سيرة صاحب أبي مع الفرانكوفوني الليبي

أول كلامي: أوحّد الله…

عشية تحرير العاصمة الليبية، استمعتُ إلى أربعة شعراء يقرأون قصائد نثر كان بعضها بديعاً. ومع ذلك، ومع أن الشعراء معروفون في الدوائر الأدبية، لم يكن للأمسية التي نظمّتْها إحدى دور النشر في القاهرة جمهور سواي وآخر من معارفنا. طال الحديث عن غياب القارئ وجدوى الكتابة – قال أكثر من طرف إن الشعر فن “نخبوي” وإننا لا يجب أن نحاسب أنفسنا بمقاييس شعبوية لا تتناسب وتطلعاتنا – ثم اصطحبتُ أحد المشاركين وزوجته إلى “الزمالك” لاحتساء القهوة حيث يُمنع، في رمضان، بيع الكحول. عزينا أنفسنا بالاضطراب الحاصل في إيقاع اليوم جراء الإمساك وفساد الحياة الثقافية، وأخذنا نعقد مقارنات بينها وبين الحياة السياسية كنقطتي تقاطع بين الشخصي والعام على طريق تعريف الذات

Continue reading

الإسلام السياسي مش قدر ولا خطوة ضرورية على الطريق مع تحديثات أخرى

wpid-img_8559-2013-04-2-10-26.jpg

Elevator

فيه فكرة يكاد يكون متفق عليها داخل الخطاب السياسي “المدني” (واليساري بالذات) هي إن الإسلام السياسي مرحلة لم يكن من الممكن تخطيها على طريق الديمقراطية (أو يعني “تحرير الأمة”) وإن قمع وإلغاء الإسلاميين ما هواش حل حيث إنه بيرتد على المجتمعات بعنف ومشاكل أكبر على المدى الطويل.

Continue reading

Hipstamatic’s Claunch 72 “film” ☯ فيديو موظف الأرشيف – تحديثات الحالة

 

.

مصر
من أروع نتائج الزواج الاقتصادي بين الرأسمالية العالمية والإسلام السياسي وأكثرها إذهالاً على الإطلاق (في السياق المصري المعاصر): الحجاب حرية شخصية… الحجاب حرية شخصية و”أدعياء التحرر” ما لهمش الحق يتدخلوا فيه، بس السفور مش حرية شخصية، والرأي والعقيدة مش حرية شخصية، والمشي في الشارع في أمان مش حرية شخصية، والولاء غير الطائفي مش حرية شخصية… “وأبناء الأمة” دايماً ليهم الحق يتدخلوا فيه ويكفروا اللي مش عاجبهم بكل معاني التكفير (وده خطاب “نخبة” برضه عادي، وناس متعلمين و”أصحاب فكر” وكده)
.

سوريا
كيف ومتى أصبح كل ما هو ضد الإسلام السياسي السني معاد للربيع العربي ومناصر للنظام الذي قامت ضده الثورة السورية؟ بأي منطق تحولت آلاف التحالفات والعداءات العلمانية والدينية والرأسمالية واليسارية بكل تعقيداتها إلى طائفة هي الأمة وكل ما عداها – وأوله الإسلام السياسي الشيعي – عدو الأمة؟ هل مشكلة “الطغيان الأسدي” حقاً أنه علوي؟ هل لم تكن الدولة الصفوية مسلمة العقيدة؟ هل لم تمارس الأغلبية السنية في المنطقة على أصحاب العقائد الأخرى طغياناً قذراً طوال قرون؟ وهل لم تكن الأقليات هي الرئة الثقافية التي تتنفس من خلالها مجتمعات تخنقها “الشريعة”؟ هل كانت شيعة علي عشية الفتنة الكبرى أقل عروبة أو إسلاماً من بني أمية أو حتى الخوارج؟ هل قدمت حماس للقضية الفلسطينية أكثر مما قدم حزب الله وهل قدم أيهما أكثر مما قدمت منظمة التحرير “العلمانية”؟ وهل ما يوحّد الأقليات السورية حقاً هو الحقد المجاني على “الإسلام”؟ من أين وإلى متى، إلى متى؟
.

مصر
المؤلم في اللي بيحصل مش اللي بيحصل في حد ذاته – إن واحد كان شغال مع أمن الدولة يطلع يقول لك نعمل قانون يسقط الجنسية عن المسيئين مثلاً ويتاخد بجد، بينما فيه أطفال بتتحبس وأهالي بتتهجر لأسباب طائفية بمباركة القانون ودولته والناس كلها تعبانة اقتصادياً أكتر وأكتر؛ أو إن مهرجان حيتعمل في مكان عام يتلغي لدواعي أمنية، بينما جريدة زي أخبار الأدب بيتكتب فيها مديح في النبي محمد على لسان كارل ماركس واللي بيسموا نفسهم مثقفين في إفلاس مضطرد فكرياً واجتماعياً – لكن إن ناس بيتكلموا عن ثورة حقوق وحريات وعن حركة إبداع جماعي في الفضاء العام يكونوا سمحوا باللي بيحصل ده وشجعوا عليه ومهدوله الطريق وبعدين شافوه بيحصل ولسه برضه ما سكتوش، هو ده المؤلم؛ أو إن اللي بيحصل بأي حجة سماوية أو أرضية يتقدم باعتباره الاختيار السياسي المنحاز للشعب. المؤلم كمان إن المسار الديمقراطي في وجود ناس ده آخرهم مش هيفرز غير منده. لكن أكتر حاجة مؤلمة على الإطلاق هي إن دي الإرادة الوطنية فعلاً سواء اتسمت قومية أو إسلامية أو أي حاجة تانية: إن الأطفال تتحبس، والمهرجانات تتلغي، والمسيء تسقط عنه الجنسية

أهمية أن تكون طائفياً: تحديثات الحالة

wpid-img_6785-2012-09-21-06-38.jpg

.

أنا بيتهيألي في الوضع اللي إحنا فيه، الواحد أحسن حاجة يعملها إنه ينسى إن فيه دستور بيتكتب – على أمل إنه بعد كده يقدر ينسى الكلام الفظيع المكتوب في الدستور – وده لإنه من يومين وحكاية الصحوة الإسلامية راجعة تراودني تاني. يعني الحرس الثوري الإيراني من ناحية والقاعدة من ناحية، مع ملحقات كل جهة منهم في المنطقة وفي العالم: أكبر مشروع صراع طائفي وانتحار وجداني في تاريخ الإنسانية؛ والحاجة اللي تضمن إن المسلمين يفضلوا متخلفين قرنين تلاتة كمان. اللي ما عدتش بألاقي صعوبة في إني أصدقه إن إحنا عملنا ثورة عشان نبقى طرف في المشروع ده، وعشان دستورنا يعكس مكاننا منه مش عشان يخلينا بنيآدمين في بلدنا. المؤسف مش إن ده الواقع، المؤسف إنه ما عادش عامللي أي صدمة.

الخلفاء الراشدين آه، وآل البيت والأئمة لأ. السلف الصالح آه، وأولياء الله الصالحين لأ… (المادة التاسعة من الفرح البلدي قصدي الدستور الجديد)

.

معليش في كلمة حازقاني في وسط الأخبار والتعليقات المتلاحقة: عمرنا ما حنخلص من تسييس الدين من غير ما نخلص من الدين.

الدين في زمن تاني أو مكان تاني أو بـ”فهمه الصحيح” ممكن يبقى حاجة كويسة، كلام جميل بس ما لوش أي تلاتة لازمة.

الدين هنا دلوقتي عبارة عن طائفية وقمع حريات وإنكار حقوق وعدوان وتعريص وسفالة. بس. ده اللي بيتغذى عليه الإسلام السياسي (والرأسمالية العالمية برضك، بالمناسبة يعني)، مش أي حاجة تانية. وده ما لوش أي مبرر أو تفسير غير إن الدين بيشجع عليه أو بيسمح بيه أو بيخلي اللي يعترض عليه وحش عشان بيعترض ع الدين.

كفاية بقى، كفاية بجد يعني…

.

على فكرة حضرتك كده ما دافعتش عن الرسول، إنت خليت منظره وحش ونفخت إخواتك في الإسلام زيادة عن ما هما منفوخين. وبعدين لما الرسول “سيد الخلق” أساساً – و”باعتراف الغرب” برضك يعني مش أي كلام – تفتكر هو ممكن يتأثر بالهجوم عليه أو يبقى محتاج واحد شبهك كده يدافع عنه؟

.

بعد الاستماع إلى “تعليق الشيخ وجدي غنيم على فيلم خنازير المهجر”، أنا كواحد من الناس لا أشعر إلا بتعاطف شديد مع صانعي الفيلم الذي لم أره وخوف شديد من أن يتمكن أمثال هؤلاء من أحد أو شيء في أي مكان أو تحت أي مسمى وغيظ شديد من أن هناك أي شيء على الإطلاق – الجنسية، أو الديانة – تربطني “بالشيخ وجدي”. فما بالك بشعور واحد مسيحي أو واحد من مجتمع حر؟ إذا كان هذا الخطاب يمثل المسلمين، فالمسلمون فعلاً يستحقون الإبادة. والعزاء من قلبي لمن ستقع على كاهله تكلفة إبادتهم.

.

من تصريحات المتظاهرين عند السفارة الأمريكية بيقول لك “دلوقتي إحنا حاسين إن الدولة إسلامية ففي ردود كتيرة والشعب أصلاً الحمد لله يرفض الإساءة للنبي عليه الصلاة والسلام” و”اللي نزلوا في الفن عشان إلهام شاهين، ما شفناهمش دلوقتي عشان نصرة النبي صلى الله عليه وسلم” و”كرامة الرسول من كرامتنا”…

ويُذكر في السياق نفسه إني لما ضربت صورة مسيئة لعبد الناصر يوم ٢٣ يوليو اللي فات كان فيه مظاهرة غضب عندي هنا ع الصفحة بس على صغير. وفيه ناس نطت فوق سور الصفحة وحرقت الكافر فوتو وعملتلي آنفريند أو عملت بلوك للعلاقات الدبلوماسية وكانت عايزة تعمل ديليت لصورة البروفايل اللي هي السفير، وفيه ناس أعقل فكّرتني بفضل الإصلاح الزراعي ومجانية التعليم على الأمة والخلق أجمعين.

.

وبغض النظر عن ضعف أو سفاهة فيلم بعينه (أو النوايا الوضيعة لرواية ناجحة على سبيل المثال)، وبغض النظر عن وجوب مبادرة المنتمين إلى الأديان والرموز والمقدسات بازدرائها والإساءة إليها بأنفسهم تجنباً لتحويل الموضوع إلى صراع طائفي أوسخ من أي شيء، تبقى حقيقة أن الإساءة والازدراء لكل ما هو ثابت ومتحجر وقمعي من علامات القوة والحرية والشجاعة… ليس العكس

.

ويوماً عن يوم، تزداد حدة المزايدة على التخلف… كما توقعنا تماماً. ويوماً عن يوم، تتحول “الثورة” التي بررت صعود الإخوان إلى حجة مثالية لممارسة التخلف نفسه بلا ضوابط، وشيطنة من يشير إلى التخلف ليقول إنه تخلف، وتوريط “الآخر” المتقدم في تسييد التخلف بعيداً عنه. الذي يبرر ما يحدث بأن عند “هذه الشعوب” حساسية دينية أعلى أو أن لهم “خصوصية” في طريقة تعاملهم مع المقدسات هو جزء من الكارثة الحضارية التي نعيشها وهو يساهم ربما أكثر من المتخلفين أنفسهم في الأوضاع المنحطة للشعوب المعنية.

