نساء يلبسن أكفاناً سوداء: نصوص لصلاح فائق مسروقة من فيسبوك

وصيتي للعميان

إلى علي عبد الصمد

.

أكتب وصيتي الأخيرة ليقرأها العميان باللمس

أنا محبط منذ أيام: جامعت في مخيالي

حسناء من فيلم قديم.

اليوم رأيتها في مرآتي الكبيرة كئيبة، غاضبة

تتهمني بالاغتصاب، وكانت تحمل قطة من خزف.

هل يكفي أن أصرخ، أو أدعو عباقرة في تنظيم الموصلات

لينصحوني في هذا الشأن؟

كل هذا في رأسي وأنا أفحص صورا بالمجهر

أرى في إحداها عناق سحاقيات وأسمع، من ثانية،

خفاشا ينتحب في كهف.

أنا أيضا في إحدى الصور، حاملا مظلة مفتوحة،

أجول في مدينة مهدمة تماما، وليس هناك مطر.

wpid-photocopy-2013-06-1-21-56.jpg

Continue reading

Three Girls on Mother’s Day ❀ ثلاث بنات في عيد الأم

2013-02-16 18.57.36

الشخص الثالث
“نملية” مطبخها عامرة بالمسلّمات. لكن هناك دُرجاً أعمق من إحساسها بالصواب، مخصصاً لبذرة الرجل الذي ترى في وجهي كيف خيّب رجاءها قبل أن يموت (لولا ضرورة الخروج من بيت أهلها، لماذا كانت ستحمل بذرة هذا الرجل بالذات؟ ولولا أنه يرى الإنجاب جريمة، هل كانت ستكتفي بطفل واحد؟) في شعلة سخان الغاز-مصانع القوات المسلحة، نفس غيظها من “دش” مؤجل منذ أدركتْ أن هذا الرجل، فتى أحلامها الوحيد الممكن، يراوده الانتحار. وبماذا كانت تحس وأنا أستنشق النهد العبقري لحبيبة تكرهها في الغرفة المجاورة؟ حين تكتشف كم من النقود أنفقتُ في ليلة واحدة، وأكون لازلت نائماً في الرابعة مساءً، تغضب على رَجُلِها قبل أن “تلوشني”. ويظل تشنّج نبرتها حتى يذوب القرف على وجهها في حزن يكبرني بثلاثين عاماً. أتذكر أنها فعلاً أحبته، ولا شيء بعده في البيت أكبر منها سناً. فأسترجع التنهيدة التي ترسلها كل ليلة وهي تُخرج الزبالة، متفننة في حماية الأكياس البلاستك من القطط الجائعة حتى لا يتسخ مدخل الشقة التي لم تكن أبداً برجوازية بما يواكب تطلعاتها. وأسأل نفسي بحيرة: هل يقرّبنا أم يبعدنا الميت الواقف وراء الباب؟

Continue reading

السيّد الوالد

1

في البدء كنتُ أنا ولم تكن، هكذا تقول، كأنّك تقايضني على شيء منحْتَه لي، أنت تسمّيه “الحياة”، أو أنها محبّة يسمّونها “الخوف على المستقبل”، فيما أنت لم تنادني باسمي ولا مرّة.

لولا وجودي، من الذي كنت ستختال عليه بأبوّة مبتورة؟!

قسوتك المقطّرة التي تنفثها باطّراد. أتذكّر مهمّتك الجليلة في الحفاظ على نظارتي الطبّية من الكسر، بينما يداك كالمطارق على وجهي تفوق ما منحْتني من سكينة. تكتيكاتك الخائبة في المنع، الفلوس- تقول- هي التي ستربّيك، ويقينك اللامبالي بأن أمّي تدفع لي.

هكذا سأقول لها- إذ تدسّ في يدي خمسين جنيهاً- وبلا أدنى شعور بالذنب: أكان لا بدّ أن تحملي نطفة ذلك الرجل؟!

ولأنّك على هذه الأرض كنتَ أوّلاً، سأسألها بارتياب: لحظة الميلاد، هل حملني بين يديه وقبّلني؟

2

بمرضك، ربما أتعلّم كيف أغفر لك. كنت تقلّب في “طبق معكرونة” حين جلس الموت للمرّة الأولى على عتبة بابك. الأمر الذي توافدت لأجله أسراب من الأقارب، دونما يهدّئهم حياد أخي “الطبيب” وهو يعلن أنها ليست أكثر من “غيبوبة سكّر”. وقبلما يحوّطون سريرك، سألاحظ خيطاً من اللعاب يسيل على جانب فمك، وأفكّر- فيما أمّي تمسح لك- أنه أكثر كثافة ممّا يربطنا معاً. ساعتها أنزوي في ركنٍ خالٍ، وأخبئ دموعاً كنتُ أظنّها لا تجيء.

