فيكتور بيليفن في مجلة العربي

لنعوِ الليلة معاً على جليد استبسكم يا زميلْ…

wpid-the-sacred-book-of-the-werewolf-2012-12-17-03-29.png

ككاتب من مصر ما بعد ١١ سبتمبر، لم أكن أحسب أن لي معادلاً في روسيا ما بعد سقوط سور برلين. وبما أن روايتي الأشهر “كتاب الطغرى: غرائب التاريخ في مدينة المريخ” (٢٠٠٧) بصدد أن تُترجم إلى الإنجليزية، أتمنى أن تلاقي الرواج الذي لاقته بتلك اللغة الرواية الأشهر لـ”فيكتور بيليفن” (Виктор Пелевин): “الكتاب المقدس للمستذئب”، The Sacred Book of the Werewolf أو Священная Книга Оборотня (٢٠٠٥). كانت الإنجليزية هي طريقتي الوحيدة في التعرف إلى وجود مرادفي الروسي ذاك أو اكتشافه على غير انتظار، حيث لا أعرف الروسية وليس ثَمّ من يترجم لي بيليفن إلى العربية. كيف كنت لأدرك أنني وإياه – هكذا أحس على كل حال – متشابهان؟ وهو الأمر الذي أكد لي وعيي بالكتابة كنشاط ملاصق للتاريخ ومع ذلك عابر للثقافات.

فلعل لقاء قاهرتي قبيل ربيعها العربي مع مدينة هذا الموسكوفي بعد سقوط أصنام الشيوعية رشفة أخرى مدوّخة من كأس الألغاز ذاته. وكم يتوق عالم الأدب المعاصر الضيق ضيق رأس “معمَّرة” إلى مدمني الارتشاف!

*

ولد فيكتور بيليفن في نوفمبر ١٩٦٢ في موسكو، حيث لازال يعيش حد علمي مع زيارات متكررة إلى مواطن البوذية التي يهتم بها دون أن يعتنقها بالمنطق التقليدي؛ وبدأ الكتابة في منتصف العشرينيات من عمره، فكان أن عُرف ككاتب قصة أولاً في بداية التسعينيات في أعقاب السقوط المفاجئ للاتحاد السوفييتي، حيث درس وعمل في الهندسة بضع سنين تحت حكم تشيرينكو ثم جورباتشوف، تعرّض خلالها ومنذ الطفولة إلى آليات الدولة الشمولية في زعم الإنجاز العلمي ومصادرة الحقيقة. كان أبوه ضابط جيش دون أن يكون عضواً في الحزب الشيوعي، الأمر الذي جعله “غراباً أبيض” – حسب كلام بيليفين نفسه في حديثه الصحفي الوحيد المتوفر بالإنجليزية للمدعو ليو كروبويانسكي Leo Kropywiansky في المجلة الأمريكية البديلة BOMB سنة ٢٠٠٢ – وحرمه ما لنظرائه وأسرهم من نفوذ.

في عمر الخامسة عشر، كان بيليفن قد قرأ العمل الأشهر للعبقري الساخر (وإلى عهد قريب، بسبب الرقابة السوفييتية، مهضوم الحق) “ميخائيل بولكاجوف” (Михаи́л Булга́ков)، رواية “السيد ومارجريتا” (Ма́стер и Маргари́та، ١٩٦٧) والتي وجد فيها حسب قوله فكاكاً فورياً من قيد تلك الآليات:

“إن السحر الشرير لأي نظام شمولي يستند إلى قدرته المفترضة على احتضان وشرح الظواهر في كليتها، لأن الشرح هو السيطرة. إذن لو وُجد كتاب يُخرجك من كلية الأشياء المشروحة والمفهومة هذه فسوف يحررك، لأنه يكسر استمرارية الشرح ومن ثم يزيل أثر العزائم والتعاويذ. إنه يسمح لك بالنظر في اتجاه آخر لوهلة واحدة، لكن هذه الوهلة كافية لإدراك أن كل ما كنت تراه من قبل هلوسة (مع أن ما تراه في الاتجاه الآخر لن يكون هو أيضاً سوى هلوسة). كان ’السيد ومارجريتا‘ هو بالضبط ذلك النوع من الكتب ومن بالغ الصعوبة أن تشرح تأثيره الرهيف لمن لم يعش في الاتحاد السوفييتي. كانت كتب سولجينيتسن [Алекса́ндр Солжени́цын] معادية للسوفييتية بشدة، لكنها لم تحررك؛ كانت فقط تجعلك أكثر عبودية إذ تشرح لك إلى أي درجة أنت عبد. لم يهتم ’السيد ومارجريتا‘ حتى بأن يكون معادياً للسوفييتية، لكن قراءة هذا الكتاب كفيلة بجعلك حراً على الفور.”

سنة ١٩٩٢، حين أصدر بيليفن أولى رواياته “أومون را” (Омон Ра: العنوان يلعب على اسم الإله الفرعوني ولكنه إشارة إلى وكالة الفضاء السوفييتية OMON – موضوع سخريته الجادة كرمز أو صورة للواقع السوفييتي البطولي – مضافاً إليه اسم شهرة البطل-الراوية)، كنتُ في الإجازة الصيفية الفاصلة بين السنتين الأخيرتين من تعليمي الثانوي أشعر بقيود عدد من منظومات “شرح كلية الظواهر” على مستقبل حياتي أو احتمالاتها، وقد قررتُ أن أكون كاتباً فتنازلت عن التأهل لدخول الكليات العلمية وشرعتُ في تدمير عقائد تربيتي والخروج العنيف على “ثوابت” لازلت – لشديد الأسف – مضطراً للجدل مع المدافعين عنها حتى اليوم، بعد قرابة عامين على السقوط الرمزي للجمهورية الأولى المستقلة عن الاستعمار، أو بقاياها.

وخلال أعوام السفر الصعب للاستعاضة بإحدى جامعات المستعمر ذاته (على حساب أهلي “الغلابة”) عن تعليم أسوأ من قلّته وإن كان “مجانياً”، والبحث عن تفاعل إنساني خارج روتينات “وطن” لم يتخلص من شمولية تبدو لي أقدم وأعمق بكثير من دولة الاستقلال التي أعرفها: الطبقية المهلهلة ببيروقراطياتها المخترقة (الاشتراكية) والغيبية المسطحة (العادات والتقاليد) والشعور الممنهج بأنك – كمواطن ماش في الشارع – شخص مذنب وعليك أن تكون ممتناً لأنك أفلت من العقاب (الأمن)، ثم غياب أي مساحة خصوصية أو اختلاف (الأصول)، كان يتكون لدي ذلك الاستعداد المركّب لكتابة أشياء يكون من شأنها أن تجعلك حراً، أن تدفعك إلى إعادة النظر في مسلمات أشاركك معرفتها فتدرك أنها هلوسة دون أن تظن أن نظرتك الجديدة أوقع أو أكثر موضوعية…

wpid-img_2268-2012-12-17-03-29.jpg

في “الطغرى” تتحول مفاهيم مجردة وظواهر اجتماعية ووقائع تاريخية – الخلافة الإسلامية، الزواج والطلاق، الخرائط، الخط العربي، “الإنترنت”، الفتح العثماني لمصر، التطور الجغرافي للقاهرة خلال التسعينيات والألفينيات، تأسلم الطبقة المتوسطة – إلى شخصيات وأحداث درامية لها حضور وخفة الواقع بتنوع لغاته. لكن لا يحدث هذا بهدف التوصل إلى معنى يجب المعاني العبثية أو الزائفة الملتصقة بتلك المكونات في خبرتها اليومية. إنه محاولة للتخلص من تلك المعاني، لتحييدها ووضعها على مسافة من عقل الفرد التائه في غياهبها، ولقول إن أي معان بديلة بما في ذلك ما يطرحه النص نفسه، قابلة للتحول إلى العبث والزيف. كان خلق معادلات حرفية لمجازات خطابية كمجاز الصحوة الإسلامية مثلاً على سبيل الدهشة والضحك وغيرهما من العواطف وردود الفعل الإنسانية ولكن كذلك على سبيل استجواب هذه المجازات لكشف حدودها وإبراز الجنون – اللاعقلانية – التي تستند إليها. إن في هذه المتعة أو شيء من قبيلها كل غاية الأدب، أليس كذلك؟

*

في “المستذئب” كذلك هناك مجازات يمكن مقارنتها بمجازات الطغرى وإن ابتعدت عنها في محتواها فلم تجاور التاريخ والتأريخ بالقدر نفسه، وعبر هذه المجازات يقارب بيليفن واقع موسكو في بداية الألفينيات فيحيّده دون أن ينفيه: سطوة المافيا وشبكات الدعارة وعمل البوليس السري بوازع “قومي” بات عبثياً أو أسطورياً في مواجهة خطر انفلات السوق المتوحشة عن سطوة المتنفذين. إن بيليفن يلجأ مباشرة إلى الأساطير القديمة ولا يرعوي عن تعديلها وخلطها بمعطيات ميثيولوجيا “البوب” Pop ذاتها التي استحضرتها في الطغرى:

بطلة-راوية الكتاب هي داعرة محترفة فائقة الجمال ولا يبدو أنها بلغت بعد العشرين، غير أنها في الحقيقة “متثعلبة” ذات أصل صيني عمرها جاوز الألفي عام؛ وهي لا تمارس الجنس مع عملائها الأكبر سناً في الواقع وإنما تنومهم مغنطيسياً فتقنعهم بأنهم يستمتعون بالنوم معها مستعينة بذيلها المختبئ في ملابسها (فإن كشفها أحدهم لابد من قتله على الفور)… والوقائع التي تسردها عبر مخطوطتها هذه التي تم العثور عليها بعد موتها على “لابتوب” مهمل في حديقة عامة إنما هي – في شكلها الخارجي – قصة حبها الغرائبية مع ضابط كبير في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB الـ أو ФСБ، وريث “الكيجيبي” – KGB) يتضح مع الوقت أنه وفريق عمله من المستذئبين القادرين على التحول إلى ذئاب – بمساعدة المخدرات أحياناً – لاستخراج البترول من باطن الاستبس عن طريق العواء من علٍ في الليالي المقمرة.

يستعرض بيليفن من خلال التاريخ الشخصي لبطلته جوانب يعنيه تداخلها مع حياة موسكو اليومية من الحضارات الآسيوية والأوروبية عبر العصور، ويستطيع أن يتأمل الدوافع الإنسانية (والروسية على وجه الخصوص) على مسافة مناسبة من خبرته المباشرة بها بل ويعرض لفلسفته البوذية من خلال تماهيها مع أسئلة الثقافة المعاصرة من واقع افتراضي وهوس استهلاكي ورأسمالية فاسدة.

لا أعرف إن كانت سجلات الروسية في “المستذئب” تتعدد قدر ما يحدث في “الطغرى”، لا أعرف إن كان ثمة علاقات لغوية بنصوص أقدم أو استدعاءات في هذا السياق، لا أعرف إن كانت الرواية تشبه نصوصاً أخرى معاصرة باللغة نفسها وإلى أي حد. الذي أعرفه هو أن الترجمة لم تحرمني التعاطي مع التحولات المفاهيمية-الدرامية ولا تحجب عني عملية عزل التاريخ أو وضعه في “كرنتينا” جمالية (كما سعيت أنا إلى أن أفعل). ثمة شعر في الدراما وعلاقات الصور والتكوينات السردية بعضها ببعض، وثمة إدانة جمالية لواقع مديني معاصر من خلال شخصيات مقنعة. ثمة طرح – أيضاً – لحل هو ليس بحل، أو مخرج من واقع خانق عبر نفق المتعة العقلية التي لا تعد بأكثر من تعديل وعي حبيس من أجل تحريره فورياً. وثمة مشاعر، وإن أحستها مخلوقات ليست بشرية، قادرة على الإضحاك والإبكاء.

*

لبيليفن عشر روايات متراوحة الطول وعدد كبير من المجموعات القصصية والكتب ذات المحتوى غير المختلق (non-fiction). لقد كتب عن غرفة تحكم الكريملين الواقعة في باطن الأرض، عن مبادئ الـ”زين” البوذية (Zen Buddhism) في دهاليز “الدردشة” على الشبكة العنكبوتية، عن شبح “تشي جيفارا” وأسطورة “الخوذة المعربة”…

wpid-untitled-2012-12-17-03-29.jpg

عزيزي فيكتور، – ساقطاً بين لغتين مكنتني إحداهما من التعرف إليك، أكتب لك بالأخرى. وأنا لا أعلم في الحقيقة إن كانت مساحة تقاطع وجودنا بالاتساع أو العمق الذي أتصوره، لكنني وجدته من الواجب أو المستحب أن أسجل كوني أراك زميلاً معتبراً وأقول لك كلمتين عن الواقع الذي أعيشه الآن: الوضع صعب يا فيكتور؛ لا يعكس “النجاح” الأدبي فهماً حقيقياً لما يُكتب، ولا يوجد من يقدّر المخاطرة الضرورية لجعل الأدب مخرجاً؛ الناس مشغولة في التحول السياسي، لكن لا يحدث تحول سياسي. الناس جعلت من حلم التغيير واقعاً أضيق حتى من الواقع الذي أدى إليه، والكتاب الذين لا يعرفهم أحد مازالوا “يعكّون” في كلام خائب عن “دور المثقف”. قلتَ ذات مرة إنك لست روسياً، إن كونك روسياً لا يعدو أن يكون صدفة وجودك في هذا المكان وهذه اللغة. وأنا أشعر بالمثل أنني لست مصرياً. غداً صباحاً سنذهب إلى سوق جمالنا في قرية برقاش، نعرق وتلوث ملابسنا الرمال حتى نتحول إلى مخلوقات فضائية، ولكن إلى أن يحدث – لنعو الليلة معاً على جليد استبسكم يا زميل!

القاهرة – يوليو ٢٠١٢ في عدد ديسمبر ٢٠١٢ من مجلة العربي

أهمية أن تكون طائفياً: تحديثات الحالة

wpid-img_6785-2012-09-21-06-38.jpg

.

أنا بيتهيألي في الوضع اللي إحنا فيه، الواحد أحسن حاجة يعملها إنه ينسى إن فيه دستور بيتكتب – على أمل إنه بعد كده يقدر ينسى الكلام الفظيع المكتوب في الدستور – وده لإنه من يومين وحكاية الصحوة الإسلامية راجعة تراودني تاني. يعني الحرس الثوري الإيراني من ناحية والقاعدة من ناحية، مع ملحقات كل جهة منهم في المنطقة وفي العالم: أكبر مشروع صراع طائفي وانتحار وجداني في تاريخ الإنسانية؛ والحاجة اللي تضمن إن المسلمين يفضلوا متخلفين قرنين تلاتة كمان. اللي ما عدتش بألاقي صعوبة في إني أصدقه إن إحنا عملنا ثورة عشان نبقى طرف في المشروع ده، وعشان دستورنا يعكس مكاننا منه مش عشان يخلينا بنيآدمين في بلدنا. المؤسف مش إن ده الواقع، المؤسف إنه ما عادش عامللي أي صدمة.

الخلفاء الراشدين آه، وآل البيت والأئمة لأ. السلف الصالح آه، وأولياء الله الصالحين لأ… (المادة التاسعة من الفرح البلدي قصدي الدستور الجديد)

.

معليش في كلمة حازقاني في وسط الأخبار والتعليقات المتلاحقة: عمرنا ما حنخلص من تسييس الدين من غير ما نخلص من الدين.

الدين في زمن تاني أو مكان تاني أو بـ”فهمه الصحيح” ممكن يبقى حاجة كويسة، كلام جميل بس ما لوش أي تلاتة لازمة.

الدين هنا دلوقتي عبارة عن طائفية وقمع حريات وإنكار حقوق وعدوان وتعريص وسفالة. بس. ده اللي بيتغذى عليه الإسلام السياسي (والرأسمالية العالمية برضك، بالمناسبة يعني)، مش أي حاجة تانية. وده ما لوش أي مبرر أو تفسير غير إن الدين بيشجع عليه أو بيسمح بيه أو بيخلي اللي يعترض عليه وحش عشان بيعترض ع الدين.

كفاية بقى، كفاية بجد يعني…

.

على فكرة حضرتك كده ما دافعتش عن الرسول، إنت خليت منظره وحش ونفخت إخواتك في الإسلام زيادة عن ما هما منفوخين. وبعدين لما الرسول “سيد الخلق” أساساً – و”باعتراف الغرب” برضك يعني مش أي كلام – تفتكر هو ممكن يتأثر بالهجوم عليه أو يبقى محتاج واحد شبهك كده يدافع عنه؟

.

بعد الاستماع إلى “تعليق الشيخ وجدي غنيم على فيلم خنازير المهجر”، أنا كواحد من الناس لا أشعر إلا بتعاطف شديد مع صانعي الفيلم الذي لم أره وخوف شديد من أن يتمكن أمثال هؤلاء من أحد أو شيء في أي مكان أو تحت أي مسمى وغيظ شديد من أن هناك أي شيء على الإطلاق – الجنسية، أو الديانة – تربطني “بالشيخ وجدي”. فما بالك بشعور واحد مسيحي أو واحد من مجتمع حر؟ إذا كان هذا الخطاب يمثل المسلمين، فالمسلمون فعلاً يستحقون الإبادة. والعزاء من قلبي لمن ستقع على كاهله تكلفة إبادتهم.

.

من تصريحات المتظاهرين عند السفارة الأمريكية بيقول لك “دلوقتي إحنا حاسين إن الدولة إسلامية ففي ردود كتيرة والشعب أصلاً الحمد لله يرفض الإساءة للنبي عليه الصلاة والسلام” و”اللي نزلوا في الفن عشان إلهام شاهين، ما شفناهمش دلوقتي عشان نصرة النبي صلى الله عليه وسلم” و”كرامة الرسول من كرامتنا”…

ويُذكر في السياق نفسه إني لما ضربت صورة مسيئة لعبد الناصر يوم ٢٣ يوليو اللي فات كان فيه مظاهرة غضب عندي هنا ع الصفحة بس على صغير. وفيه ناس نطت فوق سور الصفحة وحرقت الكافر فوتو وعملتلي آنفريند أو عملت بلوك للعلاقات الدبلوماسية وكانت عايزة تعمل ديليت لصورة البروفايل اللي هي السفير، وفيه ناس أعقل فكّرتني بفضل الإصلاح الزراعي ومجانية التعليم على الأمة والخلق أجمعين.

