معن أبو طالب: رجل حذر

Benjamin Lowy. From

Benjamin Lowy. From “Run Hard: The NYC Marathon for Sports Illustrated”, source: benlowy.com

‘الهريبة ثُلثين المراجل’
مثل شعبي
.
لم يترك لي أبي رحمه الله من متاع الدنيا سوى الحذر. وهو بهذا قد ترك لي ثروة لا تفنى ولا تتبدد ولا يأتي عليها ظرف ولا امرأة ولا خمر.
بدأ تاريخ عائلتنا الحكيم في اتخاذ الحذر منهجاً في الأشهر التي سبقت النكبة، عندما رفض جدي عاصم رحمه الله الانضمام إلى باقي رجال القرية في مقاومة الصهاينة. كنت أسمع من جدتي أنه كان متقلباً في قراره هذا وأن ضميره قضّ مضجعه ليال كثيرة. كما أنه عانى الأمرّين كل يوم في القرية عندما كان الناس يُسمعونه كلاماً بخصوص امتناعه عن المشاركة. فكانوا يقولون “ما سمّعتنا صوتها للمحروسة يا أبو أمين” مشيرين إلى بندقيته التي كان يعلّقها في الدكان ولم يستخدمها قط. وأحياناً أخرى “وإنا إليه راجعون، ولا إنت شايف غير هيك يا أبو أمين”؟ ولكنه تحمّل وثبت، وأنا أميل للاعتقاد أنه لم يعان من قراره كما وصفت جدتي، بل أنه كان واثقاً وغير مكترث، وأن صمته وتجنبه لأهل القرية في تلك الأيام لم يكن إلا من سنة الحذر نفسها والتزامه بها.
بانت حكمة جدي ونفاذ بصيرته عندما دخل الصهاينة على القرية ذات يوم وجمعوا جميع رجالها. تقول جدتي إن جدي كان بينهم، وإنهم أخذوهم جميعاً إلى أحد قصور العوائل الكبيرة المدَمّرة ووضعوهم في ساحة القصر معصوبي الأعين، مكبلين، ومقابلين سوراً في صفين متوازيين. عندما حان وقت أن يرفع المجندين رشاشاتهم، وأعطاهم القائد الإسرائيلي أمر الاستعداد لإطلاق النار، قال أحد الضباط “مين … فيكُن … آسيم أويس؟” صاح جدي بأنه هو، وتقدم منه جندي وفكّ عصبته ووثاقه، ثم ركله على مؤخرته. تقول جدتي إن جدّي “حمل كل شبشب بإيد، وركد متل الطلأ. حتى صوت الرشاشات ما لحّؤه”.

استمر في القراءة

كارول صنصور: يعلن الكاهن دفن المسيح

By Nikos Economopoulos. Bethlehem, Christian Orthodox wedding. Source: magnumphotos.com

By Nikos Economopoulos. Bethlehem, Christian Orthodox wedding. Source: magnumphotos.com

كنت طلبت من صديقتي المؤمنة اصطحابي إلى قداس دفن المسيح. لم أدخل الكنيسة لحضور قداس إرادياً منذ زمن بعيد. أصعد جنبها في سيارة “الأنروا” التي أسميها الدبابة لكبر حجمها. تقودنا مسرعة إلى حضرة الرب.
كأن الوقت تسمّر. وجوه العجائز نفسها تبحلق في الداخل والخارج، تعطي إشارة القبول أو الرفض. نجلس في مقاعدنا وتبدأ راهبة الوردية بصلوات ما قبل القداس ليكف الناس عن الثرثرة. كما قبل ثلاثين عاماً، أخاف الراهبات، “راهبات الوردية” خاصة. فأنت لا تعلم متى ستفقد واحدة منهن عقلها لتصفع أحدهم كفاً بلا إحم ولا دستور.

