سرور: مقطع من رواية طلال فيصل – قيد النشر

من آفات خبرة العمل الطويل في الصحافة أن كل تلك المسلسلات القديمة صارت محروقة بالنسبة لك؛ لم يعد هناك مجال للدهشة ولا مساحة للترقب. حين تحدّث معي مدير التحرير عن صفحة نجيب سرور أدركتُ فورا شكل الموقف الذي انتهى بهم لذلك الاقتراح؛ ثمة ملف ما – سياسي – لم يعد مناسبا للنشر، أو مقال رأي مُطول اعتذر عنه كاتبه أو أي موقف آخر من مواقف اللحظة الأخيرة في الصحافة تلك ترتّب عليه وجود صفحة خاوية على عروشها، وفورا، يتم استحضار اسم أحد الحمير الكتّيبة في الجريدة (عدة أسماء لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة وأغلبها معنا في الديسك) ثم يُطلب ملء فراغ هذه الصفحة بطريقة تختلف باختلاف الشخص: لو كان من رجال الشعر الأبيض – قدامى المحاربين كما أصبح يطلق علينا – فإما أن يطلبك رئيس التحرير ليناقش معك طريقة ملء هذه الصفحة ويعمل باقتراحاتك – هذا لو كنت من المقربين لسيادته، وإن لم تكن فيكون التعامل بالطريقة السالف ذكرها – تكليف صارم، واضح ومحدد، ولكن بصيغة مهذبة ومن خلال شخص تافه مثل مدير التحرير.

هكذا أنفقت عمري وبهجة أيامي في جرائد، قوميةً كانت أوحزبية أومُستقلة، في ضبط همزات الوصل والقطع لصحفيين – أو من يفترض أنهم صحفيون – لم يتعلموا أبسط قواعد الإملاء، وفي إضافة “أشار” و “أضاف” و”أكد” و”في سياق متصل” لتقارير عن وضع لا و لن يتغير، ثم أخيرا في ملء صفحات فارغة بملفات تحت دعوى أنها دور الصحافة الثقافي..

أفكر، لو كانت نرمين لا تزال في حياتي، لكانت قالت بصوتها النحيل المسرسع والمستفز “انت نجيب سرور بتاعك ده بوّظ لك دماغك..”

wpid-p1020500-2013-03-7-04-25.jpg

Continue reading

Way to work-الطريق إلى الشغل

وأنت من أهله يا علاء

وأنتَ من أهله، فعلاً

من مزايا الشعر أنه ييسر البكاء. لابد أنها فرامانات الطفولة، بأن «الرجالة متعيّطش»؛ أو ربما سنوات من التغييب الكيميائي للألم، أقصد الألم النفسي. ومنذ آخر كبوة إنسانية بحجم الفيل – وفجيعة الأحياء، أخي، أبشع من فجيعة الموتى – ومنذ أن آب تراب الربيع القاهري الأخير، وأنا «نِفْسي أعيّط» ولا «عياط»، ولا حتى دمعة توحد ربنا في الخباثة. أو منام. كيف، منذ وصلتني هديتك – نتيجة إلحاحي وليس اهتمامك، الأمر الذي تأثرت له بطفولية مدهشة – والدموع «ياما» يا علاء؟ ورائحة الإسكندرية الغائبة تماماً من هذه السطور – اليوم تؤدي دورك، أنت الثاني، «بتعجل/كمن يخاف الصالة الخالية خلف ظهره/كمن يجري وراء متعة زائلة.» هناك حيث كسرت قدمي قبل أن أتمكن من لقائك في الزيارة الأخيرة – أحياناً ما يكون وجع أجسامنا شفاء، لأنه يجبرنا أن نفكر في غير فجائعنا المنسابة مثل سيارات «ميدان الإسعاف»، أو ضحكات «جمال نكروما» في حجرات «الأهرام ويكلي»، أو الأيام التي لا تعطي بالاً لا لأمك ولا للفيل؛ عندي صديق يدعي أنني أتعمد إصابة نفسي لأنتحر شيئاً فشيئاً: لست متأكداً بما يكفي لأدافع عن نفسي، من أنه على خطأ – وواقع إقامتي الآن مع أمي، أنا. لا أحد غيرها، يا علاء… لحد الفجر لم أستطع أن أكف عن النهنهة والترقب: كلما انتهيت من نوبة، انتقلت إلى النوبة التالية؛ وكلما جفت دموعي عدت إلى الصفحات التي أبكتني، كأنني أقذف حصى تكتل في صدري. أواجه رعبي دون أن أستعين بألواح الثلج. كم أستلذ «العياط» يا علاء! ولكن… أي ثمن ندفعه لقاء التراضي مع الموت، وأي قوة تسمح لك بالانتهاء على نبرة «الحكمة البسيطة»؟ أنت هادئ تماماً، كأنك تهدد بالملل – إلا هنا، أو لعلني ممسوس بالدموع – في اللغة كما في الحياة. «بغيابكِ،/نقصت حجرة من حجرات البيت/أصبح البيت مائلاً ناحية الموت/كم سنة أحتاجها،/لأعدل الميزان/لأبني حجرة من الذكريات.» لست طروباً ولا تبرق، ولا أقول إن البريق ضروري. لكنك، في الحديث عن موت أمك كما في أحاديثك السابقة، تحتفظ بـ«حزن شفاف»، نفس الشفافية المتزايدة ثباتاً، تجعل من «قطع الأثاث التي كانت تصطف على الجانبين» شهوداً على حرفيتك «في البكاء الصامت»، ذلك الذي خنقني طوال شهور يا علاء. فهل يستحق عزائي – منذ سنتين؟ أكثر، ربما، من سنتين – مثل ذلك المظروف المفخخ هدية عيد ميلاد؟ أنت لا تعرف بالطبع، ولا البريد السريع يعرف. لكنني لم أبدأ في القراءة حتى منتصف ليل الحادي عشر. واليوم يكتمل عام آخر، أو ينقص. يحضرني، فقط، اعتزازك بامتلاك «حكاية حزينة/عن أم» فقدتها وأنت في الخامسة والأربعين. غداً أصبح على خير، أنا. وأنت من أهله يا علاء.

يوسف رخا، ١٢ يونيو ٢٠٠٧

«تصبحين على خير»، علاء خالد، القاهرة: دار شرقيات، ٢٠٠٦