.

وبغض النظر عن ضعف أو سفاهة فيلم بعينه (أو النوايا الوضيعة لرواية ناجحة على سبيل المثال)، وبغض النظر عن وجوب مبادرة المنتمين إلى الأديان والرموز والمقدسات بازدرائها والإساءة إليها بأنفسهم تجنباً لتحويل الموضوع إلى صراع طائفي أوسخ من أي شيء، تبقى حقيقة أن الإساءة والازدراء لكل ما هو ثابت ومتحجر وقمعي من علامات القوة والحرية والشجاعة… ليس العكس

.

ويوماً عن يوم، تزداد حدة المزايدة على التخلف… كما توقعنا تماماً. ويوماً عن يوم، تتحول “الثورة” التي بررت صعود الإخوان إلى حجة مثالية لممارسة التخلف نفسه بلا ضوابط، وشيطنة من يشير إلى التخلف ليقول إنه تخلف، وتوريط “الآخر” المتقدم في تسييد التخلف بعيداً عنه. الذي يبرر ما يحدث بأن عند “هذه الشعوب” حساسية دينية أعلى أو أن لهم “خصوصية” في طريقة تعاملهم مع المقدسات هو جزء من الكارثة الحضارية التي نعيشها وهو يساهم ربما أكثر من المتخلفين أنفسهم في الأوضاع المنحطة للشعوب المعنية.

ياسر عبد اللطيف عن الطغرى

“لسعان” الجغرافيا والتاريخ.. أو كتاب الطغرى ليوسف رخا

ياسر عبد اللطيف

wpid-277546180517828960_6860517-2012-09-11-20-35.jpeg

بعد أسابيع من اندلاع ثورة 25 يناير في مصر، وأيام قلائل من تنحي حسني مبارك، وبينما لاتزال شوارع القاهرة تغصُ بالمظاهرات، وفي وسط حالة من الانفلات الأمني اجتاحت البلاد بعد سقوط الشرطة المريع في 28 يناير، وفيما احتل الباعة الجائلين بالآلاف فضاء وسط المدينة الإسماعيلي، وإذ تُهاجم مجموعات غامضة من المجرمين المستشفيات الحكومية فتعتدي لأسباب مجهولة على المرضى والأطباء، وفي قلب هذا الكرنفال الدامي صدرت رواية “كتاب الطغرى” ليوسف رخا، لتمر على الواقع الأدبي المنشغل بتحركات الحياة السياسية مرور الكرام.. فالدوي السياسي للثورات وما تلاها يعلو صوته على صوت المعركة ذاتها.

“كتاب الطُغرى” أو غرائب التاريخ في مدينة المريخ، كما يقول العنوان الفرعي، وهو عمل ضخم يتجاوز الخمسمائة صفحة بقليل، يدشن به رخا بدايته الروائية، وهو يحمل طموحاً بشق المسار لمشروع روائي من النوع الصرحي. قبل الطغرى أصدر الكاتب مجموعةً قصصية بعنوان “أزهار الشمس” عام 1999، ثم أصدر في السنين التالية ثلاثة كتب في أدب الرحلة، عن مدن عربية كبيروت وتونس وابو ظبي، ثم ديوان للشعر بعنوان “كل أماكننا”.

ورواية كتاب الطغرى كما يقول الكاتب في بدايتها هي “أخبار الصحفي مصطفى نايف الشوربجي يوماً بيوم من 30 مارس إلى 19 أبريل 2007، كما رصدها بنفسه في الأسابيع التالية على هذا التاريخ، موجهاً كلامه، على طريقة الكتب العربية القديمة، إلى صديقه الطبيب النفساني راشد جلال السيوطي، المقيم في العاصمة البريطانية منذ 2001. تبدأ المغامرة الشكلية في الرواية إذن بمحاكاة الكاتب للكتب العربية القديمة في لغة السرد. وتقفز إلى ذهنك على الفور نبرة ابن حزم في “طوق الحمامة” ؛ ولكن اللغة التي نحتها الكاتب نحتاً تستحق وقفةً هنا، فكأنه أقام جدلية بين الفصحى والعامية بملاحقة الأولى داخل الثانية والعكس بالعكس. ولا يستنكف السرد من دمج كلمات أجنبية أو أخرى مفرطة في عاميتها في جديلة تبدو فريدة، بلا تنصيص يكسر التدفق السردي؛ حتى أنك في لحظة تستشعر أن وحدة الحكي هي الكلمة وليست الجملة.

يبدأ خيط الحكاية بانهيار علاقة البطل مصطفي نايف الشوربجي بزوجته، فيغادر شقة الزوجية في حي المعادي عائداً إلى بيت أهله في منطقة الدقي. وكأن بانهيار زواجه ينهار العالم المحيط بالبطل، فيتجلى له من خلال منظور الهذيان. يقول الراوي متقمصاً تأثير عقار الـ(إل إس دي) المهلوس: “إية رأيك تعتبر الدنيا دي عمارة (…) تسيح حيطانها وأسقفها، سلالمها وممراتها وأبوابها وأنت جوة إحدى الشقق والشقة بدأت تسيح(…) في قلبي من هذا العالم مرض يشبه العيش في هذه العمارة”.

ويتبدى العالم المهشم للبطل كأول ما يتبدى في “المدينة”، وهي هنا القاهرة. التي تجمعه بها علاقة عشق وتدله، وكره في نفس الوقت. فهو يتغزل من حيث لا يدري في شوارعها وجسورها وأنفاقها بينما هو يعبرها حانقاً أثناء السرد؛ لكنها تظهر له في حالة من التنافر الحضري والتشرذم لاتنفصل عن حالته الذهنية، فيحاول الراوي بعد عودته إلى بيت أهله أن يعيد تشكيل المدينة في وعيه، برسم خريطة لحركته فيها وذلك من باب “برنامج إصلاح الذات الذي وضعته لنفسي نصف واع” يقول مصطفى. كما تندمج بنية الحكي ببنية المدينة في هذيان آخر يحاول دمج جغرافيا المدينة بطبوغرافيا السرد لتُستكمل المغامرة الشكلية؛ فبخلاف رسم الخرائط هناك محاولات سردية تشكيلية من قبيل أن يكون طريق “محور 26 يوليو عبارة عن علبة صفيح مقفلة. وهو ضوء سارح في قعرها المموج بمطبات الأمان (…) لماذا إذن يتخيل المنظر، في الرسم كأنه صفحة كتاب؟ صفحة ملآنة على آخرها، والطريق قطع مستطيل يقسمها بالعرض”. مع تضمين رسومات بخط اليد لمثل تلك المغامرة التي قد تغني النص أو تثقله بحسب الزاوية التي تراها منها.

ويبدو انهيار الزواج، حال كونه غطاءًا اجتماعيا يحمي الفردية داخل قوقعته، كنوع من موت الأب، فتضطر الذات لمواجهة العالم عارية بدون غطاء، وهوهنا ما يدفعها لرؤيته وقد ضربه الجنون: “يموت الأب فيطلع ميتين الواحد ويختلط طلعان ميتينه بحالة طلعان الميتين العمومية التي في القاهرة”.

وفي أول عطلة أسبوعية بعد انفصاله الزوجي، يخرج مصطفى في نزهة مع زميله في الجريدة “أمجد صلاح” بأحد مراكز التسوق خارج المدينة، فيدفعه شيء قدري لشراء خاتم فضي يحمل نقشاً إسلامياً، سيتبين لاحقاً أنه رمز أو “طغراء” آخر سلاطين العثمانيين. والنقش في رسمه يتطابق مع رحلة مصطفى داخل القاهرة وفقاً للخريطة التي كان قد رسمها. ويفتح أمجد صلاح أمام مصطفى أول أبواب تفسير المؤامرة الكونية التي هو بصددها؛ أمجد صلاح، المختل عقلياً الذي يتخيل مؤامرة كونية تدفعه للإصابة بالجنون، يتشارك فيها زملاء لهم بالجريدة.

وتضم الجريدة التي يعمل بها مصطفى أنماطاً عجيبة من البشر؛ فهذا المكتب :” نموذج مصغر لشيء شامل وجبار، شيء مثل طلعان الميتين من قبورهم يوم القيامة”. وفضلاً عن أمجد صلاح، هناك الفقي وحيد الدين، الشخص المعزول الهامشي الذي لا يكلم أحدا، والذي يأتي للجريدة ليلاُ بهيئته الرثة بعد أن ينصرف الآخرون. وهو من ستتجلى عبره شخصية السلطان العثماني الأخير وحيد الدين لمصطفى ذات ليلة في المكتب، لتفسر له حدود المؤامرة، ومعاني الرموز التي قابلته طوال الأيام السابقة على ذلك. ويخبره، أنه أي مصطفى، واحد من سبعة أشخاص موجودين في أنحاء مختلفة مما كان يعرف بالإمبراطورية العثمانية، مكلفين بالعثور على رقاع سبعة جلدية تحتوي على سورة مريم القرآنية كاملة مخطوطة بالكاليغراف العربي. وهذه الرقاع كانت بصحبة السلطان الأخير، وقد فقدت منه أثناء ترحيله إلى المنفى. إن “العثور على سورة مريم الضائعة ولم شتات رقوقها المبعثرة هو الخطوة الأولى على طريق إحباط المؤامرة الكونية المحاكة ضد المسلمين”. ويؤكد له شبح السلطان أن في حياته الشخصية وأزمته “ترميزاً وافياً لجوانب المؤامرة نفسها، فكأن هذه الأشياء أنموذج مصغر لمسرح التاريخ”.

وهناك أيضاً بين الزملاء “يلدز” صاحبة الاسم التركي التي يتعرف خلالها إلى شقيقتها كلودين، وعبر ما أسماه علاقة توراتية (أي علاقة متقاطعة مع شقيقتين) يُضاف بعدٌ إيروتيكي للمتن في الفصلين السابع والثامن. وتكتمل الرموز حين يعثر في بيت كلودين على أنموذج للرق الجلدي الذي يبحث عنه، وبالتالي الخيط الذي سيقوده للبدء في إنجاز المهمة التاريخية، بالسفر إلى بيروت.

وتبدو الرحلة وكأنها الغاية من وراء الحكاية بأكملها، بدايةً من الانفصال الزوجي أو الطلاق، فالشعور بالخطر المقرون بالفرح، وحتى الإنطلاق ليجلس في النهاية يكتب كل ذلك لصديقه من على مقهي مواجه للبحر في بيروت

ولكن لمَّ الخلافة العثمانية تحديداً يجدها النص خلاصاً من أزمة العالم الإسلامي؟ يجيب الكاتب على هذا السؤال حين يقول على لسان الفقي/السلطان وحيد الدين إنها: “للمرة الأولى منذ علو نجم آل عباس، في دار الإسلام، توحدت السلطة الزمنية مع السلطة الروحية” وبالأحرى أنها كانت المرة الأخيرة. وفي ظنّ مصطفى الشوربجي إن عودة الدولة العلية قد يعيد ما للإسلام من قيم جمالية فقدها عبر قرون الاضمحلال، لصالح كل ما هو متشدد ومتخلف وتحريمي. ففي قلبه من هذا العالم مرضٌ “شفاؤه الرحيل إلى عالم آخر، أو أن لا يكون الواحد ـ في هذا العالم ـ مسلماً عربياً…” وفي موضع آخر يقول: “أن تولد مسلماً في هذا العصر يعني أنك بالضرورة شخص ثان. تكوينك التاريخي ليس نتيجة منطقية للحالة التي أنت عليها”. وكإنها ليست حالة كل من لم ينتم عرقياً للحداثة الأوروبية.

تبدو هذه الرواية وكأنها تقدم أطروحة في سؤال الهوية العربية والإسلامية، وهو هنا طرحها المخادع؛ فإنما يكمن ثقلها في المغامرة الشكلية ببناء غير مسبوق. فقد اعتمد الكاتب “الطغراء” كأعقد تصاميم الخط العربي نواة مركزية لبنيه الرواية محاولاً أن يضاهيها بعالمه المحدود بحركته في المدينة، وبدرجة أوسع بأزمة الحضارة الإسلامية في التاريخ، وهو بذلك يضع الطغرى أيقونةً يحاول أن يضفي من خلالها المعنى على فوضاه الشخصية والمدينية والحضارية؛ وهي ليست بالتأكيد رمية ستصيب هدفها. ومن هنا هي مغامرة شكلية وإن كنا في نفس الوقت لا نستطيع فصلها تماما عن سؤال الهوية المعني. وكأن بالكاتب يعود للسؤال القديم في محاولة تأصيل الشكل الروائي عربياً وإسلامياً..

ويحسب للكاتب القدرة على استنطاق لحظات ميته، وسردها بذلك النوع من الوعي المجروح؛ وهو ما يولد شعرية المناخ العام للرواية. كما نجح في إقامة شبكة علاقات متماسكة ترسم خريطة المؤامرة وراء انهيار زواج مصطفى ووراء تدهور القاهرة واضمحلال الحضارة الإسلاميه، وكذلك ملامح الخطة المضادة.

ولنا أن نأخذ عليه إثقال السرد بكثير من النصوص الموازية وقصائد النثر والتكرارات التي من دونها كان يمكن أن يهبط حجم الرواية إلى ثلاثة أرباعها؛ وخضوع مفاصل السرد أحيانا لقانون الصدفة (كالعثور على الرق الجلدي في شقة كلودين)، وهوما يضعفها دراميا؛ ولكن في بنية تحايثها البارانويا ونوع من الهوس الديني (الهوياتي هنا) يمكن أن تعبُر تلك المصادفات من باب الأسباب التي يجعلها كيان أعلى مفترض خلف “المؤامرة” والخطة المضادة لها.

ياسر عبد اللطيف

wpid-2012-09-1108-37-33pm-2012-09-11-20-35.png

الكتاب: كتاب الطغرى أو غرائب التاريخ في مدينة المريخ

الكاتب: يوسف رخا

الناشر: دار الشروق- القاهرة 2011

رسالة ثلاثة أخبار: إلى فخامة الرئيس محمد مرسي

wpid-491680mohamedmorsi-2012-07-6-20-43.jpg

.

مرت بحارس بستان فقال لها: قفـي شقيقة غصن البان والثمر.

قالـت: وما تبتغي مني؟ فقال لها: سرقت رمانتي نهديك من شجري.

قالت وقد بهتت من قوله خجلا:

فتّش قميصي لكي تذهب الوجلَ.

فهم أن يقبض النهدين، ما مهلَ.

فصاح من وجنتيها الجلنار علـى قضيب قامتها: لا بل هما ثمري…

.


.

الحمد لله حمداً راضياً بكل بلوى، والصلاة والسلام على بشير المن والسلوى: كففتُ، أبقاكم ربي، عن قراءة الأخبار. وزهدتُ في ملكوت السياسة وقصص الثوار. إذ شارف انتهاء العام الثاني على التحرك الكبير، ولم أر لمياه ثورتي أثراً سوى اشتداد السعير. فتبادر إلى فكري سؤال عن مآل الشهداء والشهود، ومردود الأعين المفقأة بالطلق والسفود. وفي الأيام الفائتة القليلة، بلغني رغماً عن إرادتي بضعة أنباء عليلة؛ فاشتغل خلدي بثلاثة أخبار دون غيرها مدركة، لم يكن لها الوقع المنتظر على عاطفتي المنهكة – وقد حملتُ وزر عشرين شهراً من محبطات الآمال والعِبَر – اللهم إلا نغزات كأنها على الجلد الميت رؤوس الإبر. وحيث أنها مشكوك في صحتها على أي حال، وهي تحمل في طياتها أكثر من سؤال، عزمتُ على نقل الأخبار الثلاثة إليكم مصبوغة باليأس كما خبرتُها، مكتفياً بمدلولاتها قدر ما استبصرتها. فلقد تُبت إلى “عشيرتي” التي أحسبها مع عشيرتكم في صراع، ولتغفروا لي أو لا تغفروا “انتوائي” ومن معي أن نعيث في رأس سعادتكم كل صنوف الصداع؛ وإني على ذلك لمتبرئ ممن صعّدوكم باسم ثورة هي منكم براء، بل ومن ذلك الشطر من نفسي الذي ساهم في مجريات عموم الخراء. أما بعد —

فإني أكتب لفخامتكم على صوت الآلة المعجزة المزروعة في حنجرة أديب الدايخ المنشد الحلبي الفقيد، حيث الغَزَل الفردوسي للأندلس وغيره من رياض الإسلام المجيد؛ ولما يزل هذا “الإسلام” عن ما سوى الحب والفن ثم العقل والحواس يبقيني ويلهيني، فلا ألف جماعة “مناضلة” تدفعني إلى تغيير ديني. وإني لقائل لمن يشك في عزمي، رغم كل ما أصاب البلاد والعباد من سقم، على الاستمرار: ابحث في عيني وأفعالي وكينونتي وأقوالي تجد القرار. بكم أو سواكم أيها الرئيس سأعيش “حياةً هنيئةً” ذات لوعة، “وإن لم أمت بالحب عشت بغصة” (يا سيدي عمر مدد!) فاتعظوا وإن غلبنا محاظيكم وجراؤكم في العدد: —

كان أول أخباري أن سيادتكم – كممثل الجماعة الطائفية – ستقيمون حفل تكريم للطغمة العسكرية. ودوعنا الآن من الحديث عن المواكب و”التشريفات”، من فتح سترتكم ودفع حراسكم عنكم لتلتحموا بالمؤيدين لا المؤيدات. ومن قول إنكم أطال الله عمركم لا ترتدون الواقي، ولا ترهبون – وسط إخوتكم – إلا العلي الباقي. دعونا من حلف اليمين في المحكمة الدستورية، ثم – في اليوم ذاته – وسط حشود اعتصام ينادي بإسقاط الهيئة القضائية. على من تضحكون إذ تخاطبون “أهلكم” وكأنكم ذات جمعة تقيمون الصلاة، رافعين صوتكم للبلاد بطلب النجاة؟ دعونا، أقول، من ارتقاء اسم الله عليهم أبنائكم ذوي الجنسية الأمريكية، إلى رؤوس صفحات جرائدنا البرمائية؛ تتبعهم شائعات الاضطلاع بشئون البلاد، وأمور الدولة من عقولهم كالنار من الرماد. ودوعنا من السؤال الدائم عن ولائكم ليس لأسرة حضرتكم وإنما لجماعتكم الكذابة المتملقة، ثم لأهواء مطاياها “السلفية” الوضيعة المتحذلقة؛ فلقد نجحتم عوضاً عن زعيم ميليشياوي من الأثرياء، لم يُسمح له بالترشح وقد شبهتموه بالأنبياء… فهل ناصركم “الرفاق” وجمعوا لكم العتاد، من أجل أن تحتفلوا بقتلتهم على رؤوس الأشهاد؟