ولأنّ فزعَنا- يقول أخي- أكثر ممّا يجب، سيمدّ يداً لا تهتزّ بكوب من “الماء المسكّر” يسرسبه في جوفك. اليد الواثقة التي ادّخرتها لمثل هذه الساعة، ولأجلها رفعتَ أياديك بالدعاء، وهل ستشعر حيال ذلك- أنّك خطّطت لمستقبله ونجح- بنفاذ بصيرتك؟

هل تعرف، الذي دفعك إلى تقليب مصيري، مثل طبق المعكرونة، أنّك إلهٌ تنقصه المحبّة، وكيف تروقني عاطفتك فيما رغباتي تنهار لأجل تقليب أصابعك؟!

لكنّك ما كان يجب أن تموت يومها، لأنّي لم أتعوّد- بعد- على مواساة ستمنحها كل هذه الجموع الملتفّة حولك.

أيّها الرجل الذي يحيا بيننا بوعدٍ مؤجّل مع الموت: بغيابك، ربّما أغفر لك كلّ شيء.

من أجلك يا ماما

wpid-img_1048-2011-09-4-00-361.jpg

ولأن قلبك فقير أيضاً

لأننا على باب الله وقد سلسلنا الله يا ماما

ولن يعمل لنا ما فيه الخير

نعيش لنفتح بيوتاً كهذا

سنموت قبل أن نغادرها

لماذا ذعر وجهك أمام نصاب خرافي

هو ذاته المكلف بطمأنتك علي

وكم أنا حزين على بابا اليوم

لم يعطه الله إلا نوماً

وطفلاً يسفح دمه ليعلّمه في مدارس أجنبية

ضميني إلى صدرك يا ماما

ولا تحدثيني عن الله

غني لي أغنية نسيناها كلانا

عن طعام طيب أو غيط وسطه غدير

ولا تكوني مضحية إلى هذا الحد

يظهر ملاك

ماما

الشخص الثالث

“نملية” مطبخها عامرة بالمسلّمات. لكن هناك دُرجاً أعمق من إحساسها بالصواب، مخصصاً لبذرة الرجل الذي ترى في وجهي كيف خيّب رجاءها قبل أن يموت (لولا ضرورة الخروج من بيت أهلها، لماذا كانت ستحمل بذرة هذا الرجل بالذات؟ ولولا أنه يرى الإنجاب جريمة، هل كانت ستكتفي بطفل واحد؟) في شعلة سخان الغاز-مصانع القوات المسلحة، نفس غيظها من “دش” مؤجل منذ أدركتْ أن هذا الرجل، فتى أحلامها الوحيد الممكن، يراوده الانتحار. وبماذا كانت تحس وأنا أستنشق النهد العبقري لحبيبة تكرهها في الغرفة المجاورة؟ حين تكتشف كم من النقود أنفقتُ في ليلة واحدة، وأكون لازلت نائماً في الرابعة مساءً، تغضب على رَجُلِها قبل أن “تلوشني”. ويظل تشنّج نبرتها حتى يذوب القرف على وجهها في حزن يكبرني بثلاثين عاماً. أتذكر أنها فعلاً أحبته، ولا شيء بعده في البيت أكبر منها سناً. فأسترجع التنهيدة التي ترسلها كل ليلة وهي تُخرج الزبالة، متفننة في حماية الأكياس البلاستك من القطط الجائعة حتى لا يتسخ مدخل الشقة التي لم تكن أبداً برجوازية بما يواكب تطلعاتها. وأسأل نفسي بحيرة: هل يقرّبنا أم يبعدنا الميت الواقف وراء الباب؟

*

الرغبة

تتذرعين بالمعرفة التي راكمتِها فأتذكر أن في الحياة أشياء لا تعرفينها. وحين أخرج على دائرة حكمتك – من غرفتك إلى غرفتي تبدو الصالة برزخاً بين عالمين – أقول لنفسي إنه من تحت رأس ختان الإناث… الجهل الذي ينفيني في نصيحتك. (وكيف لا تفرق أعوامك الزائدة؟) أنت الأحق بالنصيحة ربما، لكنني كان يجب أن أسديها منذ خمسين عاماً. ولكي أدلل على أنني أيضاً حكيم في دائرتي – والبرزخ بيننا – لن أنسى أن أرد الباب بالرقة المناسبة

*

 

