بدرجات الأسود

فادي العبد الله: عن تلك الموسيقى
عن تلك الموسيقى كلامي، التي لا يشار إليها بـ«هذه»، هي دوماً «تلك»، على مسافة، وإن ضؤلت، فلا يحاصرنا صوتها إلا برفق، ولا يقتحم علينا عيشاً إلا ضيفاً غير ثقيل. «تلك» موسيقى المشرق ما بين شآم هلاله الخصيب وسهل «مصر المحروسة»، على أطراف جبال تركيا وحدود الموصل، حين انتعشت لومضةٍ، قرابة نصف قرن، بين الربع الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين، ثم لم تكد تخلّف وراءها شيئاً، إلا بضعة عازفين ومقرئين ومطربين قلائل يحيون جميعاً (باستثناء أم كلثوم التي تنضم إليهم في بعض حفلاتها) على هامش الرواية الرسمية والدعاية التلفزيونية لما يعرف بالموسيقى العربية. وقد يكون شأنها شأن موسيقات أخرى لم تغمر بعد كياني برهبة بديعها، كالأندلسية والعراقية ربما، دونما حصر.

أنا المهجورُ كمحظيةٍ، بعد ليلةٍ طويلةٍ من الشَبق – كعقبِ سيجارةٍ مُطفأة في فنجانِ قهوةٍ لم يكتملْ، على سطحِ سفينةٍ غارقةٍ منذ مائةِ عامٍ؛ أو كجرمٍ صغيرٍ في مدارهِ المقفرِ، وحيدًا يئنُ كصغيرِ كلبةٍ يعوي في الليلِ – أكتبُ الشعرَ على تذاكرِ المترو المتَكَلسَةِ بفعلِ العَرق، ولفافاتِ التبغِ، وبقايا قوائمِ الطعامِ المهترئة. ألُفّ بها أعضَائي المقطوعةَ والمشوهةَ، وأبيعُها على النواصيَ وفي أسواقِ النخاسةِ، وحوانيتِ الخردةِ، بجوارِ من يبيعونَ الحُلم. يطلُ عليّ كافكا من العدمِ كعازفِ كمانٍ. بزيٍ ريفيٍ وشاربٍ كَث ووجهٍ أقل كآبة يَبدأ العزفِ، فينشقُ فنجانُ قهوتِي عن فأرينِ يبتذِلان الرقصَ على طاولتي. أتقزَزُ مِنهما، تتقيأ رأسِي كل ما تحوِيه من قُبح. يمتقعُ وجهِي وتتَجَعدُ دقائِقُه، ويزيدُ عمرِي خمسين عامًا. أصيرُ بائعَ ورقِ لوتَرِيا في ميدانٍ عامٍ ببارِيس، ويَقبِضونَ عليّ بتُهمةِ الحُلمِ. فينَتَهي بيَ الحالُ مَصلوبًا يأكلُ الطيرُ مِن رأسِي فَلا يَشبعُ، ولا أنتهي.
إسلام حنيش

من آفات خبرة العمل الطويل في الصحافة أن كل تلك المسلسلات القديمة صارت محروقة بالنسبة لك؛ لم يعد هناك مجال للدهشة ولا مساحة للترقب. حين تحدّث معي مدير التحرير عن صفحة نجيب سرور أدركتُ فورا شكل الموقف الذي انتهى بهم لذلك الاقتراح؛ ثمة ملف ما – سياسي – لم يعد مناسبا للنشر، أو مقال رأي مُطول اعتذر عنه كاتبه أو أي موقف آخر من مواقف اللحظة الأخيرة في الصحافة تلك ترتّب عليه وجود صفحة خاوية على عروشها، وفورا، يتم استحضار اسم أحد الحمير الكتّيبة في الجريدة (عدة أسماء لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة وأغلبها معنا في الديسك) ثم يُطلب ملء فراغ هذه الصفحة بطريقة تختلف باختلاف الشخص: لو كان من رجال الشعر الأبيض – قدامى المحاربين كما أصبح يطلق علينا – فإما أن يطلبك رئيس التحرير ليناقش معك طريقة ملء هذه الصفحة ويعمل باقتراحاتك – هذا لو كنت من المقربين لسيادته، وإن لم تكن فيكون التعامل بالطريقة السالف ذكرها – تكليف صارم، واضح ومحدد، ولكن بصيغة مهذبة ومن خلال شخص تافه مثل مدير التحرير.
هكذا أنفقت عمري وبهجة أيامي في جرائد، قوميةً كانت أوحزبية أومُستقلة، في ضبط همزات الوصل والقطع لصحفيين – أو من يفترض أنهم صحفيون – لم يتعلموا أبسط قواعد الإملاء، وفي إضافة “أشار” و “أضاف” و”أكد” و”في سياق متصل” لتقارير عن وضع لا و لن يتغير، ثم أخيرا في ملء صفحات فارغة بملفات تحت دعوى أنها دور الصحافة الثقافي..
أفكر، لو كانت نرمين لا تزال في حياتي، لكانت قالت بصوتها النحيل المسرسع والمستفز “انت نجيب سرور بتاعك ده بوّظ لك دماغك..”