ثاني أخباري، غفر ربي لكم، أن ملتحين في السويس يدعون أنفسهم هيئة الأمر بالمعروف، قتلوا طالب هندسة في ريعان الشباب – وقد تشبثت بالبندقيات الكفوف – لأنهم رأوه سائراً إلى جوار خطيبة لم يذق عسلها قبل القران، فرموه بالرصاص من تلقاء أنفسهم أمام أنظار العيان. وطار عقل الأحبة حيث تأجج رعب المتخوفين، فيما تضاربت في الأمر آراء المتكلمين: مَن قال إن هؤلاء “سلفيون” يُعمِلون عقائدهم الحاقدة، ومَن قال إنهم موظفون في الأمن السري يثيرون فتنة عامدة؛ ويسعون بما آتاهم “النظام البائد” من قوة – يسار يمين – إلى أن يجبلوا القلوب على كراهية الإسلاميين. وكحال هذه الأحداث في ديارنا لم يحسم أمر الجريمة، ولا تطوعتم أو أتباعكم من هيئات “السلف” بكلمة رحيمة. وإني لشاهد على فساد الفطنة والتحليل، لدى من يظنكم تخاصمون من كان لكم السند والخليل. فلن يعود التحجج بـ”أمن الدولة” يقنعنا، ولا احتكاركم للهوية قبل الحكم من جوع للحريات يشبعنا. ولا فرق بين جندي أو بلطجي يزهق الروح بدعوى صد الإرهاب، وبين ملتح أو متأسلم يقتل ليدفع عن الأرض ما في الآخرة من عذاب. وما رياء “المرجعية” إلا ضرب من السلوان، لا يحلّكم من آثام الانتقام والعدوان. فوالله كما تبين أن نفاق العامة أحقر من نفاق السلطان، كذلك اصطناع الكرامة حيث يسهل الهوان. وها هو ينكشف أمر اعتمادكم على المجرمين، حتى تظهروا أمامهم في سمت العقلاء المتنورين. ولمصر در من نعتكم بأهل ثورة، وأنتم من جسد الإسلام أقرب إلى السوءة والعورة…

أما الخبر الثالث – معاليك – فهو أن عدداً من الصحفيين المسجلين بنقابة لا تزال أشبه بالوكالة، قد بادروا إلى الحصول على عضوية حزب الحرية والعدالة. وقد قبلتموهم طبعاً كأي محدث نعيم، غافلين عن أن أمثالهم لا يصلحون لغرض كريم. وهو ما يناقض خطاب “النهضة” و”التطهير”، ويتفق مع ما في أدواتكم من التواء وتأطير. أفلم تنفوا عن وزارة الداخلية المثالب، وتغرسوا في المؤسسات المخالب؟ فلا ضرورة للحديث عن مجلس الشعب والنواب، ولا فضائح الشيوخ منكم والشباب – ولا ضرورة لبحث الكارثة المحدقة، بأن تصبح تفاهاتكم هي “قضايا” المنطقة؛ فيقتل من يطلب وصل خطيبته العفيف، بينما يكتب الدستور من “يتزوج” فتاة العشرة أعوام بالنزيف – إذ تجلى سعيكم إلى الانفراد بالمقاليد، وقبولكم بمنظومة “الحزب الحاكم” وسلطة النار والحديد. ولا تتبالهوا عن أن في ذلك نسخ لما كان، قبل اندلاع الثورة وانتخاب البرلمان. ولا تظنوا أن اتشاحكم بالدين، إثر الانتخابات، سيغيّب العقول عن ما في نهجكم من وساخات؛ إذ أنكم الآن – وأنتم تعلمون – أهل بيت العسكر المتخابثون. وما من ضمان في الدنيا لانتصار الحقيقة، إلا أننا أشهرنا أسلحتنا الرقيقة. أنتم غريمنا في البرد والحر، وإلى الله وحده المستقر.

.

wpid-img_3156-2012-07-6-20-43.jpg

.

wpid-img_3155-2012-07-6-20-43.jpg

.


.

wpid-img_3188-2012-07-6-20-43.jpg

وإلى رفاق سلاحه قال كاتب الرسالة:

طلعتوا الكتب وشاركتوا في الحملات وأصدرتوا تعليمات للمريدين بتوعكو. وشتمتوا أي واحد بيشاور ع القلوط ويقولكو يا جماعة على فكرة ده قلوط. ولما اتأكدتوا إن مرسي هو شفيق بس فرع المعاملات الإسلامية، شكلكو بقى وسخ قوي. وممل. وما لوش أي تلاتة معنى. وتنظريكو بقى زي البانجو المضروب. وصوتكو مهما عليتوه كإنه صدى جاي من حتة كتمة. وما عادش فيه حد مصدق إن ليكو أي لازمة أساساً ولا عاد حتى فيه جهة تبقوا معاها أو ضدها. دلوقتي هنقعد عشر سنين أو مية سنة يطلع ميتينا عشان نوصل للحظة اللي كنا فيها قبل ما أي حاجة تحصل، وطول الوقت ده برضه مش هترحمونا من فساكو

قصائد جديدة، ٢٠١١-٢٠١٢

wpid-untitled-2012-05-23-06-36.jpg

ثلاث قصائد قصيرة جداً مختبئة في تويتر هذا الصباح

دم

مستشفي الدمرداش تحتاج الآن

لكل فصائل الدم

علي من يستطيع التبرع بالدم أن يتوجه

إلي مستشفي الدمرداش

استغماية

معتصمو الدفاع

يطاردون البلطجية

في الشوارع الجانبية

أهم حاجة

لو حد حيجيب امدادات للميداني

أهم حاجة حالياً

إبر وخيوط

جراحة،

هولدر،

شاش قطن بيتادين فولتارين

حقن،

آنتي بايوتك

سبراي

تعويذتان ضد التأسلم

(١)

أيها المتجهمون فوق حيطان المزابل

المستعيضون عن الأخلاق بلحية

الخائفون من وجوه البنات

تعبئّون الله في أجولة

وتهيلونه على الأحياء

أنا العلماني الكافر

أنا المرتد العميل

سأبقى إلى آخر جسد تدفنونه

أقض مضاجعكم بالخيال

(٢)

نحن أبناء أباليسكم

يا من تكتفون بأسماء الأسماء

سنظل نذكّركم

بأن المئذنة قضيب والقبة نهد

والماء الصافي خمر في أفواه العاشقين

يا من تكتفون بطقوس الطقوس

نحن ملائكة متخفون

وقد حلفنا أن نلفظكم

عند أول إشارة مرور

في الطريق إلى الجنة

جاعلين آخرتكم مثل دنياكم تماماً

نصائح ملك الموت إلى ثكلان

بالكاد دقيقة وأنت تخطو مغبّش العينين

هل نفد صبرك في دقيقة؟

اسمع

لا شيء في الكون كله يرحمك

لا شيء يوقف المنشار في عظام هيكلك

اجلس قليلاً

ولا تثقل علي

لا تجعل فجيعتك نداء إلي

وأنت تعلم

أنني عبد المأمور

أحمل على كتفي نحيب الكرة الأرضية

مضاعفاً ألف مرة

لا تظنني أملك معنى لشيء

فحيث تصبغ الأسفلت الدماء

لا أرى سوى بقعة داكنة

وإن شعرتُ بما تشعر به مضافاً إليه

كل من كان مثلك

أنا الذي أصاحبكم لحظة بلحظة

ولا أستطيع أن أفرح لفرحكم

لأنني أعرف وجعكم كاملاً

حتى في أشد اللحظات لذةً

كل ما أستطيع أن أعدك به الآن

أنك حين تنظر

لن تجد للفقيد أثراً في السرير

وكخدمة إضافية مني

لن تجد سريراً في الغرفة

بل لن تكون غرفة هناك

إلى أن تمسي بلا شيء أمامك

لا شيء مطلقاً

وكل ما أطلبه في المقابل

تذكّر

أن الحياة ليست سوى انتظاري

أنا الذي أطحن القلوب طحناً

ولا أستريح برهة

من سماع نبضها

البلد

إلى مهاب نصر

كل هذه السنين يا صاحبي

وكأننا هنا عن طريق الخطأ

ننتظر حتى تَفرغ الشوارع

لنقود مركبات غير مرخّصة

ونواجه جنود المعابر

بالضحكة الصفراء والنقود

نحلم بأماكن ولو وُجدت


نحن لا ننفع لها يا صاحبي


مضطرين أن نخالط التماثيل

أن نبادلهم حديثهم
أن نندس وسطهم


بأطراف مجمّدة ننظر ولا نرى


وبرؤوس منكّسة في بيوتنا

نعتذر عن ارتياد المحاجر
لنجرّب التكاثر سراً

ونبكي سلالتنا المهدّدة

كل هذه السنين حتى نجرؤ

على إعلان أننا لسنا تماثيل

لنسقط مقطوعين على قواعدهم

ميتين برؤوس مفلطحة

بعيون معصورة كالمحار

بثقوب في عظامنا

كيف يا صاحبي كل هذه السنين


ومازالنا لا نُخرج سوى حشرجة

“الصحراوي” ليلاً

“بلاي ستيشن”
والهدف – بلا ضوء –


أن تظل سائراً

دونما تصطدم بأجسام معدنية


ترعد على جانبيك


ولا تحيد إلى هلاكك


عن خط من دوائر فوسفورية

يظهر ويختفي
في الظلام


الموت الرحيم – قالت حبيبتي


ثم شهقت للمرة العاشرة

وأنا لا أستطيع
أن أنظر إلى وجهها –


هذا هو
طريق التحدي


هل حينها حدّقتُ من جديد؟

نور الكشافين في أوج احتدامه

بالكاد يكشف مترين


سأقطعهما في ثوان

ولا آخِر للسواد المتحول من بعده


كالتلال أو العجين

كأن الأرض خلف الزجاج


والجسد مستسلم للجاذبية


أنت عطشان للفوانيس

تفتش عيناك خلف ظلال


تحسبها أشخاصاً يعبرون


عن سراب التماعات

برتقالية وعالية


وحين نصمت عبر نفق آخر
من اللا ضوء

حين تتصلب عضلات كتفينا


وتتسع أعيننا

فوق البئر الأفقية

نعرف كم هي قريبة غايتنا


لحظة شرود


في السرعة أو الزاوية

يمكن أن تضع حداً للتهاوي
و

كم سيكون جميلاً في الحقيقة


أن تتوقف الحركة

كم هو رائع يا صغيرتي

أن ينتهي الطريق

نيرون يوم الحريق

إلى الهوب

“في الليل على فراشي طلبتُ من تحبه نفسي…” – نشيد الأنشاد ١،٣

إذا كنتَ نائماً في تلك الغرفة وصحوتَ على خبرِ زواجك


في منتصف الليل، إذا كنت نائماً وصحوت على رؤوسٍ صغيرةٍ قرعاء


تنبت في المساحة الفاصلة بين مقهاكَ الاعتيادي والمخدّة

أو جوعٍ لعروسِك عاريةً في برواز الباب


أقول وقد صَرّتْ “سرينة” كأنها حكّةُ المعدن في الزجاج


ودُجِّج الجنود في طريقهم إلى لقاء المسيرة

إذا كنت نائماً وصحوت على خبر زواجك يا حبيبي، لا تفزعْ


***

لكن زملائي الساخطين، حال تُسمَع أصوات القادمين من بعيد


سيهرولون إلى أسفل ليذودوا عن غنائمَ بعجلات

ويلعنوا أولئك القَتْلى المزعجين، مسلّمين أمرهم إلى الله والقَتَلَة

وسأُمسي في محلّ عملِي الشاغر “نيرون” يوم الحريق


أسحب قوسي فوق الكمنجا بينما روما تنسحق

مثل ورقة في قبضة متسخة، سرعان ما تغيب في المخلّفات


أسحب قوسي وأغنّي يا عروسي، وأنت تبحثين عن فستان الزفاف

***

لا تفزع. انتظرْ يا روح عروسك حتى يعود يُفتح المقهى


ولا يضيرنك أن تستبصر نظرةَ نشّالٍ حرمك فلوسَك أول أمس


مثلما حرمتْك زوجة عبوس ولداً ألّفت اسمه قبل أن تطلّقها

ضع كفّك على رأس النشال من دُبُرٍ فوقَ سطحٍ حاد

ضع قدمك على صدره؛ وعند تفاحة آدم، في عنقه، ضع ركبتك


أقول وقد دُقّتْ ذراعُك بندولاً يولّد رشاش الدم ليُزيلَ الملامح

المهم أن لا تعود ترى وجه النشال

***


حقاً يخطر لي الآن أنه أحوج مني إلى الفلوس

مع أنني أنا الذي على وجه زواج، فأغفر له خديعته يا “توتة”


ولتعلمي: فيما الجنود المخمورون بانتصارهم على المسيرة

يدهسون القادمين مثل قطيع جاموس وحشي

من شأنه أن يهدّد أمن السيارات، سأكون فوق الدنيا


أغني. صبري حتى أستقلّ ركناً في مقهاي


لأرى ضحكة عيني حبيبة يلدغني الجُحْر ثانيةً من أجلها


***


الدنيا حجرات متصلة مكيفة الهواء، والناس على ألوان مشروباتهم

هذه حجرتك. اذكر يا بابا أن السير في الشوارع ليلاً

بات يستوجب عناقاً غير مخطط، يفقد المرء إثره أولاداً أو فلوساً أو حياة

وأنت جالس هكذا مع قهوة المعدة الفارغة يغويك كوب عميق

بالسمنة، وأنت تنتقل بناظريك بين يمام محجب ودجاجة تقود “مرسيدس”

اذكر أن لك طائراً يمكنك امتطاؤه إلى حيث الاحتجاجات


تطالعها من علٍ وأنت تمسح دموعه.


***


ولأن قلبك يتسع للفجيعة، لأننا مسلسلون على باب الله يا ماما


ويُقال إنه يعمل لنا ما فيه الخير، سنعيش لنفتح بيوتاً فيها غرف كهذه

نموت على أسرتها بلا دماء. لا يرتسمن الذعر على شفتيك

إذن، ولا تبكي آباءنا الميتين، لا تبكي آباءنا أمام رأس كأنه كرة مبططة

اقضمي ذَكَري فقط وأنت تدندنين، كما سأغني لك في شرفة المبنى الشاهق


وهم يقتلون، اقضمي ذكري ودندني عن طعام سنأكله سوياً

أو غيط وسطه غدير. ثم انفثي نحيبك في ذروتي


***


إذا صحوت والفجيعة تنخر صدرك، وبينما الناس يشجعون “الزمالك”

الضحايا يُحاكَمون، إذا كنتَ نائماً ثم صحوتَ على فجيعة يا “كوكي”


والذاهبون إلى الجنازة يرفعون أعلام فريق كرة قدم سيُهزَم

في مباراة أقيمت رغم أنف الحِداد، اعلم أن وجهك ينطبع على بطني


ويخبئ  شعباً بديلاً هناك، إذا كنت نائماً وصحوت على جنود يبيدون مسيرة

افرح بقصر فيه جارية هي وحدها تملك حياتك


ترقص على نغمك أنت والقاهرة تحترق

الثورة بجد

عن قصيدة “الأسد على حق” لألن جينسبرج

“ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني”

أرجع من الإسكندرية عبر طنطا لأجد الثورة أسفل سريري

ومَثنيَّ الجذع على ضوء أبجورة الكومودينو، وجهي بمحاذاة المُلّة

أتبين الملايين تركض وتدافع عن نفسها بالحجارة، كل واحد عقب سيجارة لا يزال مشتعلاً

يرفعون لافتات كالطوابع ويحفرون شعارات أكبر من أجسادهم على الباركيه، أتسمّع هتافهم

***

وكأس الفودكا الأخيرة لم تتبخر من جمجمتي منذ واحد سكندري لم يُعمَل في رشدي

عظمي المخمور يقرقع وأنا أغالب البكاء ممزِّقاً ملابسي في الشباك:

الثورة حصلت يا أولاد القحبة، الثورة حصلت بجد!

***

وقد تركتُ حبيبتي في شارع بن الفارض عند بتاع المخلل تستقبل الفلول

مفتقداً لا الواحد ولا البحر، لا وجه أمها المترمل منذ ساعات ولا أباي الميت قبل عشر سنين

ولا خلف مقهى الأحمدية ولياً كان ذَكَرُه – ضمن الكرامات – أكبر من هراوات الشرطة العسكرية

بل أذني التي ابتلت في الأظاريطة لأن دموعها كانت تقطر من سماعة الموبايل

***

ألطّخ ملابسي بالحبر الأحمر وأُسرع إلى العمل لأرقد على عتبة المدير

لم تكن الثورة مع الزملاء ولا في المترو ولا حتى في حناجر شهداءٍ يُبعَثون بلطجيةَ أمنٍ مركزي

هائماً في ملكوت سكك حديد مصر كيف لم أضبطها حتى هربتْ إلى غرفتي؟

***

مضعضعاً بعدما نمت ليلتي في حمام المصلحة أوشوش عامل البوفيه: بلا ثورة، الحياة لا تُحتَمَل

هل تعرف أن ابن الفارض قال إن موت العاشق حياة والقتل أفضل من الهجر

المؤسف أنه كما أن لا تغيير بلا مذابح كذلك لا زمن بلا انتظار، هل تعرف الملائكة…

الملائكة؟ يسألني متهكماً وهو يتحسس صلعة كالجلمود ويطالعني بشفقة، يقرضني خمسة جنيه

***

أسعى إلى إحدى اللبؤات أسداً يحمل كشكولاً لأخبرها بأن الثورة ليست في ميدان التحرير

ومحتسياً فرابيه من مؤخرة سموذي بعد ثالث دابل إسبريسو في أحد فروع سيلانترو

أزعق في كاتوليكي مراهق من فوق شاشة اللابتبوب: لا شيء اسمه الغيرة القضيبية!