الخطاب السلفي والمحاكمات العسكرية هي ما تفتقت عنه دولة “الوسطية” و”الاحتكام إلى القانون”: تدوينة

wpid-403932_208997505893772_522692575_n-2012-08-14-00-02.jpg

(١)

يظل كل ما هو ضد الإسلام السياسي إيجابياً من الناحية النظرية – لأن “النهضة” المطروحة مشروع كارثة بأي مقياس – لكن، وكـ”قوى علمانية” (وضروري استخدام لفظة “علمانية” ضد “طائفية” الإسلام السياسي)، الواقع أننا لن نتقدم خطوة حتى ندرك أن الإخوان هم الامتداد المنطقي والصورة الأوضح لـ”النظام” الذي “أسقطناه” في فبراير ٢٠١١ (كما أن الخطاب السلفي والمحاكمات العسكرية هي بالضبط ما تفتقت عنه دولة “الوسطية” و”الوحدة الوطنية” و”الاحتكام إلى القانون”): في الانبطاح للنظام العالمي وفي الاقتصاد الإقصائي وفي الفساد الإداري وفي الاستبداد السياسي، “الإخوان والسلفيين” (كما سيتضح أكثر فأكثر مع مرور الوقت) ليسوا سوى “لجنة السياسات فرع المعاملات الإسلامية”. وبالتالي علينا أن ندرك أن من يستعين بالمجلس العسكري و”الفلول” على الإخوان (من يدافع عن ماسورة صرف صحي قناة “الفراعين” مثلاً) إنما يخدم مصالح الإسلام السياسي على المدى الطويل، لأنه يؤكد خلو المجتمع من أي بديل فعال سوى ما تمت الثورة عليه – ومن البديهي أن الحركة هنا في اتجاه واحد – بكل ما في “النظام البائد” من “استعباط” لم يكن الإسلام السياسي أصلاً إلا تنويعاً عليه. فمن يقول لا للإخوان عليه أولاً وبنفس الحدة أن يقول لا للمجتمع الذي أنتج الإخوان

(٢)

الناس ليه مش قادرة تتجاوز فكرة إن الإخوان في مقابل العسكر والعسكر في مقابل الإخوان (وكإن قبل ٢٥ يناير ما كانش فيه إرهاصات إسلامية، وكإن الفاشية العسكرية اللطيفة هي اللي هتحقق تطلعات الحقوق والحريات، أو كإن العاطفة الإسلامية مش متفشية داخل مؤسسات الدولة قد ما هي متفشية خارجها)؟ الإخوان عندهم مصالح وكذلك العسكر: الخلافات اللي “الثوار” بوسع طيازهم شاركوا فيها لصالح الإخوان مجرد تفاصيل إن ما كانتش تمثيليات، والقيم اللي بتعبر عنها قناة الفراعين هي نفسها القيم اللي خلت الإخوان بملحقاتهم هما البديل الوحيد للفاشية العسكرية الشغالة بقالها ستين سنة. لو ركزت على نتايج التطورات و”المواقف” هتكتشف قد إيه ثورتك كلها ما كانتش أكتر من مناورة سياسية لاستبدال شلة حاكمة بشلة شبهها هتحكم بنفس الطريقة وتعبر عن نفس القيم

نكتة ثورة

wpid-i13117_mohammadalipasha4pn-2012-06-5-11-54.jpg

تبدو الفكاهة تاريخياً هي الصفة الجوهرية للمصريين: الشيء الذي يميزهم عن سواهم من العرب ويحبّب العرب فيهم كذلك، على مستوى ما؛ إنها ما يجعل المصريين عباقرة وما يجعلهم مثيرين للشفقة… وهي سبيلهم إلى الخروج من مآزق ليس أولها الوقوع تحت وطأة السلطة (كمحاولة حقيرة لتجنب العقاب) ولا آخرها مواجهة المعرفة (كمحاولة أحقر لتدارك الجهل أو الاعتذار عنه). حين تضحك على ما ومن يقهرك، طيباً أكان أم شريراً، لعلك تنتصر عليه بشكل ما؛ على الأقل تستعيض بضحكك عن انتصار تعرف أنه سيجانبك للضرورة… وهي فكرة تكاد تكون ممجوجة من كثرة ما أُشير إليها في السياق السياسي طيلة النصف الثاني من القرن العشرين.

بالطبع كانت الفكاهة جانباً من جوانب مقاومة القمع والتشكيك اللذين جوبهت بهما احتجاجات الثورة في مصر طوال تسعة عشر شهراً الآن، وقد كشفت عن ذكاء في التعاطي مع الاستبداد واللامنطق مصحوباً بقدرة على فضح الخرافة. لن أذكر أمثلة على هذا النضال الضاحك؛ الأمثلة لا تعد وهي، في ثورة ربما كان أهم ما فيها هو تسجيلها بالصوت والصورة، على رءوس الأشهاد. لكن الأجدى، بالنظر إلى ما أسفرت عنه احتجاجات متواصلة صار معنى استمرار الثورة فيها هو تكرار الأخطاء القاتلة مع غياب أي شعور بالمسئولية – كانت الأخطاء في أحيان كثيرة قاتلة بالمعنى الحرفي، لكن لعل الفكاهة بتعريفها، كالـ”ثورة” تماماً، غير مسئولة – يظل الأجدى هو السؤال عن معنى التفكه كموقف جذري من الحياة؛ وهل هو مطابق لطموح تغيير العالم الذي انطوت عليه الاحتجاجات أو في صالح ذلك الطموح أصلاً؛ السؤال – أقصد – عن إيجابية النظرة الساخرة إلى العالم في تصريفاتها الثورية. أذكر على سبيل المثال نكتة سمعتها في ميدان التحرير عشية سقوط مبارك: “ارجع يا ريّس إحنا كنا بنهزّر.” أذكر أنها لم تضحكني – فليست كل الفكاهة المصرية مستساغة في كل وقت – لكنني أذكر أيضاً أن ما ألفتني فيها هو مدى استعداد العقلية المصرية لنفي واقعها قبل تقييمه. أي “هزار” هذا الذي أمات (حينذاك) قرابة الألف نفس؟ غير أن الأكثر إيلاماً، بالنظر إلى الوراء، هو أن الثورة في تصريفاتها السياسية باتت “هزاراً” بالفعل: إنها إما مناسبة للموت المجاني كطقس تضحية يحركه شعور روحاني مكبوت داخل المؤسسة الدينية مستندة إلى عجز مهني وقابلية على استعراض الجهل والغباء، أو حجة لتمكين الإسلام السياسي في أقذر صوره (إن كان له صورة نظيفة) من الحكم والتحكم. فعلاً تمادينا في الضحك حتى ضحكنا على أنفسنا؛ ولم يبق لنا من الثورة سوى مناورات سياسية لا تختلف عن مناورات “النظام البائد” مع صدى القهقهات…

هل من إصلاح عماده خفة الدم؟ هل من “هضامة” للنضال؟ ولماذا إذن لا يبقى – على الجانب الآخر من ثورة يُفترض أنها تجاوزت الإصلاح أصلاً – إلا جهامة لولبية؟ يبدو لي أن الفكاهة هي تعبير حقيقي عن الرغبة في الحياة، عن الفرح والشهوة وطاقة التجدد. لكن يبدو لي بالقدر نفسه أن الفكاهة كانت تعويضاً مهيناً عن المعرفة والقدرة عبر ثورة ستضحك ألف مرة قبل أن تعترف مرة واحدة بفشلها.

هل التطرف هو الفهم الصحيح للإسلام؟ أو هكذا تكلم بنو علمان: تدوينة طويلة حبتين عن ٢٣ و٢٤ أغسطس

أول نشر في ٢٦ أغسطس ٢٠١٢

wpid-ysf-2012-08-26-02-51.jpg

عموماً

في انتقادهم “الفكري” للإسلام السياسي، يزعم دعاة “المدنية” إن التيارات الوهابية والسلفية والجهادية ومن باب أولى طبعاً التوجه الإخواني بوصفه الجذر الحديث لكل ذلك إنما تُمثّل تطرفاً أو سوء فهم لـ”الشرع”. لكن من ملاحظاتي الانطباعية (الخارجة من منظور أدبي أرجو مع ذلك أن لا يكون “شاعرياً” أو حالماً)، يبدو لي أن هناك حقيقتين مبدأيتين يشيران إلى أن هؤلاء الدعاة مخطئون في زعمهم: Continue reading

حوار بهيج وردة لمجلة “ارى” الإماراتية

wpid-00tamasih00-2012-01-25-19-15.jpg

ما هي خيوط الرواية الأبرز في التماسيح؟ وكيف بدأت فكرة الرواية تتبلور؟ وما دور الثورة المصرية وتداعياتها الحالية في الحالة الروائية التي تجسدها في “التماسيح“؟ الرواية خرجت، كعادة مشاريع الكتابة الطويلة، من خبرة شخصية مؤلمة جعلتني أعيد التفكير فيما يسمى بالوسط الثقافي بالقاهرة وبالأخص جيل التسعينات من الشعراء المصريين (وهي أشياء قاربتُ بعضها كذلك في مجموعة قصائد ”يظهر ملاك“-٢٠١٠ والتي لم أنشرها بعد إلا إلكترونياً عبر مدونتي، نتيجة الشعور بلا جدوى نشر الشعر في القاهرة خلال شهور من ثورة لم تكتمل. بدا لي أن شيئاً حدث سنة ٢٠٠١ (وهو أمر شخصي أيضاً لأن حياتي تغيرت في ذلك العام بعد موت أبي سنة ٢٠٠٠؛ أصابني ما يشبه الانهيار نتيجة الإفراط في الكيوف على خلفية اكتئاب وإحباط متزايد في الشأن العام وفي مسار الحياة العملية بالصحافة: بدت لحظة انهيار البرجين كأنها – كما يقول الراوية – ”ذروة ما، بداية أو نهاية“) وبعد عقد كامل، إثر قيام الثورة أو الانتفاضة خلال شهور من بدء كتابة التماسيح، خطر لي أن هذه اللحظة كانت مقدمة ما سيحدث بعد عشر سنين بالضبط، أنها كانت فعلاً بداية أو نهاية. في الرواية فكرتان أساسيتان إحداهما استعارة الأسد، وكانت هذه قد طاردتني منذ قرأت قصيدة ألن جينزبرج ”الأسد على حق“ في العام نفسه (٢٠٠١) لكن الفكرة الثانية – أن يكون الشعر شاهداً على انهيار الدولة الوطنية التي خلّفها الاستعمار في منتصف القرن العشرين أو أن تؤدي النزعة الفردية التي ظهرت في التسعينات إلى تحول اجتماعي يُعامل بوصفه حراكاً سياسياً – لم تتبلور هذه الفكرة حتى الشهور الأخيرة من ٢٠١٠. بوصفها تحركاً اجتماعياً، أعتقد أن الثورة كانت موضوع كتابة من قبل حتى أن تندلع: التماسيح بهذا المعنى هي حكاية الثورة، حكاية السنين العشر التي حملت إلينا يوم ٢٨ يناير ٢٠١١

  • أقتبس مقطعاً مما نشرت على موقعك: “موال لحكومة زين العابدين يسأل بنبرة استنكار: “هل أن الحل هو إحراق البلد؟ هل أن الحل هو إحراق البلد؟” الآن بعد سنة أو أكثر من اندلاع الاحتجاجات في مصر، أردد كلماته بشعور مختلف وصوته يرن في أذني بينما تصلني الأخبار: هل أن الحل هو إحراق البلد؟.” كيف يرى يوسف رخا الحراك العربي والثورة المصرية على وجه التحديد بعد مرور بضعة أشهر، أعلم أنها ليست بكافية لكن الحراك شديد الديناميكية ومن يده في النار ليس كمن يده في الماء؟

هذا السؤال شديد التعقيد يا صديقي، ولا أظنني أعرف له إجابة؛ سأقول لك ما أعرفه: إن الأزمة الكبرى لما سُمي بالثورة هي الصياغة السياسية للأحداث من جانب الجميع (حتى مفجريها أنفسهم) ومن أول لحظة، الأمر الذي حولها قسراً إلى صراع على السلطة، بينما أهميتها في اعتقادي هي أنها محاولة – مجهضة، للأسف الشديد – لتجاوز مفاهيم وأشكال السلطة السائدة بنية عبورها إلى كيانات تعكس ما تتطلبه الحياة التي نعيشها على الأرض من أجل أن تكون محتملة أو مجدية ومن أجل أن تيسّر الإبداع والتفاعل في شتى المجالات: أن لا يضطر أحد إلى تحمل بذاءات ومظالم الشرطة، مثلاً، من أجل أن يقوم بمهامه اليومية أو يستمتع بوقته قليلاً؛ وبالمنطق ذاته، أن لا يضطر الشرطي إلى ابتزاز الناس عوضاً عن دخل يضمن له عيشاً كريماً أو إهانتهم تعبيراً عن إحساس دفين بالدونية…

إن ما دفعني شخصياً إلى المشاركة والمخاطرة هو إيماني بضرورة تعميم الحقوق المدنية وتفعيل مفهوم المواطنة، فضلاً عن الأمل في تسريب آليات المساءلة والضمير إلى المؤسسات والعقول من أجل إنتاج محتمل – أنت تعلم أن الدول العربية لا تنتج شيئاً خلاف النفط الخام – وأكثر ما آلمني منذ ذلك الوقت هو أن أرى الحريات المنشودة تُنتهك من ناحية، ومن ناحية أخرى يتوارى سؤال ضرورتها الذي مات من أجله من مات وفقد بصره وأعضاءه من فقد خلف مهاترات عبثية، شأنها شأن كل جدل سياسي، ربما – هل يكون الحكم مدنياً أم إسلامياً، على سبيل المثال – إلى هامش ظل يضيق حتى اختفى أو كاد.