؏
ضِعتُ في طريق العودة من موقف عبود
قال لي سائق آخر وسط عطلة المرور: أنت الآنَ خارج القاهرة
كان له ملامح موظف أرشيف يطل وجهه مُضجِراً من أحد شبابيك المُجَمّع
الجوع في بطني ولا أشعر بغير الوهن
كانت الأبواق تدفعني بلا رحمة عكس وجهة بيتي إلى الأمام وكلما بلغت تقاطعاً وغيّرت وجهتي أنتهي إلى الطريق ذاته حيث السيارات مسرعة ولا أحد
عبرت “الزراعي” إلى “الصحراوي” وما زلت ذاهباً إلى الإسكندرية
بدأت السيارة تحذّرني من نفاد البنزين ولا “يوتيرن” في الأفق أو مضخة
وقبل أن يبدأ الارتجاف تذكرتُ موناكو
ذهبنا من نيس بلا سيارة وقال صديقي إن ثمة شيئاً كئيباً في محطات القطار: حتى هنا يا أخي
وكنا نركض
في محطة أغنى بلد في العالم
لنلحق قطاراً يعيدنا قبل أن نضطر إلى المبيت في المطر
لكن صديقي ليس هنا الآن ولا نيس ولا موناكو ولا حتى موقف “عبود” واللهاث ليس في الرئة ولكنْ في بطني حيث يجب أن أشعر بشيء آخر وأنا ثابت أرتجف
أضواء الطريق برتقالية وإذا وقفت السيارة فلن يأتي أحد لنجدتي
قصائد اللغة الجديدة

ما أطول “الزراعي”
دون أن نصوم (في العشر الأواخر) تركنا طنطا عبر شارع البورصة
قلنا منطقة تجارية أكيد فاضية—نصف ساعة زحف وسط أكداس المتسوقين
عرق البروليتاريا يمطرنا والسيارة تخرم عجين اللحمة واللحى والقماش
وعيون المتخمين لِتَوّهِم تطالعنا بكراهية الرعاع لنبلاء الباستيل
ظلمات ترشيد الكهرباء ونحن خندق محفور في المدافن نصرةً لإخوتنا في غزة
دعك من أن غزة الآن أبعد من أنتاركتيكا والإخوة نفسهم يسبون الدين
من هنا حتى قويسنا بهائم الأسفلت بالكاد تتفادى الحفاة والحمير وهكذا
؎
على هذه الأرض – جارية الأرض – لا شيء يستحق الحياة
أم العائشين أم الميتين تصدّرين القفا للصفع أملاً في لقمة طرية
وسواء أتغير لفظه أو استمر ضمن الذل المستحب يظل اسمك مسبة
؎
تخوم قليوب تبشر بالوصول لم يعلمنا أحد بأي عَطَلَة في السكة
كان قتلة المتظاهرين – الأهالي – سدوا الطريق مرة أخرى احتجاجاً
وبينما نلتحق بصف الهاربين إلى المدقات الجانبية حيث الفجاج والحجارة
تذكرتُ كيف قلبنا الدنيا بالرقاد على التراب ولأنهم يقتلوننا صدقنا أننا نضحي
لغاية ما تحقق مطلبنا العبيط رجعنا بيوتنا ليحلّوا محلنا هم نفسهم
وهكذا مكّنا العصابة الأولى من تسليم البضاعة للعصابة الثانية حين متنا
بلا كبير جهد تغوطنا اللحظة اعتلينا النخلة وأغوتنا العينان الخلابتان ولكن
؎
كيف لعينيك أن تكونا غابتي نخيل وهما على هذا القدر من البجاحة
وكل عام لا يعشب الثرى ولا نجوع ما مر عام وجعنا بما يكفي لنسعى
نحن الغربان تشبع والجراد يعوي على تطلعات ستبقى أسطورية
؎
كانت المدقات مشرشرة بالحفر والمياه مركبات صناعية معطلة في العتمة
موكب مناوري “الهايواي” مثل ثعبان خرافي طالع نازل فوق جرف
ورغم وجود متفرجين من أهل المصانع على الجانبين فكرتُ أننا في مجاهل
هذا الذي نخوض فيه ببطء فيل كليم هو ما أزحنا عنه الحجر يوم ثرنا
خندق نبلنا محفوف بالأهالي رعاع حاقدون ومحتجون قتلة ولا باستيل
هل كانت الشعوب تثور دائماً قبل أن تتوفر لها الخدمات الأساسية
بلا طريق لا يعترضه المحرومون من الكهرباء هل نعمل ثورة أم نمثّل فالآن
؎
احترق المسرح من أركانه للمرة الألف لكنكم أنتم يا حبيبي الممثلون
لم تكن فلسطين لكم لأنكم أولاد قحبة من قبل أن تفقدوها
لم تصلحوا لشيء إلا التجول بين صفوف المتفرجين لتنادوا: كاكولا-بيبس
؎
الرحلة تستغرق ساعة خمس ساعات حتى يلوح “المحور” مخضّباً بالمشاة
وكأنه عذاب القبر نعيش من أول وجديد عاماً ونصف أو عامين من إحباطاتنا
فقدنا الأمل ليس في الثورة فقط ولكن في المستقبل أيضاً في النشطاء السياسيين
ولا عزاء للمدفونين حولنا لراشفي الشاي على شط هذه البركة للعميان بفعل فاعل
لا عزاء لنا نحن أيضاً يوم نُقتل أو نُحتَجَز ها هنا في المجاري الرطبة نستنبح
حتى الغضب يتفثأ حيث حر الليل وأخبار انهيار محدّق في الركن الخلفي للدماغ
كل التفاصيل التي يناقشها الأصدقاء تغدو ذباباً يئز ويغبّش البربريز فعلاً
؎
الناس في بلادي جارحون ولكن كعقارب غير سامة ليس عندهم غناء
حشرات منزلية في مطابخ الإنسان يعملون أي شيء من أجل قبضتي نقود
وطيبون في التسول أغبياء في إيمانهم بأن القَدَر فقط وساخة القرون

الأنبياء: رسالة نايف إلى مون*
إلى مهاب نصر
كان وقحاً بمنتهى الأدب يا مون؛
بمنتهى الدماثة، كان سافلاً
وهو يرص بذاءاتي صفاً على الحائط
ليضربها واحدة واحدة بالرصاص.