***

من الدقي إلى التحرير مرات عديدة صحبة شاعر شاب هو الآخر من طنطا

أتأكد من فشل الجهود حين لا ترد حبيبتي على الموبايل وهي ثكلى

وإذ جلس زيزو مع فتاة أردنية ليلة جاءني التليفون، هل كان مصابها المفاجئ عقد ارتباطنا؟

***

عندما ترد أخيراً أقنع صاحبي الشاعر أن اعتصاماً بجد في غرفتي، ننطلق بلا سلاح

وزاحفاً ورائي على ركبتيه من جنب الكومودينو بشورته البرميودا كمندسّ يتلصّص

جموع المحتجين حول كعكة حجرية هي عبارة عن نعل قديم، مثلما كنا تماماً

الدبابات علب ثقاب والإف-١٦ كالدبابيس وغوغائيون سفلة، بين المُلّة والمرتبة قناصون بالليل

***

نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي

أتخيل حبيبتي راكعة أمامي ببلوزتها السوداء، فجيعتنا الفردوسية وأنا أقذف في حلقها

وحين توقظنا أمي في الصباح لا أقاوم، أرى الخادمة ومكنستها الكهربائية عليها ختم النسر

أرى العَلَم يرفرف في أيدي مخلوقات فضائية وأعرف أننا لن نهزم إسرائيل

يغتاظ صاحبي والقذى في عينه حين يمتد خرطوم المكنسة تحت السرير

مع ظهور الخيش والصابون أمنعه عن الخادمة بصعوبة: لا فائدة من اغتصابها!

الآن ليس سوى صوت المكنسة وهو يبكي، لا دم ولا حديد يعود باركيه الغرفة نظيفاً وخالياً

وحيث كانت الدواوين على الرفوف زجاجات ديتول وبليدج، إسفنجات وخرق منمقة

فجأة يشهق سريري على صوت السرينة، تشتعل الملاءات وتنفجر المرتبة

يتفصد الكومودينو عن أسد هصور يزأر ويختفي صاحبي والكتابة على الحيطان:

سنوري حين يمارس الجنس يقذف كل عشرين دقيقة ولسانه أخشن من ورق الصنفرة

***

أيتها الحبيبة المنتحبة يا مانحتي الأورجازم النهائي لقد انعقدت حياتانا بالموت

لقد رأيتُ الآتين والغادين قبّلت ذوي اللحى وجريت من شاهري السنجة على سلالم المترو

حملتُ سيدي مجاهد إلى ظلمة القبر لأُطمئن أباك ونعست مقرفصاً بين مقصورتين

لقد وجدتُك أسفل سريري وجيش أمي في الغرفة، سلّمت رقبتي لفم الأسد.

٢٠١١

فبراير

بريق اللافتات. والصاخبون. والذين تركتُهم مطمئناً. وللمرة اﻷولى منذ اجتمعنا. والمخيمات التي يسكنونها. وطعم الهواء خلف الحواجز. والذين تركوا أشغالهم ليجمعوا الزبالة. وبائعو اﻷعلام مع بائعي التسالي. ولينظمونا صفوفاً في الدخول والخروج. والذين “عزّلوا” بعائلاتهم. والنائمون تحت الدبابة. علامة النصر باﻹصبعين. والذين يفتشونك ويعتذرون. والنائمون في العراء. وكذب المحطات الرسمية. وفي أحضان الله. والكلام المقيّئ. والذين يقبّلون الجنود. والخيانة على صفحات الجرائد. والخيانة بلا أجندات. وحاملو اﻷرغفة والفواكه. الشاي في الكوب البلاستك. والسيجارة المشتعلة من سيجارة. وصورة تذكارية مع الدبابة. الذاهب واﻵتي. و“مرحباً باﻷبطال“. ومَن راح حسه وهو يهتف. والخوذة المرتجلة في النار. والكوكاكولا لغسيل الوجه. وفي الطوب والحوافر والعصي. الجري ثم الرجوع. وأحضان الثكالى. والمتليف جلده بالشظايا. أوجع قلبه ما حدث لهم. والكوكاكولا بثلاثة جنيهات. ومع علبة كشري صغيرة. ولا يجد حرجاً أو غضاضة. ولن يقبل اﻹملاءات اﻷجنبية. ويقولون إننا مضللون. حاملو الجرحى عبر المداخل. وخراطيم المياه على الساجدين. والساجدون على اﻷسفلت. والذقن والشعر واﻷحذية. ويقولون إنه على كلٍ رئيسنا. سائق التاكسي الخائف. ورافعو الصليب المقدس. وسائق التاكسي الخجول. والذين دهستهم العجلات. صورة الرئيس مع الحذاء. ومشيعو اﻷجساد واحداً بعد واحد. والذي مات قابضاً على الطلقة التي أخرجها من عنقه الطبيب. والذي اختطفوه وأحرقوا وجهه بالسجائر. والذي مات في المرة الثانية. من يهتف لا يمت. والقنص من فوق أسطح الفنادق. والقنص تحت ستار الليل. والشعارات في الرصاص. والذي واجه المضرعة لوحده. والقلق على البلد ككلام المأجورين. وتحت غطاء الليل. أكثر من معنى لجبهة. واستغاثات اﻷطباء. والنازفون على السلالم. وخسّة الشرطي. ومَن حمل القنبلة وقذفها عليهم. ومِن وسط دخان التشنج. ومن حل محلهم وهم يركضون. والذي منع زميله من ضربهم بالحجارة. والنيل ليلاً. والجندي الذي قال لي: كيف أضربكم وأخي بينكم. وضابط الجيش الذي غمرني بذراعه. والشعب يريد إسقاط النظام. ودقات الطبول إيذاناً بشيء. والكارثة. والساحات المدمدمة كالمناحل. ودقات لتنغيم الشعار. الانتظار والذراع مرفوع بالبطاقة. ومن كان شرطياً سيُذبَح. والجلوس على الرصيف. والموت ضرباً. والموت بالنهار. والمطر على الجباه. الشعب يريد محاكمة الرئيس. وعيون الخارجين من المساجد. وأطفال العشوائيات. وما يبقى من السيارة بعد أن تحترق. والانفلات اﻷمني. والرشاش في المرحاض. وأفواج اﻵتين بعد أن يأمنوا. واﻵتون مع أصدقائهم. واﻵتون مع أقاربهم. واﻵتون لوحدهم. ويسقط مبارك.

إبريل

السموات الخلابة. المثقلة بآفاقها. كأنها الخلفية الجاهزة للوحة تصور حقول “الميموزا”. والمقننة بالـ”فوتوشوب”. الزاحفة على زجاجة سدادتها جليد. بلا عمود فقري. سموات لـ”وليام ووردزورث” إثر رجوعه من “الباستيل”. وسموات “الحنجرة” القديمة. التاريخ تحت إبطها ورصيدها الائتماني لا يكفي فنجان قهوة على الشاطئ. سموات هي الأسقف الخلابة للشاطئ. والتي تغمض على درجات الرمادي تحت زوايا مثلثاتها المتفصدة بالبخار. والتي ليست زوايا. سموات تضع أفيونة تغيير العالم تحت لسانها ثم تنحني لليخوت. أقرب إلى البنفسجي من الأصفر. ورغم أنف زهرة الميموزا. السموات التي هي سلالم موسيقية للنظر. جعلت من الله عصفوراً (كما يقول “وديع سعادة”) ولم تدعه يزقزق للشعوب. السموات المنتهَكة. المؤثرة رغم ابتذالها. المبتهجة بالغيم. “ليه يا بنفسج بتبهج”. وتهدُّج “عبد الحليم حافظ” على الوطن والعيون السود. سموات الشِعر الرومانتيكي. رموشهم ليل. ولا مكان لـ”عبد الناصر”. الحالمة بتغيير العالم. التي تثقلها آفاقها. الأفيونة لا تفارق لسانها فيما الشعوب تنتظر الزقزقة. سموات الحرية. سموات المساواة. سموات الإخاء. التي حين تأتي الشمس تشيح بقسم من وجهها عن القمم الغائصة في الزبد فيفوح الصنوبر أخضر وقريباً من الأمواج. الدين للثورة المضادة والوطن للمصطافين. وسموات الأمواج أيضاً. المبحرة بلا شوارع. الباقية بعيداً. والزرقاء رغم أنفها. الزرقاء بلا دماء. الزرقاء بحق الاحتجاج السلمي. والزرقاء بالأبيض وأسود كذلك. الزرقاء بالليل.

يخطر لي أننا هنا من زمان

في منتجع ليس كالدنيا

يرتدي النزلاء سواراً بلون البرتقال

علامة أنهم دفعوا

حق كل ما يمكن أن يجرعوه

وحيث الطعام والشراب، النزلاء قرية

أطفال كالطحالب وعجائز هيبيون

أنصاف عاريات يكركرن على الضفاف

وعلى رسغ كل منهم ذات الشريط

ذلك الذي لا يمكن خلعه

بلا آلة قاطعة

في منتجع لعله كالدنيا قليلاً

فلاحة ما كادت تولد حتى أنجبت

واصطحبت شعباً باكياً

إلى حيث سفينة واحدة بيضاء

تقسم الأفق نصفين

***

برتقال الشمس حليب الهلال

وفي الليل كل النجوم

الطعام ليس طيباً رغم كل شيء

لكن النزلاء متجاورون على اختلافاتهم

وكلهم كلهم يرتدون السوار

كأن ليس لهم رأي في الحكاية

في منتجع يخلط اللغات أو مخلفاتها

أعثر على لون المياه

فيما أنتظر قدح قهوة

غير مدرج في حقوق الإقامة

وأتابع الأرسغ المطوّقة

ختم يجُبُّ حتى الحجاب

في استطاعته أن يقول عنك شيئاً

بينما أنت ساكن كالمناشف

والدنيا بعيدة وسافلة

***

يخطر لي

أننا معتقلون في الصحراء

كفوا عن تعذيبنا من سنين

واكتفوا بمتابعة أيامنا

عوضاً عن الاعترافات

وهم يلهوننا بالغناء والسباحة

يعلمون متى نأكل أو ننام

أين نذهب لو غادرنا المبنى المركزي

وكيف تتلاحق خطواتنا على الطريق

سوار برتقالي في رسغ كل منا

يعرّفهم مَن نكون

يخطر لي

أننا حبساء مصحة عقلية

يجمعنا وهم مشترك

إننا مصطافون في نزهة على الشاطئ

أتينا منذ أيام وبعد أيام نروح

فيما الحقيقة أننا هنا منذ الأزل

ولا أمل في العودة قبل أن نموت

سوار برتقالي يحدد إقامتنا

ويُعلِم العاملين أننا مرضى

لا يجب أن يواجهونا أبداً بالحقيقة

***

في منتجع هو الدنيا، يا حبيبتي

نراهن على مشروب مثلج

أو مباراة كرة طائرة على الرمال

بينما السوار في رسغنا

والموجة تبتعد

تحميل PDF


حوار عبد المنعم الشنتوف

يعتبر يوسف رخا واحدا من العلامات المتميزة في المشهد الإبداعي العربي المعاصر، ويتسم بتنوع منجزه النصي بين أدب الرحلة والقصة والرواية علاوة على التحقيق الصحافي. درس يوسف رخا بجامعة هال في بريطانيا قبل أن يعود إلى مصر ويحترف العمل الصحفي. يشتغل حاليا مسؤولا عن الملحق الأسبوعي لجريدة ‘الأهرام’ الصادر باللغة الإنجليزية. أصدر الكاتب عددا من الأعمال نذكر من بينها: ‘أزهار شمس’، ‘بيروت شي محل’، ‘غرب القاهرة شرق الفيليبين’،’ بورقيبة على مضض’ علاوة على ‘الطغرى’ و’التماسيح’.
تتميز التجربة الإبداعية للرجل باستثمارها الدال للتهجين على مستوى الأشكال التعبيرية علاوة على التوظيف الذكي لتنويع من السجلات اللغوية تتوزع بين العامية المصرية ولغة المصنفات التاريخية القديمة واللغات الأجنبية من قبيل الإنجليزية وهو ما نتمثله في رواية ‘الطغرى’ تحديدا. يمكن النظر إلى هذه الرواية ولاحقتها ‘التماسيح باعتبارهما تمثيلين قويين للأدب المعبر عن ثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك. في هذا السياق، إذن، يشكل الحوار مناسبة للاقتراب من العوالم الإبداعية لهذا الكاتب الذي يتميز بمفارقة تجربته الإبداعية للمألوف والسائد…

wpid-cairo-metro4-2012-05-15-04-59.jpg

1-بدأت الكتابة عام 1999 بإصدار أول مجموعة قصصية بعنوان “أزهار شمس” عن دار شرقيات. وازى ذلك اشتغالك في الصحافة باللغة الإنجليزية تحديدا، حيث عملت في الإصدار الإنجليزي الأسبوعي لمؤسسة الأهرام ثم ككاتب تحقيقات في أبو ظبي لمدة عام قبل أن تعود إلى الأهرام. هل تعتقد أن اشتغالك الصحفي قد أفادك في الكتابة الأدبية، وهل يمكن أن تحدثنا عن نقاط الاتصال والانفصال بين هذين السياقين في الكتابة؟

أيام مراهقتي عقدتُ العزم على أن أكون كاتباً. كان هذا يعني أن تصبح الكتابة مسار حياة بما في ذلك الجانب المهني منه. ولا أعرف فيم كنت أفكر بالضبط: هل كنت أدرك أن الأدب في حد ذاته لا “يؤكّل عيشاً”؟ كان قراراً أهوج ربما فيما أملاه علي لاحقاً، لكنني لازلتُ فخوراً بوضوحي مع نفسي والعالم في رفض ذلك السيناريو المتكرر في بلادنا – أن يكون للكاتب مهنة “جادة” تحفظ له حداً من العيش الكريم والمكانة الاجتماعية؛ ظاهرة الكاتب الطبيب والكاتب المهندس والكاتب السفير – وكأن الكتابة مزحة أو نشاط هامشي يفتقر إلى الجدية بتعريفه، وكأنها ليست “شغلانة” بما يكفي، أو كأن هيامك على وجهك لتكتب نهايته الأليمة محسومة مسبقاً! صدرت “أزهار الشمس” على نفقتي بالتزامن مع حصولي على وظيفة في الأهرام تقريباً – كان الحصول على وظيفة رضوخاً للـ”مجتمع” متمثلاً في أبوي، ولكنه كان أيضاً وعداً بأن أحقّق حلمي في العيش مما أكتب وإن بلغة أخرى، في سياق ليس أدبياً؛ وحيث كنت ساذجاً بما يكفي لأنتظر أن يستقبل كتابي “قراء” و”نقاد” لا أعرفهم فيقيّموه بنزاهة، أحبطني الصمت المطبق والغياب التام لأي نشاط ترويجي أو تسويقي من جانب الناشر. مع الوقت بدا لي السياق الأدبي منفّراً في مقابل سياق صحفي كنت أحقق فيه نجاحات مُرضية مادياً ومعنوياً… أما من الناحية التقنية فالصحافة في بعض أشكالها أدب وهي في كل أشكالها تدريب على الأدب. أظنني تحدثت عن ذلك بما يكفي من قبل: الصحافة لا يمكن أن تكون منتهى الطموح لكنها يمكن أن تساعد كثيراً.

2- انتقالك إلى أدب الرحلة أو محكيات السفر مسألة تستحق المناقشة. ونحن نعرف أنك درست في جامعة هل البريطانية وتنقلت بين بلدان مختلفة. هل كان اختيارك لهذا الشكل التعبيري محصلة هذه التجربة في “الترحال” واكتشاف عوالم مغايرة لما ألفته عيناك في بلدك الأصلي. راكمت في هذا السياق مجموعة من التحققات النصية الجميلة: “بيروت شي محل”، “بورقيبة على مضض”، “شمال القاهرة غرب الفيليبين”. هل يمكنك أن تحدثنا عن هذا الاختيار التعبيري؟

كنتُ منزعجاً من زيف وغباء “الانفجار الروائي” في مصر، هذا من ناحية. أردت أن أمارس أدبيتي بشكل يخرج على ذلك الخطاب كلياً ويكسر هايراركية الأشكال المدشنة بل وينفتح على احتمالات قد تقترب من ذائقة جمهور قراء معطّل، ولعله فعل بدرجة ما (وإن كان يبدو لي أمر القراء غاية في الارتباك والتعقيد إثر ثورة كان من تبعاتها أن تسهّل مهمة الإسلاميين في قمع الحراك الاجتماعي والأخلاقي والفردي؛ ثم أين كتاب المعارضة النجوم غير الإسلاميين من مستقبل الكتابة وهم ربما أكثر انغلاقاً وتفاهة حتى من نظرائهم الموالين للدولة؟) من ناحية أخرى ربما كنت أحتاج شكلاً “غير أدبي” أعود من خلاله إلى اللغة العربية، حيث انقطعتُ عن الكتابة بالعربية على نحو شبه كامل لفترة تجاوزت ست سنوات. بالطبع كان ثمة ما يؤهّل لمثل تلك الكتابة نتيجة تعدد الأسفار وتراكم الإحساس بالأماكن، كما أن فضاء جديداً للنشر – مجلة “أمكنة” السكندرية التي كتبت لها أول تلك النصوص، مثلاً – بدأ يهتم بما يمكن أن يسمى النص المفتوح أو الريبورتاج الأدبي. ثمة حياة في مكان آخر أو نظرة أخرى إلى الحياة؛ وكما في الحياة كذلك في الكتابة. ممتطياً “ركوبتي” الصحفية، شعرتُ أنني أدخل أرضاً لم يردها أحد قبلي…

3-لاحظت وأنا أصاحب تجربتك الابداعية استثمارك الدال لأسلوب كتابة التحقيق الصحفي بما يستلزمه ذلك من التقاط ذكي للتفاصيل واستنطاق لتواريخ الأمكنة مع استلهام قوي لمساحة واسعة من التخييل. وما أثارني في هذه النصوص انفتاحك فيما يشبه تهجين الأشكال التعبيرية على الرسم والفوتوغرافيا والشعر والتاريخ؛ وهو ما يتجلى بقوة في كتابك “شمال القاهرة غرب الفيليبين”. هل يمكن الوقوف عند هذا الاختيار موصولا برغبتك في التمرد على الشكل النمطي للكتابة؟ هل يمكنك أن تسلط الضوء على هذه الإشكالية؟

أنت تستعمل كل ما لديك في الكتابة، كما تستعمل ما لديك في معركة البقاء على قيد الحياة. كانت تقنيات الصحافة أداة فعالة في الاستقصاء وإن لم أقصر استخدامها على الموضوعات الصحفية بالطبع. بالنسبة إلى الجانب البصري من هذه الكتب، أعتقد أنه يمثل محاولة لاستلهام المساحة في النص الأدبي؛ وقد تم استثمار هذه المحاولة على نحو أوضح في “كتاب الطغرى” باختلاق خريطة للقاهرة وإدراج رسوم على علاقة بتلك الخريطة في متن النص. لعلها مساع لاستخراج “جغرافية” النص في مقابل تاريخيته الحاصلة بطبيعة الحال، سوى أنني أمارس الفوتوغرافيا أيضاً وقد كان لذلك أثر في كتابتي على مستويات متفاوتة. لكن هناك جانباً ربما لم يتسن ذكره من قبل وهو الدفاتر التي أحتفظ بها وأودعها الكتابة والرسوم والقصاصات والتذكارات تحايلاً على مرور الوقت والنسيان؛ لقد قيل عني قبل أعوام إنني “آخر الوراقين”. ومنذ الطفولة وهاجس “عمل كتاب” يراودني؛ كنت أخترع كتباً “علمية” صغيرة بما يتوفر من قرطاسية في البيت. المؤسف أن الإخراج البصري نادراً ما يحوز اهتمام الناشرين العرب مع أن لفنون الكتاب كما تعلم تقاليد خلابة في التراث العربي الإسلامي ومن الممكن استنهاض تلك التقاليد بتقنيات حديثة.

