عيّل علّموا عليه

فصل من رواية “باولو”، الجزء الثاني من حاوية التماسيح

الأحد ٦ أبريل ٢٠٠٨
عيّل علّموا عليه في قسم قصر النيل جاء يشتكي لي. (هو ذا الذي كان يحصل أيام حركة شباب ٦ أبريل وحركة كفاية وكل هذا الكلام. كان يحصل من قبلها طبعاً لكن بدأت أنتبه له في هذا الوقت. والإخوان أيضاً كانوا شادين حيلهم من تحت لتحت مع أنهم يأخذون على دماغهم أول بأول: القحاب.) عيّل حلو ومخنث لدرجة أن الواحد ممكن ينتصب وهو قاعد جنبه، شغال معي من مدة واسمه أشرف بيومي. علّموا عليه فجاء لي البيت. أنا أول ما شفته بصقت وأعطيته ظهري. يوم ٤ أبريل كنت بعثتُه مظاهرة صغيرة لا يَعرف الغرض منها في ميدان طلعت حرب، كان المفروض يرجع لي في نفس اليوم. وطّى يمسح بصقتي عن العتبة بكم قميصه وحدف نفسه علي يحك فمه في قورتي، قال: اسمعني لو سمحت. ثم دخل ورائي وطلب كباية مياه. قال إنه لما كان في المظاهرة جاء واحد يتكلم معه بطريقة لم تعجبه ففتح عليه المطواة. الواحد هذا كان ضابط مباحث وأشرف لا يعرف. في البوكس قال لهم إنه مخبر أمن دولة لكن زوّدوا الضرب. وصف لي بالتفصيل. كانت الكلبشات في يديه وراء ظهره وكان في البوكس مقبوض عليهم آخرون أكثرهم من غير كلبشات، لا يعرف ما جرى لهم بعد ذلك.
قال للعسكري القاعد جنبه إنه كان وسط المتظاهرين ليتجسس عليهم وينفذ الأوامر، وإنه تصور أن ضابط المباحث من قيادات المعارضة. ضحكت مع نفسي في هذا المقطع، أصل الحقيقة فعلاً كثير من أعضاء حزب التجمع شبه ضباط المباحث. والعسكري سمع أشرف بتعاطف ومسد له شعره واقترب منه على الدكة لحد ما حط يده على فخذه فقام آخر في ملابس مدنية من على الدكة المقابلة، لكم العسكري وقال له: قم يا خول. والعسكري قام وهو يتأوه ويضحك ضحكة مائعة، كان يمسك مكان اللكمة في وجهه. الرجل غمّى لأشرف عينيه بقماشة سوداء وحط له كرة شراب في فمه. أدخلها لآخر حلقه فعملت له مشكلة في بلع ريقه وغثياناً شديداً والبوكس يتحرك بسرعة عكس اتجاه السيارات، لحد ما تمكن من إبعادها عن المكان الذي يعمل له الغثيان بفكيه وبدأ يتنفس بعمق من أنفه. كان تأثير الكرة الشراب أنه هدأ تماماً وسكت عن الكلام والحركة لحد ما أخذوه لحجرة في قسم قصر النيل وفكوا يديه ونزعوا الغمامة ولما بقيت الكرة الشراب في فمه سألوه أنت مبسوط بها في فمك؟ فأخرجها وهو يبلع ريقه ويأخذ نفساً ويسعل وكانت مبلولة ومقرفة، فَهِمَ أنهم قرفوا من أن يخرجوها له. أعطوه سيجارة كيلوباترا سوبر وكباية شاي ثقيل وأجلسوه، وبعد ساعتين جاء ضابط من خارج القسم شكله ابن ناس ولا يتكلم. أشرف فَهِم من تصرفاتهم أنه شخص مهم، ولما أخلوا لهما الحجرة انبطح يبوس رِجله وترجاه أن يتصل بالباشا الكبير. الضابط ركله في رأسه ليبعده وهو يقول: الباشا الكبير عارف أنك هنا يا بن الشرموطة. كان صوته في منتهى البرود وهو يركله، كل عضلاته ثابتة. وكانت هذه الجملة الوحيدة التي قالها له الضابط ابن الناس قبلما يختفي، الظاهر جاء ليتعرف على وجهه ويذهب. أشرف قال لي إنه خاف أن يذكر اسمي لأني كنت حذرته لكني شككت. قال إنهم قبلما يدخل الليل كانوا ربطوه وشغّلوا الكهرباء. حطّوه في شقة بدروم قريبة من القسم وشغلوا الكهرباء في دماغه وخصيتيه وقدميه وهو يترجى ويقول إنه مستعد لأي شيء. ثم كتّفوه وهو عريان بعدما بال على روحه وواحد جاء بنصف عصا مكسورة أدخلها فيه من تحت لحد ما جرحه وثبّتها في شرجه. هزه وهي متدلية ليضحكوا على منظرها لكن بعدها فك الرباط وخرج يشتم ويضحك. سألتُه: فاكر شكله؟ فقال: أطلّعه من وسط مليون. بعدها خرج الباقون وفاتت مدة طويلة من غير لا أكل ولا نور وهو مرمي على الأرض. سألته عن نصف العصا فقال إنها وقعت من نفسها. فات يوم بليلة أو أكثر ولا أحد يجيء ولا صوت. لكن ثالث يوم لما أفاق ولبس هدومه الوسخة بصعوبة من شدة الوجع والحرق سمعهم من وراء الحائط يتكلمون عن مظاهرات جامدة جداً في المحلة الكبرى. واحد منهم شخر وهو يقول: أولاد المتناكة كانوا عاملين دعوة للإضراب العام على الفيس. أشرف قال لي إن الرجل شخر مرتين، مرة قبل الإضراب العام ومرة قبل الفيس. سأل نفسه مال فيسبوك ومال المحلة الكبرى. وشك أنه يهلوس لأنه مفكك من بعضه وشرجه كأن نصف العصا مازال فيه والكهرباء تكتم نفسه كلما ذكّره ألم العضلات، لكن رجع تأكد لما تحامل على نفسه وزحف للحائط فسمع الرجل يقول: التاريخ كان ٦-٤. وسمعهم يقولون إن العيال الذين أُخذوا من ميدان طلعت حرب ليسوا هم المقصودين ولا مانع أن يرجعوا منازلهم. ثم حل صمت مؤقت والأول الذي شخر رجع يقول: إضراب عام على الفيس. فكّر أن ينادي عليهم ليترجاهم في الرجوع لمنزله لكنه اكتشف طرقة في آخرها سلالم معدنية تؤدي لباب خلفي مفتوح فعلاً، وبمجهود خارق طلع من العمارة يعرج ويدعك عينيه في النور. لقي نفسه في جاردن سيتي ثم في شارع قصر العيني وظل يعرج وهو يلهث كأي مجنون سرّحوه من مستشفى العباسية لحد ميدان التحرير. قال لي: كانت رحلة تاريخية. كانوا قالوا له لو تكلمت مع أحد أنت حر. فأكل وغير هدومه في شقة واحد صاحبه في شارع محمد محمود من غير ما يحكي لصاحبه. حتى لما انهار وبكى ظل صامتاً. وكان سيجيء لي في ساعتها لكن غلبه النوم وأول ما صحا جاء يحكي لي. دمّع من جديد وهو يقول بتمسكن: هذا جزائي يا باولو؟ قلت له إنه رجل ولا أحد يعلّم عليه، وناولته سيجارة حشيش نظيف كانت ملفوفة جاهزة يدخنها لوحده. القط طلع من مخبأه على رائحة السيجارة وقلت لأشرف: أصل سلطان صاحب مزاج. قطي الأسود اسمه سلطان. وضحكت من وراء قلبي لأني مشغول بحاجة مهمة ستحصل في الشقة التي اشتريتُها باسم عيّل ثان وسط منطقة خلاء في القاهرة الجديدة – سعيد عطوة الثخين الأعور، الغبي الذي اتفقت معه أن أشتري له شقة مقابل استخدامها من وقت لآخر، من حوالي سنة، ومن ساعتها وهو يهدّد الناس بأمن الدولة ولا يتورع عن ذكر اسمي: وديع بيه وبّخني بسببه – وكأن القط ذكّرني أنها الآن فقط تفيق. تليفونها مسروق ولا تليفون أرضي والباب مقفول والشبابيك كذلك وهي أصلاً في عمارة شققها فاضية وسط خلاء القاهرة الجديدة. واحدة تقضي ليلة مع حبيب قديم يصورها وينام معها ويسقيها نبيذاً، ثم تنام في حضنه وهي لا تعرف أن في النبيذ منوماً قوياً ولا تصحو إلا بعد أكثر من أربعة وعشرين ساعة. يا ترى أكلتْ من الطعام الذي تركتُه لها؟ وعطوة الذي بات عند أخيه في عين شمس، هل بان عليه أنه سيرتكب جناية في اليوم التالي أو يعني ينفذ عملية مهمة لصالح أمن الدولة كما يَعتقد؟ قلت لأشرف: وأنا الذي ظننت فيك الظنون. وبششت في وجهه وهو يدخن. كنت أقول لنفسي لو طلع أنك قلت اسمي يا أشرف سترجع مكان ما كنت ولا تخرج من هناك إلا على مقابر الصدقة، عارف مقابر الصدقة؟ لكن كنت مشغولاً بفزعها الذي قطع ما بيننا للأبد، أصعب حاجة ليس أني لن أنام معها ولكن أني لن أصورها مرة ثانية. وبعدما ضاحكتُ أشرف ضممته من كتفيه وقلت له: سآخذ لك حقك. عرفت منه تفاصيل الشخص الذي أدخل فيه العصا ثم عملت تليفون قدامه سألت فيه لو اسمي جاء في وقائع أمن دولة في الأيام الأخيرة ووُعدت برد سريع. حاولت أن أوحي لأشرف وأنا أتكلم أن الغرض من المكالمة هو البحث في ما جرى له. ثم أعطيته خمسمئة جنيه وقلت له: روّح. كان ينظر للفلوس ويتنهد وكأنه يقول إن ما جرى له يساوي أكثر. وكنت على وشك أن أضربه على وجهه لما خرج بسرعة يهمس لي بطريقته المخنثة: ماشي. بعدها بربع ساعة ذهبت للمكتبة، فتحت بالمفتاح ونزلت على غرفتي في الظلمة طلّعت الطبنجة من الدرج المقفول. عمّرتها ولمعتها بقماشة العدسة ثم أسقطها من غير ما ألمسها في الشنطة التي كنت تركتها هناك وهي داخل كيس بلاستك من ساعة ما لمعتها هي الأخرى. كان في الشنطة هذه تليفونها وفردة حذاءها وخمسة آلاف جنيه، أسقطت الطبنجة على الوجه ليجدها عطوة أول ما يمد يده. عندي ثلاث قطع سلاح أتركها في هذا الدرج مع ما يتوفر دورياً من ذخيرة ٩ مللي: فرد ميري ماركة حلوان وقطعة بيريتا أصلية إم-٩ ٥١ إيطالية الصنع، تقريباً مطابقة للفرد لكن أدق وأسرع، ثم المسدس الكِل-تِك بي-١١ الصغير – من أحدث وأخف الأسلحة الأمريكية – هدية وديع بيه التي أتفاءل بها ولو عُزْتُ أستعمل طبنجة لا أستعمل إلا هي. ليلتها طبعاً أخذت الفرد الميري. وكنت أفكر كيف سأستبدله وأنا في طريقي لقهوة فيينا في شارع قصر العيني على بعد ربع ساعة مشي. اخترت الركن الفاضي لأقعد وطلبت قهوة سادة، بن ثقيل. الحزن داخل علي. وفكرت أن أحسن حاجة في الظروف هذه خط كوكايين ينزع الستارة السوداء من قدام وجهي بعنف. لكن لو بدأت من يعلم متى أنتهي وأنا أصلاً لا عندي ولا معي أشتري. كلّمت عطوة وصوتي مدفوس في كمي وقلت له أن يقابلني في دار سيرين للنشر. مكان آمن كلنا نتردد عليه. كان صوته مضطرباً وهو يسأل عن السلاح. قلت له إن كل شيء جاهز وإنهم مبسوطون منه. ثم شربت القهوة على مهلي وتلكأت للتحرير لأن عطوة مشواره طويل والقعدة في دار سيرين ليست دائماً ممتعة. الستارة السوداء أغمق وأنا طالع على سلم العمارة في أول شارع قصر النيل، ولما شفت نفسي في زجاج وراءه أبلكاش تذكرت حدبتي وبشرتي التي تشبه الخشب المقشّر ووزني الزائد ثم الطيبة التي بدأتُ بها حياتي في أماكن مثل هذه مع الفتيس ونايف. تذكرت أني لما جئت دار سيرين أول مرة سنة ١٩٩٩ أو ٢٠٠٠ كان فيه قحاب يضحكون علي. ولأن نايف والفتيس في بالي تحسرت على نايف. كان الحزن ملكني كلي، لدرجة أني سألت نفسي لو كان لمشكلتي مع عطوة حل غير هذا. كل مرة يكون الموت محزناً أكثر من المفروض. الشر لا في الحاجات