بالنسبة للأدب العربي: إما هذا أو نظل ننافس الصحافة الصفراء والكتب الدينية

على فكرة مستحيل بجد وضع الأدب العربي، ولما تشوف تأثير مبادرات النشر والجوايز والمعارض الحاصلة بهدف تنشيط التسويق والترجمة من بعيد شوية أو على المدى الطويل، تلاقي إن اللي المبادرات دي بتعمله في الحقيقة هو إنها بتزيد الوضع استحالة… الأدب العربي عملياً عايش على ذمة آداب تانية، منقوص الحقوق ومجبور يدفع الجزية

Continue reading

حوار آية ياسر

wpid-photo-2012-12-31-04-38.jpg

.

كيف كانت بدايتك مع الكتابة الأدبية؟

الأدق ربما الحديث عن بداياتي، لأنك كلما بدأت كتابة أدبية – وأنا أعلم أن هذا كليشيه لكنه فعلاً ما يحدث – يكون الأمر كما لو أنك تكتبين للمرة الأولى؛ لا أذكر متى أول مرة كتبت فيها شيئاً أدبياً لكنني كنت أكتب قبل أن تكتمل قصة “أزهار الشمس” التي سُميت مجموعتي الأولى باسمها سنة ١٩٩٤، وكان معلمي الذي تابع كتابتها وعاصر صدور المجموعة دون أن يتمكن من مساعدتي على نشرها هو علاء الديب. كان عمري حينها ثمانية عشر عاماً وكانت حياتي الحالية – أقصد حياتي كشخص مستقل يدخل في علاقات ويكتب – قد بدأت بالفعل في مرحلة كما ترين مبكرة. أعتقد أن الكتابة، فضلاً عن أن فيها جرثومة الكلام التي أحسبني ولدت بها، كانت منذ اللحظة الأولى محاولة للتعامل مع الحياة بفهمها أو تحويرها بهدف الفهم – ولعل كلمة “فهم” ليست تعبيراً دقيقاً عما أقصده، وهو غاية الكتابة والسبب في أن كل كتابة جديدة تكون بداية – الأمر الذي اتضح فيما بعد أنه مسار معرفي قبل أن يكون علاجاً نفسياً وقبل أن يكون مهنة أو أسلوب حياة.

.

ما الذي مثلته لك مجموعتك القصصية الأولى ”أزهار الشمس”؟

مثّلت لي كتابتها إحساساً عميقاً بالتحقق – ليس بداية مشروع روائي أو شعري كما قد يُفترض، ولكن تحققاً – ومع ذلك، في الوقت نفسه، مثّل لي نشرها إحباطاً شديداً في قابلية العالم المحيط بما فيه الوسط الأدبي على احترام تحققي هذا: استخدامه أو الاحتفاء به على أي نحو. ليس من عادتي أن أجتر كتاباتي القديمة أو أعيد قراءتها ما لم تقتض ذلك ضرورة ما، لكن أستطيع أن أقول إن القسم الأكبر من “أزهار الشمس” هو كتابة جيدة وإن السبب في أن أحداً لم يلتفت إلى الكتاب هو أنني كنت صغير السن وغير معروف حين صدر؛ لم أكن من رواد مقاهي وسط البلد ولا درت على مكاتب النقاد بنسخ مجانية عليها إهداءات. وأدى الصمت المطبق حيال الكتاب عملياً إلى انقطاعي عن الكتابة الأدبية ست سنوات، وإن كان الأدق أنني انقطعت عن النشر. ولم أرجع إليه إلا إثر زيارتي لبيروت سنة ٢٠٠٥ في ظرف مختلف تماماً. هناك حقيقة مؤلمة حقاً عن دوائر الأدب العربي مازالت قائمة وإن كشفتها الثورة فهزت دعائمها، هي أن الاحتفاء بالأدب وتداوله قائم بالأساس على العلاقات والمجاملات الشخصية؛ وبينما يقتصر السوق على نصوص تباع ويحتفى بها لأسباب غير أدبية ولأنها تكرّس المكرّس، فإن الدوائر الأدبية المعزولة عن مجتمع أوسع لا أبالغ إذا قلت إنه أمي ومتخلف تقوم على صداقات وزمالات ومصالح مشتركة لا تستند إلى أي قاعدة تجارية أو مقاييس جودة ولا حركة ثقافية تنطوي على الحد الأدنى من النقدية أو النزاهة أو المهنية أو حتى التماسك الأخلاقي.

.

في كتابك بورقيبة على مضض: عشرة أيام في تونس تعرضت بالنقض لسياسات بعض الأنظمة العربية وبعض الحكام العرب فهل واجهتك محاولات لمنع الكتاب؟

لم يبلغني خبر بمنع أي من كتبي، غير أنني سعدت كثيراً حين أخبرني كمال الرياحي العام الماضي أن “بورقيبة على مضض” والذي يبدو أنه كان ممنوعاً في تونس قبل الثورة قد ظهر على أرفف المكتبات في شارع الحبيب بورقيبة. الملفت أن الرقابة السياسية والدينية نادراً ما تستهدف الكتابة الأدبية رغم أن الأدب المعاصر يهدد الكيانات السلطوية الفاعلة في الدين والسياسة إلى حد أبعد بكثير من نوعية الكتب والأعمال الفنية (الفضائحية) التي تستهدفها هذه الكيانات. والسبب في اعتقادي أن الأدب جمهوره محدود جداً وقوة تأثيره على نطاق واسع، كما ثبت على أكثر من صعيد في مجتمع ما بعد الثورة، تكاد تكون معدومة. النصوص التي تلاقي رواجاً والتي يمكن أن يكون لها تأثير – وعادة ما يكون تأثيرها هو تكريس المكرس (الفاسد أو، على أحسن الفروض، الممل الذي عفا عليه الزمن) أو تأكيد القيم والعقائد السائدة والشعارات غير المختبرة نفياً أو إثباتاً – هذه وحدها هي النصوص التي يلتفت إليها الرقيب العربي وهي غير أدبية إجمالاً وإن قُدّمت على أنها أدب.