الصنارة

شبيهاتها صرن بلا عدد في المدينة: خط إنتاج أرامل أسقطن شهوتهن تحت دولاب الملابس قبل موت أزواجهن بقرون، ونسين في حموة التنظيف أن يطلبن من الخادمة أن تساعدهن على زحزحة الدولاب. من وراء عباءاتهن-ألق الأزياء الخليجية، ولقب “حاجّة” يرفرف في هبة “الشكمان” مع طرف الحجاب، يردعن جبابرة الشوارع بقادوم الأمومة. هل لهذا يختلن بشيخوخة إما لم تأت بعد أو كان يمكن تأجيلها؟ وهل لكل من الشبيهات أيضاً صورة بالمايكروجوب والشعر “الكاريه” (لابد أن جون لينون يتقافز فوق قبة جامعة القاهرة التي لا تظهر في الصورة، لأن المشهد الثابت يهتز فعلاً على دقة “كانت باي مي لوف”)؟ هل يحيط بكل منهن أكثر من بنطلون “شارلستون” وقميص بياقة عملاقة تبروز عيوناً مقبلة على الحياة؟ كبيضة ضمن فلول البيض الأسود، ألمحها عن بعد بالقرب من البيت. لا نلتقي صدفة إلا وأنا ألتقط أنفاسي بين مشوارين، هنا حيث أقاسمها مستقرها على جسر الحياة. الأكياس العالقة في ذراعها أثقل من مصيري. لذلك لا أهرع لأحمل عنها. لا ألفت انتباهها إلى أنني هناك. تتدحرج وسط ميكروباسين، في جمودها إيحاء سرعة لا تصل إليها خطواتها. وأسأل نفسي كيف، من وسط كل الشبيهات، مازال يمكنني اصطيادها بنظرة واحدة

*

عشر ركعات

الليلة أيضاً، مع أذان الفجر، ستتلفنين. وأكون في مكان لا يمكن أن أصطحبك إليه. سأنزوي في ركن خال لأحدّثك (الخجل من أن لي أُمّاً تتلفن، وكيف لم يبرحني منذ الطفولة؟) بلهفة ستسألينني متى أعود. لا طارئ سوى طعام أنت طبختِه ولم آكله. ما يسمونه “تضحية”. وحسب درجة نفاد الصبر في صوتك، أوشوش إما “لا أدري” أو “بعد قليل”. لكن الصمت يطلق استجواباً متهدّجاً من فمك، فينز غضبي مكتوماً في الأثير. حين أعيد المحمول إلى جيبي تلفحني أساطيرك. وماذا كان يجب أن يحدث ليكون في الدنيا شيء سواي؟ مَن كان يجب أن تكوني، لأغفر لك ما يسمونه قلب الأم؟ ولكي أتذكر أنك أنت وأنا المسئول أمامك، بعد الأذان سأنزوي في ركن مظلم لأخلع حذائي: كمن يسجد، بعنف، سأضرب رأسي في الأرض لكل تضحية من تضحياتك ضربة. ولن أغفر لك كل هذا الوجع. ما يسمونه التفاني. والنقودِ التي لا تنفقينها. والحفيدِ الذي لن تقبّليه. والقلق الذي تحقنينني به كل صباح. والمخاطر القاتلة. ويد القدر الحانية عليك بإنقاذي. والصلاة والصوم. ومنفضدة السجائر. وشكواك مني. وكل ما تفعلينه من أجلي. وكل ما كان يمكن أن أفعله بدونك

*

ساعدي يوجعني

بموت أحدهما يتعلم الشخص أن الأبوين كالأطراف لا يزول وجعها بالبتر. تتوقف أمي على عتبة غرفتها. ظهرها إلي وهي تسند بكفها على زاوية الباب. أواصل ذرع الصالة جيئة وذهاباً. لا أفكر في احتياجي لساعدي بقدر ما أفكر فيما تعرّض له من أذى، الأمر الذي جعله وزراً غير مرغوب في بقائه. لماذا الآن دوناً عن أي وقت أقبّله بحسرة، ألوي رقبتي حتى تؤلمني لأتفقّد بؤره السقيمة، وأحار كيف كان يمكن أن أجنّبه الكدمات… الساعد الثقيل كحمل أتطلع لإسقاطه، ربما ليس أثقل من هذه العجوز المُضجِرة. (للمرة المليون أنينها المسرحي يذيع على العالم كم هي مظلومة وصامدة، وهل سيشعرني بغير رغبة خابية في صفعها؟) أتذكر أن نقّها يتراوح بين آلام العظام وتشنج العضل. ارتعاش الأصابع، لسع الحروق، صديد مفاجئ على راحة اليد. خدوش قديمة تذكرني بمهمتي، وعلي أن أتحمل إحباط أنني لم أؤدها… لكن ها هي الآن تعبر العتبة كالنسيم. وقبل أن أتوقف عن الحركة، يقلع كفها عن الخشب ويحلّق عالياً في الهواء. ستبدو أخف من كل أوزار الدنيا. وسيمكنني أن أتابعها بفرح، أنا الذي تمنّيتُ أن يموت أبي. وعرفتُ أنني لن أتخلص منه أبداً

*

الحياة بعد الموت

يوماً ما سآخذك إلى الصحراء، وأصر أن تبيتي خارج الخيمة. سأظل صاحياً طوال الليل أحرسك من الثعالب والثعابين. وحين يشقشق الصبح سيكون شعرك مكشوفاً للسماء وحبات الرمل عالقة بأطرافك العارية. بلا خوف من هوان الدنيا ولا عذاب الآخرة، ستفتحين عينيك. وستكونين المرأة التي افتقدتها فيك منذ الأبد