4- “بيروت شي محل” الصادر عن مجلة أمكنة عام 2006 تمثيل واضح لتداخل الكتابة الصحفية والكتابة الإبداعية. وقد سعيت من خلاله إلى الاقتراب من عوالم هذه المدينة التي تعتبر القلب النابض للبنان والتحولات التي طالته بعد نهاية الحرب الأهلية. يعج هذا المحكي الجميل بتفاصيل تنقل السارد الرحالة بين العديد من الأمكنة داخل بيروت أو في الجنوب ولقاءاته بالناس. كيف يتمثل يوسف رخا الاشتغال التخييلي على موضوعة “المكان” في ارتباطها بالذوات الإنسانية التي تقيم أو تعبر فيه؟

لم يكن التخييل في “بيروت شي محل” – ولا في نصوص المدن العربية من بعده باستثناء، ربما، المنامات المغربية – سوى توليفياً، لغوياً. فيما بعد، في “الطغرى”، اكتشفت إمكانات الاختلاق والتلفيق على مستوى الأحداث والمعلومات. وكان السبب الرئيسي وراء انصرافي إلى الشكل الروائي هو إدراكي التدريجي أن القاهرة هي موضوع كتابتي الحقيقي وأنني لا يمكن أن أقارب القاهرة بلا تخييل جذري من هذا النوع، وهو ما يستلزم سياقاً أقرب إلى سياق الرواية. لعل كتابة السفر كان دافعها الأعمق في اللاوعي أن أتمكن من رؤية القاهرة أدبياً عن طريق مقارنتها بمدن عربية أخرى أو جعلها مرجعية رئيسية لرؤية تلك المدن التي تشبهها وتختلف عنها في الوقت ذاته. قناعتي أن للكتابة بطلاً من اثنين بغض النظر عن سواهما من أبطال: إما المكان، أو الزمن. كان من شأن اهتمامي بالقاهرة وانطلاقي إلى الرواية من كتابة الأماكن أن يصبح المكان هو بطلي الأول. لا يعني هذا أن الزمن غائب عن نصوصي ولا أنني أتهاون في احترام اللوحة الزمنية التي أرسم عليها العمل – أو أركّبه – ولكنه يعني أن المكان ربما أهم… لكن الوجود في بيروت في ذكرى الحرب الأهلية الثلاثين بصفة نصف صحفية كان دافعاً على الكتابة في حد ذاته وهو ما أدى إلى استشراف احتمالات تحويل المكان إلى موضوع كتابة. المكان بالطبع ليس مساحة جغرافية (طبيعية، معمارية) وإن كان أيضاً كذلك. إنه وجود في محيط ولقاء بأشخاص واحتمال أن تكون أنت شخصاً جديداً نتيجة ذلك.

5- أود أن أتوقف معك مليا عند كتابك الأخير الصادر في بحر السنة الفارطة عن دار الشروق القاهرية. قرأت الكتاب بمتعة حقيقية وأنا أجد في داخلي انجذابا إلى تعدد سجلاته اللغوية وأشكاله التعبيرية. ثمة هذا الاستثمار الدال للمصنفات التاريخية التي اهتمت تحديدا بتاريخ مصر عموما والقاهرة بشكل خاص. وقد لاحظت قي هذا الصدد ركونك الدال صوب استعمال لغة هي مزيج من العامية والفصيح إسوة بمصنف الجبرتي في تاريخ مصر. كيف يمكن تفسير هذه الاستعادة؟

لم تكن لغة الرواية استعادة أو استدعاء بقدر ما كانت إحياء لسجل غائب من سجلات العربية المكتوبة: اللغة الوسطية التي أُرّخ بها للقاهرة لقرون من قبل الجبرتي، والتي أُهملت أو اندثرت إثر المد القومي لصالح فصحى مفتعلة إن لم تكن ركيكة ومنفصلة عن عمقها المعاش. العامية جانب عضوي من اللغة العربية وربما الجانب الحي منها، كما أن الكلمات الوافدة من لغات غير عربية مصدر رئيسي للغة. بدا السجل الرئيسي من ثَمّ مناسباً لكتاب يطمح إلى تصوير القاهرة وتصنيفها على غرار “الخطط” القديمة وإن بمنطق معاصر ومختلق. لكن لم ينطو الأمر على إعادة إنتاج لغة قديمة أو استيحائها كما هو الحال عند كتاب آخرين. كان الهدف هو التوصل إلى معادل معاصر للغة الجبرتي في سياق تقاليد الكتابة التاريخية. وقد يكون انجذاب قارئ مغربي إلى نص مكتوب بهذه اللغة دليلاً على نجاح مسعاي على هذا المستوى. كان الإيغال في التاريخ مدخلاً إلى سؤال الهوية المطروح في الرواية على أكثر من صعيد: ماذا يعني أن تكون مصرياً قاهرياً؟ ولكن أيضاً: ماذا يعني أن تكون مسلماً في هذه البقعة من العالم بعد الألفية الثانية؟ أحس القاهرة تكويناً متعدد الأبعاد، ففضلاً عن المدينة المكشوفة هناك مدن مستورة تنازعها المساحة ذاتها: مدن تاريخية وإسلامية، وأخرى طبقية ثقافية، ومدن سياسية مقصورة على توجه إنساني أحادي شديد الضيق. أردتُ أن أكشف ستر هذه المدن على نحو يتداخل مع تصنيف المدينة المعروفة أو أجزائها التي تقع فيها أحداث الرواية ومن ثم أستخرج قاهرة فريدة موجودة بالفعل إلا أنه لا يمكن رؤيتها قبل قراءة الكتاب، قاهرة هي اسطنبول نهاية القرن التاسع عشر وهي صحراء المماليك وهي دهاليز “مولات” مدن المستقبل؛ وكان التاريخ العثماني بالتحديد زاوية أساسية في هذا الصدد؛ لأن القاهرة التي سعيتُ إلى استخراجها تلك كانت للضرورة – وإن، للضرورة أيضاً، بمنطق مناقض جوهرياً لمنطق الإسلام السياسي – قاهرة إسلامية.

6- لماذا هذا التشديد المكثف في كتابك “الطغري” على استعمال توليف من السجلات اللغوية تتوزع بين الدارجة المصرية والعربية الفصيحة والإنجليزية المعربة إن صح التعبير. وقد وصل بك الأمر حد وضع معجم في خاتمة “العمل” تفسر فيه الغامض من هاته الكلمات. هل يتعلق الأمر والحالة هاته بمراهنة مقصودة على خيار “التهجين” من منطلق الافتراض الذي مؤداه أن ليس ثمة وجود لهوية أصيلة أو خالصة وأن الاختلاط أو الهجنة هي الحقيقة الوحيدة؟

فيما يخص اللغة، بالتأكيد لا وجود لهوية أصيلة ولا حقيقة سوى الاختلاط. عن نفسي، لا أؤمن بـ”طهورية” اللغة على الإطلاق. للعربية الفصيحة امتداد مكاني وزماني لا يجب أن نتخلى عنه ربما، لكنه لا يجب أن يؤدي إلى موتنا لغوياً. اللغة كائن حي محكوم بلحظته التاريخية، هي كائن يحيا باصطلاحه على الأفواه قبل أن يُكتب؛ أظن هذا بديهياً، وهو ما يستتبع الهجنة بدرجة أو أخرى على المستوى المقصود. اللغة تصنعنا وتنمينا ولو أننا قصرنا ما نستمده منها على لحظة أو بقعة واحدة لتحولنا إلى “زومبيز” – وهو ما حدث ويحدث للكثير من العرب بالفعل، بدرجات – أما بالنسبة إلى الهوية الإنسانية-الثقافية، فالسؤال أصعب كثيراً. من زاوية جذرية، أظننا كائنات مهجنة بالضرورة ليس فقط لأننا نعيش في عصر اندحار ثقافتنا “الأصيلة” أياً كانت ومن ثم بشروط ثقافة أخرى لعلها أقل اختلافاً عن ثقافتنا تلك في الحقيقة مما يبدو، ولكن أيضاً لأننا كائنات مدنية أو هكذا لابد أن نكون لكي نكتب روايات. إن هذه النصوص موجهة إلى قراء يسكنون مدناً متعددة الهوية، وحسبك أن هناك من يعرف العربية ولا يقرأ إلا الروايات الإنجليزية أو الفرنسية بل ويقرأ الروايات العربية نفسها مترجمة إلى اللغة الأوروبية التي اعتاد أن يتلقى فيها الأدب… ليس هذا حكماً أو موقفاً، إنه واقع وحسب: قارئ الرواية المعاصرة الجادة كما أتصوره – حتى وإن كان لا يعرف سوى العربية – ليس كائناً أحادي الهوية؛ قد يكون بينك وبين العربي فهم دقيق أو “محلي” في بعض الأمور لكنك لن تستطيع أن تقول له شيئاً ذا بال ما لم تتعدد وتتنوع ثقافتكما بما يستوعب اللحظة التي تشتركان في صوغها عبر النص الروائي، أليس كذلك؟ بالنسبة إلى العرب اليوم بالتأكيد ولكن ربما أيضاً بالنسبة إلى أي جماعة بشرية في أي زمن، تلك اللحظة لا يمكن أن تقتصر على ثقافة واحدة. ومع ذلك، ورغم ذلك – وهو ما يجعل سؤال الهوية أصعب من سواه – كثيراً ما أحس أن هناك هوية رغم كل شيء، هوية تتجاوز المدنية الفردية متعددة الثقافات تلك… لكن ماذا عسى تلك الهوية أن تكون؟

7- “الطغري” في الآن نفسه محاكمة إبداعية قوية للتدهور الذي عرفته مدينة القاهرة وتقلص أو انحسار البعد “المدني” بما يستلزمه من تعدد واختلاف في الرؤى إلى العالم وطرائق العيش والسلوك والعودة القوية للدين بتصوراته “الشوفينية” و”الشعبوية”. يلوح لي أيضا من خلال قراءتي للعمل أن تفاصيل عدة من سيرتك الذاتية حاضرة بقوة. أين يتقاطع السير ذاتي والروائي في هذا النص وأين يحضر التخييل؟

كان سؤال السيرة الذاتية مطروحاً بشدة أيام “أزهار الشمس” وكان ضاغطاً في ذلك الوقت حيث بدا أنه لا مهرب من رصد الواقع وبدا الواقع قاصراً أو ضيقاً نتيجة صغر السن وحدود التجربة. فيما بعد – عبر الصحافة وخبرات الحياة – أصبح الموضوع أقل أهمية بالنسبة إلي. السؤال ليس “هل تكتب سيرة ذاتية” ولكنه “كيف تستخدم السيرة الذاتية في الكتابة”. في “الطغرى” شخوص وحالات منطلقها من الواقع بالفعل ولكنها لا تعنيني شخصياً بالضرورة، لا تعنيني في أكثر من أنني أعرفها جيداً وأشعر بأنني مؤهل للكلام عنها بدافع إدخالها في مشروع قاهرتي الذاتية تلك… أما بالنسبة إلى انهيار المدنية وانتشار الأسلمة الشكلانية المستوردة إجمالاً من الخليج العربي، فليس في ذلك ما يحتاج إلى سيرة ذاتية أو أي سيرة: إنه أمام عينيك أينما حللت في مصر وهو بالنسبة إلي فقط غير مفهوم. هو يزعجني ويؤلمني بالطبع لكن الأهم ربما هو أنني فعلاً لا أفهمه، لا أستطيع تفسيره. ولعل في الكتاب محاولة لتفسيره فنياً من خلال الفانتازيا كما رأيت. لكن على أرض الواقع أو على أسفلت الشوارع، ما الذي يدفع شخصاً مهما كان عادياً أو محروماً أو حتى أفاقاً إلى تبني مثل هذه النظرة إلى الحياة، إلى الأخلاق أو الروحانيات، ومن ثَمّ مغادرة المدنية والمدينة إلى الأبد؟ هل تستطيع أن تجيبني؟

wpid-img_1308-2012-05-15-04-59.jpg

8- يهمني أن نقترب من منجزك الروائي الأخير “التماسيح” والذي سوف يصدر قريبا. لاحظت من خلال قراءتي للعمل اهتماما قويا بالتأريخ السردي لجيل التسعينيات الأدبي في مصر والسمات التي تميزه من تمرد على الأنساق والمواضعات الجاهزة في الرؤية إلى العالم والمعيش وبحث عن أدب مغاير. لاحظت في الآن نفسه مماثلة بين هذا الجيل وجيل البيتنكس في أمريكا واعترافا إبداعيا مؤثرا بالأدوار التي اضطلع بها هذا الجيل في الحدس بما أصبح يعرف بالربيع العربي وثورة 25 يناير في مصر والتعبير الإبداعي عن إخفاقاتها وانحرافاتها بفعل تأثير المؤسسة العسكرية والتيارات السلفية الرجعية. هل يمكن النظر إلى هذا العمل باعتباره امتدادا للطغري أم إن ثمة مسافة معرفية وجمالية تفصل بينهما؟ وما هي دلالة هذه المقارنة بجيل البيتنكس؟

ليست هناك مسافة بالمعنى المعرفي والجمالي لكن “التماسيح” مشروع منفرد أو هكذا أراها. كان المفترض – وربما يحدث بالفعل – أن يتبع الملف الأول من حاوية التماسيح ملفان ثانيان لتكتمل ثلاثية روائية عن أحداث ٢٠١١ يركّز كل من أجزائها على حقبة زمنية ويتخذ شكلاً من الأشكال المطروقة ولكن في السياق ذاته (فالملف الثاني، على سبيل المثال، كان المفترض أن يكون رواية بوليسية). “يوسف” أو “الفتيس” في التماسيح ليس هو “مصطفى الشروبجي” وإن كان ثمة تشابه. أرى الامتداد في عمقه على صلة بثلاثة أسئلة جوهرية مطروحة في العملين على حد سواء: سؤال الهوية (ماذا يعني أن تكون مسلماً؟ ماذا يعني أن تكون شاعراً؟)؛ وسؤال اللحظة التاريخية (القاهرة في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين)؛ وسؤال التجاوز (كيف يؤدي الغرام أو الثورة أو الحدث الخارق للطبيعة إلى احتمال معنى أو حوار أو جمال عن طريق تخطي الشرط التاريخي بالنظر إلى الدنيا من زاوية، إن أردت، ما-وراء-سياسية)… ثمة تشابه بالفعل بين التسعينات في مصر والخمسينات في أمريكا؛ وكان من شأن حركة البيتنكس أن تؤدي إلى الثورة الاجتماعية قبل السياسية في الستينات كذلك كما أدت التسعينات إلى أحداث ٢٠١١ بمعنى ما. ومع ذلك بالطبع ثمة معطيات مختلفة لا يتسع المجال لذكرها. المهم أنني عقدتُ الصلة بين حركتين أدبيتين لم يُلتفت إلى تشابههما من قبل في حدود علمي، وكان من شأن ذلك أن يساعدني على فهم ما عشته ولم أفهمه للوهلة الأولى، ذلك الذي سميناه ثورتنا.

تخريج جديد من بصيرة المجتهد: جديد الشيخ أبي النصر السكندري

الحق المكنون.. في من هم “المنافقون”

wpid-sheikhmohab-2012-01-3-16-03.jpg

قال رب العزة في سورة “المنافقون”

“وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم، كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون”.

اعلم هداك الله الى الطريق الأقوم، وأعانك على شيطان نفسك، وما خفي كان أعظم، أن النفاق هو القسمة الأرذل بين صفوف الخلائق، وقد أنزل الله المنافق منزلة “الدرك الأسفل من النار”، وفي ذلك حكمة لا تخفى على كل ذي فطنة، فالمنافق هو امرؤ نفى وجوده الذي هو منحة الله له وروحه الناطقة في جسده، بينما الكافر أو من نسميه كذلك انما يجاهر برأيه فيُعرَف، وبمعرفته انما يلزم الآخرين بالتعريف، وعليه فهو يعيد انتساب وجوده الى الوجود الأشمل، وهو وان كان مخالف لغيره، الا أنه يوجده باختلافه عنه فيبقي على كينونة الخلق المعلنة عن ذاتها، والتي هي آية الله البينة. ثم إن الكافر لا ينافق ربه، وكأنه لا يعلم بالنوايا والسرائر، ولا يطلع على قلوب العباد.

واعلم أن سجية المنافق من أخفى السجايا وأشدها تعقيدا، وهي ليست على الوجه الذي يقولون “مخالفة الظاهر للباطن” فحسب، فهذا من سذاجتهم في التعريف، وضعف ملكتهم العلمية في التوصيف. اذ ليس شرطا أن يعلم المنافق أنه كذلك.