الصدق أن شيئاً مما يحدث في مصر الآن لا يعنيني كثيراً، ومثل هذه العزلة هي قدر الكاتب طالما أنه في مجتمع لا يقرأ، كما أنه قدر ”الناشط“ في مجتمع – وهو ما قد يجد الكثيرون صعوبة في الاعتراف به – لا يثور، أو ليس بوسعه الاستفادة من تضحيات أفراد قادرين على التضحية. أصبحت على يقين من أن الثورة حتى وإن قامت من جديد وتسلمت قرابين أخرى دامية، لن تكون كافية بحال. إنه مجتمع – أو ”شعب“، بخلاف ”ثواره“ – قادر على اختزال المشاركة السياسية في موالاة صاحب اللحية على حساب ”العميل الأمريكي“ حتى حين يكون الملتحي عميلاً و”العميل“ سياسياً مؤهلاً للقيام بدور، أو التنكر بتبجح لمن قُتل في وضح النهار لصالح قاتله الجالس على الكرسي، لا لشيء إلا لأنه – أقصد الشعب – غير مستعد لتحمل المسئولية الأخلاقية أو السياسية… لكنني أعود فأقول إن الذي يعنيني من الثورة هو محتواها الاجتماعي واعترافها الضمني بشروط العالم المعاصر ”الليبرالية“ من وسائل اتصال وحقوق إنسان وتعدد عقائد أو طوائف أو رؤى؛ أجنح إلى رؤية ما حدث باعتباره ليس نهاية الاستبداد ولكن بداية السقوط المدوي للوعي الخرافي الذي حكم حياتنا منذ الخمسينات – ليس بداية شيء حلو، أقصد، ولكن نهاية شيء قبيح – ويحزنني أن ذلك السقوط لم يكتمل ”بإحراق البلد“ على نحو أكثر جذرية. أحياناً – أصدقك القول – تبلغ بي خيبة الأمل حد تمني سقوط قنبلة نووية تأتي على البلد بما ومن فيها، لكنني أعود أتذكر أن ما يحدث هو خطوة على طريق أطول من أعمارنا، وأفرح بأن الكذب لم يعد ممكناً.

wpid-apossiblebarbaryliononcelivinginleipzigzoo_thumb3-2012-01-25-19-15.jpg

  • إلى أي حد يكون للثقافة مكان في زمن الثورة؟ وهل ترى أن الثورة المصرية تقدم كتابها الموالين، وتقصي معارضيها كما تفعل الأنظمة التي ثارت عليها؟

في ذلك استكمال لإجابة السؤال السابق: كان من شأن الثورة أن تكشف الخواء المفزع ”لدور المثقف“ بل وتَطابُق كثير من ”معارضي“ الوسط الثقافي مع رموز النظم المفترض أنهم يقاومونها؛ بالنسبة إلي كان بقاء وزارة الثقافة في حد ذاته إشارة واضحة إلى قصور الوعي وضعف الأخلاق عند الغالبية العظمى من المثقفين أو من يعرّفون أنفسهم بهذه الصفة: لم يكن باستطاعة أحد الاستغناء عن وصاية الدولة. كتبت في ذلك خلال الشهور السابقة أكثر من مقال ممتعض إجمالاً (هناك، على سبيل المثال، “مازالوا يدفعوننا على سلالم العمارات“). وتبقى الدولة مستلبة من جانب نظام فاسد… ”الثورة“ في مصر وتونس لم تستبتدل المؤسسات ولا حتى الأشخاص إلا على نحو إعلامي رمزي؛ لم يكن هناك مجال لتقديم كتاب بهذا المعنى.

في مصر كان أكثر ما اقترن بأحداث الثورة من أدب هو الشعاراتي الشعبوي والسطحي الجعجاع المنتشر من قبل اندلاعها؛ تعلق الكثيرون بالأحداث دون النظر إلى نتائجها حتى أن بعضهم ذهب إلى أن الأدب قد مات ولم يعد هناك مجال للكتابة عن شيء سوى ”المسار الثوري“ والتظاهرة التالية. تأسست جرائد وقنوات تلفيزيونية من أجل مشاهير ”المعارضين“ من متكلفي الإبداع على حس ”السياسة“، وهم لم يسكتوا لحظة منذ اندلاعها رغم أن كلامهم لم يؤثر في أحد أو شيء. من هذه الزاوية يمكنك أن ترى كيف فشلت الثورة فشلاً ذريعاً على الأرض بينما فتحت أو وسّعت مجالاً ”ثقافياً“ للاحتفال – الخرافي – بها. انتهى أو كاد الاهتمام بالكتب، وبدأ الكلام الرسمي يتضمن إشارات إلى ”الضغوط السلفية“ واستعداداً مجانياً للرضوخ لها وقد اكتسب ”الإسلاميون“ من أعلام الميديا مصداقية عبثية تماماً في ضوء أنهم لم يشاركوا في الثورة وكانوا أول من والى المجلس العسكري وبرر جرائم ”الطرف الثالث“ وتنازل عن حق الشهداء (لستُ من أنصار الإعدام ولا القصاص على أي نحو، لكن للشهداء حق معلّق).

هكذا لم يكن تعاطي ”الثقافة“ مع الثورة في نظري سوى امتداد بالغ الجلاء لحال ”النخب“ في العالم العربي منذ أواخر الستينيات وبمعنى آخر منذ ”الاستقلال الأول“: إنها خطابات لا تعكس الواقع أو تشتبك معه – ولا تؤثر فيه – بقدر ما تستغل جوانب منه للتربح ”الجماهيري“ الآمن، مادياً أكان أو معنوياً. ومع كل ذلك، كانت فورة ”الغرافيتي“ وفنون الشوارع وإيماءات التحرر في صورة ”علياء المهدي“ وغيرها أيضاً من توابع الثورة أو التعبيرات الإيجابية – المبشرة – عن محتواها الاجتماعي. أعتقد أن الثورة قد تساعد على المدى الطويل في فرز الأفراد وتحديد مواقع الثقافة الحقيقية حاصلة أكانت أو كامنة، وأن هذه المواقع باتت خارج الدولة والإعلام (حتى الإعلام غير الرسمي) وخارج الوسط الثقافي ”اليساري“ المتقاطع بطبيعته مع الدولة من ناحية ومن ناحية أخرى مع أعراف أو تقاليد لم يعد هناك شك في أنها – حتى بما أفرزته من تدين ”متشدد“ أو معاد لمنظومة العولمة – ضد التغيير.

  • هل ترى تسييس الثورات وإلحاقها بركب الغرب وتصوير هذه الحراكات كأنها من صناعة آخر، جزءاً من مصادرة الثورة وفرض التنميط الذي تحاولون كسره كشباب ومثقفين في المرحلة الحالية؟

من شأن هذا السؤال أن يجرجرنا إلى حديث سياسي أفضّل تحاشيه لأنني لا أجد له أي جدوى، إلا أن الاتهام بالعمالة هو تكتيك ريفي قديم وهو أقذر ما تفتقت عنه قريحة السلطة الاجتماعية قبل السياسية في الستراتيجية القومية أو الوطنية – الفاشستية – منذ قيام دولة عبد الناصر. ركب الغرب هو ركب الحضارة المعاصرة بكل ما فيه من عيوب، لا أظن هناك شكاً في أن ”الغرب“ في هذا السياق يعني الحضارة بغض النظر عن التفاصيل. ولا أظن عاقلاً يريد لشعبه أن يلتحق بركب الثيوقراطية الإسلامية، إذا كان هذا هو البديل المطروح. المشكل أن الحركات، بينما لم تكن من صناعة آخر، كانت من صناعة أقلية مجتمعية – كما اتضح – لا تعبر عن وعي الغالبية العظمى، بدليل أن الغالبية العظمى صوّتت للإسلام السياسي وضاقت بالاحتجاجات منذ الوهلة الأولى، ثم سعت إلى الحفاظ على الوضع القائم. لذلك لا أظن ”الثورة“ كافية، ولأنني لستُ مؤمناً بالقمع حتى وإن كان قمعاً ثورياً… لكن أؤكد لك أننا جميعاً – في خطابات الوضع القائم – عملاء ومدسوسون بل وخونة وصهاينة فضلاً عن كوننا كفرة ومنحلين وكل ما يخطر لك من شتائم. ولا يزال هذا المنطق واضحاً في تبرير إبادة المحتجين بقول إنهم بلطجية أو توريطهم في العنف ثم التذرع بأفعالهم التخريبية…

wpid-8062904-2012-01-25-19-15.jpg wpid-dsc0029-2012-01-25-19-15.jpg wpid-bourguibacover-2012-01-25-19-15.jpg

  • عرفت بأدب الرحلة الذي تمزج فيه الشعر بالنثر مع التقرير الصحفي، هل كان هذا النمط نوعاً من التدريب على كتابة الرواية؟ وهل كتابة الرواية بالنسبة إليك نوع من النظر بمجهر إلى المجتمع وإمكانية توثيق للحراك الحقيقي في الطبقات السفلية وشوارعه الخلفية؟

لم يكن المقصود بأدب الرحلة أو كتابة المكان تدريباً على شيء؛ كان هرباً من القاهرة إليها وكان – كما اتضح أيضاً – هرباً من الأشكال السردية على سبيل الرجوع إلى تلك الأشكال. عندما استسلمت أخيراً للرغبة في الكتابة عن القاهرة، وجدتني في حاجة إلى الاختلاق والاستعارة بمعناها الأوسع. هذا هو ما يعرّف الرواية بالنسبة إلي: أن هناك جانباً مختلقاً بالكامل في مقاربة مكان أو زمن ما، الأمر الذي يفتح الخيال على ما هو غير ”واقعي“ فضلاً عن الواقعي ويضعك في مواجهة مع هويتك الاجتماعية فلا تعود مجرد صوت أو وعي جمالي طاف ولكنك تتحول كذلك إلى طرف في المنظومة التاريخية التي تتحدث عنها. الرواية هي ”باستيش“ خطابات، وهي بهذا المعنى تشبه كتابات الرحلة وإن كانت الأخيرة أقرب إلى ”الكولاج“ من الباستيش. الرواية توثق للحراك المجتمعي في مختلف طبقاته بالطبع، لكن ما يميزها أساساً هو أنها صياغة مكتملة لحالة إنسانية لها أول وآخر في الفضاء؛ أي أنها – بالتحديد – ليست أو ليست فقط كتابة ”انطباعية“. هذا وحده ما يجذبني إلى الشكل الروائي فيما أظن: إمكانية أن يكون الشيء مكتملاً أو صحيحاً رغم أنف تعدد خطاباته، وأن يتضمن فانتازياه أيضاً بلا مبالغة وقد انفتح على مصادر متباينة في الحياة.

في كتابة المكان هناك قيد مادي إن أردت، ورغم أنه باستطاعتك أن تنوع الخطابات وتقارب الموضوع الواحد من عدة زوايا، عليك أيضاً أن لا تكون طرفاً في المعادلة الفضائية التي ينتج عنها النص. عليك أن تحافظ على منهجك الصحفي بشكل ما؛ أما في الرواية فلا ضرورة لذلك.

  • ما الانطباع عن هذا النوع من الكتابة (الرحلة الانطباعية) لدى القراء – في العادة انت متشائم من هذه الناحية؟

أعتقد أن كتابة المكان وجدت رواجاً نسبياً عند قراء الأدب لكن لا يعني هذا أنها وجدت رواجاً. حدثتك من قبل عن قرائي السبعة. ربما زاد العدد الآن – بعد رواية ”كتاب الطغرى“ – إلى خمسة عشر. قلت إننا في مجتمعات لا تقرأ، والأصوب ربما أننا في مجتمعات تهمّش قراءها. لكنني لا أبالغ إذا قلت إن ما يعنيني هو أن يكون لي عدد مهما كان صغيراً من القراء العرب؛ أن يكون ذلك الصديق الافتراضي الذي يعرف اللغة نفسها (وبالمعنى الأصلي للصديق) موجوداً في الحياة مهما كان بعيداً أو تائهاً وسط جموع لا تفهم أو لا تتعاطف أو لا توجد. لا يمكن أن تكتب بلا قارئ، لكنه ليس ضرورياً وربما ليس مستحباً أن يكون القارئ جمهوراً كما هو حال الفيلم التجاري أو المحطة التلفزيونية؛ وتحت الظروف الحالية، نتيجة خبرتي المتواضعة، هو بالتأكيد ليس مستحباً أن يتطابق القارئ مع سلطة أدبية كناقد أو مطبوعة أو لجنة تحكيم. لا أريد جمهوراً، لا أريد تكريساً. أريد قارئاً لوجه الله وأظن أن الله قد منحني ذلك القارئ… في السنين الأخيرة، بالمناسبة، باتت مدونتي هي المجس الرئيسي لشيوع ما أكتبه بالعربية والإنجليزية في الأدب والصحافة، والحقيقة أن عدد الزيارات في ازدياد مطمئن منذ ٢٠٠٩.

  • خلطك للتصنيفات الأدبية في كتب رحلاتك هل يعود إلى علاقة مفتقدة في الأدب العربي لهذا النوع، أم أن الأمر يعود لرغبة في دمج أنواع أدبية لم يعتد تناولها بهذه الطريقة قبلاً؟

يعود أولاً إلى قناعة عميقة بأن الكتابة كتابة بغض النظر عن الشكل الأدبي، وإلى سؤال صادق عما إذا كان منجز دوستويفسكي ليختلف لو أنه كتب شعراً أو منجز رامبو ليختلف لو أنه كتب روايات، وإلى أي حد. تتقاطع هذه القناعة مع بعض صفات تراث الكتابة العربي، حيث نادراً ما تجد نصاً لا يمزج الشعر بالنثر أو لا يقدم المعرفة باعتبارها وجوهاً غير متجانسة. في نص كطوق الحمامة مثلاً تجد الشعر والنثر والشخصي والعام والرسمي وغير الرسمي رغم وحدة الموضوع. وتجد تعدداً وتبايناً ييسره السياق ”الأدبي“ عن طريق التقسيم التقليدي إلى أبواب وفصول. إنها مساحات جمالية ومعرفية مفقودة في الأدب الأوروبي إجمالاً، وهي تطرح أسئلة تعنيني عن معنى الكتابة كسبيل إلى المعرفة…

wpid-img_1319-2012-01-25-19-15.jpg

  • كيف يمكن أن تتحدث عن علاقتك بمن أثر بك من شعراء وكتاب؟ هل من الممكن أن تعتبرهم آباء، وما سر العلاقة الخاصة مع سركون بولس؟

كلهم أبنائي، ليسوا آباء ولا إخوة! القائمة تطول ولكن – باستثناء التراث القديم – ستكون الأسماء العربية فيها قليلة جداً، للأسف. أخص بالذكر ابن الفارض والجبرتي، وسعد مكاوي الروائي المصري العظيم. سركون يعيد اختراع اللغة ليجعلها تعيش، وهو متنبي القرن العشرين بلا مجد أو وطن. سركون هو ”جيل التسعينات“ وهو أبو العلاء وهو كل ما أحببته في الشعر الإنجليزي ولكن باللغة العربية. مهاجر فقير يعبد الحياة ويحاول أن يتقرب إليها بالكلمات، لا يقع لحظة في فخ السكون ولا فخ الأفكار المسبقة.

