدت إلى مقعد القيادة، أحاول أن أدير المحرِّك يائسًا، فإذا إلى جواري شاب مهندم في بدلة كاملة موديل ريترو وفي يده مسبحة… بدأ يتكلَّم على الفور.) الذي يموت دون أن يملك موته في يده، لا تهزّه البهجة الخرافية لمغادرة الحياة. وحده المنتحر هو الخالد الباقي، ومن أين لغيره بفرحة اليقين؟!.. أنا أكلِّمك عن خبرة، صدّقني: أنت لن تموت ككافة الناس. ستُموّت نفسك بنفسك في اللحظة الحاسمة، واللحظة الحاسمة دائمًا فيها الآخرون. أكلِّمك، مع أني لم أدبّر لذلك، لأنّي متُّ بحضور أبي وأختي وخليلي، في الحوش الحاوي قبر أمي أيضًا وراء باب النصر، حيث كانت القاهرة المعزِّيَّة قبل وقت طويل – الآن هنا طبعًا لا شيء اسمه وقت، لكن ليس غير لغتكم للتفاهم – وكانت أختي تظنني أقتلها بالسيف وأبي مريضًا بالداخل، لكني سأناديه حتى يخرج قبل موتي بدقيقة واحدة. كلُّ الأرواح السائحة على روحي، أقول لك، شهدتني أعبر. بحسابكم كان عمري وقتها أربعة وعشرين، ولولا أني جل ذكري من النسل المقدس، ما كنت فطنت لروعة الذهاب مبكرًا، أو علمت أن كلَّ شيء حدث، حدث لكي يؤدي بشكل لا يقلِّل من حتميته أنه غير واضح وغير منطقي، إلى لحظة واحدة فقط من سنة 1958، لحظة ثبّتُّ رأس السيف في النقطة التي حدَّدها لي سلفي بدقَّة، تحت ثديي الأيسر وعلى بعد عقلة إبهام إلى اليمين. كانت يداي حول المقبض وذراعاي ممدودتين، كأن جذعي النحيل في الجلباب الأسود أصبح قوسًا مشدودًا، ومتشبثًا بقدمي الحافيتين في الأرض الرملية، مرّة واحدة، شددت. أنا الكامل الذي يجيء موته منه، الحامل من ساعتها سيف العزيز بالله، اسمع حكايتي.
ومحاكيًا الهمذاني والحريري، قال:

جئت القاهرة في زيارة. وصحبة صديقي الحقيقي مصطفى، نويت أمشي من حارة لحارة. كان هذا ما اتفقت عليه وإياه: أن نشاهد ما بقي في القاهرة من مجد إسلامي وجاه. وأنا لي في إنكلترا سبع سنين، نزعت أثناءها عصب الحنين. “إنه من زمان أول لقاء بدرش، تقولش سلطان راجع إلى العرش”. فراعني أن لا أجده في الديار، وكأن مدينتي زايلها العمار. نقض اتفاقنا ابن القديمة، فأسلمتني الدهشة لأحزان عظيمة. بحنين تخيَّلتنا في غبرة وتراب، وسط قاهرة المعز بين باب وباب. حتى قلت في عقل بالي: ملعون أبو مصطفى، سأستأنس بالكاميرا والسجائر وكفى. وأخذت عربة أبي ذات ليلة ذاهبًا، فما كدت أذهب حتى رجعت تائبًا. فإن ما رأيته في زيارة باب الفتوح، يخيف أبا الهول نفسه لو يبوح. وحتى أكتشف أن مصطفى  هو الآخر معذور، إذ له مع الجنون قبل دوري دور… (لكن شيئًا لا يدفع على حكي الحكاية، إلى أن تتسنى قراءة الپي-دي-إف/الرواية.) من غير ترتيب ولا تمحيص أقول، وقد أصاب أعضائي، من الرهبة، الخمول:
مَنْ بِطَيْفِ الْمَوْتِ يَشْقَى          كَاْنَ فِيْ دَرْبِ الْنُشُـوْرِ
مِنْ دَوَاْعِيْ قَـتْلِ نَفْـسِي        أَنْ أُعَـجِّـلْ بِالْعُبُـورِ

