أبيض وأسود

العالم الآخر لا علاقة له بالسحاب

رسالة نايف إلى باولو *
إلى هاني درويش (المتوفى يوم ٣٠ يوليو ٢٠١٣)
اسمع يا باولو من واحد في السماء. الصورة ثابتة في إطار النافذة، والطقس معتدل على الشاطئ. تتبّع الـ”آي بي” لتعرف: هذا الإيميل نازل من لا مكان. أخوك الميت على الطريق السريع قد وجد سكة إليك. بضحكاته المحبوسة في ألفاظ تلهو عبر صوت كالحديقة. بجريه عرياناً في الغيطان، والقفز بثيابه فوق كورنيش الزمالك. يا ولدْ. الضوء بين رجلي واحدة، سلّمْتَني إياه على ورقة سحرية. كان أبيض وأسود، بالأمارة. هل بقي شك فيمن يوجه لك كلاماً… بالحضن يا بن الزانية.
كيف حالك؟ أنا كما كنت يوم اقتتلنا، يمكن القول إني تمام. هنا كل شيء تحبه، لكن كل شيء يُبَدَّل. كأن العالم عبارة عن طيور تعبر أنفاقاً. تتفاوت الأحجام والأبعاد لكن المشهد قد ينقلب في أية لحظة. طيور تعبر أنفاقاً، هذا كل شيء. ولا أستطيع أن أسميه عقاباً لكنه ليس النعيم. خذ عندك: البرزخ أسانسير معطل، وجبريل يقود وفد إغاثة إلى المخيمات؛ ميليشيات الزبانية تطلق النار على ملتحين يهرّبون قسماً من الجنة إلى داخل جهنم، وشرطة الحدود توقف سبعة أشباح في طريقهم إلى الدنيا؛ من جديد، شعوب السماء الخامسة تواجه المبيدات…
أنا الآن على سلالم المترو. لا قطارٌ أهبط إليه، ولا حتى قضبانُ قطار. في الحُفَر البركانية حيث كانت منذ لحظة بوابات التذاكر فقط عجين النار والحمم الكهربية. أعرف أني لو صعدت سيُضرَب عنقي بسيف. وأعرف أن المشهد سيتغير، من تلقاء نفسه. كيف أشرح لك أن هذا حدث أو سيحدث، أن حدوثه ليس أكثر من أن أصفه أو أراه؟ إن رأسي يتدحرج على الأسفلت بنصف رقبة دامية وأنا على سلالم المترو، أو اللظى يلعق أطرافي حيث يجب أن تكون قضبان. عليك أن تموت حتى تدرك أن الوقت خدعة، لكن لعلمك نحن أيضاً متعبون. الوجع الذي تحسه الآن، لن ينتهي أبداً يا باولو.
هكذا تمكنت من إخبارك بأنه لا يكفي أن تصير ميتاً لتزول فجائعك البشرية. هنا نادراً ما نذكر أصلاً كوننا في الآخرة، تصدق؟ لقد عرفنا أن العالم الآخر لا علاقة له بالسحاب. ومنذ ذلك الحين يا باولو والجحيم أن تكون أنت. أن يكون العالم هو العالم ولا فرق، كل الحكاية أن الله يتفاوض على الخروج الآمن. أرجوك لا تسأل منذ متى أو إلى متى وهو يفعل. فقط لا خوف من الاحتباس الحراري. الصورة في النافذة والشاطئ والغيطان، ربما حتى في كورنيش الزمالك. ولتفهم أن ما أعرفه عنك في مستقبلي قبل موتي وربما في مستقبلك أنت أيضاً ليس شيئاً جديداً أو خفياً. من حيث أكتب لك الأشياء كالمرايا. اسمع وصدق ولا تكن كلباً حيث أنت. لقد حان وقت كلامنا بعد القطيعة، وسيصلني ردك وأنت لم ترسله.
* نايف (المتوفي سنة ٢٠٠١) وباولو (الذي تصله الرسالة في يوليو ٢٠١٣) شخصيتان في ثلاثية التماسيح للكاتب، وهما شاعران

.

مانهاتن: كيف كففت عن الحشيش وتركت حبيبتي

«الذين يستحبون الموت على الكفر…» – أسامة بن لادن

«وعمرَّ الله موضع خروجها من آدم بالاشتياق إليها، فحن إليها حنينه إلى نفسه لأنها جزء منه، وحنت إليه لأنه موطنها الذي صدرت عنه» – ابن عربي

«فلم تهوني ما لم تكن في فانيا» – ابن الفارض

ذات يوم، اضطررت للكف عن الحشيش.

كان لي قرابة العام مفجوع في أبي، زاد استهلاكي خلالها بصورة كبيرة. عندي موسوعة مصوّرة عن النبات الذي أحبه، عرفت منها أن أحد أسمائه في الهند «مسكّن الفجيعة». خمس سنين منذ انتظمت على التدخين، وكل يوم أكتشف له مزايا جديدة. عيبه الوحيد أنه يقصيني. لم أعد أنتبه لحديث الآخرين. بعد وفاة أبي، خصوصاً، حدست أني أتعامل مع الناس في مساحة ضيقة وبعيدة. الجنس نفسه خلا من المشاركة، ما كان يزيده إمتاعاً مجرداً من المعنويات.

Continue reading