  • كيف ينظر يوسف رخا الما بعد حداثوي بامتياز إلى “ألف ليلة وليلة”؟

لا أعرف معنى ”ما بعد الحداثة“ بدقة. أظنها طريقة في النظر إلى الأمور أو الاستفادة من أشياء متباينة وسابقة لصالح شيء متجانس وآني. المحزن في الثقافة العربية أن أهم نصوص التراث باستثناء القرآن الكريم وملحقاته الشرعية المدشنة – أقصد بأهم النصوص، على سبيل المثال، ابن عربي وابن خلدون وابن رشد، فضلاً عن ألف ليلة – رُدت إلينا من جانب المستعمر بعدما كنا فقدناها. وإذا كان ما بعد الحداثة يعتمد على التقاطع مع نصوص قديمة من عصور مختلفة، فإن ذلك يعني أن علاقتنا بهذه النصوص لا يمكن أن تكون فعالة إلا عبر الأدب الغربي بشكل أو آخر: إننا نقرأها بنظارات المستشرقين الذين نكره تطفلهم وتعاليهم أو تفوقهم علينا، ولذلك ربما لا نقرأها على الإطلاق (كان اكتشاف التراث بالنسبة إلي ”شغلانة“ صعبة فعلاً، لكنني أظن أنني تمكنت من البدء فيها بدرجة ما)؛ لذا أريد أن أتحدث عن ألف ليلة بشكل فردي كمتأدب أحياناً ما يصطحب بعض كشاكيلها إلى سريره ليقرأها قبل أن يخلد للنوم:

في ألف ليلة لغة وسطية (بين العامية والفصحى) دائماً ما تروق لي سلاستها، وفيها لبس خلاب بين المكان الحقيقي (القاهرة) والمكان المفترض (بغداد). في ألف ليلة كذلك مساحات للقراءة الفلسفية والنقدية العميقة والكلام الكبير بطبيعة الحال – الحكي بوصفه منجاة من موت محقق، مثلاً – لكن الأهم بالنسبة إلي أنها نموذج مبكر للأدب المستساغ: إنها نص ”مهضوم“ بكل المعاني المحتملة؛ وهي توظف الفانتازيا بسذاجة ”بيرختية“ إن أردت، الأمر الذي قد يجعلها مملة ولكنه يجعلها أيضاً مثل بيت متعدد الغرف ومليء بأشياء متوقعة ولكن مرتبة بأشكال مختلفة، تدخل من باب وتخرج من آخر كيفما اتفق لترى تنويعات على ما تعرف أنه هناك وربما تتعرف على جوانب من حقيقتك في الأثناء.

في ألف ليلة وليلة حشيش لا يشبه الحشيش وجنس لا يشبه الجنس وفيها ورع لا يشبه الورع أيضاً، وهي من هذه الزاوية مثل الكلام مع جدك الفلاح العجوز: إنها مخزون معرفي لم يمر بالمصفاة العقلانية ولا يختبر بمنطق المشاهدة والتدقيق، وهذا وإن كان من شأنه أن يحررك فهو أيضاً يفرض عليك نسقاً أفقر في التعاطي مع العالم. الجاحظ أصعب كثيراً لكنه أمتع في الكثير من الأحيان. وأنا لا أريد أن أطلق أحكاماً قطعية أو معقدة على نص يجب أن يكون – وهو فعلاً، بشكل أو آخر – كحليب الأمهات.

من أروع الجمل التي قرأتها في عمري بأي لغة جملة من ألف ليلة: ”وقد خطر ببالي السفر إلى بلاد الناس.“

wpid-387339_10151058911260473_805615472_22072982_949466011_n-2012-01-25-19-15.jpg

  • كيف ترى المشهد الروائي الزاخر في مصر​ ومن يلفتك من الروائيين حالياً؟

أي مشهد روائي زاخر؟ المشهد مشهد علاقات عامة وصفقات مصالح مادية أو معنوية لا علاقة لها بالكتابة والقراءة، والرواية بمعناها الذي أفهمه آخر ما ينتجه هذا المشهد؛ وقد خمد المشهد إلى حد بعيد منذ وصول ”الحاجّة ثورة“ قبل عام على كل حال. أقول لك بمنتهى الصدق إنني نادراً جداً ما أجد رواية عربية جديدة تستحق وقت قراءتها، دعك من تقييمها أدبياً، وعادة ما تكون تلك الرواية من خارج مصر. لذلك لن أذكر أسماء، وسأقول لك في الوقت نفسه، وبكل تواضع، إنني أحب أعمال يوسف رخا. خلاف ذلك الروائي، وباستثناءات تعد على أصابع اليد الواحدة، يبقى الأفق خالياً فيما أرى؛ ومع ذلك عندنا ”بيست سيليرز“ وعندنا روايات حائزة على جوائز ”عالمية“ وروايات مترجمة إلى ثلاثين لغة؛ أليس هذا مثيراً للفضول؟ هناك ”شعراء التسعينات“ – بعضهم يكتب روايات – وهناك جيل أو اثنان من الشباب، بينهم عدد صغير موهوب جداً ولكنهم بالكاد ينشرون أعمالهم وحين ينشرونها نادراً ما يلتفت إليها أحد. ليس هذا كلام الكاتب ذي القراء السبعة ولكنه كلام القارئ المحبط والمتابع الساخر للأحداث الثقافية. حقيقة المشهد فقيرة يا صديقي، ولا تصدق من يقول لك إن هناك شيئاً يحدث على صعيد الرواية.

  • هل من طقوس محددة تتبعها للكتابة؟ وهل تختلف بين كتابة الرواية والرحلة والشعر؟

لا تختلف الطقوس، ولا توجد طقوس. أكتب حين أكون وحدي أو بصحبة امرأتي وهي مشغولة عني في شيء. أحياناً أكتب في وجود زملائي في العمل. الحياة كلها طقس الكتابة.

  • إلى أي حد أثر عملك في الصحافة باللغة الانكليزية في طريقة كتابتك المختلفة؟

الصحافة بأي لغة تكسبك نوعاً من القابلية على الإنتاج والسرعة في الأداء وبالنسبة للأديب فإنها تعطيك آليات فعالة للبحث عن المعلومات واستقائها. علاقتي بالإنجليزية وتأثيرها على عربيتي قصة أخرى، لكن أعتقد أن اقتصار العمل الصحفي لسنين طويلة على لغة غير العربية حافظ عندي على طزاجة ما. أصبح ممكناً أن تستخدم مفردات شعرية في صياغة صحفية مثلاً، أو أن تترجم تعبيراً صحفياً إنجليزياً على نحو يجعل مدلوله واضحاً بالعربية فيتضح أنه أيضاً شعري

مجلة أرى

بالنسبة إلى مَن يقولون إنهم مثقفون في مصر؟

wpid-img_1029-2011-12-31-14-03.jpg

2011-12-31

الثقافة والثورة
سأكون صريحاً ومختصراً في هذا الشأن:
أولاً، اقتراحي أن يتخلى الخطاب كلياً عن كلمة “مثقف” ويعيّن ألفاظاً أوضح وأدق للمقصود بالجماعة البشرية المعنية. ثانياً، دعنا من الاعتبارات الأخلاقية. ثالثاً – وهو الأهم – عندي سؤال عن شرطية العلاقة بين الفنون والآداب من ناحية والاضطلاع بالشأن العام أو “النضال” من ناحية أخرى. في ظل الاستبداد درجنا على افتراض أن جانبين من جوانب الوعي – الفردي والجمالي في مقابل الجماعي والنفعي، إن أردتَ – هما وجها عملة؛ وكذلك حدث مع الانتماء العقائدي، للمفارقة: أصبح جانب من الوعي لا يمكن (في هذا العصر) إلا أن يكون شخصياً – الخبرة الروحانية أو القناعة الدينية أو الالتزام بطقوس مقننة للعبادة – هو شرط أي تحرك اجتماعي؛ الأمر الذي نقضته على الأرض احتجاجات “ليبرالية” (أي لسيت للوهلة الأولى مناهضة لنظام مبارك) أدت إلى أول خطوة حقيقية على طريق تغيير ذلك النظام، تماماً كما نقضت عقوداً من “العمل السياسي” المسمى يسارياً (والمناهض، من ثم، للنظام ذاته) والذي ظل منبطحاً نتيجة اعتماده على جماعات مشغولة أو يجب أن تكون مشغولة أساساً بالفنون والآداب، ومن ثَمّ معزولة عن “أغلبية” لا يعنيها من ذلك سوى نشاطات ترفيهية تجارية تقاطعت، في شعبويتها، مع “معارضة” تساهم في تكريس الوضع القائم أكثر مما تُشْكِل عليه. هناك مفارقة أعمق إذن: إن فرضية اقتران الثقافة بالسياسة لا تعكس “المثقفين” أنفسهم بقدر ما تعكس النظرة إليهم داخل مجتمعات مخلية من عظام القدرة على الفعل، ويلعب “المثقفون” فيها، بالتالي – كما سيلعب المتأسلمون من بعدهم – دوراً زائفاً ومعزولاً عن حقيقتهم الفردية (أو العقائدية، في حالة الإسلاميين). إنها مجتمعات، كأكثر مجتمعات العالم المعاصر، ربما – باستثناء الربح المادي – لا نية لها بالمعنى الفلسفي للنية؛ وهو ما يفسّر أن مبادرة التحرك بتلك المجتمعات نحو المستقبل المنظور – وبغض النظر عن رأيك في طبيعة ذلك المستقبل أو جدواه أو علاقته بالهوية – مبادرة التحرك نحو المستقبل لم تأت إلا عبر جماعة (وإن كانت متعلمة ومعاصرة ومتعددة اللغات نتيجة أنها “مستريحة” مادياً) ليست “ثقافية” أو “يسارية” بالمعنى التقليدي، ولا “إسلامية”.
وانطلاقاً من قول إن المثقفين ضمير الأمة، ما هو مكان ذلك الضمير مما حدث ويحدث بعد التعليق عليه أو (كما يقول صديقي الشاعر مهاب نصر، متسائلاً عن “ما فعله الكتاب بثورة يناير”) “استثماره في صور شخصية شاعرية”، إثر المشاركة فيه بقدر سيظل محدوداً لأن الكتاب والفنانين و”الليبراليين” عموماً ليسوا انتحاريين ولا مسلحين ولا مدربين على مقاومة جرائم الحرب التي ترتكبها القوات المسلحة ووزارة الداخلية يومياً في وسط القاهرة؟ أولاً، يجب السؤال عن معنى الأمة المعنية: هل هي أمة الغالبية الساحقة من عموم الناس المتذمرين من احتجاجات واعتصامات يرونها تعطّل مصالحهم، المتنكرين لضحايا التعذيب والشهداء، المناصرين للسلفيين والإخوان المسلمين ممن صعدوا على أكتاف هؤلاء “ديمقراطياً” بينما هم ضد الثورة فكراً على الدوام وفعلاً أكثر الوقت؟ ثانياً، مَن يمكن أن يمثّل ضمير مثل تلك الأمة بتعريفها؛ أليس ذلك الضمير أقرب في الواقع إلى اللاهثين كالكلاب وراء عظمة مقاعد برلمان يقام تحت الحكم العسكري في ظل قانون الطوارئ؟ أليس أقرب إلى حقد وسادية الساعين إلى كسر نفوس المتظاهرات ورقابهن أكثر حتى من قمع المتظاهرين الذكور بدعوى حفظ الاستقرار والذود عن “الدولة”؟ ثالثاً، كيف نعرف”المثقف” بعيداً عن وظيفته المرجح أن تكون رهن “الدولة” ذاتها التي تحتكرها مؤسسة عسكرية قادرة على قتل المواطنين في الشوارع ثم تحميل خطيئتها على “طرف ثالث” لم يتكمن أحد من تعريفه وهي تمشي في جنازات القتلى؟ اقتراحي أن نعترف بأنه إن وجد وعي “ثقافي” يتقاطع مع الثورة، فإن ذلك الوعي لا يمثل الأمة ولا ضميرها. علينا أن نعترف بأن “ضمير الأمة” متمثلاً في الأديب والفنان (مهما استاء مثل هذا الضمير مما يحدث أخلاقياً ومهما شارك مادياً أو معنوياً في ثورة بادر بها جمهوره المحدود جداً من الناشطين على الإنترنت) لن يكون سوى متفرج. وعلى نقيض الكثيرين من أندادي وسواهم من داخل معسكر الثورة، أصبحت أرى اعتراف “المثقف” بأنه متفرج هو أنزه وأصدق ما يمكن أن يقوم به، بغض النظر عن مشاركته في الثورة من ناحية، ومن ناحية أخرى عن موقفه من دولة باتت تجسداً للثورة المضادة