ولجلاء الأمر على الوجه الذي نرى نقول: مما هو معلوم بالضرورة أن الله خلق الانسان حرا، ذلك أنه أراده مسؤولا ولا مسؤولية بلا حرية في الأخذ والرد، واودع فيه ملكة التصور والفكر، ليتبين الأمور كيف كانت وكيف يمكن أن تكون، وعلي هذا يتدبر أمره في الماضي الحال والمستقبل، وينظر في أمر حياته وحياة من حوله وتلك هي الأمانة التي قال عنها السميع العليم “انا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان”.

وعليه فمن قبل الأمانة ظاهرا لخوف، أو بعامل الوراثة (أي ليس بالاصالة عن نفسه) أو تبع فيها غيره، فانما ينفي عين صفة الانسان المسؤول عن ذاته متذرعا باتباع غيره فيها، وما هكذا تصان الأمانات. بل كأنه رد الأمانة من حيث قبلها ظاهرا كذيا وزروا.

ولأن أمانة الله ليست كنزا مودعا يتناقله الناس جيلا بعد آخر، بل هي المسؤولية التي لا تنهض الا بالاصالة، ويقول عنها الكتاب “ولا تزر وازرة وزر أخرى”، وكذا يقول “وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه”.

نقول: لأن ذلك كذلك فمن تبع غيره في تصوره عن معنى “الأمانة” انما كمن حمل كتاب غيره ليواجه به ربه. وهو كالعامل الجبان الذي يتملق من استعمله بالاتباع الأعمى، لا بمعرفة مقاصده ومراميه البعيدة. فكأنما يهينه من حيث يريد أن يبجله، ويتصوره ظالما غشوما مستبدا، لا عارفا بالنوايا يميز بين خبيثها وطيبها. ويهين العقل الذي وهبه الله اياه ليسلك به طريقه الخاص الى معنى الوجود وغايته ويجعله مطية لغيره، فيطمس نعمة الله، ويسمي من يتبعهم بالقاب يبجلها رياءا وكفرا، ليتخفى في أثوابهم وما أدراه إن كانت بطانتها الحق أو الضلال، والأنكى أنه يفرض على الآخرين مسلكه حتى لا يرى حوله من يخالفه فيطمئن الى عقيدته الهشة، ولذا يزايد على غيره ويصرخ في الناس كالبهيمة، فزع دائما من كل تأويل مخالف، متربص بكل فكرة لم تخطر له ببال، عاجز عن رؤية الحق، فما بالك بتبين بعض خيوطه اذا مزجت بغيرها، ذلك أن الأمور ليست صوابا كلها ولا خطأ كلها.

قال عز من قال “أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ”

أساس النفاق على هذا الذي أوضحنا انما هو الاتباع، وهو احد خصال الجاهلية التي ذمها وحقرها الذكر الحكيم، حين نعى على المشركين اتباعهم للآباء والأجداد. وهذا أصل من أصول الدين تقاس به فروعه لا العكس وعليه يقاس الأمر باتباع الرسول اذ يكون الاتباع بجوهر الرسالة لا الشخص، أما هو فبشر كسائر الناس يخطئ ويصيب. والا ما عارضه صحابته على أمور هي من الدين نفسه فجاء الكتاب مؤيدا لهم.

ويكون اتباع المنافق بعدم مفارقة الجماعة اما لخوف على مصلحة عاجلة، وهو من باع دينه بدنياه، أو لاستجلاب هذه المصلحة بتخويف الخلق من عقولهم، وتقبيحها وتحقيرها، والخلط بينها وبين الهوى (وله شأن وموضوع آخر)، لاستكمال السيطرة عليهم، والحكم فيهم، ويكون هذا من أعظم المفاسد، أي تجهيل العاقل ليحكم فيه الجاهل.

ثم ان المنافق عابد الأشكال والشخوص فهو مشرك من حيث يدري أو لا يدري، وهو أمر أتينا على ذكره من قبل.

واعلم ان تكسير الاوثان كان رمزا لعبادة صورة واحدة من صور الحق، فالكتاب يشهد أن عبادها لم يعبدوها لذاتها انما عبدوا من خلالها أشخاصا “ليقربونا الى الله زلفى” فلا تزلف في عقيدة صحيحة واسطة.

ومن أصول النفاق الخفية تصور البعض أن الدين انما جاء مضادا لغرائز الانسان التي ارتقت بفعل الثقافة لتصير معنى آخر هو الجمال، وأن الحكمة في تحقيرهما، وأن سعادة الدنيا هي تعاسة الآخرة، وكأن الله جعلها عقابا لذنب لم يرتكب. وهذا من فساد تصورهم عن الله نفسه، فكانه اله حبس ومنع، وأمر ونهي. فينافقون الله بكبت الغرائز ظاهرا، وبتقليص أفعالهم فيها الى حدود الامتثال الأعمى لصور توهموها، فتقفز هذه الغرائز لا في صورتها الصحيحة كما أودعها الباري، وترك لخلقه التصرف فيها لما فيه سعادتهم على الاجتماع، بل صورة شهوة الطمس والعمى، مصحوبا بغضب جائع، ورغبة معذبة، يضعون لها قانونا هو تعبير عن الخوف منها، والعجز عن السعادة بها. فهم على ازدواج النية والقصد مهووسون أبد الدهر.

وقد أطلنا عليك لحاجة كان يجب الابانة عنها، فلا تصلح النتائج بلا مقدمات. كما لا تجوز تهمة بغير بينة.

وخلاصة الأمر نقول أن ما يسمى بعلم “الفقه” هو اسم لنقيض مسماه، ولا يحوي الا ضلالات، ذلك أنه يقلب آية الحكمة. ذلك أنه تبرير لظواهر الأحوال التي كان عليها النبي وصحبه، وهو تبرير متأخر في الزمان بأثر رجعي، ومن ثم فهو لا يتنكر فحسب لتبدل الأحوال ومعاني الصفات وغاياتها، طامسا تنوع خصال الحق التي بسطها الله في عباده بحسب زمانهم ومكانهم.

واعلم أن كل علم تبريري ليس بعلم، اذ أنه تحصيل حاصل، بل هو كذب ونفاق، ولو طالت متونه وشروحه.

واذا كان مراد الفقه أن يضع للناس قانونا فالأصل في القانون أن ينبع من سؤال الحاضر ومن حاجة ملتبسة فيه تضاربت فيها المصالح والدعاوى فاحتاج الناس الى صيغة توحدهم على طريق متفق عليه بينهم، بينما لا يجيب الفقه على أسئلة الحال، ولا يوصف مشكلة بل ينهج منهجين كلاهما ضلال:

الأول أن معظمه لا ينبع من إشكال حاضر بل من تناقص الحكم الذي قطعوه سلفا مع اواقع الناس، فيجري التكييف والتخريج لصالح ثبات الجكم. ثم يعودون فيسندونه الى الله والرسول وهما منه براء.

ووراء هذا الإشكال إشكال آخر: هو الحلال والحرام.

فبدلا من أن يكون مبدأ القانون هو النافع والضار عمد واضعوا ما سمي بعلم أصول الفقه الى تصانيف تحدد مرادات الأقوال، وصنفوها على الحلال والحرام والواجب وفرض العين والكفاية، والمستحسن والمندوب..الخ وجلها ألفاظ ابتدعوها كأنهم قرأوا بهام مراد الله من كلماته.

هكذا صار أساس القانون الذي أوكل وضعه الى فئة من الناس لا سند لها الا الاتباع الأعمى، ليس قائما على الاتفاق والاصطلاح، ومن ثم عمت الفتاوى المتضاربة يبطل بعضها بعضا ويتخبط جميعها في عته التبرير وضلالاته، لا في نور الحياة الحاضرة ومحجتها الظاهرة.

وصارت فتاواهم هزأة ومعرضا للتندر على عقول طمس الله عليها. وتركت الجانب الواسع من الدنيا بما جد فيها من علاقات وعلوم ومعارف مدوخة وصراعات ظاهرة وباطنة لا يعرف المرء موقعه منها. فوقع التخلف في الأمة، اذ مبدأ العلم التوصيف على الحال، لا رد الاشكال الى أشكال.

وصار فقهاء الزمان هم الأكثر جهلا بزمانهم وعلومه وآدابه لأنك حين ترد الحاضر الى الغائب تطمس كليهما معا فلا تستبين لك طريقا، ولا يكون رد الحاضر الى الغائب الا من باب الاستئناس والمقاربة. والأصل في العلم أن يرد الخاص الى العام، أي الى المراد الأول من حياة الناس وهو سلامهم وأمنهم وسعادتهم.

وخلاصة الأمر أن علم الفقه وأصوله هما وثنان استبقتهما الجاهلية التفافا على الدين، ونفاقا لظاهره. وللحديث بقية، والله أعلم

أحدث فتاوى فضيلة الشيخ أبو نصر السكندري

wpid-sheikhmohab-2011-12-22-01-37.jpg

اقرأ هذه الفتوى نفعك الله بها: أنا الشيخ أبو نصر السكندري، أفتي بأن الإخوان والسفليين ومن سار على شاكلتهم واستن بسنتهم وانتهج نهجهم هم كفار هذا الزمان وملاحدته.

كانت الناس على قلب فمزقوهم شيعا “كل حزب بما لديهم فرحون”، نهض الناس على اقصاء الفساد، وهبوا هم الى نجدته، وعدوا الناس بجنة ما أعطاهم الله مفاتيحها فكذبوا عليه وعليهم، ومن أضل ممن كذب على الله، ونافقوا أهل القوة، والمؤمن ناصر الضعيف، واحتالوا لكسب عرض زائل فباعوا دينهم بدنياهم، وخاضوا في أعراض الناس بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وادعوا علم ما لاعلم لهم به فضلوا وأضلوا، وصدروا أنفسهم لأمانة الحكم، والمؤمن الحق لا يعطاها الا كارها لها، وما كيد الكافرين الا في ضلال، تمسحوا بكل سلطان، وداهنوا كل ظالم والساكت عن الحق شيطان أخرس، فما الحال اذا روّج للبهتان واستغل ايمان الناس، ومن تواقح على الله أنّى له أن يقيم لخلقه حسابا. أفسدوا في الأرض وما جزاء المفدسين في الأرض الا أن يحرقوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض. وصيانة من الفتنة نقول بعون الله: ان على الناس استتابتهم، فان تابوا وأصلحوا “فهم اخوانكم في الدين” وإن كابروا واستكبروا، فتلك حدود الله، وعلى الباغي تدور الدوائر.. والله أعلم

كتاب الطغرى في ١٤ دقيقة وثانية واحدة

تعليق على الفتنة

This slideshow requires JavaScript.


مساء ٩ أكتوبر، انضم الأهالي ممن حرضتهم قنوات التلفزيون الرسمية والدينية على “النصارى” إلى ميليشيات “البلطجية” الموالية للسلطات فضلاً عن الأمن المركزي والشرطة العسكرية، ليس بغرض تفريق وترويع وإنما بغرض إيذاء مسيرة احتجاج سلمية مناصرة لحقوق الأقباط إيذاء متعمداً: ضُرب الحصار على المحتجين في منطقة “ماسبيرو” وقد تعرضوا لعدوان أخف في الطريق إلى هناك من نقطة انطلاقهم في “شبرا” على يد “المواطنين الشرفاء” من المسلمين. ولأول مرة في حياتي سمعتُ بأناس – خارج مجال التظاهرة – ينهالون على الأفراد ضرباً أو حتى يقتلونهم بدم بارد لمجرد أنهم مسيحيون.

كانت مدرعات القوات المسلحة المصرية تدهس رؤوس العزل ممن أُطلق عليهم الرصاص الحي. وقيل في تبرير ذلك – كذباً – إن المحتجين كانوا مسلحين وبصدد قتل جيشنا الوطني قليل الحيلة، فوجهت المذيعة “رشا مجدي” نداء إلى الشعب بنجدة جيشه ضد عدوان الأقباط ممن عُرف عنهم طوال التاريخ الحديث أنهم مسالمون إلى حد التفريط في الحقوق بل ونُعتوا بالجبن نتيجة لذلك، ثم اعتُقل عدد من المحتجين بعدما مُثّل بالجثث وقُذف بها في النيل؛ ولم يثبت أن جندياً واحداً مات خلال حدث ستظل الأدبيات الرسمية تصفه بكلمة “مواجهات” بين أفراد الجيش والمتظاهرين الأقباط، علماً بأن بعض المتظاهرين وأحد الوفيات من المسلمين. كان بين الضحايا أحد أشجع ثوار يناير، الشاب “مينا دانيال” ذو التسعة عشر عاماً، والذي ذهب إلى ماسبيرو ليلتها – كما صرحت أخته لاحقاً – يراوده الاستشهاد.

وبينما اتخذت غالبية المسلمين موقفاً طائفياً صريحاً إن لم يكن مناصراً للمجلس العسكري الذي صار يقيناً أنه امتداد لنظام مبارك المدعوم من واشنطن، كانت أسر الضحايا تقول إن أعراساً تقام لهم في السماء وإنهم ليسوا خسارة في المسيح.

عندما يعبّر مفجوع عن إيمانه، عن فرحته باستشهاد الفقيد، يكون صوته على حافة الكفر تماماً؛ هذا وحده يجعل كلامه مؤثراً.

في الأيام التالية بت مذهولاً. كنت قد تعرضت لحادث نشل بحجة “خناقة” في “المهندسين”؛ أكثر من صديق لاقى قطاع طريق ضربوه وأخذوا ما معه؛ واعتُدي على أكثر من صديق لأن “شكله أجنبي”. بدا لي، بغض النظر عن الفاشستية الطافية أسرع فأسرع إلى سطح الحياة، أن القاهرة لم تعد “آمنة” كما اعتدنا أن نقول عنها، محملين “الداخلية” وحدها وزر الإرهاب الممنهج. لكن ما أذهلني لم يكن القلق و”الانفلات”. لم يكن – حتى – ما أقدم عليه الجيش من جرائم حرب وما تبعه من كذب مفضوح عن سرقة المدرعات ومؤامرات خارجية؛ إلى الآن، مؤامرات خارجية! لا. ما أذهلني وأشعرني بغربة لم أحسها في عمري هو قابلية المواطنين من مختلف الطبقات، حتى المتعلمين منهم، حتى “المثقفين”، على تنحية ليس فقط وعيهم السياسي وضمائرهم وحتى تعاليم “الدين الحنيف” الذي يستغلونه في اقتراف أضرار تتراوح ما بين التلوث السمعي وقمع الحريات الشخصية ولكن أيضاً رغبتهم في معرفة الحقيقة. ما أذهلني هو قابلية المصريين على تنحية رغبتهم في معرفة الحقيقة نتيجة كراهيتهم المجانية لقوم مظلومين لا يختلفون عنهم على الإطلاق.

“الفتنة” التي اتُهم بها القوم إجمالاً أشعلها في الحقيقة محافظ أسوان (ضابط الجيش السابق، والذي أوصت لجنة تقصي الحقائق المعنية بإقالته فوراً قبل أيام من المذبحة، بلا فائدة)، حين أثنى تلفزيونياً على “شبابنا الملتزم” من المسلمين الذين تطوعوا بإحراق كنيسة تقام فيها الصلوات منذ عقود بحجة أن المبنى غير مرخص لهذا الغرض. لكن هذا لغط مفارق…

لأول مرة في حياتي أخجل من أنني مسلم.