استمر في القراءة

كارول صنصور: بعتُ روحي

meca61

Gaza child’s drawing. Source: electronicintifada.net

بعت روحي لعشرين تاجراً
اشتروا بها صاروخا
صناعة محلية
بعتها مقابل صور لمدرسة تقصف
وأمهات يفقدن عقولهن
بعت روحي ولم أر
غير نسخ مكررة لآيات وأحاديث
يُخجل الشياطينَ ترتيلها
بعتها ولعنت كل ذلك التهليل والعويل
بينما هم يشترون صاروخا
ليوجهوه إلى صدري ما إن أُعلن
إن فلسطين ليست قضية
كارول صنصور

محمود المنيراوي: مظاهرة من أجل غزة

John Lurie, “Ignorance Is Not Only Not Knowing, It Also Includes Not Wanting To Know”, watercolor on paper, 14″x10″, 2013
على بُعدِ أمتارٍ من مظاهرة خرجت لكم
كانوا يهتفون باسم مدينتكم
والبلاد
يغنّون لنار هبّت
وهم يطمئنون الوطن لأن طوابير الشهداء لا تنقطع
قرأوا الشعر على الحضور الذين يحملون الرايات
وتحدّثوا عن قدرتكم على الموت دون أن تموتوا
لأن فيكم حمية الشهادة

استمر في القراءة

في ذكرى ٢٥ يناير: عن الإخوان والسيسي وحروب الجيل الرابع

IMG_9819

By Youssef Rakha

ثلاث أساطير صغيرة نجح الإعلام المصري في زرعها لدى قطاعات دماغية عريضة جداً منذ يونيو، وبكفاءة مذهلة في ضوء أن هذا الإعلام مازال يدعي مناصرة ٢٥ يناير (بغض النظر عن رأيك في الواقعة أو رموزها)، لكن الملفت حقيقة أن الرسائل بل والعبارات نفسها تتكرر (“أيدي الببلاوي المرتعشة” مثلاً) على اختلاف القنوات والبرامج والمقدمين، ومما يشعرك بأن العملية ليست بالعفوية المفترض أنها بها أيضاً الظهور المتكرر لنجوم شاشة جدد من الإسلاميين التائبين (الخرباوي ونبيل نعيم مثلاً) والمديح المستمر لحزب النور:

استمر في القراءة

ولا إنت البعيد بتستعبط: تحديثات الحالة مايو ٢٠١٣

الحالة “الثقافية” في مصر زيها زي الإلحاد وانتفاضة المرأة العربية بالظبط (ويبدو لي إنها بالمعنى ده مطابقة للثورة وإن كان على مستوى تاني): كإنك قاعد في أوضة مفروض إنها جوة بيت والبيت جوة حي والحي جوة مدينة كبيرة ومليانة سكان من النوع اللي إنت بتحبه وبتحترمه. هي الأوضة اللي إنت قاعد فيها فعلاً زحمة والناس اللي قاعدين معاك عمالين يجاملوا بعض ويفقعوا زيريبوات في بعض من تحت لتحت ويتقاتلوا على المساحة المسموح لهم يقعدوا فيها جوة الأوضة… وكلهم بيتكلموا على اعتبار إن دي مجرد أوضة من ملايين الأوض اللي زيها في المدينة، بس إنت أول ما تخرج م الأوضة بتكتشف إنه مش بس ما فيش مدينة ولا حي ولا بيت لأ ده ما فيش أصلاً سكان، وإنت ماشي في خرابة مالهاش آخر شايل مجاملاتك وزيريبواتك وبتتكلم بهستيريا عن الثقافة (أو الإلحاد، أو انتفاضة المرأة، أو الثورة)… ووجودك بالشكل ده كإنه بس بيأكد مشهد الخرابة.

استمر في القراءة

سيرة صاحب أبي مع الفرانكوفوني الليبي

أول كلامي: أوحّد الله…
عشية تحرير العاصمة الليبية، استمعتُ إلى أربعة شعراء يقرأون قصائد نثر كان بعضها بديعاً. ومع ذلك، ومع أن الشعراء معروفون في الدوائر الأدبية، لم يكن للأمسية التي نظمّتْها إحدى دور النشر في القاهرة جمهور سواي وآخر من معارفنا. طال الحديث عن غياب القارئ وجدوى الكتابة – قال أكثر من طرف إن الشعر فن “نخبوي” وإننا لا يجب أن نحاسب أنفسنا بمقاييس شعبوية لا تتناسب وتطلعاتنا – ثم اصطحبتُ أحد المشاركين وزوجته إلى “الزمالك” لاحتساء القهوة حيث يُمنع، في رمضان، بيع الكحول. عزينا أنفسنا بالاضطراب الحاصل في إيقاع اليوم جراء الإمساك وفساد الحياة الثقافية، وأخذنا نعقد مقارنات بينها وبين الحياة السياسية كنقطتي تقاطع بين الشخصي والعام على طريق تعريف الذات

استمر في القراءة

No more posts.