.
الثقافة والإسلام السياسي
ومن قبل، حين دُعيتُ إلى المساهمة بشيء عن الثقافة والإسلاميين – بعد وصولهم إلى الحكم في أنحاء الرقعة العربية، كما قيل لي، ديمقراطياً – وجدتُ عندي كلمتين أقولهما كذلك:
إن هناك العالم، وهناك الهوية؛ وإنهما – فيما يفرضه الطرح “الإسلامي” سلفياً كان أو جهادياً أو إخوانياً أو حتى إيرانياً شيعياً – متناقضان. كمسلمين بالولادة (وبغض النظر عن اقتناعنا بالعقيدة)، حقنا أن نعيش في العالم بهويتنا؛ أن تكون لنا حقوق الآخرين وما لهم من رفاه دونما نضطر إلى إسقاط تلك الهوية. والحاصل أن حقنا مسلوب – بدرجة أو أخرى – منذ انتصرت هوية أخرى؛ إلى هنا نتفق. لكن هل يوجد مخرج من هذا المأزق التاريخي؟ المشكل أن الهوية الأخرى هذه، بانتصارها، إنما صاغت العالم الذي نشارك أصحابها العيش بشروطه، شئنا أم أبينا: شروطهم. ولم يعد في هويتنا عملياً سوى اسمها، إضافة إلى بعض المميزات المعنوية المذمومة إجمالاً، كالطائفية والطغيان والهوس الجنسي والاستهانة بالحياة. فهل يسعى الإسلام السياسي إلى إعادة صياغة العالم كلياً بما يبرر أو ينشر هذه الصفات؟ لأنه بالتأكيد لا يسعى إلى مناهضة الرأسمالية العالمية ولا المساهمة في الحضارة كما نعرفها حتى نحن في العصر الذي نعيش فيه… فهل يسعى إلى فرض هوية لا يميزها سوى أنها، في مساحة منفصلة عن كل أسباب الحياة بما فيها الأخلاقي منها، غير متسقة مع العصر – وهل هناك من يعتقد أن هذا ممكن؟ – أم أن الإسلام السياسي، بينما يكتفي بقمع حريات من شأنها أن تجعلنا أنداداً لمن صاغوا عالمنا (العقلانية والعلم والإبداع، المواطنة وحقوق الإنسان وتداول أو تجاوز السلطة)… أم أن الإسلام السياسي، أقول – بينما يكتفي بقمع الحريات – يختزل فكرتنا عن الهوية في طقوس ومظاهر وخطابات لا يفصلها عن الحياة العصرية ذاتها سوى أنها تعتذر عن الصفات سالفة الذكر وتتخذ من الهزيمة التاريخية سبباً للوجود أو العداء؟ الشريعة الإسلامية لازالت لم تحرم الرق ولا التجارة في أجساد النساء بدعوى تعدد الزوجات، ولا حتى قطع أيدي ورؤوس المذنبين أو رجمهم حتى الموت (مجرد أمثلة)؛ البيعة ليست انتخاباً والشورى ليست ديمقراطية، كما أن الإلحاد ليس كفراً بالضبط ولا غير المسلمين من سكان البلاد ذات الأغلبية الإسلامية أهل ذمة… لا أظن التصور “الإسلامي” لحياتنا يمكن أن يتسع للثقافة حتى في تقاطعها مع الإسلام بمعناه التاريخي أو الحضاري، ولا أظن المضطلعين بالثقافة على استعداد لممارستها في ظل ذلك التصور. لكن – هكذا أعود فأتساءل – ما دخل الإسلام بالسياسة المعاصرة أصلاً، دعك من الثقافة المعاصرة على خلفية سياسية؟
***
تعويذتان ضد التأسلم
‫(‬١‫)‬
أيها المتجهمون فوق حيطان المزابل
المستعيضون عن الأخلاق بلحية
الخائفون من وجوه البنات
تعبئّون الله في أجولة
وتهيلونه على الأحياء
أنا العلماني الكافر
أنا المرتد العميل
سأبقى إلى آخر جسد تدفنونه
أقض مضاجعكم بالخيال
‫(٢)‬
نحن أبناء أباليسكم
يا من تكتفون بأسماء الأسماء
سنظل نذكّركم
بأن المئذنة قضيب والقبة نهد
والماء الصافي خمر في أفواه العاشقين
يا من تكتفون بطقوس الطقوس
نحن ملائكة متخفون
وقد حلفنا أن نلفظكم
عند أول إشارة مرور
في الطريق إلى الجنة
جاعلين آخرتكم مثل دنياكم تماماً

wpid-602annahar1-2011-12-31-14-03.jpg

الإسلام والديمقراطية

wpid-mg2008-2011-12-8-18-33.jpg

العلمانية هي الحل

دُعيتُ إلى المساهمة بشيء عن الثقافة والإسلاميين – بعد وصولهم إلى الحكم، كما قيل، ديمقراطياً – فوجدتُ عندي كلمتين أقولهما في هذا الشأن: إن هناك العالم، وهناك الهوية؛ وإنهما – فيما يفرضه الطرح “الإسلامي” سلفياً كان أو جهادياً أو إخوانياً أو حتى إيرانياً شيعياً – متناقضان. كمسلمين بالولادة (وبغض النظر عن اقتناعنا بالعقيدة)، حقنا أن نعيش في العالم بهويتنا؛ أن تكون لنا حقوق الآخرين وما لهم من رفاه دونما نضطر إلى إسقاط تلك الهوية. والحاصل أن حقنا مسلوب – بدرجة أو أخرى – منذ انتصرت هوية أخرى؛ إلى هنا نتفق. لكن هل يوجد مخرج من هذا المأزق التاريخي؟

المشكل أن الهوية الأخرى هذه، بانتصارها، إنما صاغت العالم الذي نشارك أصحابها العيش بشروطه، شئنا أم أبينا: شروطهم. ولم يعد في هويتنا عملياً سوى اسمها، إضافة إلى بعض المميزات المعنوية المذمومة إجمالاً، كالطائفية والطغيان والهوس الجنسي والاستهانة بالحياة. فهل يسعى الإسلام السياسي إلى إعادة صياغة العالم كلياً بما يبرر أو ينشر هذه الصفات؟ لأنه بالتأكيد لا يسعى إلى مناهضة الرأسمالية العالمية ولا المساهمة في الحضارة كما نعرفها حتى نحن في العصر الذي نعيش فيه… فهل يسعى إلى فرض هوية لا يميزها سوى أنها، في مساحة منفصلة عن كل أسباب الحياة بما فيها الأخلاقي منها، غير متسقة مع العصر – وهل هناك من يعتقد أن هذا ممكن؟ – أم أن الإسلام السياسي، بينما يكتفي بقمع حريات من شأنها أن تجعلنا أنداداً لمن صاغوا عالمنا (العقلانية والعلم والإبداع، المواطنة وحقوق الإنسان وتداول أو تجاوز السلطة)… أم أن الإسلام السياسي، أقول – بينما يكتفي بقمع الحريات – يختزل فكرتنا عن الهوية في طقوس ومظاهر وخطابات لا يفصلها عن الحياة العصرية ذاتها سوى أنها تعتذر عن الصفات سالفة الذكر وتتخذ من الهزيمة التاريخية سبباً للوجود أو العداء؟

الشريعة الإسلامية لازالت لم تحرم الرق ولا التجارة في أجساد النساء بدعوى تعدد الزوجات، ولا حتى قطع أيدي ورؤوس المذنبين أو رجمهم حتى الموت (مجرد أمثلة)؛ البيعة ليست انتخاباً والشورى ليست ديمقراطية، كما أن الإلحاد ليس كفراً بالضبط ولا غير المسلمين من سكان البلاد ذات الأغلبية الإسلامية أهل ذمة… لا أظن التصور “الإسلامي” لحياتنا يمكن أن يتسع للثقافة حتى في تقاطعها مع الإسلام بمعناه التاريخي أو الحضاري، ولا أظن المضطلعين بالثقافة على استعداد لممارستها في ظل ذلك التصور. لكن – هكذا أعود فأتساءل – ما دخل الإسلام بالسياسة المعاصرة أصلاً، دعك من الثقافة المعاصرة على خلفية سياسية؟

أيها المتجهمون فوق حيطان المزابل
المستعيضون عن الأخلاق بلحية
الخائفون من وجوه النساء
تعبئّون الله في أجولة
وتهيلونه على الأحياء
أنا العلماني الكافر
أنا المرتد العميل
سأبقى إلى آخر جسد تدفنونه
أقض مضاجعكم بالخيال

عن الإخوان وغيرهم أيضا: مهاب نصر

هذا التعليق هو إجابة عن سؤال لصديق ماهو السيناريو الأسوأ بنظرك لو تولى الإخوان الحكم؟ والإجابة هي محاولة شخصية لفهم السؤال أكثر من الإجابة عنه. هناك أفكار تحتاج للمراجعة ومعلومات تتقبل التصويب والمسألة متروكة لمن يريد.. والأجر على الله

مهاب نصر

wpid-screen-capture-2011-09-13-23-02.png

السؤال عن الإخوان، وعن سيناريو وصولهم للسلطة شائك للغاية. لعدة أسباب

أولا أن الغالبية العظمى من الناس لاتزال غير متفهمة للطبيعة القانونية للحكومات المعاصرة حتى وهي تطالبها بالتزامتها، ففكرة الحكومة لدى الكثيرين مازالت مستمدة من فكرة شخصية عن الحكم تجسده في زعماء، قادة، أهل ثقة إلخ، ومن ثم تفترض أن الحكومة الصالحة هي تلك التي تضم أشخاصا صالحين، أو موثوقا بهم بالنسبة للمواطن. وصحيح أن هذا شرط طبيعي في أي حكومة. لكن الحكومة بمعناها القانوني لا شخصية وإنما تمثل أمرين: أولهما التفويض المؤقت من قبل أغلبية تؤيد تلك الحكومة، وثانيهما تعبير هذه الحكومة عن برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي واضح المعالم وغالبا ما يتجسد ذلك في الأحزاب، وهي تختار إذن بناء على هذا الشرط لا الشرط الشخصي: البرنامج.. لا الشخص.

لكن في ظل الفساد العام في مصر والدول العربية جميعها، صارت الفكرة المقابلة هي التخلص من الفساد باختيار عناصر مأمونة النزاهة، ليسوا على الأقل لصوصا أو متورطين في قضايا فساد. ولأن معظم المواطنين المصريين لم تتكون لهم خلال المائتي عام السابقة منظومة أخلاقية ذات مرجعية اجتماعية واضحة، فما زالت فكرة الأخلاق مبعثرة بين الدين ومرجعيته والتقاليد المكتسبة والموروثة، والتي يتضارب بعضها معه بعض في مزيج فريد من أخلاق غير قادرة على احداث التوافق. والأمران مختلطان أشد الاختلاط لدرجة أن كثيرا من الأفكار الأخلاقية تسند إلى الدين عنوة رغم أن مرجعيتها تاريخية واجتماعية أصلا.

المهم أنه في اطار هذا الاضطراب في المراجع الأخلاقية يبدو الدين على الأقل (باعتبار كونه إلى الآن الوثيقة الأخلاقية الوحيدة المكتوبة وليست العرفية) هو المرجع رغم الاختلاف في حدود هذه المرجعية. ومن ثم فكل من يرفع شعار الدين يُشعر الآخرين باطمئنان أكثر، ويكتسب شعبية لا علاقة لها ببرنامجه وبقدرته على تمثيل هذه الأخلاق، ناهيك عن السؤال ما إذا كان الفساد فيما يتعلق بالدول أمرا خلقيا فرديا أم آلية تحلل وتضارب نتيجة سياسات منحازة ومتناقضة؟

ثانيا: أن معظم الناس لا تفهم حتى الآن ما الذي حدث لمجتمعاتها ولا في العالم المحيط بها خلال المائتي عام السابقة، أي مع بداية العلاقة المحتدمة مع الرأسمال العالمي الذي تمثل غالبا في الدول الغربية وان كان أبدا غير مقصور عليها ، وهذا سبب التباسا كبيرا استثمرته فئات تحت مزاعم دينية ووطنية في إحكام سيطرتها على البلاد بزعم حمايتها من آخر ذي هوية محددة ثابتة وجغرافية، وتحويلها للفكرة السياسية إلى فكرة “صراع هويات” لا بناء مجتمعات، لا يختلف في ذلك عبد الناصر عن حسن البنا.

الاستقلال غير التام

حتى قبل مجيء الفرنسيين إلى مصر كان النظام الرأسمالي قد تغلغل في الكيانات القديمة التي كانت خاضعة للدولة العثمانية، كما حدث مع مناطق أخرى في العالم، بإرث دولة شبه اقطاعية، يتفرد فيها الحاكم أو اسرته بالحكم على خلفية مرجعية دينية غير ملزمة على الإطلاق.

ولتوضيح هذه النقطة لأنها غاية في الأهمية حول تمثل بعض الناس للحكومة الإسلامية القديمة نشير مثلا إلى أن الحكومات العثمانية وقبلها المملوكية كانت تشرعن البغاء، ويتراوح تعاملها معه بحسب الظروف الاقتصادية.

وقد قام علي بك الكبير بعد ازدياد ثقته في امكانات التعاون التجاري مع الغرب بأول محاولة انفصال عن الدولة العثمانية مع شريكه الفلسطيني ضاهر العمر، وهو ما كرره من بعده بنصف قرن بنجاح أكبر محمد علي، الذي نسميه الآن باني الدولة الحديثة.