ما زالوا يدفعوننا على سلالم العمارات


المستقبل – الاحد 8 أيار 2011 – العدد 3990 – نوافذ – صفحة 11

القاهرة ـ يوسف رخا
لماذا أفكر الآن أكثر من أي وقت مضى في ما تعنيه كلمة مثقف؟ في كونها أشبه بوظيفة أو مرض. كأن تقول: سبّاك؛ أو: بعيد عنك عنده الكلى. وفي أن الأقرب إلى معناها كما تُستخدم هو متعلم. إنها حتى بهذا المعنى زائفة لأن المثقفين الذين تصفهم لم يتعلموا جيداً نتيجة استيلاء النظام على المدارس والجامعات منذ الخمسينيات؟ وأفكر في السر وراء إخفاق من تصفهم هذه الكلمة في تحمل ولو جزء تافه من المسؤولية التي اضطلعوا بها دون أن يطالبهم أحد بذلك. إخفاقهم المتكرر على المستوى العام والخاص، وحتى على مستوى إنجازهم الشخصي: لماذا يقع سهم المثقفين دائماً بين أقدامهم، ولماذا دائماً يوجهونه إلى هدف خارج المساحة التي يشغلونها؟
لعلها الغباوة ببساطة، أفكر: إن الخيال محدود فعلاً، والعلاقة بالكتب وأنماط الحياة “المتحضرة” مفتعلة ومستحدثة. لكن هناك شيئاً حقيراً في اليأس أو عدم الثقة اللذين يجعلانك تشكّك في تحقّق الأهداف بينما الأهداف تتحقق أمام عينيك: لم يكن المستحيل هو محاكمة آل مبارك وحل أمن الدولة. لم تكن المشكلة في “الالتفاف” على شيء من ذلك من جانب عملاء محددين وواعين بدورهم للثورة المضادة. المستحيل والمشكلة كان في القدرة على تخيل عالم بلا مؤامرات أو في الإصرار على محاولة تخيل ذلك العالم، كما في الإصرار على أن مصر دولة مدنية، بلا اعتبار للمحيط الأوسع. المستحيل والمشكلة في شخص ينظر إلى مواطنيه من ارتفاع دون أن يختلف عنهم في شيء أكثر من هذه النظرة. لعلها الغباوة، أقول.
هناك كراهية ذات تتجاوز الوعي بها. كما عند السلفيين كذلك عند المسلمين من كارهي الإسلام. كان حقيراً مثلاً أن يتصرف “اليساريون” الأكبر سناً بما يفضح رغبتهم في تولي وزارة الثقافة، وفي الوقت الذي تبدت فيه لأول مرة فرصة حقيقية لتحرير النشاط الثقافي من وصاية الدولة بإلغائها، وإن على المستوى الذهني: لماذا نطلق أجيالاً أخرى تظن الثقافة شيئاً مرتبطاً بالدولة وصلاحها في كنفها؟ لم يصمم أحد على أن وزارة الثقافة مثلها مثل الإعلام التي أُلغيت بالفعل هي إحدى صور الدولة البوليسية. كان السؤال الرائج هو من سيتولاها. وكأنك وهو ما لاحظته بطول وعرض الجماعة “الثورية” بعد أن تأكدت من ذيوعه خارجها لا تعترض على الفتوة الظالم إلا لتسبتدله بفتوة “أجدع” منه… كأنك ورغم كل كلامك عن حياة تجاوزت الفتوة أو كان يجب أن تتجاوزها لست مستعداً لأن تتحمل مسؤولية نفسك أو تفترض في أهل حارتك القدرة على أن يتركوك في سلام. حتى وأنت مثقف تقدمي إلى الأمام ثورة ثورة حتى وأنت امرأة مستقلة مثلاً لابد من فتوة يسرقك ليضمن سلامتك مثل رب عائلة يبقيك حيث أنت ليصرف عليك.
يخطر لي الآن أن المثقفين في تمسكهم بفكرة الثورة المضادة إنما كانوا يدافعون عن أنفسهم هم، عن المكان الذي استمدوا منه طاقة وجودهم منذ انقلاب 1952 و”الاستقلال الوطني” مع كل تداعياته التي بررت جهلهم وتعالمهم والتفافهم على القيم التي يدعون الحياة بها، ثم كون خطابهم مطابقاً للخطاب “الإسلامي” في شموليته وكونه في جوهره طريقة لممارسة السلطة على من سواهم والتنافس على أمجاد صغيرة في ما بينهم.
منذ السبعينيات أو في أعقابها انعزل الخطاب “المثقفيني” عن “السياسة” فعلاً، ما جعل السياسة حكراً على “الإسلاميين”، لكنه ورغم التباهي بالخاص على حساب العام والمبالغة في الترويج لفكرة الفرد في غياب مجتمع يسمح بالحد الأدنى من الفردية، لم يتجاوز نهم الوصاية والسعي إلى تمايز مستبد، إن لم يكن عن طريق “المركز” الاجتماعي صريحاً فعن طريق الحرمان من ذلك المركز والتظاهر برفضه… لحظة يتحول الوضع القائم بالفعل أو يكون على وشك التحول، لو لم يظهر في المتون “تحول مضاد” يتمرد عليه المثقفون من مواقعهم في الهوامش لو لم يصبح الواقع الجديد مؤامرة لا يقدر على كشفها إلا وعيهم ماذا يبرر وجود “مثقفين” أصلاً؟ وما الفرق بين انحياز المثقفين للجيش – عملياً – ومنطق “اللجان الشعبية”؟
يخطر لي الآن أن الناس انقسمت منذ أول يوم وإن بدا أن الشعب الذي يمكن أن نسميه شعباً كله في ميدان التحرير. وقبل حتى إثارة البلبلة وتكثيف الخطابات الموجهة إلى عقليات جاهزة للارتعاب والانتماء القبلي، تقديس الرموز وتصديق الخرافات، عقب الهزيمة المنكرة للشرطة والتي لم يعلن فرد واحد من أفرادها انضمامه للمتظاهرين بالمناسبة، ولا فرد كان أول رد فعل للنظام هو الترويج للفوضى والجريمة قولاً وفعلاً وجعل اشتراكك في الاعتصام يمثل تهديداً (حقيقياً أو متخيلاً) على بيتك بما ومن فيه، الأمر الذي أدى إلى انطلاق شعارات مثل: يا أهالينا ضموا علينا. يخطر لي أن اللجان الشعبية بغض النظر عن “تجاوزاتها” كانت التعبير الأصدق عن الأبوية البوليسية نفسها التي قامت الثورة ضدها، ورغم أن الانشغال بحماية الممتلكات والأرواح لم يكن حكراً على المعادين للتحرك: القيم التي مثلتها اللجان الشعبية كانت بحذافيرها قيم الثورة المضادة. يخطر لي ذلك وأشعر بانقباض، كلما حدست أن البلد أقرب من معتصمي التحرير إجمالاً إلى اللجان الشعبية. وإلى الآن كلما تأكد الحدس أذكّر نفسي بأنه عبر أنحاء مصر في الثامن والعشرين من يناير 2011، ظهر الله. وإلى أن ينجر الخائفون إلى كلام يشبه كلام النظام الذي سقط عن أن هناك مصالح استراتيجية لدول تستهدف أمننا وسلامتنا أو “أجندات” نحن طبعاً فل الفل دائماً، وعلى اعتبار أن حكومتنا لم تنفذ أبداً، وضد رغبة شعبها، أجندات دولة لا تزال تُعرّف في الأدبيات الرسمية بكلمة “العدو”، لا يمكن أن يحدث عندنا شيء سيء إلا لو كانت هناك مؤامرة لإيذائنا من جانب جهات خارجية تستغل سذاجة المتحمسين، وعلى اعتبار أن الانفلات الأمني وتعطُّل “عجلة الإنتاج” شيء سيء، بل وعلى اعتبار أن القمع مقبول طالما أنه يأتي من الجيش الذي حمى الثورة سيخطر لي أنه الجنون ذاته الذي يصيب أباً فقيراً ليس في بيته شيء ذو قيمة وهو يبالغ في تأمين البيت خوفاً من الحرامية، وعندما يضج أبناؤه بالحياة التي يعيشونها معه لا يتردد في الاستعانة بصديقه أمين الشرطة ليبيتهم ليلة في الحجز حتى يقدّروا النعمة التي هم فيها فيكون قد لقنهم درساً يعينهم على صعوبات الحياة.
ومع ذلك فإن المثقفين والمسيسين حين يتحدثون عن الدولة المدنية، لا يضعونها على نقيض الدولة العسكرية القائم تهديدها بشكل مباشر؛ المدنية التي يقصدونها هي اللا-دينية (أليس مضحكاً أن يحدث تحالف بين الجيش والإخوان المسلمين بل وبين الإخوان المسلمين وبقايا الحزب الوطني من أجل تمرير التعديلات الدستورية؟) وهو ما كان المثقفون والمسيسون مشغولين به دون النظر إلى المجتمع المحيط بهم من قبل حتى أن يتنحى مبارك: المادة الثانية من الدستور، والدولة اللا-دينية. ومدفوعاً بتضامني الصادق معهم، أنا، وجدتُني أتساءل: عندما تصبح مصر دولة مدنية بحذف المادة الثانية من الدستور، هل يعني ذلك أنه لن يكون فيها ذقون ولا مخابيل ولا جيران يحشرون أنوفهم في شؤون جيرانهم أو بوليس آداب؟ هل أن مصر ستكون خالية من حاملي “السنج” المكشوفة صدورهم وقد “ضربوا” برشاماً تحت أعين آباء متقيحين من واجبنا احترامهم وهم يدفعوننا على سلالم العمارات مفضّلين أن نموت على أن نستمتع بمباهج الحياة؟ هل يضمن الدستور حق الاعتراض على التفاهة والغباوة في الأوساط والعياذ بالله الفكرية؟ وماذا عن أمي وغيرها من المتدينين العاديين جداً في الحياة؟ (أمي نفسها التي كانت ترفض وبشدة إلغاء المادة الثانية من الدستور ستقود فيلقاً كاملاً من أصدقائها وأقاربها مع الخادمات والبوابين إلى صندوق الاقتراع ليصوّتوا جميعاً بـ “لا” للتعديلات الدستورية، وفي يوم هكذا سيخبرني الجميع إثر عودتي فاقت فيه سعادة “الناس العاديين” سعادتهم بالثورة، لأنهم ولأول مرة في حياتهم ظنوا أنفسهم يشتركون فعلاً في تقرير المصير… والمصير لا يقرره إلا المضطلعون الذين لهم سنوات طويلة بـ”العملية الانتخابية” من ذقون وفلول وأناس يحملون الهراوات.) مصر دولة مدنية؟ طيب! بين يوم وليلة إذن سيكف البنات عن التحجب من تلقاء أنفسهن، وستكف القوادة باسم التحضر في المقابل بين طلائع لن يكونوا جهلة ومستهترين ولن يضحوا برغباتهم الأصدق من أجل المناظر والمكاسب. سيمكنك أن تقبّل حبيبتك على النيل دون أن تكون من مُلّاك السيارات ودون أن يظهر لك مخبر أو واحد يعرض عليك، بسعر ابتزازي، “قعدة عائلية”. وستتخذ الصلة بالغرب أشكالاً غير نموذج “الخرتي” الراغب في الهجرة بأي ثمن، مؤجّر جسده في سبيل “الحرية”. وحتى العلاقات المثلية عابرة الثقافات أو الطبقات ستكون بين ندين فعلاً بدلاً من أن تظل بين غني عجوز وفقير شاب ليس بالضرورة مثلياً… هكذا بين يوم وليلة… بمجرد حذف المادة الثانية من الدستور، لأن مصر الآن دولة مدنية. لا للتخلف. لا لقمع الحريات. لا للدولة الدينية. وقّعنا البيان الألف وخمسمائة ومليون وخرجنا نبحث عن خمرة ونسوان بينما زوجاتنا يُرضعن العيال في البيوت هيييييييييييييييييييييه! مصر دولة مدنية. ليس عن تعاطف مع الفكر أو النشاط الإسلامي أبداً، خمس مرات في اليوم كنت أردد: اللهم إني أبرأ إليك من الثقافة والمثقفين. وعلى “الفيسبوك”، من الكويت، انتبهتُ إلى “إبراهيم” يقول إن هناك الكثير من ضباط البوليس الشرفاء ومثلهم في المجالات كلها التي كان يسيطر عليها النظام. كتبت لإبراهيم رداً على ذلك أنه في بلد من العادي فيه أن يتحول المجند إلى خادم منزلي لدى ضابط شرطة هو نفسه بالكاد يجد قوت يومه، من الصعب الكلام عن مواطنين شرفاء؛ لم أكتب أنني لا أعرف، في السياق، ماذا يمكن أن تعني كلمة شرفاء. ومن ينطق بكلمة وعي أمامي، من الآن فصاعداً، سوف ألكمه في وجهه بلا تحذير.

آباء من الفضاء الخارجي

ثلاثة جُمَع ولا يبدو أن مبارك قد أدرك ما يحدث من حوله، لا هو ولا العاملون معه ولا قطاع آخذ في التضاؤل من المصريين الذين يفضّلون وهم اﻷمان على فرصة أن يكون لهم ولبلدهم معنى أو يحصلوا أخيراً على حقوق اكتسبوها بانقطاع أحبالهم السُرية. إما هذا أو أن التبجح والتنطّع قد جاوز حد العماء. والخسة  طبعاً، الخسة التي تُحوّل النَفَس، بين شهقة وزفرة، إلى كذبة سافرة. مجرد كذبة مكرورة مفترض من الناس أن يبتلعوها حتى بعد أن ذاقوا طعم الحقيقة وسجدوا على اﻷسفلت. أنا أعدك بذلك. منذ 1967 ونحن لا نصدق اﻷكاذيب بقدر ما نبتلعها خوفاً وبحثاً عن المصلحة المباشرة. في كل جهاز إداري وفي كل المجالات مبارك صغير يفعل ما يفعله مبارك، تحكمه الاعتبارات العائلية واعتبارات تحالف النصابين أكثر ألف مرة من الرغبة في التنمية أو الإنتاج. ومن قبل حتى أن يولد مَن أطلق شرارة اﻷحداث الجارية، كانت الرؤى القومية/ اليسارية قد ذهبت وبقيت، بلا مبرر، الدولة البوليسية. ذهب  الزعيم (على كل ما في فكرة الزعامة من قيد) وبقي الديكتاتور. الحرامي. مجرد صنم أجوف، صدقني. وليس من يمنعه من التصرف وكأنه سلطان يورّث عزبته لابنه بينما تقبّل الوزيرة يدَ امرأته أمام الكاميرات. لكن الدم الذي يجري في عروق مبارك ليس أزرق. ونحن نعلم. لا يمكن أن يظل الناس يصلون لإله عجوة إلى اﻷبد، خاصة وأن نعيمه لم يعد مواتياً. ومنذ سنين وسنين وقد تحولت اﻷشغال والمآرب إلى تمثيليات نبحث ﻷنفسنا بين طياتها عن مساحة مسروقة يمكن أن نكون فيها بشراً: الكتب التي لا يقرأها أحد ﻷن أكثر من نصفنا أمي؛ العمل الذي لا يأتي على أكثرنا بالربح الكافي للعيش ويتلخص إجمالاً في تملق الرؤساء؛ العشق الذي يخصَّص قسم كامل من أحد أقبح أجهزة اﻷمن في العالم لمنعنا من ممارسته؛ الفنون ومباهج الحياة التي يضيّق عليها مشروع سلفي اتضح منذ 25 يناير أنه (وبخلاف مشروع الإخوان المسلمين ) متواطئ بالكامل مع السلطة ويساهم في تحجيم الجماهير لتسهيل استبدادها بالقرار. ولا قرار. التعليم والصحة والزراعة والمواصلات وحتى السياحة، فضلاً عن تجاوزاتالشرطة: كل شيء فاسد وغبي ومزيف. خلاف ضخ اﻷموال العامة في الحسابات الخاصة وتنفيذ ما تأمر به أمريكا حرفياً بلا اعتبار لا للهوية العربية ولا للضمير الإنساني، بالذمة، ماذا فعل نظام مبارك في الثلاثين سنة الماضية؟ ثم لحظة من فضلك. بأي حق يخاطبني اﻵن شخص أثبت لي بالقنابل المسيلة للدموع والذخيرة الحية والتضليل الإعلامي والمسيرات المدبرة والبلطجية المسلحين بل وبالجمال والحمير أنه ليس سوى رئيس عصابة؟ ثم بأي حق يكلمني بوصفه أباً أو حتى جداً مخرّفاً؟ بأي منطق يظنني سأصدق أن الشهداء أوجعوا قلبه أو أنه لن يقبل إملاءات من الخارج؟ ولا يفتأ نائبه الجديد، مهندس عملية السلامالعربي/ﻹسرائيلي  اﻷول – رافعاً المجرور وناصباً المرفوع – يحدثنا بكل هدوء عن اﻷجندات“! إلى مبارك وعمر سليمان وأحمد شفيق وأنس الفقي وسائر المخلوقات الفضائية: بحق  ما يجعلنا نتنفس ويخرج الصوت من حلوقنا، لن يعود أحد إلى بيته حتى تصبح لنا بيوت؛ لن نعود إلى الحياة حتى نشعر أننا أحياء. وأنتم  لستم آباءنا، يا قحابْ