.

.

هناك عدة أعمال أدبية صدرت فى أعقاب الثورة وتتناول ثورة ٢٥ يناير… فإلى أي مدى اختلفت عنها رواية التماسيح؟

.

لم أقرأ أعمالاً أدبية عن الثورة سوى ديوان شعر واحد لشاعر نثر معروف صدر في أعقابها مباشرة وكان سيئاً إلى درجة لا تصدق. صدرت شهادات وتحليلات كثيرة اطلعتُ على بعضها بحكم عملي ويمكن رؤيتها إجمالاً في سياق الصحافة. “التماسيح” لم تكن عن الثورة في البداية – بدأتُ في الرواية وأكملت جزء كبيراً منها قبل الأحداث، ثم انقطعتُ عنها أثناء الأحداث قبل أن أعود إليها في وقت لاحق – إلا أنني ضمّنتها تلك اللحظة التاريخية التي بدا وكأنها محطة إياب للرحلة التي تطرحها الرواية – والتي تدور أحداثها الرئيسية من ١٩٩٧ إلى ٢٠٠١ – وتدَاخَل من ثم التأريخ لانتهاء مرحلة التسعينيات (الثقافية) بهجمة ١١ سبتمبر مع التعليق على واقع الربيع العربي. في “التماسيح” مقاطع كالشهادات والتحليلات التي عالجت الثورة بالفعل لكن فيها نقداً لمعسكر الثورة نفسه وأسلافه المباشرين في الثقافة والمعارضة. ومن الأشياء التي تريحني نفسياً اليوم – بغض النظر عن الرواية – أنني لم أتوانَ عن نقد الثورة التي شاركت فيها بحماس بالغ في البداية ثم الارتداد عنها صراحة حين أدركتُ ما آلت إليه؛ أظن هناك شجاعة في الاعتراف بالفشل وأظن النقد وظيفة الثقافة وليس الترويج للشعارات وتزييف الوعي. ولا أريد أن أدخل هنا في محاججات سياسية أو مجتمعية لكن أظن هذا من جوانب تفرد “التماسيح”: إنها، مثلها في ذلك مثل كل كتابة أدبية، تهتم بحقيقة الخبرة الإنسانية في عمقها واتساعها أكثر مما تهتم بالتكريس لفكرة جاهزة عن صراع الخير والشر أو عن تفوق العنصر أو الطائفة. وهي قراءة للثورة ستنتشر عاجلاً أو آجلاً رغم أنف المتفائلين.

.

إلى أي مدى أثرت دراستك للفلسفة على كتاباتك؟

من حظي أنني تمكنت من دراسة الفلسفة في إنجلترا حيث كان التركيز على الممارسة الفلسفية نفسها والمهارات الذهنية المرتبطة بـ”التفلسف” وليس على تاريخ الفلسفة كوقائع أو محفوظات تروى من خارجها؛ كان من شأن ذلك أن أتعلم صياغة جملة منطقية وحجة مكونة من بضع جمل ثم مقاربة سؤال عبر بضع حجج قد تكون متعارضة وترجيح رأي بناء على ذلك، وهي كلها أمور تساعد في السرد الأدبي… كما فتحت لي الفلسفة مجالات واسعة للنظر إلى الواقع ومراجعة المسلمات أو القطع معها. ليس في الفلسفة ما يعين على الكتابة الأدبية خلاف قواعد الصياغة والدقة والعقلانية، ولا أظن المعرفة التي تنتج عن ممارسة الفلسفة هي نفسها المعرفة الأدبية؛ لكن الفلسفة تدفعك إلى إعادة النظر في القواعد العقلية والتجريبية لما تكتبين عنه وتدربك على التعامل مع وجهات النظر المختلفة ونظريات العلوم الإنسانية، فضلاً عن أنها تفسر التطورات التاريخية وتمنحك أدوات ذهنية لرؤية وتقييم مختلف الخطابات التي يتقاطع معها الأدب بطبيعة الحال.

.

يرى البعض أن العمل الصحفي يضر أحيانا بالأديب… فهل تتفق مع هذا الطرح؟

للعمل الصحفي جوانب عديدة متنوعة ولا يمكن التعميم على هذا النحو. المؤكد أن في الصحافة مناهج عمل وخبرات وتمرينات يمكن أن تفيد، وفي حالتي شخصياً أظن أنها أفادت أكثر مما أضرت.

.