وتجربتا محمد علي وعلي بك الكبير يبينان درجة التأثر المتدرج بنظام عالمي أصبح أقوى من نفوذ أي دولة على حدة. فالقوى الرأسمالية أفشلت مشروع علي بك الكبير حتى لا تضعف الدولة العثمانية أكثر (انظر إلى تناقض المصالح) لأنها كانت تقف أمام الامبراطورية الروسية الوليدة ونفوذها على الشرق الأوروبي. وشيء من هذا القبيل مع الاختلاف حدث مع محمد علي حين امتد نفوذه إلى السودان والحجاز والشام وبدأ يهدد الدولة العثمانية ذاتها.

ان اهم التغييرات التي قام بها محمد علي ليست في السياسة بل في نمط الزراعة المصرية والاعتماد على المحصول الواحد، واحتكار الدولة (الممثلة فيه) للملكية، وتقوية مركزية الدولة الاقتصادية بحزم. لدرجة أن قيل إن بائع البطيخ في عهده كان ينادي : بطيخ الباشا بكذا..

ثالثا: لماذا كل هذه التفاصيل؟ لأن بنيان الدولة بشكلها القانوني المتعارف عليه دوليا الآن نشأ أساسا على قاعدة اقتصادية ومن ثم شكل من التعاقد مختلف جذريا عن الدول القديمة. كانت الدولة الشرق أوسطية شبه ريعية تعتمد على الخراج والغزو، وبالتالي كان الأساس فيها الكيان السياسي الذي تمثله أسرة أو قبيلة ذات قوة عسكرية ضاربة تحتل (أو تفتح) البلدان وتسيطر على انتاجها. لم تكن الدولة تفعّل بنية الاقتصاد ولا كان هذا المصطلح معروفا أصلا (حتى في الغرب) إلا بقدر ما يسمح بمدها بالموارد عن طريق اجراء بعض الإصلاحات. والعبارة الأثيرة التي يرددها بعض الإخوان أحيانا على لسان هارون الرشيد (امطري يا سحابة حيث شئت فسوف يأتيني خراجك) تعبر عن هذا النوع من الاقتصاد القهري الذي كانت تدفع ثمنه الشعوب المغلوبة والفلاحون الذين عزلوا عن ابسط حقوقهم فيما ينتجونه. وكلما كانت تضعف خزينة الدولة كان يتم البحث عن أرض جديدة لغزوها (أو فتحها)، أو فرض ضرائب جديدة تستنزف مع الوقت البنية الاقتصادية ذاتها. وهذا هو السبب في الأزمات الدورية التي كانت تتعرض لها هذه الدول بنفاد الموارد التي لم يتم تطوريها بل فقط جمعها بالقوة.

ومن المعلوم مثلا أن الجزية المتحصلة من رعايا الدولة غير المسلمين كانت جزءا من الموارد، ولهذا كان بعض الحكام يعيقن أو يحجمون عدد الداخلين في الإسلام حتى لا تقل الجزية. ولا يهمنا هنا الجانب الأخلاقي من الموضوع. بل طبيعة الاقتصاد التي كانت تدفع الدولة إلى التناقض الأخلاقي مع ذاتها، أو مبأها المعلن.

لم يكن التجار ولا الملاك قادرين على المنافسة السياسية التي تمثلت في نخب تعزل نفسها بشعارات النسب إلى آل البيت أو النسب النبوي. حتى المراجع الدينية كانت خاضعة لسلطة الحاكم يختار من يشاء ويعزل من يشاء ويوعز بالفتاوى التي تمكن سلطانه. ولم يكن للقوى التي نسميها الآن مدنية أو دينية هياكل تنظيمية أو موارد كافية ولا قدرة شعبية أو عسكرية للوقوف بازاء الحكام، ولهذا تمثلت الشورى المزعومة في مجرد نصائح غير ملزمة، بل ان الفقهاء في معظمهم برروا الخضوع لولاية الفاسق خوفا من ما أسموه (الفتنة) واعتبروا الحكم نوعا من الغلبة، أي بحكم الأمر الواقع.

الدولة الحديثة نشأت على تراكم دائم لرأس المال وانتاجه وليس على جنيه وتحصيله، بدأت بالتجارة في الذهب والفضة خاصة بعد اكتشاف الامريكيتين، وبانتاج المحصول الواحد على مساحات شاسعة والتجارة الاحتكارية فيه كما حدث مع القطن والقمح والشاي والبن والمطاط وقصب السكر وغيرها. حدث هذا في أسبانيا والبرتغال ثم دخلت سائر الدول على الخط. هذه المرحلة المسماة بالرأسمالية المركانتلية ساهمت بنسب متفاوتة في نشوء طبقة متوسطة تملك موارد واسعة، في الوقت الذي كانت تتسم به الدولة في الغرب بنوع من الضعف مكن فيما بعد وإثر صراعات طويلة من قيام نوع دولة التوافق المعتمدة أساسا على الاعتراف بالاختلاف، وتمثيل المصالح المتباينة. وظهر علة السياسة المدني رافعا عنها هالة القداسة الزائفة، ومعترفا بكونها صراعا على مصالح.

وحين اكتشفت الميكنة أو الثورة الصناعية كان انقلابا مخيفا، لعدة أسباب:

كانت التجارة القديمة تعتمد على ملكية أراضي شاسعة ولو خارج حدود الدولة (مستعمرات)، وكان بإمكانها تسخير عمالة مستعبدة بكثافة عالية. لكن الثورة الصناعية تركزت في المدن واحتاجت إلى منظومة إدارية صارمة، وانتاج واسع منظم، وتعليم نظامي لتأهيل الكوادر العاملة في كل مجال، والأهم فلسفة حياة تعتمد على: تقديس العمل، العقلنة اعتمادا على القوانين العلمية والتجريبية،نظم مالية وضريبية، حرية فردية تسمح بالإبداع والتفكير المنطلق واحترام المجتمع وكفالته لهذه الحرية، والتعبئة للقوى العاملة ومن هنا جاءت فكرة القومية. كانت القومية هي الشكل أو الإطار الثقافي لتركز قوى الانتاج تحت شعار أخلاقي لم يكن موجودا بهذا المعنى.

هكذا بزغت الدولة القومية التي تعتمد على: حدود واضحة، نظام قانوني، حقوق مواطنة متساوية لا تعتمد على الأصل الديني أو العقائدي انما من تجمعهم هذه المساحة من الأرض. ومن ثم عزل الدين عن فكرتها. ورغم أن اللغة والثقافة الخاصة هي إحدى المقومات التي دعمت القومية لكنها لم تستخدم إلا عند الضرورة أو كغطاء ثقافي للولاء للمشروع الكبير، فكرة المواطنة كانت الحاكم الفعلي للنظام، الذي تمثل في وحدة انتاجية كبرى، يتعايش أفرادها بناء على قوانين لا تقررها الأغلبية فحسب بل تمنع هذه الأغلبية من إقرار أي مبدأ مسبق لا يشكل جامعا مشتركا ولا يكفل حق الفرد والأقلية. والديموقراطية الغربية بهذا المعنى ليست كما يفهم خطأ حكم الأغلبية، بل هو أيضا كفالة حق الأقلية على أساس عقلاني.

أصبحت الدولة “القومية”، مع شيوع النمط الرأسمالي وتحوله الى النمط الوحيد مع الوقت، هي النموذج العالمي الذي على أساسه تتم المعاهدات، والاعترافات الدولية بالكيانات السياسية وعمليات التبادل التجاري والاقتصادي.

ومن ثم بدأت الكيانات السياسية القديمة في كل أنحاء العالم تحذو هذا الحذو بداية من الدولة العثمانية ذاتها، والحقيقة التاريخية أن نموذج محمد علي كان منقولا عن التطورات في النموذج العثماني. انتهت دولة الخلافة وصارت الدولة قومية.

المشكلة لدينا أن أهل النظم القديمة وممثلوها وكل أصحاب المصالح في بقائها، والذين كانوا مضطرين تحت ضغط التحولات الكبرى إلى تعديل المنظومة، أقاموا عملية تحديث هجين؛ فرضوا بحدود الدولة القومية وبتعبئة البشر والتعامل معهم كمنتجين، بنيت المدارس وأعد الجيش وظهرت كوادر نظامية من الموظفين، لكن بخلاف النمط الرأسمالي قامت السلطة باحتكار النشاط الاقتصادي ومن ثم قبضت على السلطة كلها في يدها، بدلا من أن تقيم التحديث بتشجيع ظهور طبقة وطنية واعية حرة ومنفتحة، قامت بتوسيع دائرة حكمها عن طريق بيروقراطية واسعة تلتهم المجتمع بحيث يدخل المجتمع كله في الجسم الوظيفي للدولة، دون أن يكون له أي استقلال حقيقي عنها، ودون أن يتمكن من التعرف على ذاته إلا من خلالها. دخلت الدولة كوسيط في كل العلاقات الاجتماعية. مع العلم أنها لم تمثل مصالح هؤلاء بل مصالحها التي جندتهم لأجلها، مع بقاء بنائها الأساسي شخصانيا متمثلا في حاكم أو زعيم أو حتى نخبة من المستفيدين.

وهذا أحد أسباب الارتباك الشديد بعد الثورة. فلا مفاجأة إطلاقا في أن الغالبية من الناس رغم اجماعها على الثورة وفساد النظام لا يعرف أفرادها بعضهم بعضا، ولم تكتشف بعد لغة مشتركة تعطلت طويلا، لقد كانت الدولة أباهم (ولو كان فاسدا ومستغلا). والآن يبدون كأبناء ساقطين من السماء بلا أجنحة.

الثقافة والسياسة

تلاعبت هذه الدولة منذ محمد علي ومن تلاه بالثقافة التعبوية للمجتمع بحسب الحاجة. فهي ترفع شعارات التحديث على نسق أوربي حينا، وتستنهض القيم الاجتماعية ما قبل المدنية كالعائلة والعشيرة. ويقدم السادات نموذجا فريدا وكاشفا للجمع بين احياء فكرة الدين والتقاليد الريفية (دولة العلم والإيمان وأخلاق القرية) وهو جمع له دلالته الحاسمة التي تحتاج لتفصيل في غير هذا المكان.

ظهرت فكرة “الوطنية” لا فكرة المواطنة كوسيلة تعبئة للناس، بل يشير البعض إلى أنها ظهرت بداية من حملة نابليون، فمن المدهش أن نابوليون كان يخاطب “المصريين” باعتبارهم شعبا يملك مقومات أمة خاصة ذات تاريخ وأن يرتبط هذا باستقلالها، بالطبع عن الدولة العثمانية في ذلك الوقت.

وهو ما تكرر بكيفيات أخرى في عهد محمد علي ومن بعده. نشأت الوطنية كشعار لصالح تشغيل الناس في مشروع كبير تحتكره الدولة، والدولة نفسها تتجسد في شخص. نموذج فريد من التهجين بين الأنظمة أثبت فشلا مروعا.

فحين تعرض محمد علي للتآمر لم تكن وراءه طبقة قوية من مصريين المدافعين عن اقتصاداتهم، ويملكون تعبئة القوى لمواجهة النفوذ الرأسمالي الذي يفرض عليهم دور التبعية. ومن ثم خضع محمد علي للشروط. والأسوأ انه مثله مثل كل الحكام العرب الذين أتوا بعده فانه حين يتعرض مشروعه للانهيار يظهر جانبه الشخصي، متمثلا في اشتراطه أن يحتفظ هو واسرته بحكم مصر. وتدريجيا سمح خلفاؤه ببدايات التدخل الاقتصادي عن طريق الامتيازات ثم الديون وبدأت السلسلة التي لا تنتهي.

من الفئات المستفيدة بالأوضاع القديمة كان رجال الدين الذين مثل صعودهم وارتقاؤهم في الأزهر فرصة للحصول على اقطاعات واسعة ومن ثم كانوا مستفيدين من بقاء السلطة الدينية، وكانوا دائما في حالة تعاون مع الحكام في تبادل اسباغ كل منهم الشرعية على الآخر، وكانت مواقفه الوطنية تتعلق بمصالح نخبته في الغالب. وبإعادة انتاج منظومته والثقافة التي يمثلها والتي تكرس له دورا ونوعا من الوصاية. فكما ثار على الاستعمار أحيانا خوفا من ثقافة جديدة ونظام يلغيان دوره، فقد تواطأ معه أحيانا حين آنس امكانية بقاء مصالحه وهذا يحتاج إلى تفصيل.

كان الأزهر فرصة صعود طبقي بالنسبة للريفيين الذين عزلهم الحكم منذ دخول الاسلام مصر عن المشاركة في الحكم وحتى في الجيش. وأغلق عليهم كل فرص الترقي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. ومن ثم كان دفاعهم عن الثقافة الدينية الممزوجة بتقاليد ريفية هو دفاع عن وجودهم ومكانتهم الروحية والاجتماعية ومكتسباتهم أيضا.

نسخة غير أصلية

لم ينقل النظام الرأسمالي للدول التابعة نسخته الأصلية، لتكون تكرارا أو امتدادا له، بل لقد تمكن بمرونته من التعايش مع انظمة قبل رأسمالية وأنماط من الثقافة التقليدية، بل لقد دعمها وكرس لها باسم “الحفاظ على الخصوصية” أحيانا، أو عدم أهلية المجتمعات للتحديث الكامل أحيانا أخرى.