كان أحقر من كلاب السكك
وهو يحبس “الشخرة” في حلقي
قائلاً إن في كلمة “أحَّه” تبسيطاً مخلاً.
وعبر شبابيك غرف “مكمكمة” أضيق من أن تستوعب صراخك -
هل تذكرين فرحة الاشتمام الأول؟ هل تعرفين معنى الالتحام؟ -
كنت أتحاشى وجوهاً اقترنت قسماتها بالفساء
وأقيء لمشهد الكاتب المصري
متربعاً في خرائه.
؎
يوم بصقتُ في وجه محمود درويش،
حملوني في السيارة – وكنت معصوب العينين -
إلى نقطة بعيدة على طريق الواحات.
لم يذهب السواد حتى تأكدوا
أن لا شيء هناك سوى الحجر الأبيض.
وأجبروني أن أصلّي بهم في العراء
قبل أن يصمني الأذان بأنكر الأصوات
من مكبر صوت مختبئ في مكان ما.
ساعتها فقط اكتشفت أنني في حي عشوائي،
وأجمل جميلات “هوليود” وراء النقاب
يهرولن إلى المسجد من جنبي.
قال لي الخارج لتوه من السجن الحربي:
“العلق كان نفع نفسه”!
؎
أمس عبر ستائر الأخبار والافتتاحيات -
ذلك “الساتان” المنقوش برسم كالذباب -
لمحت شاباً مُستَأجراً في سمته كل الدلائل
سوى أنه ملتح و”الزبيبة” في قورته ”يتقصّع” بصحبة اثنين عاديين؛
شاهدتهم يستمنون معاً بـ”فُجر” راقصة درجة ثالثة
وهم يتحسسون رأس عجل آخر مهمهمين بروعته.
في اليوم التالي كان علي أن أسافر.
قعدتُ أكتب لك والجدران مشرعة على سطح المكتب -
نقرة واحدة ويهطل “البيضان” -
لكنني رجعت تذكرت أن ملاكاً وسط السديم
يحتاج “حنيّتي”، وقفزت من أوسع نافذة في البيت
فاتحاً جناحي للتراب الساكن.
؎
لا يا مون، لم أقع؛
حلّقتُ إلى سجادة ومخدتين.
كانوا يتكلمون عن الوسطية والاعتدال
لكن أصواتهم ظلت تبتعد حتى سكتت.
وعرفت أن الشعب الذي يحب الله
لن يخذل الفرحة كما فعل الواقف وراء الزجاج
يتحسس المشهد نفسه براحتيه ويرتعد ما إن أومئ له أن تعال يا أخي،
يا صديقي؛ تعال نقلع “هدومنا” ونجري؛
ربما يتغير ترتيب الشواهد،
أو يصحو ميت ليخبرنا بشيء جديد. يا أخي، يا صديقي،
كم نحن بحاجة إلى السباب.
وليس سوى دمعتين على ذقنه بلا كلام.
؎
جاءت العاصفة وكنا كبرنا على تعلّم نوع جديد من السباحة؛
الطريقة التي عمنا بها طول عمرنا لا تنفع مع هذه المياه.
وهكذا أيها الابن “الصايع” كان علينا أن نكتم شهادتنا
في اللحظة التي تحولنا فيها إلى مخلوقات ترى المستقبل.
*نايف ومون شخصيتان في رواية “التماسيح” (دار الساقي، ٢٠١٢) للمؤلف

الثورة بجد
عن قصيدة “الأسد على حق” لألن جينسبرج:
“ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني”
أرجع من الإسكندرية عبر طنطا لأجد الثورة أسفل سريري
ومَثنيَّ الجذع على ضوء أبجورة الكومودينو، وجهي بمحاذاة المُلّة
أتبين الملايين تركض وتدافع عن نفسها بالحجارة، كل واحد عقب سيجارة لا يزال مشتعلاً
يرفعون لافتات كالطوابع ويحفرون شعارات أكبر من أجسادهم على الباركيه، أتسمّع هتافهم
؎
وكأس الفودكا الأخيرة لم تتبخر من جمجمتي منذ واحد سكندري لم يُعمَل في “رشدي”
عظمي المخمور يقرقع وأنا أغالب البكاء ممزِّقاً ملابسي في الشباك:
الثورة حصلت يا أولاد القحبة، الثورة حصلت بجد!