ولا في ضرورتها. الشر مجرد نسيان أن الحاجات الضرورية ليس المفروض أن تكون محزنة. كنت وقفت على السلم والآن أفقت على شاعر مسطول أخذني بالحضن، يقولون عن كتابته جيدة. قال إنه مفتقد كتابتي ولم أحس بضرورة أن أُعلمه أني بطّلت أكتب من عشر سنين. المودة في دار سيرين مثل الزلط في موقع بناء. ومن قبل حتى ما أتفقد الموجودين بحثاً عن عطوة، كان في يدي زجاجة بيرة وفوق رأسي روائي شاب لا أعرفه يبوسني من الخدين. لقيت عطوة في الطرقة يدردش مع السكرتيرة المحجبة وفي يده بقية سيجارة ملفوفة. دائماً يصدمني ثخنه وبشرته الرمادية وغلاظة ملامحه والتعبير الذي يعطيه لوجهه البياض الوسخ هذا الذي ينفرد بعينه كلها. عطوة عنده عين من غير بؤبؤ لا يشوف بها. لكن لما تخيلت عبث اللحظة الأخيرة في حياتها – لا شيء غير هذا الوجه وثلاث طلقات في الدماغ – رجع إحساسي بالكوميديا وغالبت الضحك.
هو كأنه ارتجف أول ما شافني. والسكرتيرة جاءت تسلّم ثم انشغلتْ مع شخص ثالث في آخر الطرقة. أنا ناولته الكيس البلاستك وأنا أقول له بصوت عال: ها هي الكتب التي طلبتها، ثم همست: خذ تاكسي ولا تفكر مجرد تفكير في فتح الشنطة إلا وأنت في البيت وجاهز للتنفيذ. ووضعتُ على وجهي نظرة واحد لا يمزح وأنا أقول له بصوت عادي: رن لي أول ما توصل. وبقيت في مكاني لحد ما سلّم على الناس وخرج. ليلتها استمتعت بقعدتي القصيرة مع الشباب في الدار. لم أكمل زجاجة البيرة لأن البانجو كان حلواً وكثيراً، وكنا نناقش رواية بهاء طاهر واحة الغروب لأنها فازت بجائزة البوكر العربية في أبو ظبي في أول دورة لها الشهر الماضي. البوكر العربية هذه كانت الناس متحمسة لها بشكل غريب. وكنا متفقين أن واحة الغروب أسوأ روايات بهاء على الإطلاق وأن رواية مكاوي سعيد تغريدة البجعة التي كانت معها على القائمة القصيرة أحق منها. لكنه شيء جيد أنهم أعطوا أول جائزة لكاتب محترم مثل بهاء، يعني مهم لمصداقيتها. والروائي الذي كان يبوسني لما سمع الكلام هذا بدأ يشخر من غير سبب وبعد كل شخرة يضحك لوحده. كان يقول: يا رجل بلا بوكر بلا بهاء. لاحظت لأول مرة أنه طويل جداً ورفيع جداً ولون بشرته غامق بدرجة ملفتة. والبانجو جعل الكلام بطيئاً ومضحكاً لحد ما واحد قال بمنتهى الجدية: صحيح هم عندهم كلام كويس في الإمارات لكن الحقيقة تغريدة البانجو أحسن من واحة البجعة. وكان الروائي الذي يشخر بدأ يبكي ونحن ينقطع نفسنا من الضحك. هو الآخر منظره كوميدي وجذعه الرفيع الطويل جداً هذا ينثني وينفرد وهو نصف جالس على حافة الكنبة كأنه كبوت سيارة. ثم قام على حيله وهو يبكي وقال إنه طالع السطح. وفعلاً طلع السطح وثلاثة طلعوا وراءه. كان سيرمي نفسه من فوق وهو يشخر ويبكي. أنا قلت للذي جنبي وأنا أناوله السيجارة قبلما أقوم: فعلاً يا أخي تغريدة البانجو أحسن من دماغ البراندي المحلي هذه، يخرب بيت الأدب. لأني استغلّيت الفرصة لما خرجوا ليلحقوا الروائي فخرجت وراءهم ومشيت من العمارة بسرعة قبلما يلح علي أحد في البقاء. في الشارع رن لي عطوة فكلمته مباشرة وأنا على رجلي. قال إنه على باب الشقة وقلت له: قشطة عليك يا بطل، ميعادنا بعد نصف ساعة من الآن. من البيت كلمت صاحبي الضابط الذي لي فترة أُخبره عن جنايات تفيده مقابل خدمات كثيرة يعملها لي، وكنت قلت له أن يحط عينه على الفنان الشاب سعيد علي السرساوي عطوة. من غير سلامات الآن قلت له: فاكر جريمة القتل التي حكيت لك عنها من يومين؟ طلعت الحكاية بجد يا باشا. جاءتني معلومات مؤكدة من دقائق وهي ذي فرصتك لتتحرك. العنوان معك؟ طيب، خذ قوة حالاً وستضبطه متلبساً وحلال عليك الترقية. اسمع يا باشا. هو سيهلفط بكلام كثير ويقول لك أني متورط معه وحاجات من هذا النوع. أي حاجة إلا أن يجيء اسمي في التحقيق معاليك. أنت عارف… وبعدما طمأنني شربت ربع زجاجة ويسكي كان باقياً عندي مع قرصين فاليوم وأنا أسمع أغنية جفنه علّم الغزل ثم قفلت التليفون ونمت. لما صحوت بدأت أدوّر على التوكيل الذي كان عطوة عمله لي ونسخة عقد شقة القاهرة الجديدة وأوراق أخرى كان المحامي طلبها ليبدأ إجراءات بيع الشقة: ابن القحبة سيأخذ ثلث ثمنها. كنت نسيت حكاية أشرف. لما فتحت التليفون لقيت موظف وزارة الثقافة الذي كلمته البارح قدام أشرف ووعدني برد سريع مكلمني. وتحمست لكن عملت قهوة ثقيلة قبلما أرد له المكالمة. قال لي إن اسمي لم يجئ في شيء. وأفهمني أنه عارف: عيل شغال معي تبهدل في قسم قصر النيل، لكنه لم يقل شيئاً عني وهم تركوه يهرب ثالث يوم. ساعتها عرفت أن أشرف موثوق فيه. وقلت لموظف وزارة الثقافة: طيب كان فيه واحد حط له حاجة من تحت والولد صعبان عليه نفسه، ممكن يعتذر له ولا صعب؟ قال لي إنه سيجري اتصالاته ليرى وذكرني بفنانة الفيديو التي كنت وعدت أن أعرّفه بها على أساس أنه أيضاً فوتوغرافي شاب. كنت أعرفها جيداً من خلال نشاطات المكتبة وهي بنت رجل أعمال معروف هو في الحقيقة تاجر سلاح. قلت له: خلال أسبوع يا معلم، قشطة؟ في ما بعد، والأخبار تتوالى عن إضراب عمال المحلة وجهود التضامن ثم وقفات شباب ٦ أبريل الاحتجاجية بالملابس السوداء في صفوف على الأرصفة، كل واحد يقرأ القرآن أو الإنجيل في صمت، والتقارير تصلني عن الاعتقالات وحملات الاغتيال المعنوي، كان مترينانكا صاحبي القبائلي الأفريقي في بالي؛ أول ما أغمّض أرى أسنانه: المكعبات. هو الوحيد الذي يعرف أني لا أهتم. أخبار تحقيق ومحاكمة سفاح القاهرة الجديدة هي التي تهمني: شاب من عين شمس خريج فنون جميلة يختطف سيدة مجتمع شابة أم لأربعة ويحتجزها يومين في شقة في منطقة معزولة ثم يقتلها بثلاث طلقات في الرأس من سلاح ميري مسروق، لا لشيء إلا ليأخذ تليفونها المحمول وخمسة آلاف جنيه؟ والغريب أن الحكاية عدّت على هذا الأساس ولا أحد فكر يبحث أكثر. كان زوجها المذهول يؤكد كلام مقدمي برامج التوك-شو عن بشاعة الجريمة وتفاهة دوافعها وضرورة الإعدام… وأشرف لما جاءني مرة ثانية كان الرجل المعروف باسم صلاح نصر ينتظره. أخذت أشرف بالحضن وأدخلته عليه ثم فتحت مطواة ناولتها له. ومن غير كلام ضربت صلاح نصر على وجهه وهو قاعد. ثم وقفت أتفرج وهو يقوم وينحني ليزيح اللباس عن مؤخرته والعيل المخنث الذي اسمه أشرف يحفر في اللحم البارز خطاً عميقاً بالمطواة ثم يخطو للوراء ويتفرج قبلما يخبط على ظهر الرجل إيذاناً بأن يرفع البنطلون.