أمضيت خمسة أيام فقط بعد الحدث في القاهرة، ومهجتي بصدمة اللقاء ورهبته حائرة. وانتظمت في جلسات الأقارب على الموائد، مداريًا كلَّ ما ألم بزيارتي من شدائد. طَوال  الوقت لم يلهني شيء ظهر أو خفى، عن مواصلة التفكير في غيبة مصطفى. ومنذ وجدت موبايله مقفولًا ليلة وصولي، ليس سوى والدته أرمي عليها حمولي. كلَّّمتها على الفور في وقت متأخِّر من الليل، فإذا في صوتها إلى البؤس والحيرة ميل. ثم عدت وكلَّمتها بعد ظهور وريث الإمام، وقد بقي على عودتي إلى إنكلترا ثلاثة أيام. فكررتْ علي كيف غادر مصطفى فجأة في إبريل، بعد ثلاثة أسابيع منذ أن وجد إلى بيتها السبيل. وكان رجع يعيش معها بعد انفصاله عن زوجته، ثم سارع بالطلاق تعبيرًا عن نقمته. بعد مغادرته – هكذا روت لي – لم يتَّصل سوى مرّة من بيروت، يطمئنها على حاله، ويؤكد لها أنه لن يموت. وفكَّرت وأنا أسمعها تحكي معي بكَبَد: إحساسها أنها فقدته إلى الأبد. الأمر الذي أكده اختفاؤه المريب، وأنه على “إيميلاتي” ظل لا يجيب.

حتّى عاد مجددًا إلى حديث المنتحر:

لن يهمَّ اسمي أو نسبي. المهم أن جثماني اختفى حال موتي بسيف العزيز. لتعلم أن السيف سيصلك أنت أيضًا، وحال تغرسه في مكانه لا يُعثر لك على أثر. أنا وثمانية عشر منتحرًا قبلي نثبت لك ذلك بالدليل. بوسعك أن تعرف إن سألت، فحدث واحد كلّ خمسين سنة لا يلفت إليه الأنظار الفانية. أنت خائف لأنك لم توقن بعد أنك الخالد الباقي، ولا أنّ كلّ شيء يحدث في تلك الغرفة الضيقة التي تظنُّها حياتك، بما فيه تماثلي أمامك وشكَّك في وجودي وارتباكك من مشهد الجبل في ضوء عينيك – لن يتجلَّى الضوء ثانيةً، حتى تموت، فيصير بصرك القدسي – كلّ شيء يحدث، يحدث لكي يؤدي إلى لحظة واحدة من سنة 2008 (هكذا مضى المنتحر يحدثني فيما كنت، برعب يرجُّ جسدي ويشلُّه تباعًا، لا زلت أنكر وجوده إلى جواري فلا أنظر إليه وأعافر بلهْوَجة مع الكونتاكت حتى يدورَ المحرك. ضحك المنتحر ضحكةً واحدةً قصيرةً ثم مدّ يده، ليريني البقعة التي يجب أن أغرس فيها سيف انتحاري. وشعرت إثر ملامسة إصبعه صدري بدغدغة لم أجرِّب شيئًا مثلها طول حياتي. في الملامسة متعة، دون أن تنطوي على جهد أو غريزة أو تكون معرَّضة للانتهاء، كأنها الأورجازم.) عليك أن تمسك المقبض الذهبي المرصَّع بكلتا يديك، وتكون صوّبت طرف النصل إلى صدرك، تحت ثديك الأيمن مباشرة ولكن على بعد مسافة عقلة إبهامك إلى اليمين. عليك أن تميل كالقوس وتثبّت قدميك في الأرض ثم، مرّة واحدة، تشد. (وما كاد يسحب يده حتى أنشد يقول:

لم أبدأ أفهم حتى اعتقدت أني فهمت
وصرت أرى الأشياء كأنما بعيني بوذا
تلك الرسمة الطفولية الشاخصة بأحجام ضخمة
على الجدران الخارجية للمباني
ترى من كلِّ شيء كلَّ شيء).