وفكرة “الخصوصية” بالذات والتي تأكدت وشاعت في نهايات القرن الماضي. وجدت فيها كل التيارات الرجعية لقيتها الثمينة للدفاع عن وجودها. وكان الدين بطبيعة الحال أحد عناصر هذه الخصوصية.

وماذا الآن؟

.

الآن حين نتحدث عن الإخوان نتساءل قبل ان نعرف مدى صلاحيتهم: ما هو نوع الدولة التي يمكن أن تعيش وسط التجمع العالمي وتتمكن من العمل والتبادل؟

إذا كنا نعترف مثلا بالدولة القومية فكما قلت أن الدولة القومية أساسها اقتصادي بغطاء قانوني وتأتي الثقافة كسمة اجتماعية لا تؤثر على طبيعة البنيان القانوني أو الاقتصادي. ومن ثنم يمكننا الكلام على الثقافة في فرنسا أو أميركا أو اليابان أو استراليا دون أن يعني ذلك التأثير على مجموعة من الأسس الثابتة: المصدر النهائي للتشريع هو الشعب، المواطنة، الديموقراطية، حقوق الفرد التي يحميها القانون ولا تتدخل فيها الثقافة الشائعة أو العرفية أو أي مبادئ مسبقة، حرية التملك والتجارة، حقوق التعليم والتعبير والرأي والممارسة السياسية إلى آخر القائمة. وتبقى الاختلافات الطفيفة داخل هذا الاطار العام.

أما انشاء دولة على أساس ديني فانه لا يقوم على أن أصحاب هذه المساحة من الأرض شركاء متساويين، فالعقيدة الدينية لا أرض لها أصلا، و لاتتعلق بلغة ولا بمكان، وأساس بنيانها ليس على المنافع اليومية التي تشكل القاسم المشترك بين البشر، بل على مبادئ أخلاقية بنظر أصحابها. ومن ثم فهو يقلب مفهوم الدولة رأسا على عقب. ولهذا فشل لا الإخوان وحدهم بل كافة الجماعات الأصولية في اعداد مشروع واضح لدولة تستنجيب للشرط العالمي لأنه يناقضها من الأساس

وهو يقوم على نص مقدس بنظر أصحابه غير خاضع للنقاش بينما المبادئ الدولية القانونية خاضعة للنقاش والرد والتعديل والاعتراض.

ما سيحدث حين يتولى الإخوان الحكم هو انهم سيسيرون قدما في حالة التلفيق التي نسميها التوفيق، سيكونون رأسماليين دون أن يملكوا معايير الرأسمالية السابق ذكرها، وسيحاولون اظهار اختلافهم بتشجيع بعض الشعائر والمظاهر الدينية كالحجاب وخلافه، لكن هذا سيمح لجماعات أخرى ذات مصدر ديني أن تتهمهم بالتقصير والخضوع للشروط الدولية للكفار، وستنتهز فرصة أن الأساس الديني هو المعلن للدولة لتقدم تفسيرها الخاص للدين. وهو ما حدث في أفغانستان والصومال والباكستان وهو نماذج لا حاجة إلى الكلام عنها ولا عن فشلها.

ستكون هناك فرصة للمجتمع الدولي للضغط على مصر أو غيرها بزعم حقوق الأقليات أوعدم احترام الحقوق الفردية أو حقوق المرأة.

سيجد الإخوان أنفسهم مثلا في مأزق أمام السياحة كمصدر اقتصادي اساسي. وأمام التعامل مع اسرائيل التي لن يسمح المجتمع الدولي بتجاوز حدود معينة في التعاطي معها.

ان مشروع اي دولة دينية لا يمكن أن يتقبل الأساس الرأسمالي الذي يعتبر أن الحياة هنا والآن، وأن مقياس الإنسان هو ما ينتج أو يملك أو يستهلك، بينما العقيدة لا تشترط ذلك بل السلامة الأخلاقية من منطلق عقائدي. وأن هدف الحياة هو الآخرة لا الدنيا، النظام الرأسمالي موضوعي مادي لا علاقة له بعقائد الأشخاص، بينما المنظومة الدينية قائمة على الفصل الحاد بين البشر على أساس الإيمان وعلى ثنائية الكافر والمؤمن.

أفكار غير واقعية

نتيجة غياب الممارسة والتربية السياسية الفعلية والتعليم الناضج والاعتماد على نوع من الثقافة البدائية الشفوية تنتشر أفكار يتم تناقلها أو الترويج لها كحلول سياسية منذ فترات طويلة ليس من الإخوان فحسب بل أحيانا قوى سياسية أخرى وأشخاص عاديين.

الدولة: ان أهم ما شهده العصر الحديث في فكرة الدولة هو تحولها إلى كيان متجرد لا شخصي، فهي مجموعة من المؤسسات والقوانين التي تمثل مصالح الكل، بغض النظر عن من يتولى مسؤليتها من الأشخاص. فالدستور والقانون من جهة، وانتخاب الأشخاص على أساس حزبي وبرنامج سياسي من جهة أخرى يعني أن الحكم للفكرة وليس للشخص.

وهو تماما عكس ما شهده التاريخ العالمي كله قبل التطورات الحدثية. فامتلاك شخص أو أسرة للحكم وانفرادها به على خلفية القوة كما سبق، كان يعني ارتهان السياسة بمصالح ورؤى شخصية. ولهذا كانت الممالك القديمة تتعرض دائما لاهتزازات قوية ما تلبث أن تصعد حتى تنهار . ومن المفارقات أن كلمة “دولة” في تراثنا العربي تحمل معنى التقلب، بأكثر مما تحمل من معاني الاستقرار. فنقول الأيام دول، ودالت دولته أي زالت.

الخطورة أنه مازال في تصورات الناس بصفة عامة وليس مؤيدو الإخوان فحسب أن الحكم يتوقف على نزاهة شخصية. وهذا خطأ فادح. يترتب عله خطأ أكثر فداحة وهو اجتزاء مواقف من سير حكام أو خلفاء لإبراز شكل من العدالة النموذجي مع الادعاء بان هذه الفئة أو الجماعة أو تلك تتبنى المسلك نفسه.

وهذا بالإضافة إلى أنه تدليس تاريخي لأن الأحداث التاريخية لا يمكن التدليل عليها باخراجها من سياقها الكلي إلا إنه يبرز من جهة أخرى المسافة المرعبة بين الوعي الشعبي والديني من جهة تصوراتهما السياسية، وبين ما يدور في العالم وحتى في كواليس السياسة في بلادنا المرتبطة باتفاقات ومعاهدات لا علاقة لها بتبدل الأشخاص. وبطبيعة النظام الذي تخضع له وتدعي كل يوم مواجته ثقافيا بينما هي مرتهنة به وجوديا. بل تجهل أيضا مصدر الثقافة التي تحدرت إليها وكيف تلونت واختزلت ليعاد استخدامها سياسيا بطريقة أفسدت السياسة والفكر معا.

“احنا مشكلتنا”!

إذا ركبت مع سائق تاكسي وبدأ معك حوارا حول “البلد” وأحوالها سيقول لك بعد قليل “احنا مشكلتنا يا استاذ..” ثم يكمل.

في هذه الجملة القصيرة خطآن كبيران: الأول في ضمير الجمع “احنا”. لأن المجتمع الذي هو موضوع السياسة ليس واحدا ابدا، ولا في أي مكان من العالم رغم القوانين المتجردة التي تحدثنا عنها. فعمليا هناك دائما قوى متنازعة أو مختلفة في المجتمع بحسب تأويلها للقانون وتفسيرها للسياسة الحاكمة ومصالحها أيضا.

تعترف الديموقراطية الغربية بفكرة تنازع الرغبات والمصالح. وهي وان كانت تضع اطارا عاما لها يضمن عدم وصول التنازع إلى العنف، لكنها أيضا تتيح تداول السلطة من خلال التنافس والجدل السياسي، الذي يقرب بين هذه المصالح مع الوقت ولذلك نرى الأحزاب الغربية شبه مستقرة، وتبدلها لا يعني تغيرا جذريا في السياسة العامة. كلمة “احنا” تختزل المجتمع كأن كل شخص يتصور أنه الممثل الحقيقي له. ومن ثم يصبح السؤال أكبر من حدوده، والإجابة عنه مستحيلة.

وليس معنى ذلك عدم استخدام الكلمة فهو طبيعي لكن استخدامها كاقتراح مع الوعي بمن تمثله وقابلية تعديل تصورنا عن من يمثلهم هذا الضمير الجمعي.

الخطأ الثاني في الجملة هو كلمة “مشكلتنا” وكأن الدولة أسرة تعاني من ضائقة. دون ادراك للمعنى المركب للدولة والمجتمع على السواء، وهو يؤكد أننا نعيش في مجتمع ما قبل التخصص. لقد تورط الكثيرين جريا وراء سهولة التشبيه، إلى تشبيه الدولة بالجسم الإنساني الذي يلعب كل عضو فيه دوره. ولا يؤدي هذا التشبيه أي نتيجة في فهم طبيعة الدولة على الإطلاق، بل قد يؤدي إلى فهم تراتبي جامد ومزيف. كما لا يكشف الطبيعة المركبة والمرنة في تداخل المصالح الدولية مع فئات داخل الدولة نفسها. فالتصور الزائف عن الاستقلال استسهل مثل هذه التشبيهات بل جعلها قاعدة للفهم، يسهل ترويجها وتحويلها إلى شعار مفرغ من المعنى.

حياة التخصص

بدأ من “تقسيم العمل” شديد الدقة والضبط بدا وكأن التخصص لازمة من لوازم مجتمع حديث.

والحديث الفضفاض الذي يمكن تلمسه في سجالاتنا التي تشهدها الصحف والندوات والفضائيات.

يستهين تماما بهذه الفكرة، ويعود إلى نظام “المصطبة”، متراجعا عن الصياغة والتعرف الدقيق للموضوعات والمشكلات، ومتخبطا بالتالي في عدد لا يحصى من المغالطات، وموحيا أنه من حق الجميع الإدلاء بالرأي في أي موضوع يملكون انطباعا عنه، في غياب أرضة من المعلومات والأداء المنهجي.

الأسوأ اعتبار ملخص الأزمة التي نمر بها “أخلاقيا” لا بنيويا، لأن الأخلاق تفترض ارادة الفرد الكاملة وسيطرته على ما ينتجه وما يمارسه، بينما حقيقة الأمر أن الفرد في كل مكان الآن جزء من عجلة لا تخضمه تماما. هكذا تسبب هذه النصائح الأخلاقية وقوع الأشخاص في أزمات تناقض. دون أن يدركوا لها حلا، ودون أن يتفهموا أن المشكلة ليست في الأخلاق ولكن في منظومة العمل المركبة التي يمكن أن تكون معطوبة، أي أنها مجموعة مشاكل لا تحلها كلمة ولا سماع خطبة أو برنامجج تلفزيوني، أو عبارة على مقهى.

الإسلام هو الحل:

تأتي عبارة “الإسلام هو الحل” ترتيبا على الوعي الشائع السابق الذي يفترض أن لنا مشكلة واحدة أو موحدة، وأن حلها يكمن في كلمة مثل مفتاح الباب: الإسلام.

وتتضمن هذه الجملة عددا من المغالطات تبدأ من كلمة الإسلام. يبني مطلق الجملة هذه الكلمة على اعتبارها أمرا مفهوما وواحدا بالنسبة للجميع وهي ليست كذلك أبدا لا تاريخيا ولا علميا ولا عند التطبيق العملي. فلم تكن كلمة الإسلام في أي وقت من التاريخ تعني الشيء نفسه بالنسبة للمؤمنين بها. فأي إسلام نقصد؟ اسلام السنة أم الشيعة؟ وأي سنة نعني الإخوان أم السلفيين أم تنظيم الجهاد أم القاعدة؟ هل نخرج المتصوفة من الحساب؟ وماذا نفعل لو ظهر لك تيار اعتزالي مثلا؟

وهنا نعود إلى فكرة التيارات الأصولية المعاصرة كلها إخوان وغير إخوان وطريقة تعاملها المتعسفة والكاذبة مع فكرة الإسلام. فهي تقفز فوق تراث عمره 1400 سنة لتنتقى منه على هواها بلا وازع من ضمير علمي أو ديني.

وتحاول أن تقدم للناس هذا “الإسلام” كما لو كان تاريخا متماسكا واحدا موحدا. متجاهلة المعارك الفكرية والعقائدية. وأن الانشقاقات في فهم الإسلام كعقيدة وسياسة، بدأت مع حروب الردة، وتبعتها مآسي لا حصر لها. وأن من يسمون بالصحابة العدول وقف أحدهم ازاء الآخر في مواقع مشهودة. وأن التكريس لما يسمى “السنة والجماعة” انما جاء قسرا ليس لأمر ديني بل لأمر قومي عشائري، حيث أراد العرب الحاكمين أن يحصروا تفسير الدين وفق بيئتهم ولغتهم، بحيث يمتلكون مفتاح تفسيره الوحيد. ومن هنا جعلوا مرجعية الدين كالنسب بالراوية عن السابق فالسابق، وليس بمسؤولية الإنسان عن علاقته مع الله التي سيسأل عنها وحده أمامه. عقيدة أهل السنة عقيدة قومية مغلفة برداء ديني. كما أن عقيدة الشيعة كانت يوما ما عقيدة فارسية برداء ديني آخر. وكلاهما تحتشد كتبه بالأكاذيب عن الآخر. باختصار كيف سيعامل الأخوان أهل التفسيرات الأخرى للإسلام نفسه؟.