كلام باولو بن بغاغو من الذين في ميدان التحرير: يوم ٦ أبريل ٢٠٠٨ بالليل فريدة جاءتني في المنام. أنا عامر محمد أبو الليل، جاءتني فريدة منصور التتش في المنام. وقالت لي إنها محتاجة الأورجازم معي وأحلى شيء أن أصورها. هذا كان في بداية المنام، في طرقة دار سيرين والسكرتيرة المحجبة واقفة معنا. ناولت فريدة كيس بلاستك فمالت علي وهي تهمس في أذني وبهذا الكلام كلمتني. بعدها كنت في قهوة فيينا في الركن الفاضي وهي آتية علي، لكن كأن شارع قصر العيني ثعبان وقهوة فيينا رأسه وأنا قاعد في الرأس وفريدة آتية علي من عند الذيل من بعيد. وكان ورائي فراغ كأنه الفضاء الخارجي حيث يفتح فمه الثعبان وتنتهي الدنيا التي نعرفها أنا وهي والآخرون أيضاً في المنيرة وجاردن سيتي والتحرير في وسط البلد. فريدة كانت آتية على قدميها ماشية مشياً وسط الشارع. والعمارات التي هي أحشاء الثعبان كانت تتراقص من حواليها فترى العمارة تنثني وتنفرد قدامها أو وراءها مثل كوبرا عملاقة وهي ماشية. وكانت مع أنها بعيدة وحجمها صغير في المنظور وجهها في وجهي أيضاً كما يكون حجمه لو هي قاعدة معي أو أنا راقد عليها. الدنيا مطاطية داخل هذا الثعبان كأنه لا صلب ولا سائل ولا غاز، فقط هذا المطاط الذي فيه كل شيء. وفريدة آتية فيه. وكنت أنتظر أن أرى على وجهها التعبير الذي أحبه هذا الضيق الطفولي الذي أحبه لكنها بجمود تنظر وتتنفس بانتظام مع تراقص العمارات وزلزلة الأسفلت وأنا قاعد. ولما اقتربت كنت أنادي عليها وكأني أكلّم وجهها الذي قدامي بلا صوت أقول لها إني جاهز لتصويرها الآن. كانت تنظر والجمود على وجهها أيضاً لما اكتشفت أني فيها وهي تحتي أرهز وأقول لها يجب أن نموت الآن. والأورجازم كان يورّد وجهها وهي لا تتكلم وكانت في الوقت نفسه آتية علي وأنا قاعد في قهوة فيينا والعالم المطاطي في شارع قصر العيني كأن القيامة قامت فيه في جسم الثعبان. بعدها راح وجهها من قدامي وبقيت خطوتها وقد اقتربت وهي آتية، شكاً شككت في شكلي وبدأت أبحث عن مرايا لأني أشك أن لي وجه أسد وليس وجه إنسان. لكن لم تكن مرايا في قهوة فيينا كلها والثعبان في الفضاء الخارجي يتلوى. ميلاً تميل العمارات وفريدة آتية. ثم كانت مقرفصة على حشيش أخضر وذراعها فوق رأسها على شكل مثلث يبرز نهدها. وكانت الخلفية من فوق الحشيش سماء بسحاب مختلفة ألوانه وبين فخذيها حشراً محشورة بين فخذيها تفاحة خضراء. كنت مقرفصاً من قدامها وعلى عيني النايكون لكن ليس تحتي حشيش ولا خلفي سماء. وفريدة تحولت لكارت بوسطة في يدي وعلى التربيزة التي قدامي مسدس كِل-تِك بي-١١ وعلبة كبريت. بعدها جاء القهوجي وفتحت فمي لأطلب قهوة سادة مع سيجارة بانجو منجاوي  أشعلها بالكبريت. ولوح شيكولاتة أيضاً طلبت لأني أكون جوعان وأريد شيئاً مسكّراً بعدما أشرب بانجو. لكن لما تكلمت خرج من فمي زئير وكان الزئير مخيفاً وزاد تراقص العمارات التي تمشي في وسطها فريدة. وساعة ما تأكدت أني أسد عرفت أن الثعبان الذي أنا في رأسه سيبصقني للفضاء الخارجي لأني أسد وهو لا يحب أن يقعد في رأسه غير إنسان. كان المهم أن ألحق أكلّم فريدة قبلما يبصقني بصقاً. ويظهر في وجهها شيء غير هذا الجمود أو