وأخيرا كيف ترى المشهد الإبداعي العربي المعاصر؟

التغير الكبير الذي طرأ على المشهد العام في العامين الأخيرين يجعل إجابة هذا السؤال شديدة الصعوبة. كل ما أستطيع أن أقوله بوضوح في هذا الصدد هو أن القطاع الثقافي في مصر – والقطاع الأدبي كجزء أساسي منه – ليس له ظهير اجتماعي حقيقي أو قاعدة “جماهيرية” يعوّل عليها؛ الأمر الذي اتضح بصورة غير مسبوقة في أعقاب الثورة. وبالتالي لم يعد من الممكن الحديث عن مشهد فاعل أو حتى متكامل خارج الدوائر المغلقة التي يتحرك فيها الأدب والموبوءة، كما سبق وأشرت، بالمحاباة والترهل. قبل ٢٠١١ ومنذ ٢٠٠٥ ربما كان هناك مجال متنام في الترويج للأدب وتقريب النشاط الأدبي العربي من جمهور قراء لا يقرأ إلا بالإنجليزية والفرنسية غير أن الثورة أحبطت مثل هذه الجهود بتوجيه الاهتمام إلى الشأن العام والأسئلة السياسية ثم الضغوط الإسلاموية على المجتمع. وهنا رأيت ربما لأول مرة في عمري إلى أي حد نحن مجتمع بلا “ثقافة”، وإلى أي حد “ثقافتنا” بما فيها الإبداع الأدبي ظاهرة أقلاوية محصورة في مساحة شديدة الضيق ومتورطة في فساد ولا أخلاقية هياكل السلطة بدرجات متفاوتة. ومع ذلك، لا شك أن هناك كتابة جيدة تنتج من حين إلى آخر، هنا وهناك. لكن المؤسف أنها نادراً ما تكون هي المحتفى بها.

.

wpid-photo-1-2012-12-31-04-38.jpg

حوار بهيج وردة لمجلة “ارى” الإماراتية

wpid-00tamasih00-2012-01-25-19-15.jpg

ما هي خيوط الرواية الأبرز في التماسيح؟ وكيف بدأت فكرة الرواية تتبلور؟ وما دور الثورة المصرية وتداعياتها الحالية في الحالة الروائية التي تجسدها في “التماسيح“؟ الرواية خرجت، كعادة مشاريع الكتابة الطويلة، من خبرة شخصية مؤلمة جعلتني أعيد التفكير فيما يسمى بالوسط الثقافي بالقاهرة وبالأخص جيل التسعينات من الشعراء المصريين (وهي أشياء قاربتُ بعضها كذلك في مجموعة قصائد ”يظهر ملاك“-٢٠١٠ والتي لم أنشرها بعد إلا إلكترونياً عبر مدونتي، نتيجة الشعور بلا جدوى نشر الشعر في القاهرة خلال شهور من ثورة لم تكتمل. بدا لي أن شيئاً حدث سنة ٢٠٠١ (وهو أمر شخصي أيضاً لأن حياتي تغيرت في ذلك العام بعد موت أبي سنة ٢٠٠٠؛ أصابني ما يشبه الانهيار نتيجة الإفراط في الكيوف على خلفية اكتئاب وإحباط متزايد في الشأن العام وفي مسار الحياة العملية بالصحافة: بدت لحظة انهيار البرجين كأنها – كما يقول الراوية – ”ذروة ما، بداية أو نهاية“) وبعد عقد كامل، إثر قيام الثورة أو الانتفاضة خلال شهور من بدء كتابة التماسيح، خطر لي أن هذه اللحظة كانت مقدمة ما سيحدث بعد عشر سنين بالضبط، أنها كانت فعلاً بداية أو نهاية. في الرواية فكرتان أساسيتان إحداهما استعارة الأسد، وكانت هذه قد طاردتني منذ قرأت قصيدة ألن جينزبرج ”الأسد على حق“ في العام نفسه (٢٠٠١) لكن الفكرة الثانية – أن يكون الشعر شاهداً على انهيار الدولة الوطنية التي خلّفها الاستعمار في منتصف القرن العشرين أو أن تؤدي النزعة الفردية التي ظهرت في التسعينات إلى تحول اجتماعي يُعامل بوصفه حراكاً سياسياً – لم تتبلور هذه الفكرة حتى الشهور الأخيرة من ٢٠١٠. بوصفها تحركاً اجتماعياً، أعتقد أن الثورة كانت موضوع كتابة من قبل حتى أن تندلع: التماسيح بهذا المعنى هي حكاية الثورة، حكاية السنين العشر التي حملت إلينا يوم ٢٨ يناير ٢٠١١

  • أقتبس مقطعاً مما نشرت على موقعك: “موال لحكومة زين العابدين يسأل بنبرة استنكار: “هل أن الحل هو إحراق البلد؟ هل أن الحل هو إحراق البلد؟” الآن بعد سنة أو أكثر من اندلاع الاحتجاجات في مصر، أردد كلماته بشعور مختلف وصوته يرن في أذني بينما تصلني الأخبار: هل أن الحل هو إحراق البلد؟.” كيف يرى يوسف رخا الحراك العربي والثورة المصرية على وجه التحديد بعد مرور بضعة أشهر، أعلم أنها ليست بكافية لكن الحراك شديد الديناميكية ومن يده في النار ليس كمن يده في الماء؟

هذا السؤال شديد التعقيد يا صديقي، ولا أظنني أعرف له إجابة؛ سأقول لك ما أعرفه: إن الأزمة الكبرى لما سُمي بالثورة هي الصياغة السياسية للأحداث من جانب الجميع (حتى مفجريها أنفسهم) ومن أول لحظة، الأمر الذي حولها قسراً إلى صراع على السلطة، بينما أهميتها في اعتقادي هي أنها محاولة – مجهضة، للأسف الشديد – لتجاوز مفاهيم وأشكال السلطة السائدة بنية عبورها إلى كيانات تعكس ما تتطلبه الحياة التي نعيشها على الأرض من أجل أن تكون محتملة أو مجدية ومن أجل أن تيسّر الإبداع والتفاعل في شتى المجالات: أن لا يضطر أحد إلى تحمل بذاءات ومظالم الشرطة، مثلاً، من أجل أن يقوم بمهامه اليومية أو يستمتع بوقته قليلاً؛ وبالمنطق ذاته، أن لا يضطر الشرطي إلى ابتزاز الناس عوضاً عن دخل يضمن له عيشاً كريماً أو إهانتهم تعبيراً عن إحساس دفين بالدونية…