؎
وقد تركتُ حبيبتي في شارع بن الفارض عند بتاع المخلل تستقبل الفلول
مفتقداً لا الواحد ولا البحر، لا وجه أمها المترمل منذ ساعات ولا أباي الميت قبل عشر سنين
ولا خلف مقهى الأحمدية ولياً كان ذَكَرُه – ضمن الكرامات – أكبر من هراوات الشرطة العسكرية
بل أذني التي ابتلت في “الأظاريطة” لأن دموعها كانت تقطر من سماعة الموبايل
؎
ألطّخ ملابسي بالحبر الأحمر وأُسرع إلى العمل لأرقد على عتبة المدير
لم تكن الثورة مع الزملاء ولا في المترو ولا حتى في حناجر شهداءٍ يُبعَثون بلطجيةَ أمنٍ مركزي
هائماً في ملكوت سكك حديد مصر كيف لم أضبطها حتى هربتْ إلى غرفتي؟
؎
مضعضعاً بعدما نمت ليلتي في حمام المصلحة أوشوش عامل البوفيه: بلا ثورة، الحياة لا تُحتَمَل
هل تعرف أن ابن الفارض قال إن موت العاشق حياة والقتل أفضل من الهجر
المؤسف أنه كما أن لا تغيير بلا مذابح كذلك لا زمن بلا انتظار، هل تعرف الملائكة…
الملائكة؟ يسألني متهكماً وهو يتحسس صلعة كالجلمود ويطالعني بشفقة، يقرضني خمسة جنيه
؎
أسعى إلى إحدى اللبؤات أسداً يحمل كشكولاً لأخبرها بأن الثورة ليست في ميدان التحرير
ومحتسياً فرابيه من مؤخرة سموذي بعد ثالث دابل إسبريسو في أحد فروع سيلانترو
أزعق في كاتوليكي مراهق من فوق شاشة اللابتبوب: لا شيء اسمه الغيرة القضيبية!
؎
من الدقي إلى التحرير مرات عديدة صحبة شاعر شاب هو الآخر من طنطا
أتأكد من فشل الجهود حين لا ترد حبيبتي على الموبايل وهي ثكلى
وإذ جلس زيزو مع فتاة أردنية ليلة جاءني التليفون، هل كان مصابها المفاجئ عقد ارتباطنا؟
؎
عندما ترد أخيراً أقنع صاحبي الشاعر أن اعتصاماً بجد في غرفتي، ننطلق بلا سلاح
وزاحفاً ورائي على ركبتيه من جنب الكومودينو بشورته البرميودا كمندسّ يتلصّص
جموع المحتجين حول كعكة حجرية هي عبارة عن نعل قديم، مثلما كنا تماماً
الدبابات علب ثقاب والإف-١٦ كالدبابيس وغوغائيون سفلة، بين المُلّة والمرتبة قناصون بالليل
؎
نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي
أتخيل حبيبتي راكعة أمامي ببلوزتها السوداء، فجيعتنا الفردوسية وأنا أقذف في حلقها
وحين توقظنا أمي في الصباح لا أقاوم، أرى الخادمة ومكنستها الكهربائية عليها ختم النسر
أرى العَلَم يرفرف في أيدي مخلوقات فضائية وأعرف أننا لن نهزم إسرائيل
يغتاظ صاحبي والقذى في عينه حين يمتد خرطوم المكنسة تحت السرير
مع ظهور الخيش والصابون أمنعه عن الخادمة بصعوبة: لا فائدة من اغتصابها!
الآن ليس سوى صوت المكنسة وهو يبكي، لا دم ولا حديد يعود باركيه الغرفة نظيفاً وخالياً
وحيث كانت الدواوين على الرفوف زجاجات ديتول وبليدج، إسفنجات وخرق منمقة
فجأة يشهق سريري على صوت السرينة، تشتعل الملاءات وتنفجر المرتبة
يتفصد الكومودينو عن أسد هصور يزأر ويختفي صاحبي والكتابة على الحيطان:
سنوري حين يمارس الجنس يقذف كل عشرين دقيقة ولسانه أخشن من ورق الصنفرة
؎
أيتها الحبيبة المنتحبة يا مانحتي الأورجازم النهائي لقد انعقدت حياتانا بالموت
لقد رأيتُ الآتين والغادين قبّلت ذوي اللحى وجريت من شاهري السنجة على سلالم المترو
حملتُ “سيدي مجاهد” إلى ظلمة القبر لأُطمئن أباك ونعست مقرفصاً بين مقصورتين
لقد وجدتُك أسفل سريري وجيش أمي في الغرفة، سلّمت رقبتي لفم الأسد.
(هذه القصيدة تزامنت مع رواية “التماسيح” وترجمة قصيدة “جينزبرج” المتضمنة في الرواية)
***

؏
قال العائد من “احتفالية فلسطين للأدب” في العاشر من مايو سنة ٢٠١٢: الحمد لله على ما بقي في الأرض من علمانية، والصلاة والسلام على قائد الثورة المحمدية. وبعد. وصلني كتابك من بيروت إلى شاطئ غزة على شاشة الآي-فون فقلتُ في بالي مثلما يقول الناس هناك “إيش الدعوة”، وقرَرْتُ لأن ذِكري عندك لم ينقطع رغم طول الصمت وغول المسافة السياسية. ثم لم ألبث أن نَبهت إلى دعوتك فشكرتها لك وقدّرتها فيك. وما كدتُ أحل بجوار السيد أحمد البدوي حتى شرعت في الاستجابة.