يخرج منها صوت مرة ثانية بعدما ترى أني أسد. وتذكرت أنها لما همست لي في طرقة دار سيرين كانت تنظر بجمود أيضاً. وكان الأورجازم يورّد وجهها وأنا أرهز لكنها آتية من بعيد من ذيل الثعبان. أخيراً لما رجع وجهها بحجمه كما لو كانت قاعدة معي قالت لي إن أحلى شيء أن أصورها فعلاً وإنها ممكن تموت الآن بشرط أن يكون معي الأورجازم. وحزن أسود دخل علي مثل ستارة غامقة وأنا أسحب البانجو على صدري وأكتمه وكلما حاولت أن أتكلم سمعت زئيراً مخيفاً وزادت القيامة القائمة في شارع قصر العيني في وسط البلد. حزناً حزنت لأني أسد ولأن الثعبان سيبصقني وفريدة تنظر بجمود وهي مقرفصة على الحشيش وذراعها فوق رأسها ونهدها الجميل بارز في نقطة موازية للتفاحة الخضراء التي بين فخذيها. بعدها جاء شيء كالعاصفة ولكن بالعكس يعني لا يدفع بل يشد. وسحباً سحبني هذا الشيء من وراء كأنه عاصفة لكنه مثل دوامة يسحب بقوة الكهرباء ولا يشد. وكنت أزأر وأزأر وكنت أسداً طائراً في الظلام ثم كنت نائماً في طرقة دار سيرين وفريدة نائمة في حضني تتنفس بهدوء وهي لا تعرف أني تحولت لأسد. وكان رأسي أكبر من رأسها بخمس مرات وأنا أفتح فمي لأتكلم فيختفي رأسها كله في فمي. ولما عرفت أن الحكاية انتهت عند هذا الحد رحت في النوم داخل منامي وكنت أعرف أني نائم مرتين. لأسفل حركت فريدة، لأجنّبها أنيابي. وكنت أتثاءب بصفة أسد داخل ثعبان وغوصاً أغوص في النوم…

8 responses to عيّل علّموا عليه

  1. […] Another extract from Youssef Rakha’s باولو [Paulo], recently acquired by Dar Al-Saqi, the second novel in a planned trilogy and the sequel to التماسيح (Dar Al-Saqi, 2012) [The Crocodiles]. The novel takes the form of fifty nine sequential blog entries numbered in reverse (i.e. starting with 59 and ending on 1), authored by the eponymous Paulo, one of the central characters from The Crocodiles, now an ex-poet, a figure on the independent cultural scene, a revolutionary and a covert operative for the shadowy Wadie Bey, who narrates his adventures in revolutionary and post-revolutionary Egypt. This extract finds Paulo addressing his much-abused cat, Atrees. […]

  2. […] Another extract from Youssef Rakha’s باولو [Paulo], recently acquired by Dar Al-Saqi, the second novel in a planned trilogy and the sequel to التماسيح (Dar Al-Saqi, 2012) [The Crocodiles]. The novel takes the form of fifty nine sequential blog entries numbered in reverse (i.e. starting with 59 and ending on 1), authored by the eponymous Paulo, one of the central characters from The Crocodiles, now an ex-poet, a figure on the independent cultural scene, a revolutionary and a covert operative for the shadowy Wadie Bey, who narrates his adventures in revolutionary and post-revolutionary Egypt. This extract finds Paulo addressing his much-abused cat, Atrees. […]

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s