صباح 11 فبراير قبل التنحي

Enhanced by Zemanta

حديث محمد فرج في السفير

Ibn Arabi (Arabic: ابن عربي) (July 28, 1165-No...
Image via Wikipedia

محمد فرج: ما يكتبه ليس أدب رحلات ولكنه سياحة روحية في الأماكن

يوسف رخا: ما يسمّونه الانفجار الروائي أنتج كتابات لا تمتّ للجنس الروائي

استطاع يوسف رخا أن يصنع شكلاً جديداً ومغايراً لأدب الرحلات عبر ثلاثة كتب، صدر أحدثها مؤخراً تحت عنوان «شمال القاهرة، غرب الفلبين.. أسفار في العالم العربي» عن دار رياض الريس للكتب والنشر. بدأ مشروع يوسف رخا مع بيروت عندما قام بزيارتها في الذكرى الثلاثين للحرب الأهلية وكتب كتابه الاول «بيروت شي محل» 2006، بعد بيروت كانت رحلته إلى تونس ثم كتابه «بورقيبة على مضض..عشرة أيام في تونس» 2008 ثم الكتاب الأخير الذي شمل رحلات عدة الى المغرب وتونس ولبنان والامارات وايضاً القاهرة. عبر لغة متوترة ذات جمل قصيرة تلغرافية، تقدّم قراءة للمكان ولتاريخه القديم وحالته الآنية وايضاً ترصد حالة الرواي الذي هو مصري او عربي يلتقي بعرب آخرين لتظهر من خلال هذا اللقاء أسئلة كثيرة تشغل يوسف عبر كتبه الثلاثة أسئلة متعلقة بالهوية والقومية والشتات العربي والتاريخ وكيفية رؤيتنا الحالية له وايضاً كيفية تعاملنا اليومي معه.
يوسف لجأ الى هذا الشكل الكتابي مللاً من حصر أدبية الكتابة في الرواية والقصة والشعر واعتبار أي كتابة غير روائية هي كتابة غير أدبية، وبالتالي أقل شأناً، ولكنه يعكف الآن على كتابة رواية. وقرر أن «شمال القاهرة، غرب الفلبين» هو آخر ما سيكتبه بهذا الشكل فقد استنفده ولن يأتي فيه بجديد.
بداية.. ماذا تعني لك كتابة المكان؟
لا أحب استعمال تعبير «كتابة مكان» فهو تعبير نقدي وليس تصنيفاً أدبياً، بالنسبة لي ليس الامر في الكتابة عن المكان قدر. هو تجاوز على قدسية «النص الادبي». فما أكتبه ليس قصة ولا شعراً وليس رواية. نص لا يحمل إدعاء روائياً أو قصصياً ولكن في الوقت ذاته أدباً.
وربما تكون تجربتي مختلفة بعض الشيء. ففي البداية كنت اكتب قصصاً ونُشرت في كتاب «أزهار الشمس» 1999 ولكن لم أكن أعرف ساعتها أني لا بد ان أكون خادماً لكتابي وأحمله وأطوف به على الصحف وعلى النقاد والكتاب كي أعرفهم بنفسي، كنت أتصوّر ان النشر كفيل بأن يجعل المهتمين يقرأون ويتفاعلون. وقد تزامن هذا مع الوقت الذي بدأت فيه العمل في الصحافة وتحديداً في «الاهرام ويكلي» في وقت ضمت الجريدة عدداً من الشخصيات خلقت مناخاً مغايراً للعمل وفتحت فيه مساحات جديدة للكتابة وإمكانيات للظهور.
ولم أكن أتعامل مع الصحافة كمجرد «أكل عيش» أو كعمل تافه. كنت أمارسها بشيء من الحب والاهتمام ولم أكن أضع ذلك الفارق بين «الأدبي» المهم و«الصحفي» الأقل أهمية. فانشغلت بذلك لفترة طويلة تقريباً ست سنوات. ولما كنت أيضاً أعمل في الصحافة الثقافية، وبالتالى كنت متابعاً للحياة الثقافية وكنت أشعر بالملل من فكرة الانفجار الروائي التي بدأت في تلك الفترة، كنت أشعر ان هذا الحديث كله كان يجب أن يدور حول حركة التسعينيات الشعرية التي حققت منجزاً بالفعل.
ثم جاء «بيروت شي محل»؟
خلال الفترة التي أتحدث عنها بدأت مجلة «أمكنة» في الصدور. التي تقوم بالأساس على الاعتماد على كتابة خارجة عن التصنيف الادبي، وعندما ذهبت إلى بيروت في الذكرى الثلاثين للحرب الاهلية في 2005 كان من المفترض أني سأكتب مقالاً صغيراً لأمكنة»، ولكن وجدت المقال ينمو معي اذ فتح معي طرقاً جديدة تحمل أسئلة كثيرة لها علاقة بالكتابة من ناحية وبفكرة «الهوية» من ناحية أخرى. فكان «بيروت.. شي محل» ثم «بورقيبة على مضض» 2008 والكتاب الصادر مؤخراً «شمال القاهرة غرب الفلبين»، والذي ضم مجموعة رحلات حدثت خلال فترة الكتابين السابقين.
كتابتك من الصعب تصنيفها كأدب رحلات تقليدي أو سيرة ذاتية او رواية كيف تراها أنت وكيف ترى كيفية استقبال القارئ لها؟؟
في البداية كنت أصنف ما أكتبه أنه أدب رحلات، وبعد كتاب تونس وجدت أيضاً أنه خارج تصنيف أدب الرحلات بشكل ما. بالنسبة للقارئ هناك شكل ما من الخدعة فأنا أقدم هذا على أنه أدب رحلات وللقارئ حر في كيفية التعامل معه.
ابراهيم فرغلي عندما تناول كتابي الأخير ذكر ان ما أكتبه ليس أدب رحلات فهو لا يضيف الى معلومات القارئ شيئاً جديداً عن المكان، ولكنه نوع من السياحة الروحية في الاماكن!! وهو تقريباً عكس ما أقصد تماماً. لقد كنت سعيداً بكلمة الغلاف الخلفي لـ «شرق القاهرة غرب الفلبين»، لأنه يذكر ببساطة انه كتاب عن رحلات الى عدة مدن عربية.
الطرح الذي تقدّمه كتابتي بالأساس هو طرح يبتعد عن فكرة انك تكتب قصة قصيرة او رواية ولا تودّ حتى الاقتراب من هذا العالم. انت تكتب كتابة أدبية بعيدة عن المفاهيم الميتافيزيقية لسياحة الروح من ناحية وأيضاً عن الانواع الادبية المعروفة. ما اريد ان اقوله ان هذه الكتابة تتجاوز وترفض فكرة ان الادب او النص الادبي اعلى من النص الصحفي على سبيل المثال او الرسالة التي يمكن ان يتبادلها الاصدقاء. فالأدب ليس تعالياً او مجرد شكل من أشكال التصنيف تضفي قداسة على شكل وتلغيها عن أشكال أخرى.
لقد دفعت نقوداً من اجل ان انشر قصصي ولكن لم يهتم بها أحد. بينما في الصحافة تم الاحتفاء بي وتقدير ما أكتبه بشكل لم يصنعه النشر التقليدي. وانا لا أعرف كيف ستكون شكل الحياة بعد خمسين سنة هل ستبقى الناس تقرأ كتباً مثلاً أم ستتوقف هذه العادة. لا أحبّ فكرة الخلود الادبي.
فأنا أريد ان يتم الاحتفاء بعملي وانا على قيد الحياة وان اشعر ان هناك من يهتم بعملي بالدرجة التي ترضيني.
وبالنسبة لي اظن هناك ثلاثة مستويات عندما أتعامل مع ما أكتب المستوى السياحي او المفهوم الغربي لأدب الرحلات كمشاهدات وهناك مستوى آخر يرتبط بفكرة الهوية الذي يطرح نفسه بقوة طوال الوقت.. سؤال أن تكون عربياً؟؟ فهل نحن عرب، لأننا نتكلم في هذا الفضاء الواسع المسمّى اللغة العربية؟
وايضاً هناك المستوى التاريخي وهو المستوى الاهم والتاريخ هنا بمعنى ما يروى عن المكان، وهو ما يفرض الكتابة عن المكان، فكلمة «يُروى عن» يأتي بعدها مكان أو شخص أو سرد عنك؟
أعتقد ان دخول السيرة الذاتية ليست شيئاً مقصوداً بقدر ما هو جزء من طريقتي في الكتابة، وليس محركاً لي للكتابة. ولم أسع حتى الآن الى التخلص منها.
الفكرة بالأساس هي بمنهج الصحافة نفسها. يوجد حدث ثقافي وأنا كصحافي ذاهب لتغطيته فتسافر وتشاهد وتتأثر وتتحدث مع أكبر عدد ممكن من الناس وتجمع مشاهداتك وأحاديثك وتكتب عن كل هذا. وحقق ذلك بالنسبة لي توازناً بعيداً عن المناخ الأدبي الذي كنت أراه قاتماً وسخيفاً. وكانت «أمكنة» بالنسبة لي تفتح طريقاً مبشراً للخروج من هذا السخف والقتامة.
بيروت ـ تونس
كيــف كانــت تجربــة الكتابــة عــن تونــس بعد «بيروت شي محل»؟
كتاب بيروت بالطبع كان أكثر انطلاقاً أو فطرية. «بورقيبة على مضض» كان يحمل خبرة عملية أكثر بهذا الشكل الكتابي. فعلى حد تعبير كل من ايمان مرسال وعلاء خالد أن كتاب تونس فيه تعمّد في الكتابة. وانا أظن ان قراءة الكتابين معا مهمة فهناك الكثير من خطوط التشابه والارتباط كما هو حاصل ايضاً من وجهة نظري بين بيروت وتونس على مستوى انتقال الفلسطينيين من بيروت الى تونس. وانتقال الفينيقيين من بيروت الى تونس. وانتقالي شخصياً بين المدينتين.
وقد استغرقت عملية كتابة «بورقيبة على مضض» وقتاً أطول حيث استعملت أساليب متعددة واستخدمت وسائل أكثر.
ومن ناحية أخرى لم تكن مادة تونس مثيرة مثل مادة و«كتابة بيروت شي محل» بيروت بالفعل حركت أشياء كثيرة بداخلي. تونس أيضاً وضعتني أمام أسئلة كثيرة متعلقة بالعروبة وباللغة وعلى مستوى التدين أيضاً فهناك في تونس تدين أكثر من مصر، ولكن الأقل هو مظاهر هذا التدين التي تغلب في مصر.
على الرغم من التشابه بين تاريخي مصر وتونس. فالتاريخ التونسي هو تاريخ مصغر لمصر باستثناء أن ناصر مات وبورقيبة تمّ عزله وهذا كان أمراً مثيراً. بالنسبة لي هذه المقارنة بين مشاريع ناصر وبورقيبة وأيها لا زال يعمل وأيها توقف عن العمل وعن إنتاج النتائج. لكن لبنان حالة أكثر عنفاً وتعقيداً. وكان لدي في رحلة بيروت هدف واضح وهو أن أفهم «الحرب الأهلية» بالتأكيد لم أفهمها ولكن هذا الهدف كان موجوداً وهو ما سهّل الكتابة، رحلة تونس جعلتني أكثر حيرة.
لكن سفرك لبيروت لم يكن هو الأول، فدراستك الجامعية كانت في إنكلترا… لماذا لم تكتب عن هذه الفترة؟
اعتقد ان الكتابة عن المكان مرتبطة بقرب المساحة الزمنية لرؤية المكان، لان الامر يتحول الى ذاكرة للمكان. وهنا تتحول الى كتابة ذكرياتك عن المكان… الأمر الذي يجعل الكتابة عن الذاكرة وليس عن المكان. ولكني لم أحاول ان أكتب من قبل عن فترة إقامتي بانكلترا وهو ما يلفت انتباهي هذه الأيام، ربما لأني لست مشغولا منذ البداية بالغرب. لكن العدد المقبل من «أمكنة» سيكون حول الجامعة وسأشترك به بمقال عن هذه الفترة وهذا سيكون أول كتابة عن هذه الفترة.
ما اقصده بالمساحة الزمنية هو الابتعاد الزمني عن زمن الرحلة فرحلتي إلى انكلترا كانت من 1995 الى 1998 مر تقريباً عشر سنين. وهو الامر الذي سيجعل كتابتي عنها مختلفة بالتأكيد عن كتابة رحلتي بيروت وتونس فالإقامة الطويلة في المكان تصنع شيئاً مختلفاً وتحتاج إلى صياغة مختلفة. فالنص الوحيد عندي الذي يحمل إقامة طويلة بالمكان هو نص الإمارات – في الكتاب الأخير وكتبته بعد إقامة ثلاثة أشهر – فاذا كتب نص بيروت بعد سنتين من الإقامة مثلاً فلن يحمل هذا الدرجة من الاحتفاء بالمكان وهذا البريق الذي يحمله المكان الجديد، بالتأكيد سيخرج كتابة أخرى، ولكنها مختلفة تماماً.
تحدثت عن «الهوية» فما الذي تقصده؟
منذ ان تولد وانت تحمل هاجس المكان الآخر، فأنت تعرف انك في الجزء الأقل من العالم فهناك بلاد أجمل وأحسن من مصر. وأعتقد أن الهدف الاهم الذي أسعى اليه هو ان تشعر بأنك ند لأي «آخر»، فلن تكون انساناً وانت تحمل احساساً بالدونية. وعقب احداث مباراة «أم درمان» بين مصر والجزائر برز هذا الإحساس بالدونية إلى السطح على سبيل المثال.
فموضوع الهوية ضاغط وحاضر عندي واعتقد انه سيكون موجوداً في أي كتابة عندي. ربما لو كنت انكليزياً او اميركياً لم اكن سأنشغل بمسألة الهوية هذه اظن ان هناك ظرفاً تاريخياً يجعل موضوع الهوية مطروحاً عليك طوال الوقت فأنت مواجه بانك في مزبلة العالم.
ومن ناحية أخرى خلال كتبي الثلاثة ثمة مصري يقارن نفسه كعربي بعربي آخر. وليس المصري بشكل عام في أي مكان. ويكتشف أننا لسنا متشابهين ولا نتكلم جميعاً اللغة نفسها. فالموضوع في احد مستوياته متعلق بدحض الشوفينية المصرية – الغريبة أحياناً – فثمة فكرة عند المصريين أنهم مفهومون في حين بقية اللهجات غير مفهومة. مع ان الواقعي ان بقية العرب لا يفهمون كل العامية المصرية بالضبط كما لا نفهم نحن المصريين كل العامية التونسية او اللبنانية. أجل ثمة حالة من التعايش مع العامية المصرية الشبيهة «بالتلفزيون»، ولكن في الحقيقة انت غير مفهوم بالشكل الذي تتصوره.
ولكن هذا الهاجس لم يتواجد في فترة الدراسة في انكلترا؟
أنا غير مشغول بالغرب على الإطلاق كموضوع كتابة. وهذا ما جعلتني رحلة بيروت وما تلاها اكتشفه. فتصور الحياة في العالم «الافضل» انكسر عندي مبكراً فلقد سافرت الى اوروبا وأنا في السابعة عشرة. فتفكك عندي هذا الوهم منذ البداية بالإضافة إلى عدم فضولي لمشاهدة اوروبا. بالنسبة لي أفضل الذهاب الى بورما او نامبيا أفضل من فينا بالنسبة لي. هذا السياق يثيرني أكثر وأجد أشياء كثيرة لأقولها مرتبطة بهذا السياق.
وبالتالي البحث الذي أجده أكثر فائدة بالنسبة لي وعلى المستوى الاجتماعي المعاصر هو البحث في معنى كونك عربياً أو مسلماً معاصراً.
الهوية بالايجاب وليس بالسلب ان ترى نفسك مساوياً للآخرين لست أقل ولست أعلى. ليس بالتغني بجمال الآخر او بمهاجمته بدون معنى. ان تتعاطى مع الشروط المعاصرة التي هي بالضرورة ناشئة نتيجة علاقاتك المتعددة المستويات بهذا الآخر. وان تنشغل بأسئلتك الخاصة وليس بمقارنات مع الآخرين.
هل لديك خطط جديدة للكتابة عن مدن أخرى؟
لا اريد التوقف عن المدن العربية، ولكن أشعر أني اكتفيت من الكتابة بهذا الشكل وتحديداً في نص أبو ظبي. لن أقدم فيه جديداً بعد ذلك. ستتحول بعد ذلك الى تكرار وتعمّد بدون أي إضافة لا يعــني ذلك اني سأتوقف عن الكتابة عن المدن، ولكن ليس بهذا الـــشكل ولا أعــرف أيضا بأي شكل.
وأشعر أن نصوص «شمال القاهرة غرب الفلبين» ربما لم تحمل الحالة نفسها التي كتب بها الكتابان السابقان فهي نصوص كتبت لأسباب مختلفة وبشروط مختلفة لكتبي السابقة. والغريب بالنسبة لي أن أكثر ما كتب كان عن الكتاب الأخير، ربما لانه جاء بعد تراكم جذب الانتباه إلى هذا الشكل الكتابي. الآن هناك عملية كتابة جديدة تحدث ولكن على مستوى خيالى في الرواية التي أعكف الآن على كتابتها تحت عنوان «الطغري»، وهي حكاية خيالية غير واقعية او غير عقلانية وتدور أيضاً داخل مدينة هي القاهرة. والفرق بينه وبين كتبي السابقة هو وجود حدوتة لا معقولة تتركب عليها الأحداث.
الانفجار الروائي
كنت تريد الخروج من فكرة التجنيس الأدبي، والآن تكتب رواية. ولكن ألم تفكر بعد «بيروت شي محل» كتابة رواية؟
لا لم أفكر.. وأكثر ما يسبب لي ألفة في كتابة «الطغري»، هو أنها ايضاً خارجة عن الرواية الكلاسيكية، ومرتبطة أكثر بالكتب التجمعية الشهيرة في التراث العربي مثل «المستطرف». بالتأكيد ليس بهذا الحجم ولكنها تحمل بشكل ما هذه الصفة «الموسوعية»، محاولة كم وضع كبير من المعلومات حول شخص في سياق أدبي ما. وأيضاً لها علاقة بطريقة كتابة التاريخ عند الجبرتي وأبن أياس. وهذا يشعرني بشكل ما بعلاقة مع هذا التراث العربي – الذي لم يكن يضم الرواية بالمناسبة – أكثر من علاقتي بالكثير مما يكتب تحت اسم الرواية العربية الجديدة.
تحدثت عن الانفجارالروائي والرواية الجديدة… كيف ترى هذه المقولات؟
أكثر ما يكتب على انه «رواية» قد خلقت بالتالي هذه الحالة من «الانفجار الروائي» الذي يتحدثون عنه منذ سنين لا تمتّ للجنس الروائي بصلة. ما أقصده أن الجنس الروائي في العالم له علاقة بالحكي واللاواقعية.
فالروية بشكل ما هي نتاج البرجوازية الاوروبية في القرن التاسع عشر والتي كانت تكتب في كتب كبيرة الحجم لطبقة معينة عن طبقة أخرى. في ظل عدم وجود وسائل تسلية أخرى مثل التلفزيون. الا استثناءات يكون فيها الكاتب مخبولاً مثل ديستويفسكي على سبيل المثال.
فلكي تخلق علاقة بهذا الجنس الأدبي بالتأكيد ان تحتاج الى هو اكثر واعمق من أن تكتب قصة قصيرة طويلة بعض الشيء ثم تضع على غلافها كلمة رواية. او ان تكتب سيرتك الذاتية او اعترافاتك وتضع عليها رواية أيضاً.
انا مع تسمية كتابة مثل «عزازيل» او «عمارة يعقوبيان» رواية بغض النظر عن رأيك في هذه الكتابة. ولكن كتاب علاء خالد الأخير على سبيل المثال وهو كتاب جميل وأمتعني كثيراً ولكنه ليس رواية.
ولا يوجد أي مجهود حقيقي نقدي أو غير نقدي في تعريف ما هي «الرواية العربية» على الإطلاق، لو لدينا خطاب نقدي مسؤول لوجه اهتمامه لحركة الشعر في التسعينيات.
الانفجار لم يكن روائياً ولكن في كتابات أطلق عليها روايات، والرواية مجرد شكل من اشكال النشر. مع وجود حقيقة عالمية تؤكد ان الرواية تحقق حالة من المتابعة والاكتفاء والتشبع بالنسبة للقارئ، ولذلك مبيعات الرواية في العالم كله أكثر من الشعر او القصة القصيرة.
والنقد الغائب…
جزء من كوني ضد فكرة تسامي النص الأدبي على بقية ايضاً كوني لست مشغولا بالبكاء على النقد فلديّ الكثير من المصائب ولا احب الكتابة الاكاديمية بشكل عام. واعتقد ان النقاد لدينا الذين يملتكون ادوات نقدية تمكنهم من ممارسة هذا الفعل توقفت أذهانهم عند الستينيات.
ولا توجد متابعة تفاعلية حقيقة لما يكتب. فجزء من النقد ومن القراءة الحقيقية ان تتـفاعل مع ما تقرأ، وهذا لا يحدث.
لكن لماذا لا يفرز كل جيل نقاده كما يخرج مبدعينه؟
يمكن تفسير ذلك باسباب أكثر ابرزها ان النظام التعليمي السائد في مصر لا يساعد على خلق هذه العقلية النقدية. في النهاية المبدع قادر على ان يعلم نفسه. اعتقد النقد يحتاج بشكل ما او بآخر الى منهجية معينة بعيداً عن استقرارك على هذه المنهجية ام لا ولكن بالأساس يجب أن توجد هذه الآلية. هذا يعني بشكل آخر نظاماً تعليمياً وهذا ما اعرف انه يجري في جامعات أوروبية واميركية حيث ينتجون نقداً وليس مجرد متابعات.
الى جانب سؤال آخر هو كم الكتابات الموجود حالياً من اجل من ومن يقرأها؟؟ وهو سؤال له مستويات كثيرة ولكن يبقى المستوى الأهم هو مستوى العلاقة مع المجتمع بمفهومه الواسع فأنت في النهاية ومع كل هذا الضجيج أشبه بمن يطبع منشورات سرية

Reblog this post [with Zemanta]