إن ما دفعني شخصياً إلى المشاركة والمخاطرة هو إيماني بضرورة تعميم الحقوق المدنية وتفعيل مفهوم المواطنة، فضلاً عن الأمل في تسريب آليات المساءلة والضمير إلى المؤسسات والعقول من أجل إنتاج محتمل – أنت تعلم أن الدول العربية لا تنتج شيئاً خلاف النفط الخام – وأكثر ما آلمني منذ ذلك الوقت هو أن أرى الحريات المنشودة تُنتهك من ناحية، ومن ناحية أخرى يتوارى سؤال ضرورتها الذي مات من أجله من مات وفقد بصره وأعضاءه من فقد خلف مهاترات عبثية، شأنها شأن كل جدل سياسي، ربما – هل يكون الحكم مدنياً أم إسلامياً، على سبيل المثال – إلى هامش ظل يضيق حتى اختفى أو كاد.

الصدق أن شيئاً مما يحدث في مصر الآن لا يعنيني كثيراً، ومثل هذه العزلة هي قدر الكاتب طالما أنه في مجتمع لا يقرأ، كما أنه قدر ”الناشط“ في مجتمع – وهو ما قد يجد الكثيرون صعوبة في الاعتراف به – لا يثور، أو ليس بوسعه الاستفادة من تضحيات أفراد قادرين على التضحية. أصبحت على يقين من أن الثورة حتى وإن قامت من جديد وتسلمت قرابين أخرى دامية، لن تكون كافية بحال. إنه مجتمع – أو ”شعب“، بخلاف ”ثواره“ – قادر على اختزال المشاركة السياسية في موالاة صاحب اللحية على حساب ”العميل الأمريكي“ حتى حين يكون الملتحي عميلاً و”العميل“ سياسياً مؤهلاً للقيام بدور، أو التنكر بتبجح لمن قُتل في وضح النهار لصالح قاتله الجالس على الكرسي، لا لشيء إلا لأنه – أقصد الشعب – غير مستعد لتحمل المسئولية الأخلاقية أو السياسية… لكنني أعود فأقول إن الذي يعنيني من الثورة هو محتواها الاجتماعي واعترافها الضمني بشروط العالم المعاصر ”الليبرالية“ من وسائل اتصال وحقوق إنسان وتعدد عقائد أو طوائف أو رؤى؛ أجنح إلى رؤية ما حدث باعتباره ليس نهاية الاستبداد ولكن بداية السقوط المدوي للوعي الخرافي الذي حكم حياتنا منذ الخمسينات – ليس بداية شيء حلو، أقصد، ولكن نهاية شيء قبيح – ويحزنني أن ذلك السقوط لم يكتمل ”بإحراق البلد“ على نحو أكثر جذرية. أحياناً – أصدقك القول – تبلغ بي خيبة الأمل حد تمني سقوط قنبلة نووية تأتي على البلد بما ومن فيها، لكنني أعود أتذكر أن ما يحدث هو خطوة على طريق أطول من أعمارنا، وأفرح بأن الكذب لم يعد ممكناً.

wpid-apossiblebarbaryliononcelivinginleipzigzoo_thumb3-2012-01-25-19-15.jpg

  • إلى أي حد يكون للثقافة مكان في زمن الثورة؟ وهل ترى أن الثورة المصرية تقدم كتابها الموالين، وتقصي معارضيها كما تفعل الأنظمة التي ثارت عليها؟

في ذلك استكمال لإجابة السؤال السابق: كان من شأن الثورة أن تكشف الخواء المفزع ”لدور المثقف“ بل وتَطابُق كثير من ”معارضي“ الوسط الثقافي مع رموز النظم المفترض أنهم يقاومونها؛ بالنسبة إلي كان بقاء وزارة الثقافة في حد ذاته إشارة واضحة إلى قصور الوعي وضعف الأخلاق عند الغالبية العظمى من المثقفين أو من يعرّفون أنفسهم بهذه الصفة: لم يكن باستطاعة أحد الاستغناء عن وصاية الدولة. كتبت في ذلك خلال الشهور السابقة أكثر من مقال ممتعض إجمالاً (هناك، على سبيل المثال، “مازالوا يدفعوننا على سلالم العمارات“). وتبقى الدولة مستلبة من جانب نظام فاسد… ”الثورة“ في مصر وتونس لم تستبتدل المؤسسات ولا حتى الأشخاص إلا على نحو إعلامي رمزي؛ لم يكن هناك مجال لتقديم كتاب بهذا المعنى.

