1
في البدء كنتُ أنا ولم تكن، هكذا تقول، كأنّك تقايضني على شيء منحْتَه لي، أنت تسمّيه “الحياة”، أو أنها محبّة يسمّونها “الخوف على المستقبل”، فيما أنت لم تنادني باسمي ولا مرّة.
لولا وجودي، من الذي كنت ستختال عليه بأبوّة مبتورة؟!
قسوتك المقطّرة التي تنفثها باطّراد. أتذكّر مهمّتك الجليلة في الحفاظ على نظارتي الطبّية من الكسر، بينما يداك كالمطارق على وجهي تفوق ما منحْتني من سكينة. تكتيكاتك الخائبة في المنع، الفلوس- تقول- هي التي ستربّيك، ويقينك اللامبالي بأن أمّي تدفع لي.
هكذا سأقول لها- إذ تدسّ في يدي خمسين جنيهاً- وبلا أدنى شعور بالذنب: أكان لا بدّ أن تحملي نطفة ذلك الرجل؟!
ولأنّك على هذه الأرض كنتَ أوّلاً، سأسألها بارتياب: لحظة الميلاد، هل حملني بين يديه وقبّلني؟
2
بمرضك، ربما أتعلّم كيف أغفر لك. كنت تقلّب في “طبق معكرونة” حين جلس الموت للمرّة الأولى على عتبة بابك. الأمر الذي توافدت لأجله أسراب من الأقارب، دونما يهدّئهم حياد أخي “الطبيب” وهو يعلن أنها ليست أكثر من “غيبوبة سكّر”. وقبلما يحوّطون سريرك، سألاحظ خيطاً من اللعاب يسيل على جانب فمك، وأفكّر- فيما أمّي تمسح لك- أنه أكثر كثافة ممّا يربطنا معاً. ساعتها أنزوي في ركنٍ خالٍ، وأخبئ دموعاً كنتُ أظنّها لا تجيء.
ولأنّ فزعَنا- يقول أخي- أكثر ممّا يجب، سيمدّ يداً لا تهتزّ بكوب من “الماء المسكّر” يسرسبه في جوفك. اليد الواثقة التي ادّخرتها لمثل هذه الساعة، ولأجلها رفعتَ أياديك بالدعاء، وهل ستشعر حيال ذلك- أنّك خطّطت لمستقبله ونجح- بنفاذ بصيرتك؟
هل تعرف، الذي دفعك إلى تقليب مصيري، مثل طبق المعكرونة، أنّك إلهٌ تنقصه المحبّة، وكيف تروقني عاطفتك فيما رغباتي تنهار لأجل تقليب أصابعك؟!
لكنّك ما كان يجب أن تموت يومها، لأنّي لم أتعوّد- بعد- على مواساة ستمنحها كل هذه الجموع الملتفّة حولك.
أيّها الرجل الذي يحيا بيننا بوعدٍ مؤجّل مع الموت: بغيابك، ربّما أغفر لك كلّ شيء.