المصيبة الكبرى أنه مع تحدد منازل اهل السنة والشيعة وتصفية معظم التيارات الأخرى بالاضطهاد والقتل والتشريد وحرق الكتب والمنع من المعايش والتضييق على أصحابها. انتهى الجدل العقائدي “الذي يسمى أحيانا التوحيد” والذي هو أصل الدين ومبدأه. انتهى الى خلاصلات محفوظة ساذجة قضت على الجدل الغني الذي شهدته الحضارة الإسلامية في ازدهارها. وتعين الإسلام في “الفقه” وحده الذي هو في النهاية مجموعة طقوس شكلية لا تميز مؤمنا عن غير مؤمن الا بالحركات والسكنات والتعليمات الأخلاقية السطحية.

ومن المدهش أنه رغم الصخب العالي لحركات الإسلام السياسي بجميع طوائفها لم تحاول أبدا وضع تصور وتفسير متكامل ينطلق من اعادة النظر في الأفكار العقائدية وينتهي بالتشريعات. والأدعى للدهشة أنها تجاهلت التخصص الذي كان عليه الأقدمون منذ ألف سنة؛ هذا محدّث، وهذا فقيه، وهذا أصولي، إلخ لتصبح كلمة “داعية” هي البديل المائع للدرس الديني. البديل الريفي لثقافة المصاطب.

كان المفترض أنتنمو التخصصات لا أن تنكمش مع تعقد الجدل ازاء نظريات كبرى ظهرت في العالم منذ خمسمائة عام وهي تعمل وتطور ضمن حياتنا دون أن ندرك حتى كنهها، ولا أننا في الحقيقة جزء منها بما في ذلك التيارات الإسلامية نفسها.

وهكذا تعمل هذه التيارات، بل والوعي الشعبي كله وكثير من تياراته السياسية الأخرى التي تدعي تمثيله، تماما كالمغفل بالمعنى الحرفي للكلمة.

لكن ثالثة الأثافي كما يقولون هي أن التيارات الدينية وهي تروج لشعارها تمني الناس بالحياة الغنية للحضارة الإسلامية القديمة غافلة عن أن غنى هذ الحضارة انما كان نابعا من هذا التنوع الثقافي، والصراع العقائدي، والاختلاط المكثف وغير الموتور بالحضارات الأخرى. والسؤال: إذا كان الإخوان قد أثاروا ضجة كبرى على “ألف ليلة وليلة”، وكانوا يقيمون مظاهرات على كلمة أو عبارة في رواية لم يقرأوها. فماذا سيصنعون، مع التراث الحضاري؟ ماذا سيصنعون مع أبي نواس وأبي العتاهية وكتاب الأغاني؟ ماذا سيصنعون مع كتابات السهروردي والحلاج وابن الفارض؟ ماذا سيصنعون مع مؤلفات ابن سينا وابن رشد واخوان الصفا؟ ماذا سيصنعون اذا جاءت جماعة لتزايد عليهم بأن تماثيل الفراعنة شرك عظيم واوثان جاهلية؟ ماذا سيصنعون مع تراث نجيب محفوظ، وماذا لو اتى روائي في قامته أو شاعر أو فنان بأفكار لا يقبلونها هذا اذا كانوا يفهمونها أصلا؟ كيف يواجهون العالم حين يصادرون الكتب أو يمنعون معارض أو احتفالات؟ هل سيفتتح وزير الثقافة الإخواني مهرجان السينما والمسرح التجريبي؟

ما تصورهم عن الحضارة الإنسانية؟ عن الفن؟ عن الأدب والثقافة؟ عن النظريات العلمية التي لن يتمكنوا من التوفيق بينها وبين العقيدة إلا على حساب إحداهما.

الإسلام والسياسة:

رغم غنى التراث الإسلامي القديم بالسجالات العقائدية والتفسيرية واللغوية والبلاغية إلخ. لم تظهر، نتيجة طبيعة الحكم الاستبدادي، نظرية سياسية في الإسلام. وحين نقول “نظرية” سياسية نعني بناء محكما متماسكا من الأفكار التي تبدأ بتعريف الإنسان نفسه وعلاقة الفرد بالمجتمع، ومعنى المجتمع وحدوده، وطبيعة المسؤولية السياسية، مصدر الأحكام والتشريعات، وتنتهي بكيفية إدارة هذا المجتمع، وبالتالي يخرج عن هذا تلك الشذرات المتناثرة على ألسنة التيارات الدينية بشاهد من هنا وشاهد من هناك. كما يخرج عنه أيضا ما كتبه عدد من العلماء المسلمين القدامى الذين كانت تآليفهم في السياسة غير مكتملة، ومتعلقة بما يمكن تسميته “الآداب السلطانية” وهي مجموعة نصائح وارشادات للحاكم، لكن معظمها موجه إلى الوزراء والحاشية مثلما هو الحال في كتب الماوردي.

واللافت أن أبواب الفقه رغم أنها تتناول عددا من التشريعات اليومية وبعض الأمور الخاصة بما سمي “المعاملات” لم تسخر مجالا خاصا للسياسة، وكأنها اعتبرتها شيئا يحدده الحاكم وحده. أما مبدأ الشورى فكما قلنا انه إضافة إلى أنه يترك للحاكم تحديد من هم أهل المشورة، أي أنه ينتقيهم على هواه، فانه في النهاية غير ملزم له بأي حال. وعلى خلاف المسيحية الكاثوليكية مثلا، لم توجد في تاريخ الإسلام هيئة دينية مستقلة تقوم بتحديد صلاحيات الحكم والحاكم وتكون أعلى منه وذات سلطة عليه. ولو عدنا إلى أسباب زوال الدول في الإسلام فلن نجد مثلا أنها زالت بسبب ثورة على حاكم قادها علماء أو صفوة، وانما تنازع على الحكم والثورة بدعاوى أحقية الوراثة.

والحقيقة أن الارث الاسلامي السياسي في مجال الحكم يتلخص في مناخ المؤامرات والدسائس، وتميكن الحكم بالحيلة مرة والقوة مرات وهو لا يختلف في ذلك عن أسلوب الحكم في بقاع أخرى كثيرة في هذا التاريخ.

موضع الشاهد أنه لا التاريخ الإسلامي يقدم نموذجا جديرا بالالتفات، ولا التراث الفكري يقدم نظرية في السياسة يمكن البناء عليها.

ولم تظهر النظريات السياسية المتكاملة البناء والصياغة إلا تدريجيا، وكان أهم ركن فيها فصل مجالها عن غيره من المجالات العقائدية، مثلما حدث في سائر العلوم. على أي أساس مثلا ستقيم معاهداتك الدولية، اذا كنت تعترف بالديموقراطية فأصلها له جانب فلسفي أيضا. اذ توصلت الفلسفة الغربية إلى الإقرار بأن الإنسان يستطيع اعتمادا على عقله الوصول للحقيقة، التي يتم تصويبها باستمرار باستخدام وسائل لا تخرج عن حدود العقل والتجربة والوسائل العلمية. ومن ثم كان الاعتراف بأهلية الإنسان لأن يحكم نفسه ويقرر طبيعة الحكم الذي يقبله. من هنا يأتي اتساق الفكرة المتكاملة من النظرة للإنسان إلى شكل الحكم.

أما أن نؤمن بديموقراطية ذات مرجع ديني فهو كلام مفرغ من أي مضمون ومتناقض مع ذاته. اذ بينما نعترف بحقيقية قبلية خارج العقل وادراكه تحدد الصواب والخطأ نعود فتقول ان من حق هذا الإنسان أن بقرر مصيره وحياته وفق عقله هو. وتكون النتيجة أن تصل إلى حل مشوه مثل المسخ. واذا كنا سنتستطيع انفاذ هذه المرجعية الدينية محليا ماذا سنصنع مع العالم واتفاقياته، هل سنقول في مستهلها أيضا قال الله وقال الرسول؟ أو سننطق بهما في سرنا؟ أم سنصبح مزدوجين متواطئين مع أنفسنا ؟

ومن ثم فان كلمة الاسلام هو الحل تتضمن استهتارا واعيا أو غير واع بمفهوم النظرية السياسية وكسل معن انجاز مثل هذه النظرية والجدل الواسع والمفتوح بشأنها، وتدليس لا يغتفر على الناس البسطاء باستغلال احتياجهم إلى حل سهل لمشكلاتهم، بتقديمه في جملة فارغة من أي محتوى محدد، فلا الإسلام كلمة تحدد مجالا من الأفكار لا خلاف عليه كما أوضحنا سابقا، ولا السياسة كانت ضمن اطاره النظري والبحثي في يوم من الأيام.

خلاصة:

ان التيارات الدينية الحالية رغم أنها تتصور نفسها امتدادا للحضارة الإسلامية إلا انها لا تفطن إلى أنها في الواقع لا صلة لها بها لا من جهة تنظيمها الاجتماعي ولا السياسي ولا الثقافي. لقد انتهت تلك الحقبة إلى الأبد. وكل ما يحدث هو أن الفئات المهضومة نتيجة الصراعات الدولية والوطنية الحديثة، ونتيجة تحديث غير مكتمل دفعت هذه الفئات ثمنه دون أن تنال مكاسبه، ودون أن يكون لديها اطار قانوني أو سياسي للمطالبة بحقوقها وازالة شعورها العميق بازدواج الولاء والضمير بحثت عن حل سهل مختصر، يتلاءم مع ما تبقى من ثقافة دينية مختزلة وسطحية إلى أبعد حد ، ووعي يكاد يكون منعدما بطبيعة العالم الي تعيش فيه، ومستوى تعليمي لا يؤهل الا لتخريج مجموعة من الكتبة الموظفين لا الاختصاصيين ولا الباحثين ناهيك عن المبدعين. وجدت هذه الفئة نفسها قادرة من خلال هذا الشعار الديني، المختلط بوعيها الريفي وعدائها وخوفها من المختلف، وشكها الدائم فيه، وجدت نفسها من خلال هذا الشعار قادرة على تعبئة شعورية ووجدانية، لكن الفشل هو مصيرها المؤكد، والأصعب لن يكون ذلك بل صدمتها في نفسها عند الاختبار الفعلي وحجم الأكاذيب الذي ستضطر إلى ابتلاعه كالإهانة المرة.

مهاب نصر ليلة سقوط القذافي

القصيدة الزراعية

***

حزب الكنبة الفاسد

***

السؤال عن الإخوان، وعن سيناريو وصولهم للسلطة شائك للغاية. لعدة أسباب

أولا أن الغالبية العظمى من الناس لاتزال غير متفهمة للطبيعة القانونية للحكومات المعاصرة حتى وهي تطالبها بالتزامتها، ففكرة الحكومة لدى الكثيرين مازالت مستمدة من فكرة شخصية عن الحكم تجسده في زعماء، قادة، أهل ثقة إلخ، ومن ثم تفترض أن الحكومة الصالحة هي تلك التي تضم أشخاصا صالحين، أو موثوقا بهم بالنسبة للمواطن. وصحيح أن هذا شرط طبيعي في أي حكومة. لكن الحكومة بمعناها القانوني لا شخصية وإنما تمثل أمرين: أولهما التفويض المؤقت من قبل أغلبية تؤيد تلك الحكومة، وثانيهما تعبير هذه الحكومة عن برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي واضح المعالم وغالبا ما يتجسد ذلك في الأحزاب، وهي تختار إذن بناء على هذا الشرط لا الشرط الشخصي: البرنامج.. لا الشخص.

لكن في ظل الفساد العام في مصر والدول العربية جميعها، صارت الفكرة المقابلة هي التخلص من الفساد باختيار عناصر مأمونة النزاهة، ليسوا على الأقل لصوصا أو متورطين في قضايا فساد. ولأن معظم المواطنين المصريين لم تتكون لهم خلال المائتي عام السابقة منظومة أخلاقية ذات مرجعية اجتماعية واضحة، فما زالت فكرة الأخلاق مبعثرة بين الدين ومرجعيته والتقاليد المكتسبة والموروثة، والتي يتضارب بعضها معه بعض في مزيج فريد من أخلاق غير قادرة على احداث التوافق. والأمران مختلطان أشد الاختلاط لدرجة أن كثيرا من الأفكار الأخلاقية تسند إلى الدين عنوة رغم أن مرجعيتها تاريخية واجتماعية أصلا. – اقرأ المزيد

لم يكن أحد منا يعرف مهاب جيداً، لا بوصفه شاعراً تسعينياً من الفيلق السكندري الذي بدأ في الظهور منذ الثمانينيات – علاء خالد وأسامة الدناصوري بالتحديد كان لهما تأثير قوي على جيل التسعيناتوإن تنصلوا لذلك – ولا بوصفه زوج مناضلة سبعينية تكبره بعشر سنين أو أكثر.

سنة 2024 أفكر في وديع سعادة وأتذكر حقيبة المستقبل، حقيبتنا. حقيبة جماعة التماسيح للشعر المصري السري وحقيبة مهاب نصر وحقيبتنا. بالفعل لم نرد أن نحملها. لم ندرك أن وصولنا متوقف عليها.

- من رواية “التماسيح“، قيد الاكتمال