في مصر كان أكثر ما اقترن بأحداث الثورة من أدب هو الشعاراتي الشعبوي والسطحي الجعجاع المنتشر من قبل اندلاعها؛ تعلق الكثيرون بالأحداث دون النظر إلى نتائجها حتى أن بعضهم ذهب إلى أن الأدب قد مات ولم يعد هناك مجال للكتابة عن شيء سوى ”المسار الثوري“ والتظاهرة التالية. تأسست جرائد وقنوات تلفيزيونية من أجل مشاهير ”المعارضين“ من متكلفي الإبداع على حس ”السياسة“، وهم لم يسكتوا لحظة منذ اندلاعها رغم أن كلامهم لم يؤثر في أحد أو شيء. من هذه الزاوية يمكنك أن ترى كيف فشلت الثورة فشلاً ذريعاً على الأرض بينما فتحت أو وسّعت مجالاً ”ثقافياً“ للاحتفال – الخرافي – بها. انتهى أو كاد الاهتمام بالكتب، وبدأ الكلام الرسمي يتضمن إشارات إلى ”الضغوط السلفية“ واستعداداً مجانياً للرضوخ لها وقد اكتسب ”الإسلاميون“ من أعلام الميديا مصداقية عبثية تماماً في ضوء أنهم لم يشاركوا في الثورة وكانوا أول من والى المجلس العسكري وبرر جرائم ”الطرف الثالث“ وتنازل عن حق الشهداء (لستُ من أنصار الإعدام ولا القصاص على أي نحو، لكن للشهداء حق معلّق).

هكذا لم يكن تعاطي ”الثقافة“ مع الثورة في نظري سوى امتداد بالغ الجلاء لحال ”النخب“ في العالم العربي منذ أواخر الستينيات وبمعنى آخر منذ ”الاستقلال الأول“: إنها خطابات لا تعكس الواقع أو تشتبك معه – ولا تؤثر فيه – بقدر ما تستغل جوانب منه للتربح ”الجماهيري“ الآمن، مادياً أكان أو معنوياً. ومع كل ذلك، كانت فورة ”الغرافيتي“ وفنون الشوارع وإيماءات التحرر في صورة ”علياء المهدي“ وغيرها أيضاً من توابع الثورة أو التعبيرات الإيجابية – المبشرة – عن محتواها الاجتماعي. أعتقد أن الثورة قد تساعد على المدى الطويل في فرز الأفراد وتحديد مواقع الثقافة الحقيقية حاصلة أكانت أو كامنة، وأن هذه المواقع باتت خارج الدولة والإعلام (حتى الإعلام غير الرسمي) وخارج الوسط الثقافي ”اليساري“ المتقاطع بطبيعته مع الدولة من ناحية ومن ناحية أخرى مع أعراف أو تقاليد لم يعد هناك شك في أنها – حتى بما أفرزته من تدين ”متشدد“ أو معاد لمنظومة العولمة – ضد التغيير.

  • هل ترى تسييس الثورات وإلحاقها بركب الغرب وتصوير هذه الحراكات كأنها من صناعة آخر، جزءاً من مصادرة الثورة وفرض التنميط الذي تحاولون كسره كشباب ومثقفين في المرحلة الحالية؟

من شأن هذا السؤال أن يجرجرنا إلى حديث سياسي أفضّل تحاشيه لأنني لا أجد له أي جدوى، إلا أن الاتهام بالعمالة هو تكتيك ريفي قديم وهو أقذر ما تفتقت عنه قريحة السلطة الاجتماعية قبل السياسية في الستراتيجية القومية أو الوطنية – الفاشستية – منذ قيام دولة عبد الناصر. ركب الغرب هو ركب الحضارة المعاصرة بكل ما فيه من عيوب، لا أظن هناك شكاً في أن ”الغرب“ في هذا السياق يعني الحضارة بغض النظر عن التفاصيل. ولا أظن عاقلاً يريد لشعبه أن يلتحق بركب الثيوقراطية الإسلامية، إذا كان هذا هو البديل المطروح. المشكل أن الحركات، بينما لم تكن من صناعة آخر، كانت من صناعة أقلية مجتمعية – كما اتضح – لا تعبر عن وعي الغالبية العظمى، بدليل أن الغالبية العظمى صوّتت للإسلام السياسي وضاقت بالاحتجاجات منذ الوهلة الأولى، ثم سعت إلى الحفاظ على الوضع القائم. لذلك لا أظن ”الثورة“ كافية، ولأنني لستُ مؤمناً بالقمع حتى وإن كان قمعاً ثورياً… لكن أؤكد لك أننا جميعاً – في خطابات الوضع القائم – عملاء ومدسوسون بل وخونة وصهاينة فضلاً عن كوننا كفرة ومنحلين وكل ما يخطر لك من شتائم. ولا يزال هذا المنطق واضحاً في تبرير إبادة المحتجين بقول إنهم بلطجية أو توريطهم في العنف ثم التذرع بأفعالهم التخريبية…

wpid-8062904-2012-01-25-19-15.jpg wpid-dsc0029-2012-01-25-19-15.jpg wpid-bourguibacover-2012-01-25-19-15.jpg

  • عرفت بأدب الرحلة الذي تمزج فيه الشعر بالنثر مع التقرير الصحفي، هل كان هذا النمط نوعاً من التدريب على كتابة الرواية؟ وهل كتابة الرواية بالنسبة إليك نوع من النظر بمجهر إلى المجتمع وإمكانية توثيق للحراك الحقيقي في الطبقات السفلية وشوارعه الخلفية؟