يُحكى – حيّاك الله – إن ملتحياً في مدينة غزة أوقف سيارة أجرة يطلب الذهاب إلى “مركز حطين في تل الإسلام”، فما كان من السائق إلا أن تركه وغادر صارخاً: “طيب، خلِّ صلاح الدين الأيوبي يوصلك!” ذلك أن الأسماء، وأنت أعلم مني بأهوائها، لا تتغير بمرسوم أمني وإن أراد لها ذلك أصحاب السلطان. فالراكب كما يدرك السائق يقصد “مركز الأمن الوقائي في تل الهوى”؛ وقد بات أحد معاني المقاومة في ربوع القطاع، منذ تغيير الأسماء، رفض الاعتراف بالأسماء الجديدة: هذا الملتحي إما أن يسمي المكانين باسميهما أو يظل واقفاً في الشمس. وعليه – أثناء لقاء وفدنا بممثلي اتحاد نقابات العمال – لعل ذلك القيادي العمالي كان ينوّه إلى الالتباس الكامن في كل لفظة لما قال، في معرض خطابه إلينا: “ما يسمى بالتطبيع مع ما يسمى بإسرائيل”. (أما أنا فأقول إن استبدال الهوى بالإسلام قلة أدب بغض النظر، وهو من مجمل الجاهلية الإخوانية المتحققة هنا مثلما لم تتحقق في أي مكان بتدقيقه.) فاعلم حياك الله أنّ “بالفيست” الذي أتاح لي غزة للمرة الأولى في عمري إنما عَبَر ما يسمى بالحدود ليكسر ما يسمى بالحصار. وعلى رغم أن السجن قائم ولا إنساني ومن شأن فتحه أن يفيد شمال سيناء ربما أكثر من فلسطين، تبدو الجعجعة المناهضة للحصار الإسرائيلي المصري، في ضوء ما تضربه حماس على أذهان وأجساد من خالطتُهم في غزة، محض سفالة.

واستطرد ينفث دخانه في رشفة إسبريسو ثم تنهد، قال: في تلك الندفة المحاط رسمها براً وبحراً بالموت المحقق على يد دولة الشرج اليهودي المستَنفَر – حاشاك – صاحبتُ شابّين: النحيل، والأقرع. ولم أفهم إلا على هدى من حديثهما إحساساً راودني منذ حللتُ في الخامس من مايو بأن مناهضة الحصار تشبه الحصار نفسه حد التطابق، أو أن لمساجين غزة – فضلاً عن الأسيجة الأجنبية – سجانين منهم يسهرون على عزلهم ووحدتهم. هكذا يصبح الصمود حجة لقهر الراغبين في الحياة – أسعد الله أيامك – وهو ما باتت السلطة الفتحاوية تباركه طبقاً لما سماه ربيب الوفد عمرو عزت “اتفاقية تبادل قمع”. فاعلم أنّ “حركة المقاومة الإسلامية” وقد تحكمت في الفلسطينيين نتيجة نفاد صبرهم على فساد فتح باتت تقاوم فلسطين. حتى بدا لي، غفر الله لي ولك، أنني داخل حدود دولة شرج الإسلام. وهل من حركة إسلامية لمقاومة فلسطين؟ لعله بيزنيس حصار لمزيد من الأكل والعبادة؛ أما الدليل فهو أنفاق تهريب بين شقي رفح لا يمكن عبورها بلا تصاريح رسمية أو تمرير بضائع منها بلا جمارك.
ومما علمت في معية طالبات مسلمات سافرات شاهدتهن يناطحن أساتذتهن البيضان بوقاحة رائعة ولا يرعوين عن الصراخ في حاملي الكلاشنكوف “ما بنخافِش منكم”: من كثرة ما ضبط القادة الحمساويون عملاء لفتح وإسرائيل بين صفوفهم – الأمر الذي كان يؤدي إلى اختفاء الكادرات موتاً في “عمليات جهادية” لم تحدث – أصبح كلٌ متهماً بالعمالة. أصبح على كلٍ أدلة مخابراتية تدعمها وثائق بالصوت والصورة عادة ما تُلتقط أثناء الإقامات الصيفية في مصر. فإذا بدولة الإسلام هي الدولة البوليسية، خَلَص؛ كل ما هناك أنها بلا دولة تُذكر. إيش الدعوة… وكم شعرتُ بضآلتي وكم فرحت في حضرة هؤلاء البنات. وكم كانت فرحتي بهن مؤلمة، ألماً يقطع شرق المتوسط كله من الإسكندرية إلى طرطوس مروراً بهذه الأمواج.
