مينا ناجي: مختارات من أسبوع الآلام

عن كتاب “أسبوع الآلام” (قيد النشر): مينا ناجي

.

((وَثَقُوا يَدَيَّ وَرِجْليَّ. أُحْصِي كُلَّ عِظَامي)) – مزمور 22

.

فرحتنا. فرحتنا التى لا تسع شيئاً

ولا تستجيب إلا لنا.

فرحتنا أول الصيف. أول الموسم المغطى بالعشب الذى يكسو جدران الحمام وغرف النوم والطُرقة وجلودنا التى تنبهت أخيراً إلى وضعية أشد خطورة من مسك الليل. حان وقت فرحتنا التى أبكتنا كثيراً فى انتظارها الموقوت.

Continue reading

رسالة المنفِي

إلى محمد أبو الليل راشد في غربته*

أكتب لكَ والمنافض أهرام من الأعقاب.

الشيء الذي حذّرتَني من دَوَامِه توقّف.

وصداع النوم المُمَزَّق يجعل الدنيا خاوية. أنت فاهم.

في جيوب الحياة ننقّب عن عملة من عصور سحيقة،

عملة صدئة وربما قبيحة لكنها سارية في سوق الأبدية.

نصبح ملائكة حين نعثر عليها. نجترها حتى نتأكد

أنها لا تشتري البقاء.

؎

ساعتها تبدو الأبدية نفسها رخيصة.

نتذكر عهود الأبالسة وأن كل مياه الأرض لا تكفي

لابتلاع حبة دواء. أكتب لك بعد أن حفرتُ فتحةً في بطني

وألقيتُ أمعائي في النيل. هل كنتَ تعلم

أنني سأفقد ما لم أحصل عليه؟

حقول الأسفلت التي ذرعناها معاً

نتراشق الاكتشافات والأسرار، ويوم احترقتْ العجلة

على أعلى نقطة في الكوبري

ونحن غائبان في الحشيش والموسيقى

فوق المدينة التي بدت مثل زاوية صلاة

أسفل عمارة الدنيا ما بعد ١١ سبتمبر –

؎

أنت صمّمتَ على إكمال المهمة

حالما استبدلنا الكاوتش المدخّن،

وكانت أقراص السعادة في تفاحة حمراء من البلاستك،

قسمناها نصفين لنبتلع الأقراص على قارعة الطريق:

هل تذكر وقت كانت السعادة أقراصاً

يمكننا التقاطها من نصف تفاحة بلاستك؟ –

؎

ويوم خلعنا ملابسنا في صحراء صغيرة داخل شقة

يعاد تبليطها فوق الميدان،

ويوم انقلبت أعصاب ذراعك أوتار معدن

يمكنني أن أعزف عليها بصوتي،

والهلوسات التي جعلناها شبابيك، ومشاجراتنا

حول النقود وسيناء، والحورية التي جلست بيننا

حتى مالت برأسها على كتفك وأنا راضٍ تماماً

؎

إلى أن – ذات يوم – مات كل شيء.

قُدنا السيارة إلى الشاطئ أو غابة النخيل

لنتأكد أنه لا يحيا.

؎

أنت واصلت البحث عن مزاج مثالي

بينما تكتشف الفلسفة والكآبة، وأنا اختبأت في بيت أمي

لأكتب رواية. وحين تزوج أحدنا وأنجب الآخر،

لم يكن سوانا لنخبرنا بحقيقة ما يصير.

ظل لكل حدث حديث من الطول والتعقيد

بحيث قلتَ إنك مللتَ الكلام،

إن شيئاً في الكلام لا يؤثّر. وفي هذه القصة الأخيرة،

وحدك فهمت أنني لم أكن مخدوعاً

بقدر ما أردت أن أصدّق،

وأن ما جادت به الدنيا مجرد مشبك

لأسمال بللها لقاء عابر ستجف آجلاً أو عاجلاً

لأعود أرتديها كما خلعتها وارتديتها

ألف مرة أمامك.

؎

كنت تعلم أنني لست سوى أحد أعراض مرض

لا يشبه أمراضنا كثيراً

وأنّ وعد الخلاص خطاب موجه

واللحم والدم محسنات بديعية.

سيتسنى الوقت لنتجادل

فيما لو كان الفيلم هابطاً وإلى أي حد،

لكنك لم تخبرني بأكثر من أن الواقع المشترك

لا يكون براقاً وبأنني لن أقوى على الانتظار.

أكتب لك، كما يقول روبيرتو بولانيو، بدلاً من الانتظار

ولأن قلقك لم يكن في محله. الوحشة أفسدت كل شيء

لكن البدائل حاضرة طالما الأبدية على الرف

ومن رحمة النوائب أننا لا نحزن إلا على أنفسنا.

؎

كنتَ تقول: أحبها وأحتقرها. الآن أستدعي ضحكاتك

وأنا أتهادى إلى الحمام. قطرات الماء البارد

قد تجلو هذه القورة. أفرغ المنافض في أوعية القمامة.

أصنع القهوة وأشربها.

وكل هذا الذي جرى لي وقتلناه نقاشاً

طوال عام عامر بالشِعر والبكاء:

مجرد وهم آخر أكرهه لأفقده

وحين أفقده أكف عن كرهه لأنه لم يكن هناك.

؎

في الحلم كان كما لم أعد أشتاق إليه: رائعاً ومهلكاً

مثل أورجازم سماوي. خبّرني عنك ولا تقلق علي.

الحسرة للـجدعان“.

* بوحي قصيدة للشاعر الأمريكي إيزرا باوند (١٩٧٢١٨٨٥) عن نص صيني قديم:

Exile’s Letter by Ezra Pound‪,‬ based on Li Po

(من مجموعة يظهر ملاك“)

.