لم يكن المقصود بأدب الرحلة أو كتابة المكان تدريباً على شيء؛ كان هرباً من القاهرة إليها وكان – كما اتضح أيضاً – هرباً من الأشكال السردية على سبيل الرجوع إلى تلك الأشكال. عندما استسلمت أخيراً للرغبة في الكتابة عن القاهرة، وجدتني في حاجة إلى الاختلاق والاستعارة بمعناها الأوسع. هذا هو ما يعرّف الرواية بالنسبة إلي: أن هناك جانباً مختلقاً بالكامل في مقاربة مكان أو زمن ما، الأمر الذي يفتح الخيال على ما هو غير ”واقعي“ فضلاً عن الواقعي ويضعك في مواجهة مع هويتك الاجتماعية فلا تعود مجرد صوت أو وعي جمالي طاف ولكنك تتحول كذلك إلى طرف في المنظومة التاريخية التي تتحدث عنها. الرواية هي ”باستيش“ خطابات، وهي بهذا المعنى تشبه كتابات الرحلة وإن كانت الأخيرة أقرب إلى ”الكولاج“ من الباستيش. الرواية توثق للحراك المجتمعي في مختلف طبقاته بالطبع، لكن ما يميزها أساساً هو أنها صياغة مكتملة لحالة إنسانية لها أول وآخر في الفضاء؛ أي أنها – بالتحديد – ليست أو ليست فقط كتابة ”انطباعية“. هذا وحده ما يجذبني إلى الشكل الروائي فيما أظن: إمكانية أن يكون الشيء مكتملاً أو صحيحاً رغم أنف تعدد خطاباته، وأن يتضمن فانتازياه أيضاً بلا مبالغة وقد انفتح على مصادر متباينة في الحياة.

في كتابة المكان هناك قيد مادي إن أردت، ورغم أنه باستطاعتك أن تنوع الخطابات وتقارب الموضوع الواحد من عدة زوايا، عليك أيضاً أن لا تكون طرفاً في المعادلة الفضائية التي ينتج عنها النص. عليك أن تحافظ على منهجك الصحفي بشكل ما؛ أما في الرواية فلا ضرورة لذلك.

  • ما الانطباع عن هذا النوع من الكتابة (الرحلة الانطباعية) لدى القراء – في العادة انت متشائم من هذه الناحية؟

أعتقد أن كتابة المكان وجدت رواجاً نسبياً عند قراء الأدب لكن لا يعني هذا أنها وجدت رواجاً. حدثتك من قبل عن قرائي السبعة. ربما زاد العدد الآن – بعد رواية ”كتاب الطغرى“ – إلى خمسة عشر. قلت إننا في مجتمعات لا تقرأ، والأصوب ربما أننا في مجتمعات تهمّش قراءها. لكنني لا أبالغ إذا قلت إن ما يعنيني هو أن يكون لي عدد مهما كان صغيراً من القراء العرب؛ أن يكون ذلك الصديق الافتراضي الذي يعرف اللغة نفسها (وبالمعنى الأصلي للصديق) موجوداً في الحياة مهما كان بعيداً أو تائهاً وسط جموع لا تفهم أو لا تتعاطف أو لا توجد. لا يمكن أن تكتب بلا قارئ، لكنه ليس ضرورياً وربما ليس مستحباً أن يكون القارئ جمهوراً كما هو حال الفيلم التجاري أو المحطة التلفزيونية؛ وتحت الظروف الحالية، نتيجة خبرتي المتواضعة، هو بالتأكيد ليس مستحباً أن يتطابق القارئ مع سلطة أدبية كناقد أو مطبوعة أو لجنة تحكيم. لا أريد جمهوراً، لا أريد تكريساً. أريد قارئاً لوجه الله وأظن أن الله قد منحني ذلك القارئ… في السنين الأخيرة، بالمناسبة، باتت مدونتي هي المجس الرئيسي لشيوع ما أكتبه بالعربية والإنجليزية في الأدب والصحافة، والحقيقة أن عدد الزيارات في ازدياد مطمئن منذ ٢٠٠٩.

  • خلطك للتصنيفات الأدبية في كتب رحلاتك هل يعود إلى علاقة مفتقدة في الأدب العربي لهذا النوع، أم أن الأمر يعود لرغبة في دمج أنواع أدبية لم يعتد تناولها بهذه الطريقة قبلاً؟

يعود أولاً إلى قناعة عميقة بأن الكتابة كتابة بغض النظر عن الشكل الأدبي، وإلى سؤال صادق عما إذا كان منجز دوستويفسكي ليختلف لو أنه كتب شعراً أو منجز رامبو ليختلف لو أنه كتب روايات، وإلى أي حد. تتقاطع هذه القناعة مع بعض صفات تراث الكتابة العربي، حيث نادراً ما تجد نصاً لا يمزج الشعر بالنثر أو لا يقدم المعرفة باعتبارها وجوهاً غير متجانسة. في نص كطوق الحمامة مثلاً تجد الشعر والنثر والشخصي والعام والرسمي وغير الرسمي رغم وحدة الموضوع. وتجد تعدداً وتبايناً ييسره السياق ”الأدبي“ عن طريق التقسيم التقليدي إلى أبواب وفصول. إنها مساحات جمالية ومعرفية مفقودة في الأدب الأوروبي إجمالاً، وهي تطرح أسئلة تعنيني عن معنى الكتابة كسبيل إلى المعرفة…

wpid-img_1319-2012-01-25-19-15.jpg

  • كيف يمكن أن تتحدث عن علاقتك بمن أثر بك من شعراء وكتاب؟ هل من الممكن أن تعتبرهم آباء، وما سر العلاقة الخاصة مع سركون بولس؟

كلهم أبنائي، ليسوا آباء ولا إخوة! القائمة تطول ولكن – باستثناء التراث القديم – ستكون الأسماء العربية فيها قليلة جداً، للأسف. أخص بالذكر ابن الفارض والجبرتي، وسعد مكاوي الروائي المصري العظيم. سركون يعيد اختراع اللغة ليجعلها تعيش، وهو متنبي القرن العشرين بلا مجد أو وطن. سركون هو ”جيل التسعينات“ وهو أبو العلاء وهو كل ما أحببته في الشعر الإنجليزي ولكن باللغة العربية. مهاجر فقير يعبد الحياة ويحاول أن يتقرب إليها بالكلمات، لا يقع لحظة في فخ السكون ولا فخ الأفكار المسبقة.

