أنا وأنت، أنتنا، أننت – سركون بولص
الضفدع الغضبان الذي أفتح منه حاوية الملفات
بنقرة لا تحَس على سطح افتراضي
يرغي ويزبد حال يلامسه السهم
السهم الصغير الذي يساير أنملتي مللي بمللي
كأن عصباً يربطهما يَشْغَل أبعاداً
أعقد من أن يدركها استيعابي الهندسي
الآن يتوارى خلف الهَبّة البرمائية
لمخلوق لا يمتد في الفضاء
ولا ترجف أطرافه بالشهوة
ليس في كونه ضفدعاً سوى خدعة منظور
ضوء وظل
ينتفش في وجهي أخضر ثائراً
فأكاد أجاوب الوعيد في عينيه
وأراك مكانه بحجم عقلة إصبع
صوتك متراكم النغمات في دبيب ذراعك
عود ثقاب يقول كل شيء
لكنني أتذكر أن الضفدع نفسه
مجرد «أيقونة» على سطح المكتب
منزوعة الملمس والرائحة
ولا تستطيع أمام طاقة الدفع هذه
أن تصنع أي شيء
*
في غرفتي حين تلجّ الميكروفونات
بصلوات طويلة يسمونها التراويح
فأتذكر أنه بَعد الُمتمّ لشعبان
لا تدخين خارج البيت
ولا ملاذ من قذائف صغيرة
سيطلقها الأطفال في شارعنا
تبدو الشاشة الراجفة بإيكولوجيا الضفادع
عوضاً جديراً عن أي سطح بدونك
يمكنني أن أحفر كوعيّ في عرصاته
وإذا لكمته أشعر بالوجع
في غُرَّة رمضان يوم المغادرة
خلعت الزجاجات الخضر شارات «ستلا»
عن أجساد ستضجر بسوائلها
طوال ثلاثين يوماً لا يُسمح بشم الهواء
أحيت «الكلكسات» موكباً مهرجانياً
نكايةً بالفَسَقَة أمثالنا
لكن مراسم الاحتفال كانت أشبه
بمعركة بذيئة في حي عشوائي
جُبلتُ على الإقامة في جواره
ضاق القمر المدوّر كالفطيرة
ولم يبشّر الزجاج المهشم على العتبات
بسَكينة محتملة
أعرف أنني قبل هذا النهار
اكتملت أعضائي
وكنت صحيحاً ورائعاً
حتى أنني جرؤت على حذف بعض «الملفات»
معلناً بداية هولوكوست في دماغي
لشعب آخر مختار
غيرتُ ألوان القوائم وحجم الحروف
وصرخت في ضفدعي المذعور على شاشته
أن يعمرّها بمفرده لو يشاء
كانت الفرحة برتقالاً رغم أنفك
حين راق ظهري قرب بحر صغير
ورأيت الهرم فوق كتفك بعيداً جداً
لم أجد صعوبة في إغلاق الشيش
ليتصبب ضوء الصباح من مسامه
إلا لأنني نسيت أن أفك الشنكل
الشنكل الذي أشرفتُ على تركيبه شخصياً
ليلة نصبنا سكنانا هنا للأبد
في ذكرى سيتسنّى اختراعها دون جهد
مع شاي يديك حين انقسمنا
لأول مرة في التاريخ ما بعد الاستعماري
كنتُ مضطجعاً على كنبة تخصني
وأنت zigzag ممدد عبر كرسيين
رقاقة ظننت من سمكها أنه يمكن طيها
في جيبي الخلفي
لتكون جوازي إلى هناك
مجرد رقاقة
هي كل ما أطالب به الدنيا
في العتمة ألوانها لم تقل لي
إن الغرفة التي نؤوب من بلكونتها
خيمة غجري
*
لن أخبرك بأنني منذ التقينا
ما عاد لي صبر على ترجمة الحواديت
قرب مقهى ملتبس الهوية في «الزمالك»
كان كَفّي في ذراعك مغارة
لكن عدد «الحرامية» أكثر من أربعين
وأنا لا أريد أن أكون علي بابا
ثمة أمير رافق الموت مدة
ليُخرِج له الموت من بطن الأميرة تنيناً
لم يكن قد شك في وجوده
كل هؤلاء الفقراء سيصبحون ملوكاً
شرط أن يمتثلوا لاختبارات
ليس لله نفسه القدرة على اجتيازها
لن أخبرك بأنه وكَفّي في ذراعك
ثمة مَن يحلم أثناء عرس أخته
بضب أغراضه لبيت الزواج
وإلى أن أترجم حدوتة مليئة
«بالسكربينات» و«الجزادين»
«كلسات» لابد من دفسها في «الشناتي»
و«كبوط» من الفرو أيضاً
خليق بمناخاتك الباردة
سيكون علي أن أتململ أمام الشاشة
لتظهري وحيدة بحجم عقلة إصبع
خطواتك السريعة المثابرة
ووجهك الواشي بجدية المعلمات