بيت أروى: مهاب نصر عن الصدق والثورة

ليس أخطر ما أنتجته ثورة يوليو (أو انقلاب يوليو) هو ما يسمى بـ”حكم العسكر”، بل في كونها مثلت أو تسببت بوضوح في إحداث شرخ واسع في الضمير المصري. لأنها أولا أول سلطة “مصرية” تحتكر الحكم بلا منازع (فلا ملك ولا إنجليز)، ومن ثم فقد كانت تمهيدا لمواجهة الشعب لذاته وإن استغرقت هذه المواجهة عقودا خصيلتها ما يحدث الآن. ولأن هذه السلطة لم تحتكر الحكم باعتبارها سلطة منتخبة بل استثنائية، وهو ما جعل فكرة “الاستثناء” تتحول إلى قاعدة سياسية بشكل متناقض تماما مع طبيعتها. وهي ثالثا احتكرت تمثيل الضمير العام (المبرر  لهذه الاستثنائية) وبالتالي وضعت نفسها أمام شرط مستحيل وزائف.

Continue reading

أحمد شافعي: قصيدة جديدة لم تعنون بعد

 

أعيد تخيل السينما

ولكن بغير كراس هذه المرة.

Continue reading

قصيدة جديدة: ما أطول الزراعي

ما أطول “الزراعي”

دون أن نصوم (في العشر الأواخر) تركنا طنطا عبر شارع البورصة

قلنا منطقة تجارية أكيد فاضية—نصف ساعة زحف وسط أكداس المتسوقين

عرق البروليتاريا يمطرنا والسيارة تخرم عجين اللحمة واللحى والقماش

وعيون المتخمين لِتَوّهِم تطالعنا بكراهية الرعاع لنبلاء الباستيل

ظلمات ترشيد الكهرباء ونحن خندق محفور في المدافن نصرةً لإخوتنا في غزة

دعك من أن غزة الآن أبعد من أنتاركتيكا والإخوة نفسهم يسبون الدين

من هنا حتى قويسنا بهائم الأسفلت بالكاد تتفادى الحفاة والحمير وهكذا

؎

على هذه الأرض – جارية الأرض – لا شيء يستحق الحياة

أم العائشين أم الميتين تصدّرين القفا للصفع أملاً في لقمة طرية

وسواء أتغير لفظه أو استمر ضمن الذل المستحب يظل اسمك مسبة

؎

تخوم قليوب تبشر بالوصول لم يعلمنا أحد بأي عَطَلَة في السكة

كان قتلة المتظاهرين – الأهالي – سدوا الطريق مرة أخرى احتجاجاً

وبينما نلتحق بصف الهاربين إلى المدقات الجانبية حيث الفجاج والحجارة

تذكرتُ كيف قلبنا الدنيا بالرقاد على التراب ولأنهم يقتلوننا صدقنا أننا نضحي

لغاية ما تحقق مطلبنا العبيط رجعنا بيوتنا ليحلّوا محلنا هم نفسهم

وهكذا مكّنا العصابة الأولى من تسليم البضاعة للعصابة الثانية حين متنا

بلا كبير جهد تغوطنا اللحظة اعتلينا النخلة وأغوتنا العينان الخلابتان ولكن

؎

كيف لعينيك أن تكونا غابتي نخيل وهما على هذا القدر من البجاحة

وكل عام لا يعشب الثرى ولا نجوع ما مر عام وجعنا بما يكفي لنسعى

نحن الغربان تشبع والجراد يعوي على تطلعات ستبقى أسطورية

؎

كانت المدقات مشرشرة بالحفر والمياه مركبات صناعية معطلة في العتمة

موكب مناوري الهايواي مثل ثعبان خرافي طالع نازل فوق جرف

ورغم وجود متفرجين من أهل المصانع على الجانبين فكرتُ أننا في مجاهل

هذا الذي نخوض فيه ببطء فيل كليم هو ما أزحنا عنه الحجر يوم ثرنا

خندق نبلنا محفوف بالأهالي رعاع حاقدون ومحتجون قتلة ولا باستيل

هل كانت الشعوب تثور دائماً قبل أن تتوفر لها الخدمات الأساسية

بلا طريق لا يعترضه المحرومون من الكهرباء هل نعمل ثورة أم نمثّل فالآن

؎

احترق المسرح من أركانه للمرة الألف لكنكم أنتم يا حبيبي الممثلون

لم تكن فلسطين لكم لأنكم أولاد قحبة من قبل أن تفقدوها

لم تصلحوا لشيء إلا التجول بين صفوف المتفرجين لتنادوا: كاكولا-بيبس

؎

الرحلة تستغرق ساعة خمس ساعات حتى يلوح “المحور” مخضّباً بالمشاة

وكأنه عذاب القبر نعيش من أول وجديد عاماً ونصف أو عامين من إحباطاتنا

فقدنا الأمل ليس في الثورة فقط ولكن في المستقبل أيضاً في النشطاء السياسيين

ولا عزاء للمدفونين حولنا لراشفي الشاي على شط هذه البركة للعميان بفعل فاعل

لا عزاء لنا نحن أيضاً يوم نقتل أو نُحتَجَز ها هنا في المجاري الرطبة نستنبح

حتى الغضب يتفثأ حيث حر الليل وأخبار انهيار محدّق في الركن الخلفي للدماغ

كل التفاصيل التي يناقشها الأصدقاء تغدو ذباباً يئز ويغبّش البربريز فعلاً

؎

الناس في بلادي جارحون ولكن كعقارب غير سامة ليس عندهم غناء

حشرات منزلية في مطابخ الإنسان يعملون أي شيء من أجل قبضتي نقود

وطيبون في التسول أغبياء في إيمانهم بأن القَدَر فقط وساخة القرون