لعلهما ظنَّاني مصدومًا فيهما، أختي وخليلي، لأن موقفي بالسيف تلى اكتشافي لهما في ظلام الحوش قبل ليلة واحدة بالتمام، حين دخلت حافيًا وكلوب الگاز في يدي لأجدَ ساقيْ أختي كأنهما مرفوعتان على شيء واطئ تحت جلبابها المنحسر، وكانت ممدَّدة على ظهرها في الأرض، فلا أثر لنصفها الأعلى من بعيد، تتأوه بحرقة كأنها تنتحب. عرفتهما، ساقيها. (هكذا واصل المنتحر بعدما أمرني بابتسامة فاترة أن أدير المحرك، فانطلقت العربة فعلًا وإذا بصلاح سالم كأنه يقول: أنا أسوق بسرعة عالية كي أخرجَ من هذه المنطقة المظلمة ، لكنِّي أظل سائقًا ولا أتقدم سنتمترًا. حين ينتهي من كلامه، دون أن أدري، سيعود صلاح سالم إلى طبيعته، وأعرف أني خرجت فعلًا من البقعة التي التقيته فيها… ودون أن أدري أيضًا سيكون قد اختفى) فلم أتبين ما يسندهما من أسفل حتى اقتربت وانحنيت: كان خليلي يزحف على بطنه كالحيَّة ورأسه مدفون بينهما، كتفاه تحت الفخذين. ولمَّا شهقتُ فرفعها، رأيت فرج أختي الحليق محمرًًّا ومنتفشًا في ضوء الكلوب، ولعاب خليلي يقطر من حوله، وقد علق بجذور الشعر. صرخت فيهما: تزوَّجا، تزوَّجا! ثم استدرت. لقد تزوَّجا فعلًا دون أن يعرف أبي بالواقعة… لكن كان عليهما أن ينتظرا سبع سنين بعد انتحاري المفاجئ. وسيظلُّ في قلبيهما شكٌّ حتى يموتا بأن السبب هو سرُّهما الدفين.

ثم مرتدًًّا إلى بداية حكايته، حدّث قال:

من أول يوم كنت قررت أن أؤجل الأوضاع العائلية التي تنتظرني مع كلّ زيارة، فتحجّجت بأنّي أفضّل الانفراد بأمّي وأبي وإخوتي بعد الفراق. وأمضيت أسبوعًا أتنقل بين بارات الزمالك وقهاوي وسط البلد، أستعمل عربة أبي “الرينو” المركونة معظم الوقت، بعدما كشف عليها الميكانيكي – وكان أداؤها يُعتمد عليه بشهادته وتجربة أسبوع – حتى جاء في بالي أن أذهب وحدي إلى باب الفتوح فحدث ما حدث.
نسكن في مصر الجديدة، في عمارة بنيت أواخر الخمسينات، أيام عاش المنتحر 19 في باب الفتوح، جنبًا إلى جنب مع أبي الذي بلغ الخامسة والسبعين قبل سنة. نعم، هذا ما خطر لي أولًا، حتى تذكّرت حكاية كانت تتردد بتنويعات مختلفة في العائلتين دون أن أتأكَّد من صحِّتها، حكاية كانت أمي تنفيها بغضب كلَّّما فتحت معها الموضوع، وأبي ينفي معرفته بها باقتضاب غريب عليه: أن خالي فتحي، الوحيد بين إخوة أبوي الذي لم أره ولا مرة، لأنه مات شابًّا، والمفروض أنه مات في حادثة سيَّارة، رغم أن الغموض المحيط بموته من النوع الذي يقترن بجرسة أو شيء يخيف، وليس ثم ما ينفي بشكلٍ قاطع أنه انتحر. كان خالي فتحي ضبط أبي وأمِّي معًا في وضع مخلّ وهما بعد شابان لا تربطهما معرفة معلنة، بينما أبي صديقه الروح بالروح. هناك من يقول إنه مات كمدًا بعد أن تأكَّد من خيانة صديقه وفجر أخته الصغرى، وهناك من يقول إنهما تخانقا فقتله أبي وعتَّمت العائلتان على الجريمة لأنهما قريبتان وحريصتان على تجنُّب الفضائح. لم أكن متأكِّدًا من الذكرى مئة في المئة، لكن تهيَّأ لي أيضًا أني سمعت من يقول إن خالي فتحي رجل مبارك وإنه حين مات تبخَّرت جثَّته، فصعدت مباشرة إلى السموات، فقد رفعها الله إليه كما رفع عيسى النبيَّ. ما أكد شكِّي أن جدَّتي لأمي فعلًا ماتت حين كانت أمِّي لا تزال طفلةً صغيرةً، وأن قبرها في الأرض التي كان يملكها جدي بباب الفتوح. (لم أفلح خلال جولتي في الوصول إلى قبر جدتي لأمي.) الصراحة: خفت. وزاد الخوف في قلبي لدرجة أني لم أجرؤ على ذكر أي شيء لأبي أو أمِّي، خلال أيامي الخمسة الأخيرة في القاهرة.

