iPhone art ☯ فن الآيفون

This slideshow requires JavaScript.

Continue reading

اكتمال رواية التماسيح

wpid-img_1472-2011-12-31-14-41.jpg

  1. بعد عشرة أعوام أو أكثر – بينما حزب النور السلفي وحزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين يربحان الانتخابات التي بدأت والأمن لا يزال يقتل وينهب في الشوارع، وفيالق الشرطة العسكرية من قواتنا المسلحة تسحل المتظاهرين وتجردهم من ملابسهم وتميتهم ضرباً ثم تجر الجثث إلى أكوام الزبالة فضلاً عن قنصهم وتعذيبهم داخل المنشآت العامة – أصبحتُ أعرف أن الشر يبدأ من حيث يتصور الإنسان أنه، بمعرفة أو عقيدة أو هوية، يمكنه أن يغيّر مجرى حياة سقطت على كتفه مثل حقيبة عليه أن يرسم لها شبكة في الوادي قبل أن يجلس داخلها ليصل.
  2. بعد عشرة أعوام – وأنا أتابع من بعيد تطورات ثورة انتظرناها ونحن لا نعرف أننا ننتظرها، وحين جاءت مارقة كقطار أخير ترتكتنا مشدوهين على رصيف المحطة – أفكر في كوننا كلنا أصبحنا حالة أو مأساة: إن بقيت لنا ذكرى، ستظل فحوى ذكرانا في فضائح الحب والموت والإنجاب. وهل كان هذا كله من أجل أن نكون مادة مناسبة لنميمة عدد أكبر قليلاً من الناس؟ أشعر بجسدي غارقاً في الحساء وأنا أتساءل: كل هذا؟

***

يوم ٣٠ ديسمبر ٢٠١١، اكتملت مخطوطة التماسيح

wpid-img_1662-2011-12-31-14-41.jpg

        حاوية التماسيح: الملف الأول، ٢٠١٢

        العشاق: ١٩٩٧-٢٠٠١

        “كان لهذه الأفكار أو المشاعر أو الترهات فوائدها. كانت تحوّل وجع الآخرين إلى ذكريات خاصة. كانت تحوّل الوجع، وهو شيء طبيعي ودائم ينتصر عليك إلى الأبد، إلى ذاكرة شخصية: شيء بشري ومؤقت يتملص منك إلى الأبد.” – روبيرتو بولانيو، “2666″، عن ترجمة ناتاشا ويمر الإنجليزية، 2007

        “وعندهم أن الأعمال المكتملة تخفي النقص الضارب في أعماقها عن طريق وحدة مصطنعة. وحدة هدفها إنقاذ ذات كاتبها. أما الأعمال الناقصة فلا تتحرّج من ذلك النقص بل تمده إلى آخره، وكأنها تقول إنك لا تستطيع أن تكتب بمفردك أبداً.” – هيثم الورداني، “جماعة الأدب الناقص”، 2003

        “فمن خواصه أن صوته يقتل التماسيح، ومرارة الذكر منه تحل المعقود، ولحمه ينفع من الفالج. وإذا وُضعت قطعة من جلده في صندوق لم يقربه سوس ولا أرضة… وهو من الحيوان الذي يعيش ألف سنة على ما ذُكر وعلامة ذلك كثرة سقوط أسنانه.” – شهاب الدين الأبشيهي (1388-1446) في وصف الأسد

***

wpid-tamasihlogo2-2011-12-31-14-41.jpgwpid-tamasihlogo-2011-12-31-14-41.jpg

***

في المساء أفكر في مون من حيث تصلني أخبار الأحداث عن بُعد. بُعد شديد كما يبدو. وكلما انتبهت إلى بلطجة الجيش ثم كذب القيادات العسكرية وطاقمها السياسي-الإعلامي، كلما انتبهت إلى استعداد الناس لتصديق الكذب، أستريح أكثر لبعدي. هنا سأكون معزولاً وآمناً بما يتيح التذكر. ظريف حقاً أن أمضي وقتي أدوّن بخلو بال بينما مصر تحترق. وأفكر أن المشكل – ربما – أنها لا تحترق بما يكفي: أن هناك من يتحدث عن خطورة التظاهر على “عجلة الإنتاج” وضرورة تنشيط الاقتصاد بينما الشباب يُختطفون ويُعذّبون؛ هناك من يرشّح نفسه لمقاعد البرلمان بدعوى أنه “عارف ربنا” بينما الأزهريون يُقتلون بالرصاص الحي. لهذا، لأن الأحداث رغم كل شيء محدودة ولأن مدلولها يضيع مع استعداد الناس لتصديق الكذب، أشعر بضرورة التذكر وأستريح لبعدي.

في المساء أفكر في مون من حيث تصلني الأخبار وأمتن للملف الذي أمامي على شاشة الحاسوب وهو يمتلئ شيئاً فشيئاً بالكلمات. أهنّئ نفسي على فتح حاوية سميتها “التماسيح” ليكون أول ملفاتها لأنني، منذ فعلت، لم يعد يراودني النزول إلى معترك الأحداث في ميدان التحرير أو شارع قصر العيني ولا أشعر بالذنب. أوقاتاً – هذا كل ما هناك – تكتسحني الفجيعة. ضوء قارص يبرق في رأسي يعميني ويشلني كل مرة بضع دقائق فأرتجف وأفيق على ألم حاد في بطني. بعد ساعة، ولا دمعة، تأتي رغبة حارقة في البكاء. لا أعرف أحداً ممن قُتلوا معرفة شخصية؛ ورغم أنني كثيراً ما أضع نفسي مكان أهلهم وأصحابهم – أعرف بعض أصحابهم – لا أظنني مفجوعاً فيهم. الوجع الذي يقرصني ضوؤه علامة شيء آخر لا أعرف كيف أصيغه. كأنك نمت في بيتك المريح وصحوت لتجد نفسك عارياً على قارعة الطريق. كأننا ليس عندنا سوى هذا…

        أفكر في مون وأتذكر أنه، في ٢٠١٠/١٢ أو ٢٠١١/١ إثر اندلاع احتجاجات تونس – بينما الشرطة التونسية تقتل الناس في الشوارع – ظهر أحد الموالين لحكومة “زين العابدين بن علي” على قناة الجزيرة يسأل بنبرة استنكار: “هل أن الحل هو إحراق البلد؟ هل أن الحل هو إحراق البلد؟” الآن بعد سنة أو أكثر من اندلاع الاحتجاجات في مصر، أردد كلماته بشعور مختلف وصوته يرن في أذني بينما تصلني الأخبار: هل أن الحل هو إحراق البلد؟

Messages of the Revolution-رسائل الثورة

This slideshow requires JavaScript.