  • كيف ينظر يوسف رخا الما بعد حداثوي بامتياز إلى “ألف ليلة وليلة”؟

لا أعرف معنى ”ما بعد الحداثة“ بدقة. أظنها طريقة في النظر إلى الأمور أو الاستفادة من أشياء متباينة وسابقة لصالح شيء متجانس وآني. المحزن في الثقافة العربية أن أهم نصوص التراث باستثناء القرآن الكريم وملحقاته الشرعية المدشنة – أقصد بأهم النصوص، على سبيل المثال، ابن عربي وابن خلدون وابن رشد، فضلاً عن ألف ليلة – رُدت إلينا من جانب المستعمر بعدما كنا فقدناها. وإذا كان ما بعد الحداثة يعتمد على التقاطع مع نصوص قديمة من عصور مختلفة، فإن ذلك يعني أن علاقتنا بهذه النصوص لا يمكن أن تكون فعالة إلا عبر الأدب الغربي بشكل أو آخر: إننا نقرأها بنظارات المستشرقين الذين نكره تطفلهم وتعاليهم أو تفوقهم علينا، ولذلك ربما لا نقرأها على الإطلاق (كان اكتشاف التراث بالنسبة إلي ”شغلانة“ صعبة فعلاً، لكنني أظن أنني تمكنت من البدء فيها بدرجة ما)؛ لذا أريد أن أتحدث عن ألف ليلة بشكل فردي كمتأدب أحياناً ما يصطحب بعض كشاكيلها إلى سريره ليقرأها قبل أن يخلد للنوم:

في ألف ليلة لغة وسطية (بين العامية والفصحى) دائماً ما تروق لي سلاستها، وفيها لبس خلاب بين المكان الحقيقي (القاهرة) والمكان المفترض (بغداد). في ألف ليلة كذلك مساحات للقراءة الفلسفية والنقدية العميقة والكلام الكبير بطبيعة الحال – الحكي بوصفه منجاة من موت محقق، مثلاً – لكن الأهم بالنسبة إلي أنها نموذج مبكر للأدب المستساغ: إنها نص ”مهضوم“ بكل المعاني المحتملة؛ وهي توظف الفانتازيا بسذاجة ”بيرختية“ إن أردت، الأمر الذي قد يجعلها مملة ولكنه يجعلها أيضاً مثل بيت متعدد الغرف ومليء بأشياء متوقعة ولكن مرتبة بأشكال مختلفة، تدخل من باب وتخرج من آخر كيفما اتفق لترى تنويعات على ما تعرف أنه هناك وربما تتعرف على جوانب من حقيقتك في الأثناء.

في ألف ليلة وليلة حشيش لا يشبه الحشيش وجنس لا يشبه الجنس وفيها ورع لا يشبه الورع أيضاً، وهي من هذه الزاوية مثل الكلام مع جدك الفلاح العجوز: إنها مخزون معرفي لم يمر بالمصفاة العقلانية ولا يختبر بمنطق المشاهدة والتدقيق، وهذا وإن كان من شأنه أن يحررك فهو أيضاً يفرض عليك نسقاً أفقر في التعاطي مع العالم. الجاحظ أصعب كثيراً لكنه أمتع في الكثير من الأحيان. وأنا لا أريد أن أطلق أحكاماً قطعية أو معقدة على نص يجب أن يكون – وهو فعلاً، بشكل أو آخر – كحليب الأمهات.

من أروع الجمل التي قرأتها في عمري بأي لغة جملة من ألف ليلة: ”وقد خطر ببالي السفر إلى بلاد الناس.“

wpid-387339_10151058911260473_805615472_22072982_949466011_n-2012-01-25-19-15.jpg

  • كيف ترى المشهد الروائي الزاخر في مصر​ ومن يلفتك من الروائيين حالياً؟

أي مشهد روائي زاخر؟ المشهد مشهد علاقات عامة وصفقات مصالح مادية أو معنوية لا علاقة لها بالكتابة والقراءة، والرواية بمعناها الذي أفهمه آخر ما ينتجه هذا المشهد؛ وقد خمد المشهد إلى حد بعيد منذ وصول ”الحاجّة ثورة“ قبل عام على كل حال. أقول لك بمنتهى الصدق إنني نادراً جداً ما أجد رواية عربية جديدة تستحق وقت قراءتها، دعك من تقييمها أدبياً، وعادة ما تكون تلك الرواية من خارج مصر. لذلك لن أذكر أسماء، وسأقول لك في الوقت نفسه، وبكل تواضع، إنني أحب أعمال يوسف رخا. خلاف ذلك الروائي، وباستثناءات تعد على أصابع اليد الواحدة، يبقى الأفق خالياً فيما أرى؛ ومع ذلك عندنا ”بيست سيليرز“ وعندنا روايات حائزة على جوائز ”عالمية“ وروايات مترجمة إلى ثلاثين لغة؛ أليس هذا مثيراً للفضول؟ هناك ”شعراء التسعينات“ – بعضهم يكتب روايات – وهناك جيل أو اثنان من الشباب، بينهم عدد صغير موهوب جداً ولكنهم بالكاد ينشرون أعمالهم وحين ينشرونها نادراً ما يلتفت إليها أحد. ليس هذا كلام الكاتب ذي القراء السبعة ولكنه كلام القارئ المحبط والمتابع الساخر للأحداث الثقافية. حقيقة المشهد فقيرة يا صديقي، ولا تصدق من يقول لك إن هناك شيئاً يحدث على صعيد الرواية.