كان النحيل حمساوياً في مراهقته، ثم تحول انتماؤه الفكري باتجاه فتح؛ أما الأقرع فهو أكبر سناً، وقد دفعه التفاني الاستشهادي في الشتات إلى جماعة الإخوان المسلمين ومنها إلى القاعدة قبل أن يستوي نضاله – ذلك الذي يصفه بكلمات من قبيل “مجرد إني هان، مجرد إني بأضحك” – إثر الاستقرار في غزة، حيث عزف عن الفصائل لينظم الاحتجاجات الشبابية عبر الإنترنت. فاعلم حفظ الله نضالك أن ثورة قامت في مارس ٢٠١١ كان شعارها “الشعب يريد إنهاء الانقسام”، وأن حماس استعانت على قمعها ببلطجية أو شبيحة لا يفرّقهم عن ما عندنا سوى أنهم، كراكب الأجرة سالف الذكر، ملتحون. ولا نأمة من جهتهم تشكّك في الملصقات الوهابية عبر دلتا النيل: “أختي بالله عليك اقطعي علاقتك الحرام مع زميلك في الجامعة نصرة لإخواننا في غزة.” لقد هداني نقار الشابين، من قبل أن أرى الأمن يمارس بذاءته على وفدنا وجمهوره في المساء الأخير، إلى أن الاستبداد قائم بغض النظر عن التوجهات السياسية. إنه قائم – كما استفاض الأقرع في الوصف ضاحكاً – ضرباً بالعصي وكعوب البنادق فضلاً عن الرمي بالرصاص، واندساساً في التجمعات الطلابية، ومصادرةً للأجهزة الإلكترونية، واعتقالاً جزافياً، واحتجازاً بلا محاكمة للتعذيب وفرض توقيع الاعترافات والإقرارات، وتشهيراً بين الأهل والجيران، ومنعاً من النشر على المواقع الإلكترونية، و(مثلما حدث معنا في دار الباشا يوم التاسع من مايو بلا إنذار) فضاً للحفلات والندوات مهما خلت من السياسة ومهما جانبها المجون. إنه يحدث لا للأسباب السياسية وحدها وإنما كذلك للاختلاط بين الجنسين، والإبداع الأدبي والفني، والاتصال بالأجانب أو العرب أو حتى الفلسطينيين من خارج غزة… فهم – كما قيل لي مرة بعد مرة: الحمساويون “هم” – بصدد بناء المجتمع الفاضل. وفي المجتمع الفاضل لا تكمل جملتين حتى يغمز لك محدثك أن انتبه هناك من يتصنت علينا، ألا لعنة الله على المتخلفين!
حكى لي النحيل إنه التحق بفتح من خلال أصدقائه في الجامعة في أعقاب “انقلاب الـ ٢٠٠٧”، وأشار ونحن سائران إلى وفرة البضائع الغالية في محيط “الرمال” حيث نصب الجندي المجهول – محل تجمهر التظاهرات المسبوقة دائماً بفرشة من مباحث الأمن الداخلي والمتبوعة بالاعتقال: ميدان تحرير صغير، العوض بسلامتك – ثم أردف بنبرة محايدة: “هاد الحصار.” (تحضرني في هذا الصدد حكاية سوداني زار غزة في وفد تضامني فلما ولج السوبرماركت صاح: “اللهم ارزق السودان بحصار مثل حصار غزة!”) بطول المدينة، تنتصب لافتات تحمل وجوه الشهداء في صفوف ولا تذكر ملابسات استشهادهم. أومأ صاحبي إلى إحدى تلك اللافتات أمام مقر أمني أزرق، وحدّد ترتيب الوجه المعني ليخبرني إن صاحبه صفعه بعدما جره إلى الحبس لأنه رآه في العلن مع فتاة؛ وأضاف إن صديقاً له وزّع الحلو احتفالاً بموت صاحب الوجه نفسه. كنا نقترب من ذلك الخط اللامرئي حيث تتاخم الصحراء المياه. وكنت كأنما أعرف ما سوف يحصل في الغد (ويصيبني قبحه بذعر لحظي رغم ذلك) من اقتحام الأمسية الختامية للاحتفالية من جانب جلف مصمت الوجه يهدد الحضور قائلاً إنهم غير مسموح لهم بالتصوير بلا سلام ولا استئذان ثم – بعدما يصورنا هو، من جانبه – يهدد بإخلاء المكان بالقوة إذا لم نغادر. كأنما كنت أعرف ونحن نقترب من البحر. وأفكر إن نصرة إخواننا في غزة أن نكون معهم بأجسادنا في دار الباشا، وأن نختلط بهم رجالاً ونساءً، وأن نصل كل علاقات العشق المحتملة ولا نقطعها تأكيداً على رغبتنا في أن يعيشوا.
جعلنا الله وأهل غزة من أصحاب القلوب لا الحناجر، وهيأ لنا في الثورة العربية مسالك مترقرقة كشاطئهم نركب عليها بحار نعمته، وعصمنا من قتل الروح قبل قتل الجسد. وجنبنا التجارة بالدين. إنه هو فاطر الغرام والثورة، ليس أرحم منه.
ثم ختم كتابه بكلام في كسر الحصار عنونه “دعاء الرجوع من غزة”، قال: لمس أكتاف. والانتظار في القاعات. لا علاقة له بالقضية. والحنجرة بالتوازي. الحنجرة أعلى فأعلى. والحصار كالجنزير الذي تحزّم به وسطك لترقص. وطائراتٌ تُسمع ولا تُرى فوق رأسك. وتهتز في إثرها الصورة على التليفزيون. والحصار بضاعة مهربة من خلف حاجز. ولا أحد يعرف كيف تدخل. السيارات الفارهة. والحصار بالآي-فون. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. ومن يصوّر بجواله يتحمل المسئولية. لدينا أدلتنا على نشاطك. أن توقّع إقراراً لتذهب. والكهرباء التي لا تأتي. ومن يَشْكُ يروّجْ شائعات. التهمة نشر العلمانية. أن تشبح الشخص يعني: تعلّقه من رجليه. وتحريف القرآن. والترحاب الرسمي. صفوف المسئولين على أبواب المكاتب. الانتصار على أمريكا خمس مرات في اليوم. وقبل الأكل في الصباح الباكر. أزمة الوقود. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. إذا قالت حماس فصدقوها. أن تترك من اعتقلتَهم في الحبس حين تُقصَف. حتى الفدائيون يجرون من كعوب البندقيات. ولا لشيء سوى الكهرباء في بيوتهم. فإن الصدق ما قالت حماس. والضرب حتى الإغماء. الضرب رغم الصلات العائلية. والرصاص الحي. الحروف العبرية على الملصقات. والشيقل بالقاف. وانتظار القوافل. والصمود ملتحون بالعصي. والمخبران اللذان لا يفارقانك. والبحر. الحنجرة من أسفل إلى أعلى. والأنفاق التي تحولت إلى موانئ. والجمارك الضرورية لعبورها. أن تُعتقل لأسباب أخلاقية. وتكسير أطراف الشباب على سبيل المقاومة. وبكاء البنات حين يُفضّ الحفل عنوة. والكلاشنكوف على البوابة. ثلاث سيارات شرطة في الزقاق. البحر نفسه. نفس البحر. وفرحة اللقاء في القاعات. ولسعة الشطة في الطعام الطيب. ولمس أكتاف مع عرق العصاري. المصافحة بلا حساب.