لحظة ينفك سحر العجوز القبيح جداً
فيصير شاطراً ليس في حسنه وجماله
يصبح بريق عيني طفلة
تعيد اكتشاف المشي في الممر
قدماها الحافيتان قطرة
في بحر فردتي حذاء
الحواديت تتكرر
وثمة دائرة كالكون
قطرها دمعة ستُذرَف في الشتاء
*
وأنت أول الأمر جلد على عظم
لم يكن لقماش فستانك نفس النعومة
لعلني انتظرت ملمساً مغايراً
ما كدت أقنع أن هذا العضو متناهي الوداعة
الأطرى من فُلة وليس أكبر كثيراً
خرج من طياته طفلان
وإلى أن شعرت به يستميت
ممعناً في عصيان أمرك بالانتظار
دونما يبتعد خجلك عن قوائم السرير
ولا حاجتك هذه التي تميتني
إلى إرادة فوق إرادتك
ثم يغلبك آخر الأمر مخلّفاً عقصة هزيمة
تليق بوجهك الموسيقي
كنت حائراً في تأويل النشيج
وضربات قبضاتك على كتفيّ
ضوء بلا ظل يلمّنا
ذكرني بأسطح المنمنمات
الغائص سحرها في الحزن
ولم أرد شيئاً سوى أن أظل مشتاقاً إلينا
أنا وأنت
في العتمة هذه
يوم نزفت يداي على قماش الفستان
*
الآن مع ضفدعي جلوت الحاوية
عن الطعام المتاح من صور أو نصوص
بالكاد تقيم أود القبائل المشردة وراءنا
مثل رُحّل ما بعد حداثيين ينقّبون في الصحارى
عن ينابيع لا تظل شخصية حتى النهاية
يستدعي طريقنا خطوط الأغاني (أو دروب الأحلام)
أقصد المسارات الموسمية التي يتبعها السكان الأصليون
للقارة الأسترالية
مغنين مثلنا بلغات نصف حية
هكذا مع ضفدعي اعتدت أن أقود جحافل
تتكاثر باطراد ولا تشبع أبداً
دونما تعرف دائماً أي بقعة من «القرص الصلب»
يجب أن تُغير عليها
حريصيَن على رصد معدلات الآبار
ودرجة انحدار الأرض
أن الشَمَال في خرائط الإدريسي أسفل البوصلة
أن الوجه المخبّأ في المنمنمات هو النبي
أن الهلال أصلاً راية سبأية
مؤونة القبائل وحسرة فراقك
كأن الضفدع في ضلوعي يحتضر
كأن حية في السهوب لا تسعى على ترقوة
مبذورة بالشامات
*
لكي أغيّر جواً يغص بالنقيق (هذا المستنقع الآسن)
أجرجر جعبتي على سلالم عمارتنا بعد الإفطار
متناسياً أن للدفتر الأحمر المائل على جدارها
حجم أسودك وماركته
وقبل أن تطوقني كتيبة الانتحاريين
بالرشّاشات البلاستك و«البُنْب» العنقودي
أخط طريقي إلى الجراج على رصيف مكدس
يشبه صالون البدروم المطل عليه
ناوياً أن «أفوّل» في أول محطة
وأشد الحزام على صوت «عدوية»
لعل إنجليزيتك التي يذوبني نطقها تستوطن أذني
في الشوارع الدامسة «للمعادي»
لعل في انعكاسات الفتارين
طيف مخلوق برمائي قابلته تائهاً
وما كدنا نتعارف حتى صرنا صديقين
هناك بالقرب من عمودك الفقري
(ما كان يصح أن يجول بخاطرك أنني لم أنتبه له)
الحبيبات أسماك أو طيور
إما يُمِتنني غرقاً أو يوسّعن رئتي
والآن تحت ماء بركة أتدلى من حافتها
كيف يمكنني التنفس بهذه البساطة
أنت خرافية الجمال بالتأكيد
وإن رأى الناس في بلادنا غير ذلك
أنت الشيء الذي يبصره البدناء غليظو الملامح
حين يتأملون الشروق على الشاطئ
وقد باعوا أرواحهم لشيطان الأمل
*
هسسست الآن واسمعيني
برواز الضحية الذي يثير غثيانك
ليس سوى «شباك دردشة» جنب ضفدع غضبان
بك أو بدونك يفضي إلى أمنيات
الملهمات مَن نستمني على أشباحهن
ولا شيء في الدنيا أقبح
من فريسة لا تحتفل باصطيادها
الملهمات مثل مصاصي الدم يبتن في التوابيت
لكن العشق أنسب موضوع للكتابة
وليس أروح «للكيبورد» من غرام مؤجل
لأن الأثير رمادي بما يناسب
خمسة عشر عاماً من الاحتياج