  • هل من طقوس محددة تتبعها للكتابة؟ وهل تختلف بين كتابة الرواية والرحلة والشعر؟

لا تختلف الطقوس، ولا توجد طقوس. أكتب حين أكون وحدي أو بصحبة امرأتي وهي مشغولة عني في شيء. أحياناً أكتب في وجود زملائي في العمل. الحياة كلها طقس الكتابة.

  • إلى أي حد أثر عملك في الصحافة باللغة الانكليزية في طريقة كتابتك المختلفة؟

الصحافة بأي لغة تكسبك نوعاً من القابلية على الإنتاج والسرعة في الأداء وبالنسبة للأديب فإنها تعطيك آليات فعالة للبحث عن المعلومات واستقائها. علاقتي بالإنجليزية وتأثيرها على عربيتي قصة أخرى، لكن أعتقد أن اقتصار العمل الصحفي لسنين طويلة على لغة غير العربية حافظ عندي على طزاجة ما. أصبح ممكناً أن تستخدم مفردات شعرية في صياغة صحفية مثلاً، أو أن تترجم تعبيراً صحفياً إنجليزياً على نحو يجعل مدلوله واضحاً بالعربية فيتضح أنه أيضاً شعري

مجلة أرى

الحياة رواية بوليسية

wpid-screen-capture-2012-01-10-17-55.png

في البداية تكون هناك جريمة، انتهاك للحياة الاعتيادية يقترفه شيطان مجهول. ويكون هذا الانتهاك – الفعل الشيطاني – لغزاً مستعصياً على الحل رغم أنه ممكن ولابد من حله. يكون لغزاً يرمز استغلاقه إلى الشر الذي اقتُرف: قبحه، أو جماله. ومن بعد، يظهر ملاك؛ بمجرد أن يتحقق الفعل أو تُرتكب الجريمة، يصبح هناك ملاك مستميت في التعرف على المسئول عنها. يعني: هناك مجرم، يبحث عنه محقق عادة ما يكون متأزماً – شأن أي ملاك شاء سوء حظه أن يُكلّف بالعمل على الأرض، وسط البشر القحاب – ورغم أنه الممثل الرسمي للخير كما يتجلى في الحياة الاعتيادية بلا انتهاك، قد لا يكون هذا الملاك أفضل كثيراً من إنسان.

هكذا تتبلور آلية الرواية البوليسية كسبيل إلى محاكاة “واقعية” للحياة، لكنها حياة صعب تصورها عموماً لأن المجرم قد يكون ضحية – كما أن الملاك ليس أفضل من إنسان، لعل الشيطان هو الآخر ليس أسوأ كثيراً – وهي حياة مستحيل تصورها في مجتمع مثل مصر خصوصاً لأن المحقق، حتى إن وُجد على هيئة ضابط مباحث أو لواء مخابرات متقاعد، من غير المرجح على الإطلاق أن يكون له القدرة المهنية أو الذكاء والتفاني اللازمين لحل اللغز ومن ثم الوصول إلى الشيطان الجاني بهدف عقابه أو القصاص للمجني عليه، دعك من حس الالتزام الأخلاقي الذي يدفع إلى تسخير مثل تلك القدرة في خدمة الخير. ماذا يمكن أن تقول الرواية البوليسية للمجتمع العربي إذن؟ وهل لأنه مستحيل تصور آليتها في ضوء شروط مثل ذلك الواقع لم تُدرج ضمن أشكال التعبير عن الخير والشر رغم سواد “الحنجرة” الوعظية في الأدب العربي المعاصر؟ هل في غياب الرواية البوليسية عن الأدب العربي لغز مستعص على الحل؟ هل ممكن أو لابد من حله؟

ربما يكون لغياب اللغز البوليسي عن السرد العربي علاقة بأنه يتطلب صرامة تقنية تكاد تكون هندسية في دقتها، ربما يكون له علاقة بافتراض (صحيح في معظم الأحيان) أن الأدب المعني سطحي وتافه من الناحية “الفكرية”: مجرد “بازل” بلا عمق…

إلا أن عزوف الروائيين العرب عن الرواية البوليسية – رغم غزارة إنتاجهم وتمسكهم إجمالاً بثنائية الخير والشر – يبدو لي وطيد الصلة بحقيقة أخرى مختلفة بعض الشيء: إن كتابة رواية بوليسية عربية سيستلزم البحث عن معادلات مقنعة ليس فقط لشخصيتي الجاني والمحقق على ما فيهما من ذكاء وإنما أيضاً عن معادلات لدوافعهما التي لابد أن تعكس جوانب من الحياة الاعتيادية نفسها التي يبدأ بها السرد وينتهي – حتى وإن فعلت في سياق مفتعل أو ظرف استثنائي – وإن الحياة الاعتيادية في المجتمع العربي أقرب عموماً إلى ذلك السياق المفتعل أو الظرف الاستثنائي – النهم للمال أو الحب المحرم مثلاً – منها إلى أي خير متخيل. إن الملاك العربي شيطان بشرطه التاريخي، والشيطان ملاك فقط لأنه لم يتمكن من أن يكون شيطاناً.