؎
(download if you like)
“الصحراوي” ليلاً
“بلاي ستيشن”
والهدف – بلا ضوء -
أن تظل سائراً
دونما تصطدم بأجسام معدنية
ترعد على جانبيك
ولا تحيد إلى هلاكك
عن خط من دوائر فوسفورية
يظهر ويختفي
في الظلام
الموت الرحيم – قالت حبيبتي
ثم شهقت للمرة العاشرة
وأنا لا أستطيع
أن أنظر إلى وجهها -
هذا هو
طريق التحدي
هل حينها حدّقتُ من جديد؟
نور الكشافين في أوج احتدامه
بالكاد يكشف مترين
سأقطعهما في ثوان
ولا آخِر للسواد المتحول من بعده
كالتلال أو العجين
كأن الأرض خلف الزجاج
والجسد مستسلم للجاذبية
أنت عطشان للفوانيس
تفتش عيناك خلف ظلال
تحسبها أشخاصاً يعبرون
عن سراب التماعات
برتقالية وعالية
وحين نصمت عبر نفق آخر
من اللا ضوء
حين تتصلب عضلات كتفينا
وتتسع أعيننا
فوق البئر الأفقية
نعرف كم هي قريبة غايتنا
لحظة شرود
في السرعة أو الزاوية
يمكن أن تضع حداً للتهاوي
وكم سيكون جميلاً في الحقيقة
أن تتوقف الحركة
كم هو رائع يا صغيرتي
أن ينتهي الطريق
قصيدة للكريسماس

لأن الفاشية التي نمت في المدارس
تغزو الشوارع الآن
ستخاف صديقتي من جسدها
جسدها المحايد
كحليف غير مأمون تماما
في معركة المحبة .
السحالي تملأ الطرقات
و الدولة شبح
يضغط فوق أصابعنا الصلبة .
قبل الكريسماس
الأشجار تبدو أصغر حجما و صينية الصنع
و للزينة الحمراء
رائحة ثمار فراولة يغطيها طبقة بيضاء لزجة من العفن .
هكذا سنترك المدينة خلفنا
متجهين للصحراء
مصّدات الموج الأسمنتية القبيحة تسد الرؤية علي الجانبين
و الشاطئ خلفنا
ملء بهياكل جيلاتينية تنبض في الظلام
لقناديل بحر
باغتتها موجة باردة .
إبراهيم السيد

“بلاي ستيشن”
والهدف – بلا ضوء -
أن تظل سائراً
دونما تصطدم بأجسام معدنية
ترعد على جانبيك
ولا تحيد إلى هلاكك
عن خط من دوائر فوسفورية
يظهر ويختفي
في الظلام
الموت الرحيم – قالت حبيبتي
ثم شهقت للمرة العاشرة
وأنا لا أستطيع
أن أنظر إلى وجهها -
هذا هو
طريق التحدي
هل حينها حدّقتُ من جديد؟
نور الكشافين في أوج احتدامه
بالكاد يكشف مترين
سأقطعهما في ثوان
ولا آخِر للسواد المتحول من بعده
كالتلال أو العجين
كأن الأرض خلف الزجاج
والجسد مستسلم للجاذبية
أنت عطشان للفوانيس
تفتش عيناك خلف ظلال
تحسبها أشخاصاً يعبرون
عن سراب التماعات
برتقالية وعالية
وحين نصمت عبر نفق آخر
من اللا ضوء
حين تتصلب عضلات كتفينا
وتتسع أعيننا
فوق البئر الأفقية
نعرف كم هي قريبة غايتنا
لحظة شرود
في السرعة أو الزاوية
يمكن أن تضع حداً للتهاوي
وكم سيكون جميلاً في الحقيقة
أن تتوقف الحركة
كم هو رائع يا صغيرتي
أن ينتهي الطريق
*
قصيدة ياسر عبد اللطيف

أدخل تلك المدينة من بوابتها السوداء
روحاً آثمةً تهيم فوق مستنقعات المِـلح الكاوية
لم أر أعمدتها الرخامية ولا تماثيل التناجرا
ولم أر نبيذ البطالسة في دنان الفخار
فقط رأيتها هي
موشومةً بالكُحل والقار
كخاتم ليمان أفريقي
فوق كتف المدينة الأشقر
أطوف بأطلالها
لا كشاعر جاهلي
بل كالجاهلية نفسها
كشريك متضامن في جريمة
يعود لمسرحها بعد نيف وتسعين عاما
أدخل هذه المدينة بروح مجرم
فر من عدالة السماء
لم أر “الخرَّاط” موظّفاً ببنكها الأهلي
ولم أر “علاء خالد” يأكل الفول بمقهى عيدة
ولا “الدناصوري” يعبر نفق سموحة تجاه المجهول
فقط رأيتها هناك بجرح في قدمها
يتخثر بين يدي طبيب يهودي
في مستشفى حكومي للمومسات
هنا، للجوع فحيح ينز من بين الشقوق
جوع ملحد لايسكته سوى الخوف
ولا شيء يسكتهما معا سوى الاغراق في اللذة
بصب السم على جميع الجروح
أقواس تعلو أبواب بيوتنا
شُرّاعات مشغول حديدها
على هيئة شموس مشرقة
جُعلت لتخرج منها الأرواح إلى السماء
في حارة ماكوريس كما في شارع النجاة
أو في علي بك الكبير
شقيقاتنا ضعن في الوعد
فعجلنا بقضائهن
نحن بنات البحر
قد قرصنا المِلح
فجلبنا الغرق إلى سطح اليابسة
بالبلل في مناديل الشاش
تقول وقد مال الروم بها
هن حبيباتي
أكلنا معاً خبزاً وملحا
وحبي تجاوز أجسادهن
لفنائها..