الملهمات يمُتن مقدماً وأنت ستُقتلين
بدم بارد تحت ناموسية هفهافة
كان لابد أن تتوقي للصفع والسوقية
للإهانة المبللة بالحليب
كان لابد من سلخ هذا الجلد
وسبر ماورائه بسكين المطبخ
وصولاً إلى ثلاث كليات
أعصر أكبرها حتى أنتزع شهقة الولاء المطلق
في تمثيل أوبرالي لامتلاكك
أنت كلك على بعضك هكذا لست إلا
وبيدين داميتين وأسنان قادرة
على قضم أطراف شعرك المعرضة للتقصف
وإيداعها مخازن لا تشبع من عظامك
بيدين ليس أحن منهما خلف المحيط
وسط رشاش أحمر وأسود وoff white
وعرق لا يرد عشقَه هوسُ الإزالة
أثبّت انفلاتك في نقطة واحدة
لأسحبك من أذن لا يجب أن يضيرك
أن طرفها مدى العمر طابع بريد
كان لابد من كل هذه الأشياء
لأعرف في عينيك ذهول المهاجرين
وأسمع في بعض ضحكاتك فقط
مرارة ما ادخرتِه من موت
أسكّن أوجاع ضرس حالم بالانخلاع
في قصائدك
وأمارس أبوة حُرمتُها مرتين
ممزوجة بالشبق المباح
على التواءة وركين لهما ما لبطن الرضيع
من أمومة
لماذا كان لابد أن تروحي أيضاً
لأعود بعد هذا إلى ضفدعي الغضبان
أغريه بقوالب سكر رومانتيكي
لم تكن لتذوب في لعابك
أو بسحبة أنملة تستبطن الحنين
عليه أن يجد معي وسط شتات الجحافل
فتاة أسقطت السماد عن ظهر حمارها
هسسست اسكتي ولا كلمة
فتاة بوجه سارح على «زراعية» كالميناء
هرعت تاركة حملها الثمين حين انتصب الحمار
فأدركت أن في الدنيا أعضاء جنسية
وتعلمت أن تخبئ حياءها في الكتابة
وحده خوفها تلبّس خرائط
مازلت أحبو إلى مكاني في خطوطها
بديع
عادة
عار
شاحب
ملآن
ألفة النعوت شيء بدل لا شيء
لكنها لا تشبه احتضانك
ومن تصرخ أبسط الألفاظ من فمه الدقيق
بأنه جاء من حيث جاء أبي
عليه فعلاً أن يكون لي
أطمئن نفسي بأن كل هؤلاء الصاخبين حولك
ليسوا سوى التطور الانتقائي للسماد ذاته
السماد الذي جلست بجانبه تبكين
ولم يجئ سواي عبر غيط أراه فوسفورياً
ليشد من أزرك بتقبيل يدك
هسسست أرجوك اسمعيني
الألم ليس شرطاً معرفياً ليس ملوى لأوتار الوعي
الألم فقط ضرورة تقنية
لتلاصقنا الآن عبر قارتين
كان لابد أن نتألم كلانا
لكي أصبح بطلاً مجنحاً بالسيبرالكس
وتصبحي امرأة ناضجة وعملية
تلفظها المقاهي في الخامسة صباحاً
*
أحلم الآن أن ينام الضفدع
وأنا أطوي الشاشة حتى النهاية
فأشد الغطاء على كمبيوتر نعسان
وإلى حيث أحصل على منمنمة بديعة
من شاهنامة ضائعة
أنظر إليها وأندهش مثل راشد صديقي
في نهاية الركعة الأخيرة من صلاة الجماعة
حين يسأل
على من يسلم كل هؤلاء
فأخالنا أنا وأنت من شخوصها
رماة السهام والسلاطين
العشاق المطهمون مع ندمائهم
حصان باهر يطارد سحابة
طافياً في نقوش كأنها السجاجيد
داخل برواز لا يدّعي الاستقامة
ألوانه بقع من بشرتينا
ومن حولنا ذبذبات الخط الفارسي
مرتبكة الاتجاهات
فقط حياة لا يستبد بها المنظور
هي كهرباء الحركة الثابتة في المسافة
كأننا نقوش أصابتها طفرة جينية
فهجرنا أندادنا المتشبثين بالسطوح
وقبِلنا بدكنة الألوان في مكان آخر
المهم أن نتذكر
أن وجودنا لا يعتمد على التظليل
ولن يُنقص من شأننا أبداً
أننا ثنائيا الأبعاد
*
لتحميل ديوان “يظهر ملاك” كاملاً


![Reblog this post [with Zemanta]](http://img.zemanta.com/reblog_e.png?x-id=1517700b-4973-4870-b250-600e8e189b10)
Pingback: CREST: Heba Farouk Elnahhas (with lines from Ibn al Farid) | The Sultan's Seal