نسكن في مصر الجديدة، أقول، ومن أكثر الأشياء التي كنت أفتقدها في إنكلترا إحساس طريق صلاح سالم الذي لا بدَّ من المرور ولو على جزء منه في أي رحلة أعملها من أو إلى بيتنا بالعربة: أنك فوق جسم الثعبان الذي يسعى على ظهر القاهرة كلِّها – من الشّمال حيث نسكن إلى جزيرة الروضة المحاذية لمصر القديمة في الجنوب – وكأنّه عمود فقري قابل للانخلاع… أنا ركنت بعيدًا على الجانب المقابل من الشارع ناحية مطعم زيزو المشهور بالسجق، ثم عدَّيت بحذر، ومددت الخطى فلم أعد إلا بعد ثلاث ساعات. كنت أتفرَّج على المباني القديمة كأني عشت فيها أيام عزِّها، وأحسست بألفة عنيفة مع مكان لم أعرفه إلا لمامًا.

“ركب الحاكم ذات مساء في بعض جولاته الليلية، وقصد إلى جبل المقطَّم، ثم لم يُر بعد ذلك قط لا حيًا ولا ميتًا، ولم يعرف مصيره قط، ولم يوجد جثمانه قط، ولم تقدم إلينا الروايات المعاصرة أو المتأخرة، أيَّة رواية حاسمة عن مصرعه أو اختفائه”
“الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية”، محمد عبد الله عنان1983

مرّت الآن ثلاثة أشهر وهناك ابتهاج زائد في علاقتي بحبيبتي. كنت فكّرت فيها طويلًا ويدي تحتك بالجدران التي حلمتْ برؤيتها منذ كانت طفلة في مدينة السويداء، سوريا، وحتى بعدما جاءت إلى مانشستر مع أسرتها في الخامسة عشرة (هي لم تزر مصر أبدًا مع أن حكاية الحاكم طبعًا حاضرة عندها، بالذات نهايته: أنه خرج بحماره يتطلّع في النجوم على المقطَّم ولم يعد، ثم لم يجدوا له أثرًا إلا الجباب السبع التي كان يلبسها، أزرارها لم تفك ومعكوكة بالدم. كانت ملقاة في الخلاء وقيل تحت ماء بركة في حلوان). لكن إلى الآن ما زلت أتجنب أي حديث معها عن زيارتي الأخيرة إلى القاهرة. في البداية ما كان يخطر لي أن طلوع المنتحر ممكن أن يكون أهمَّ عندي من زواجنا، لكن مع الوقت – وبعد أن انتهيت من قراءة پي-دي-إف مصطفى، بالذات – بقيت شبه متأكد أنه صار فعلًا أهم. ما هالني – بعد ذكرى أو اثنتين لأشياء لم تحدث لي أصلًا – أن أجدني مطمئنًا، إن لم أكن متحمسًا، لفكرة قتل نفسي، بالضبط كما تنبأ المنتحر. أول من أمس، في الذكرى السنوية الثانية لقرارنا أن نسكن سويًا من وراء أهلها، جاءتني حبيبتي بهديَّة لم أتوقعها منها بالذات ولم أتوقع أبدًا أن تفرحني إلى هذا الحد. كنت مشغولًا أمام الكمبيوتر حين دخلت الشقة، فرحبت بها دونما أرفع عيني عن الشاشة وإذا بقطعة معدن مستطيل تلمع أمام عيني. هي تسحّبت من وراء ظهري وطوَّقت رأسي بذراعيها وفي يديها ما كاد يغمى علي حين نطقت اسمه: سيف العزيز. ثم وضعته على الطاولة تقول إن أباها مصدق أنه كان ملك العزيز بالله بالفعل، مردفة أن عمره لا يمكن أن يكون أكثر من ألف عام بالقياس على الحالة الجيدة التي هو عليها. كانت عثرت عليه في خزينة أبيها وتوسّلت إليه حتى أعطاه لها، فخبأته في كبوت عربتها حتى يوم عيدنا. ببطء مددت يدي أرفعه من المقبض الذهبي المرصع وبدا جديدًا كأنما صنع أمس. وقرّبت نظري من النصل فظهر لي أنه أمضى من أن يكون صنعه بشر. سرحت قليلًا وبدا وجه حبيبتي ملائكي الجمال حين أفاقتني سائلة: أعجبك؟

http://www.scribd.com/doc/25761835/Youssef-Rakha

Reblog this post [with Zemanta]