*حارة ماكوريس هي حارة بالإسكندرية كان بها البيت الأخير الذي سكنته سكينة بنت همام شقيقة ريا القاتلتين الشهيرتين.
نُشرت بأخبار الأدب بعدد 9 أكتوبر 2011



وأنتَ من أهله، فعلاً
من مزايا الشعر أنه ييسر البكاء. لابد أنها فرامانات الطفولة، بأن «الرجالة متعيّطش»؛ أو ربما سنوات من التغييب الكيميائي للألم، أقصد الألم النفسي. ومنذ آخر كبوة إنسانية بحجم الفيل – وفجيعة الأحياء، أخي، أبشع من فجيعة الموتى – ومنذ أن آب تراب الربيع القاهري الأخير، وأنا «نِفْسي أعيّط» ولا «عياط»، ولا حتى دمعة توحد ربنا في الخباثة. أو منام. كيف، منذ وصلتني هديتك – نتيجة إلحاحي وليس اهتمامك، الأمر الذي تأثرت له بطفولية مدهشة – والدموع «ياما» يا علاء؟ ورائحة الإسكندرية الغائبة تماماً من هذه السطور – اليوم تؤدي دورك، أنت الثاني، «بتعجل/كمن يخاف الصالة الخالية خلف ظهره/كمن يجري وراء متعة زائلة.» هناك حيث كسرت قدمي قبل أن أتمكن من لقائك في الزيارة الأخيرة – أحياناً ما يكون وجع أجسامنا شفاء، لأنه يجبرنا أن نفكر في غير فجائعنا المنسابة مثل سيارات «ميدان الإسعاف»، أو ضحكات «جمال نكروما» في حجرات «الأهرام ويكلي»، أو الأيام التي لا تعطي بالاً لا لأمك ولا للفيل؛ عندي صديق يدعي أنني أتعمد إصابة نفسي لأنتحر شيئاً فشيئاً: لست متأكداً بما يكفي لأدافع عن نفسي، من أنه على خطأ – وواقع إقامتي الآن مع أمي، أنا. لا أحد غيرها، يا علاء… لحد الفجر لم أستطع أن أكف عن النهنهة والترقب: كلما انتهيت من نوبة، انتقلت إلى النوبة التالية؛ وكلما جفت دموعي عدت إلى الصفحات التي أبكتني، كأنني أقذف حصى تكتل في صدري. أواجه رعبي دون أن أستعين بألواح الثلج. كم أستلذ «العياط» يا علاء! ولكن… أي ثمن ندفعه لقاء التراضي مع الموت، وأي قوة تسمح لك بالانتهاء على نبرة «الحكمة البسيطة»؟ أنت هادئ تماماً، كأنك تهدد بالملل – إلا هنا، أو لعلني ممسوس بالدموع – في اللغة كما في الحياة. «بغيابكِ،/نقصت حجرة من حجرات البيت/أصبح البيت مائلاً ناحية الموت/كم سنة أحتاجها،/لأعدل الميزان/لأبني حجرة من الذكريات.» لست طروباً ولا تبرق، ولا أقول إن البريق ضروري. لكنك، في الحديث عن موت أمك كما في أحاديثك السابقة، تحتفظ بـ«حزن شفاف»، نفس الشفافية المتزايدة ثباتاً، تجعل من «قطع الأثاث التي كانت تصطف على الجانبين» شهوداً على حرفيتك «في البكاء الصامت»، ذلك الذي خنقني طوال شهور يا علاء. فهل يستحق عزائي – منذ سنتين؟ أكثر، ربما، من سنتين – مثل ذلك المظروف المفخخ هدية عيد ميلاد؟ أنت لا تعرف بالطبع، ولا البريد السريع يعرف. لكنني لم أبدأ في القراءة حتى منتصف ليل الحادي عشر. واليوم يكتمل عام آخر، أو ينقص. يحضرني، فقط، اعتزازك بامتلاك «حكاية حزينة/عن أم» فقدتها وأنت في الخامسة والأربعين. غداً أصبح على خير، أنا. وأنت من أهله يا علاء.
يوسف رخا، ١٢ يونيو ٢٠٠٧
«تصبحين على خير»، علاء خالد، القاهرة: دار شرقيات، ٢٠٠٦